قصة الحضارة (66)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

بل قصد بها إلى أن تكون أنغاماً تسمعها الآذان ومن هذا الإهمال للكتابة نشأت ضآلة علمنا بالهند القديمة.

 

إذن فما هي أسفار الفيدا التي نستمد منها جل عملنا بالهند في مرحلتها البدائية؟ إن كلمة "فيدا"

 

معناها معرفة وإذن فسفر الفيدا معناه الحرفي كتاب

 

المعرفة، و "والفيدات" يطلقها الهندوس على كل تراثهم المقدس الذي ورثوه عن أولى مراحل تاريخهم،

 

وهي شبيهة بالإنجيل عندنا في أنها تدل على

 

أدب أكثر مما تتخذ لنفسها صورة الكتاب، ولو حاولت تنظيم هذه المجموعة وتبوبيها لأحدثت خلطاً فظيعاً،

 

ولم يبق لنا من الفيدات الكثيرة التي شهدها

 

الماضي إلا أربعة أسفار:

1- سفر رج ، أو معرفة ترانيم الثناء.

2- سفر ساما، أو معرفة الأنغام.

3- سفر باجور، أو معرفة الصيغ الخاصة بالقرابين.

4- سفر أتارفا، أو معرفة الرقى السحرية.

وكل واحد من هذه الفيدات الأربعة، ينقسم إلي أربعة أقسام :

1- إلى "مانترا" أو الترانيم.

2- إلى "براهمانا" أو قواعد الطقوس والدعاء والرقي لهداية الكهنة في مهمتهم.

3- إلي "أرانياكا" أو نصوص الغابة، وهي خاصة بالقديسين الرهبان.

4- إلى "يوبانشاد" أو المحاورات السرية، وهي تقصد إلى الفلاسفة

وليس بين أسفار الفيدا إلا سِفر واحد ينتمي إلى الآداب أكثر مما تنتمي إلى الدين أو الفلسفة أو السحر، فسفر

 

"رج" ضرب من الدواوين الدينية،

 

يتألف من 1028 ترنيمة، أو أنشودة من أناشيد الثناء يتوجه بها الناس إلى مختلف معبودات الآريين الهنود

 

- الشمس والقمر والسماء والنجوم والريح

 

والمطر والنار والفجر والأرض وغيرها ومعظم الترانيم دعوات واقعية في سبيل القطعان والمحصول وطول

 

العمر، وقليل جداً منها هو ما يرتفع إلى

 

مستوى الأدب، وبينها عدد ضئيل يبلغ درجة "الأنشاد" في رشاقتها وجمالها(92) بعضها شعر طبيعي

 

ساذج، كأنه الدهشة الفطرية يبديها الطفل إزاء

 

ما يرى، فترنيمة أخرى تدهش لماذا لا تسقط الشمس على الأرض سقوطاً عمودياً حينما تبدأ في الانحدار

 

، وترنيمة ثالثة تتساءل: كيف أمكن "لمياه

 

الأنهار كلها أن تثب فواره إلى المحيط فلا تملؤه" ومنها ترنيمة على أسلوب "ثاناتويسيس" قيلت على

 

جثمان زميل سقط صريعاً في ميدان القتال :

هاأنذا آخذ القوس من يد ميتة كانت تشدها

لتكسب لنا ملكاً وقوة ومجداً،

فأنت هناك، ونحن هاهنا، أعزاء بأبنائنا الأبطال،

سنهزم كل هجمة يوجهها لنا الأعداء،

اقترب من صدر الأرض، آمنا،

هذه الأرض الفسيحة الأرجاء العطوف بأبنائها،

هذه الشابة الناعمة كأنها الصوف المندوف تحت جنوب الأسخياء،

هاأنذا أضرع إليها أن تصونك من أيدي الفناء،

انفرجي له أيتها الأرض، ولا تضمي جسده ضماً ثقيلاً،

كوني له مثوى هينً، ومجديه بعونك الشفوق،

فكما تدثر الأم بالثوب ابنها،

كذلك دثري هذا الرجل أيتها الأرض.

وقصيدة أخرى (رج، الجزء العاشر ص10) عبارة عن حوار صريح بين الأبوين الأولين للبشر، هذين

 

التوأمين من أخ وأخته، "ياما" و "يامي" ،

 

فأما "يامي" فتأخذ في إغراء أخيها أن يضاجعها على الرغم من تحريم مثل هذا الاتصال الجنسي بين

 

أفراد الأسرة الواحدة، زاعمة له أن كل ما تريده

 

من الأمر هو استمرار الجنس البشري، فيقاومها "راما" على أسس خلقية رفيعة، وتحاول معه كل

 

ضروب الإغراء وتفشل، وأخيرً تصفه بالضعف،

 

والقصة كما هي بين أيدينا ليست كاملة، ولو أنه في مقدرونا أن نحكم كيف يكون تماماً من منطق

 

السياق، وأسمي أجزاء القصيدة قصة هائلة هي

 

"ترنيمة الخلق" وفيها ترى عقيدة وحدة الوجود مبسوطة بظلالها الرقيقة، بل ترى ريبة التقي

 

الورع، في هذا الكتاب الذي أقدم كتاب

 

 

الهند وجيرانها -> آساس الهند -> أسفار الفيدا باعتبارها أدباً

ظهر بين أشد الشعوب تمسكاً بالدين:

لم يكن في الوجود موجود ولا عدم، فتلك السماء الوضاءة

لم تكن هناك، كلا ولا كانت بردة السماء منشورة في الأعالي،

فماذا كان لكل شئ غطاء؟ ماذا كان موئلاً؟ ماذا كان مخبأ؟

أكانت هي المياه بهوتها التي ليس لها قرار؟

ولم يكن ثمة موت، ومع ذلك لم يكن هناك ما يوصف بالخلود

ولم يكن فاصل بين النهار والليل

و "الواحد الأحد لم يكن هناك سواه

ولم يوجد سواه منذ ذلك الحين حتى اليوم،

كانت هناك ظلمة، وكان كل شئ في البداية تحت ستار

من ظلام عميق- محيط بغير ضياء -

والجرثومية التي لم تزل كامنة في اللحاء

برزت طبيعة واحدة من الحر الحرور

ثم أضيف إلى الطبيعة الحب، وهو الينبوع الجديد

للعقل- نعم إن الشعراء في أعماقهم يدركون

إذ هم يتأملون- هذه الرابطة بين ما خلق

وما يخلق، فهل جاءت هذه الشرارة من الأرض

تتخلل كل شيء وتشمل كل شيء، أم جاءت من السماء؟

ثم بذرت الحبوب، ونهضت جبابرة القوى -

فالطبيعة في أسفل، والقوة والإرادة أعلى-

من ذا يعلم السر الدفين؟ من ذا أعلنه هاهنا،

من أين، من أين جاءت هذه الكائنات على اختلافها

إن الآلهة أنفسها جاءت متأخرة في مراحل الوجود-

من ذا يعلم أنى جاء هذا الوجود؟

إن من صدر عنه هذا الخلق العظيم،

سواء خلقه بإرادته، أو صدر عنه وهو ساكن،

إنه هو ربنا الأعلى في السماوات العُلى،

إنه هو يعلم السر- بل لعله لا يعلم من الشر شيئاً(94)

ولبث الأمر هكذا حتى أدركه مؤلفو أسفار "يوبانشاد" فتناولوا هذه المشكلات بالحل، وهذه

 

الإشارات بالتوضيح، فكان ما أخرجوه في ذلك أدل نتاج

 

على العقل الهندوسي، بل لعله أعظم نتاج أخرجه ذلك العقل.

الفصل السابع

فلسفة أسفار يوبانشاد

مؤلفو هذه الأسفار - موضوعها - موازنة العقل بالبصيرة البديهية -

أثمان - براهمان - من هما - وصف الله - الخلاص - تأثير أسفار

يوبانشاد - ما يقوله إمرسن عن براهما

قال شوبنهور: "إنك لن تجد في الدنيا كلها دراسة تفيدك وتعلو بك أكثر مما تفيدك وتعلو دراسة

 

أسفار يوبانشاد، لقد كانت سلواي في حياتي- وستكون

 

سلاوي في موتي"(95) فلو استثنيت النتف التي خلفها لنا "فتاح حوتب" (المصري) في الأخلاق،

 

كانت أسفار اليوبانشاد أقدم أثر فلسفي ونفسي

 

موجود لدى البشر، ففيها مجهود بذله الإنسان دقيق دؤوب، يدهشك بدقته وما اقتضاه من دأب، محاولاً أن

 

يفهم العقل وأن يفهم العالم وما بينهما من

 

علاقة، إن أسفار اليوبانشاد قديمة قدم هومر، ولكنها كذلك حديثة حداثة "كانت".

والكلمة مؤلفة من مقطعين "يوبا" ومعناها "بالقرب" و "شاد" ومعناها "يجلس" ، ومن "الجلوس بالقرب"

 

من المعلم، انتقل معنى الكلمة حتى

 

أصبح يطلق على المذهب الغامض الملغز الذي كان يسره المعلم إلى خيرة تلاميذه واجهتم إليه(96)، وفي الأسفار

 

مائة وثمان محاورات مما جرى بين

 

المعلم وتلاميذه، ألفها كثير من القديسين والحكماء بين عامي 800 و 500 ق.م (97)، وهي لا تحتوي على

 

مذهب فلسفي متسق الأجزاء، بل تحتوي

 

على آراء وأفكار ودروس لرجال عدة، كانت الفلسفة والدين عندهم ما يزاولان موضوعاً واحداً، وقد حاول

 

هؤلاء الرجال بهذه الآراء أن يفهموا

 

الحقيقة البسيطة الجوهرية التي تكمن وراء كثرة الأشياء الظاهرة، حتى إذا ما فهموا أنفسهم بها توحيداً

 

يحوطه إجلال الورع، وهذه الأسفار كذلك

مليئة بالسخافات والمتناقصات، وهي في بعض مواضعها هنا وهناك تتسلف الاتجاه الذي سار فيه "هجل"

 

فيما بعد بكل ما قاله من لغو الحديث(98)،

 

وأحياناً فيها عبارات غريبة غرابة الصيغ التي يستعملها "توم سوير" في معالجته للزوائد الجلدية عند مرضاه

 

(99)، ولكنها أحياناً أخرى تعرض عليك

 

ما قد تظنه أعمق ما ورد في تاريخ الفلسفة من ضروب التفكير.

إننا نعلم أسماء مؤلفي هذه الأسفار(100) لكننا لا نعلم من حياتهم شيئاً إلا ما يكشفون لنا عنه حيناً بعد حين

 

في ثنايا تعاليمهم، وأبرز شخصيتين بين

 

هؤلاء هما: "ياجنافالكيا" الرجل و "جارجي" المرأة التي لها شرف الانخراط في سلك أقدم الفلاسفة،

 

وقد كان "ياجنافالكيا" أحد لساناً من زميلته،

 

ونظر إليه زملاؤه نظرهم إلي مجدد خطر، ثم جاء الخلف فاتخذ مذهبه أساساً للعقيدة السليمة التي لا يأتيها

 

الباطل(101)، وهو يحدثنا كيف حاول أن

 

يترك زوجتيه ليكون حكيماً راهباً، وأننا لنلمس في رجاء زوجته "ميتريى" له أن يأذن لها بصحبته،

 

كم كان شغف الهند مدى قرون طوال بمتابعة

 

التفكير في الفلسفة والدين.

"وبعدئذ كان ياجنافالكيا" على وشك أن يبدأ لوناً جديداً من ألوان الحياة.

قال ياجنافالكيا: "ميتريى! انظري، فأنا على وشك الرحيل من هنا لأجوب أقطار الأرض، فأصغيا إليّ أنت

 

و "كاتيايانى" أقل لكما قولاً أخير".

وهنا تكلمت ميتريى: إذا ملئت لي هذه الأرض كلها الآن يا مولاي بالغني، أأكون بهذا كله بين الخالدين؟"،

فأجابها ياجنافالكيا : "كلا! كلا! يستحيل أن يكون الثراء طريق الخلود".

وهنا تكلمت ميتريي : "فماذا عساي أن أصنع بمال لا يخلدني؟ اشرح لي يا مولاي كل ما تعلمه"(102).

وموضوع أسفار اليوبانشاد هو كل السر في هذا العالم الذي عز على الإنسان فهمه: "فمن أين جئنا، وأين

 

نقيم، والى أين نحن ذاهبون؟ أيا من يعرف

 

"براهمان" نبئنا من ذا أمر بنا فإذا نحن هاهنا أحياء.. أهو الزمان أم الطبيعة أم الضرورة أم المصادفة

 

أم عناصر الجو، ذلك الذي كان سبباً في

 

وجودنا، أم السبب هو من يسمي "بوروشا"- الروح الأعلى؟(103)، لقد ظفرت الهند بأكثر من نصيبها

 

العادل من الرجال الذين لا يريدون من هذه

 

الحياة "ما لا يعد بألوف الألوف، وإنما يريدون أن يجدوا الجواب عما يسألون" ، فتقرأ في سفر "ميتريى"

 

من أسفار يوبانشاد عن ملك خلف ملكه

 

وضرب في الغابة متقشفاً زاهداً، لعل عقله بذلك أن يصفوا ليفهم، فيجد حلاً للغز هذا الوجود، وبعد أن قضى

 

الملك في كفارته ألف يوم، جاءه حكيم

 

"عالم بالروح" ، فقال له الملك: "أنت ممن يعلمون طبيعة الروح الحقيقية، فهلا أنبأتنا عنها؟" فقال الحكيم

 

منذراً: "اختر لنفسك مآرب أخرى" لكن

 

الملك يلح، ويعبر في فقرة- لابد أن تكون قد لاءمت روح شوبنهور وهو يقرؤها- عن ضيقه بالحياة، وخوفه

 

من العودة إليها بعد موته، ذلك الخوف

 

الذي تمتد جذوره في كل ما تطرب به رءوس الهندوس من خواطر وأفكار، وهاك هذه الفقرة:

"سيدي، ما غناء إشباع الرغبات في هذا الجسد النتن المتحلل، الذي يتألف من عظم وجلد وعضل ونخاع

 

ومنيّ ودم ومخاط ودموع ورشح أنفي وبراز

 

وبول وفساء وصفراء وبلغم؟ ما غناء إشباع الرغبات في هذا الجسد الذي تملؤه الشهوة والغضب والجشع

 

والوهم والخوف واليأس والحسد والنفور

 

مما تنبغي الرغبة فيه والإقبال على ما يجب النفور منه، والجوع والظمأ والعقم والموت والمرض والحزن

 

وما إليها؟ وكذلك نرى هذا العالم كله يتحلل

 

بالفساد كما تتحلل هذه الحشرات الضئيلة وهذا البعوض وهذه الحشائش وهذه الأشجار التي تنمو ثم تذوي

 

... وإني لأذكر من كوارث جفاف المحيطات

 

الكبرى وسقوط قمم الجبال وانحراف النجم القطبي رغم ثباته...وطغيان البحر على

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy