قصة الحضارة (67)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الأرض...في هذا الضرب من تعاقب أوجه الوجود. ما غناء إشباع الرغبات، مادام بعد إشباع الإنسان لها، سيعود إلى هذه

 

الأرض من جديد مرة بعد مرة"؟(104)

 

 

وأول درس سيعلمه حكماء اليوبانشاد لتلاميذهم المخلصين هو قصور العقل، إذ كيف يستطيع هذا المخ الضعيف الذي تتعبه عملية حسابية

 

صغيرة أن يطمع في أن يدرك يوماً هذا العالم الفسيح المعقد، الذي ليس مخ الإنسان إلا ذرة عابرة من ذراته؟ وليس معنى ذلك أن العقل

 

لا خير فيه، بل إن له لمكانه متواضعة، وهو يؤدي لنا أكبر النفع إذا ما عالج الأشياء المحسوسة وما بينها من علاقات، أما إذا ما حاول

 

فهم الحقيقة الخالدة، اللانهائية، أو الحقيقة في ذاتها، فما أعجزه من أداة ! فإزاء هذه الحقيقة الصامتة التي تكمن وراء الظواهر كلها

 

دعامة لها، والتي تتجلى أمام الإنسان في وعيه، لابد لنا من عضو آخر ندرك به ونفهم، غير هذه الحواس وهذا العقل "فلسنا ندرك

 

"أتمان" (أي روح العالم) بالتحصيل، لسنا نبلغه بالنبوغ وبالاطلاع الواسع على الكتب...فليطرح البرهمي العلم ليجعل من نفسه طفلاً...

 

لا يبحثن البرهمي عن كلمات كثيرة، لأنها ليست سوى عناء يشق به اللسان"(105)

 

، فأعلى درجات الفهم- كما كان سبينوزا يقول- هو الإدراك المباشر، أو نفاذ الرأي إلى صميم الأمر بغير درجات وسطى، إنه-كما

 

كان الرأي عند برجسون- هو البصيرة، التي هي بصر باطني للعقل الذي أغلق- متعمداً- كل أبواب الحس الخارجي ما استطاع إلى ذلك

 

من سبيل أن "براهمان" الواضح بذاته، قد تخلل فتحات الحواس من داخل حتى لقد استدارت هذه الفتحات إلى الخارج، ومن ثم كان

 

الإنسان ينظر في الخارج، ولا ينظر إلى نفسه في داخل نفسه، أما الحكيم الذي يغلق عينيه ويلتمس لنفسه الخلود، فيرى النفس في دخيلته"(109).

 

فإذا ما نظر الإنسان إلى طوية نفسه ولم يجد شيئاً على الإطلاق، فذلك لا يقوم إلا على دقة استبطانه، لأنه لا يجوز لإنسان أن يتوقع مشاهدة

الأبدي في نفسه إذا كان غارقاً في الظواهر وفي الجزئيات، فقبل أن يحس الإنسان هذه الحقيقة الباطنية، ينبغي له أولاً أن يطهر نفسه

 

تطهيراً تاماً من أدران العمل والتفكير، ومن كل ما يضطرب به الجسد والروح (107) ، يجب أن يصوم الإنسان أربعة عشر يوماً، لا يشرب إلا الماء(108)

 

، وعندئذ يتضور العقل جوعاً- إذا صح هذا التعبير- فيخلد إلى سكينة وهدوء، وتتطهر الحواس وتسكن، وكذلك تهدأ الروح هدوءاً

 

يمكنها من الشعور بنفسها وبهذا المحيط الخصم من الأرواح، التي ليست هي إلا جزءاً منه، وبعدئذ لا يعود الفرد موجوداً باعتباره فرداً،

 

ويظهر "الاتحاد وتظهر الحقيقة الذاتية" لأن الرائي لا يرى في هذه الرؤية الداخلية النفس الفردية الجزئية، فتلك النفس الجزئية إن

 

هي إلا سلسلة من حالات مخية أو عقلية، إن هي إلا الجسم منظوراً من الداخل، إنما يبحث الباحث عن "أتمان" نفس النفوس كلها،

 

وروح الأرواح كلها، والمطلق الذي لا مادة له ولا صورة، والذي ننغمس فيه بأنفسنا جميعاً إذا نسينا أنفسنا كل النسيان.

 

تلك إذن هي الخطوة الأولى في "المذهب السري" : وهي أن جوهر النفس فينا ليس هو الجسم، ولا هو العقل، ولا هو الذات الفردية،

 

ولكنه الوجود العميق الصامت الذي لا صورة له، الكامن في دخيله أنفسنا، هو "أتمان" ؛ وأما الخطوة الثانية فهي "براهمان"

 

وهو جوهر العالم الواحد الشامل الذي لا هو بالذكر ولا هو بالأنثى غير المشخص في صفاته، المحتوي لكل شيء

والكامن في كل شيء، الذي لا تدركه الحواس، هو "حقيقة الحقيقة" هو الروح الذي لم يولد ولا يتحلل ولا يموت(110)

 

، أن "أتمان" الذي هو روح الأشياء كلها، هو روح الأرواح كلها، هو القوة الواحدة التي هي وراء جميع القوى وجميع الآلهة،

 

وتحت جميع القوى وجميع الآلهة، وفوق جميع القوى وجميع الآلهة.

 

ثم سأله فيداجاداساكايلا قائلاً: كم عدد الآلهة ياجنافالكيا؟

 

فأجابه: "عددهم هو المذكور في "الترنيمة للآلهة جميعاً" فهم ثلاثمائة وثلاثة، وهم ثلاثة آلاف وثلاثة".

نعم، ولكن كم عدد الآلهة على وجه اليقين ياجنافالكيا؟

عددهم ستة.

نعم، ولكن كم عدد الآلهة على وجه اليقين ياجنافالكيا؟

هما اثنان.

نعم ولكن كم عدد الآلهة على وجه اليقين ياجنافالكيا؟

إله ونصف إله.

نعم ولكن كم عدد الآلهة على وجه اليقين ياجنافالكيا؟

إنه إله واحد.

والخطوة الثالثة من أهم الخطوات جميعاً: "أتمان" و "براهمان" إن هما إلا إله واحد بعينه، إن الروح (اللافردية) أو القوة الكائنة

 

فينا هي هي بعينها روح العالم غير المشخص، إن أسفار يوبانشاد لا تدخر وسعاً في تركيز هذا المذهب في عقل طالب

 

العقيدة، فما تزال تكرره وتعيده لا تمل له تكراراً

وإعادة وإن قل ذلك السامعون، فعلى الرغم من كل هذه الصور الكثيرة وهذه الأقنعة الكثيرة، فإن هو ذاتي وموضوعي شئ واحد،

 

الإنسان في حقيقته التي تتجرد من الفردية، هو هو بعينه الله باعتباره جوهراً للكائنات جميعاً، يوضح ذلك معلم في تشبيه مشهور:

هات لي تينة من ذلك التين

هذه هي يا مولاي

اقسمها نصفين

هاأنذا قد قسمتها يا مولاي

ماذا ترى هناك؟

أرى هذه الحبيبات الدِقّاق يا مولاي

تفضل فاقسم حُبيبة منها نصفين

هاأنذا قد قسمتها يا مولاي

ماذا ترى هناك؟

لست أرى شيئا على الإطلاق يا مولاي

حقاً يا ولدي العزيز، إن هذا الجوهر الذي هو أدق الجواهر والذي لا تستطيع رؤيته

حقاً إنه من هذا الجوهر الذي هو أدق الجواهر قد نبتت هذه الشجرة العظيمة،

فصدقني يا ولدي العزيز، إن روح العالم هو هذا الجوهر الذي ليس في دقته جوهر سواه

هذا هو الحق في ذاته

هذا هو "أتمان" ، هذا هو أنت يا شاوناكيتو

هل لك أن تزيدني بالأمر علماً يا مولاي؟

ليكن لك يا ولدي العزيز.

هذا التقابل بين "أتمان" و "براهمان" وما ينشأ عن تلاقيهما في حقيقة

واحدة- الذي يكاد يكون تطبيقاً للتقابل الديالكتيكي عند هجل- هو صميم أسفار اليوبانشاد، وكثير غير هذا من الدروس نصادفه في

 

هذه الأسفار، لكنها دروس فرعية بالقياس إلى ذلك، ففي هذه المحادثات نرى عقيدة تناسخ الأرواح قد تم تكوينها ، كما نرى الشقوق

 

إلى الخلاص من هذه الدورات التناسخية الفادحة، فهذا هو "جاناكا" ملك "الفيديها" يتوسل إلى "ياجنافالكيا" أن ينبئه كيف يمكن

 

التخلص من العودة إلى الولادة من جديد، ويجيب "ياجنافالكيا" بشرح "اليوجا" (أي رياضة النفس) فيقول : إذا اقتلع الإنسان بالتزهد

 

كل شهوات نفسه، لم يعد هذا الإنسان فرداً جزئياً قائماً بذاته، وأمكنه أن يتحد في نعيم أسمي مع روح العالم، وبهذا الاتحاد يخلص من

 

العودة إلى الولادة من جديد، وهنا قال له الملك الذي غلبته حكمه الحكيم على أمره، قال "أي سيدي الكريم، إني سأعطيك شعب

 

الفيديها وسأعطيك نفسي، لنكون لك عبيداً"(118)، وإنها لجنّة صارمة تلك التي يعدها "ياجنافالكيا" ذلك الملك المتبتل،

 

لأن الفرد هناك لن يشعر بفرديته(119)، بل كل ما سيتم هنالك هو امتصاص الفرد في الوجود، هو عودة الجزء إلى

 

الاتحاد بالكل الذي انفصل عنه حيناً من الدهر، "

 

فكما تتلاشى الأنهار المتدفقة في البحر، وتفقد أسماءها وأشكالها، فكذلك الرجل الحكيم إذا ما تحرر من اسمه وشكله، يفنى في

 

الشخص القدسي الذي هو فوق الجميع"(120).

 

مثل هذا الرأي في الحياة والموت لن يصادف قبولاً عند الغربي الذي تتغلغل الفردية في عقيدته الدينية كما تتغلغل في أنظمته

 

السياسية والاقتصادية، لكنه رأي اقتنع به الهندوسي الفيلسوف اقتناعاً يدهشك باستمراره واتصاله، فسنجد

هذه الفلسفة التي وردت في اليوبانشاد- هذا اللاهوت التوحيدي، هذا الخلود الهندي من بوذا إلى غاندي، ومن ياجنافالكيا إلى طاغور،

 

فأسفار اليوبانشاد قد ظلت للهند إلى يومنا هذا بمنزلة العهد الجديد للأقطار المسيحية- مذهباً دينياً سامياً- يمارسه الناس أحياناً، لكنهم

 

يجلّونه بصفة عامة، بل إن هذه الفلسفة اللاهوتية الطموحة لتجد حتى في أوربا وأمريكا ملايين بعد ملايين من الأتباع، من نساء مللن

 

العزلة ورجال أرهقهم التعب، إلى شوبنهور وإمرسن، فمن ذا كان يظن أن الفيلسوف الأمريكي العظيم الذي دعا إلى الفردية سيجري

 

قلمه بتعبير كامل للعقيدة الهندية بأن الفردية وهم من الأوهام؟

براهما

إذا ظن القاتل المخضب بدماء قتيله أنه القاتل

أو إذا ظن القتيل أنه قتيل

فليسا يدريان ما اصطنع من خفي الأساليب

فأحفظها لدي، ثم أنشرها، ثم أعيدها

البعيد والمنسي هو إليّ قريب

والظل والضوء عندي سواء

والآلهة الخفية تظهر لي

وشهرة الإنسان بخيره أو بشره عندي سواء

إنهم يخطئون الحساب من يخرجونني من الحساب

إنهم إذا طيروني عن نفوسهم فأنا الجناحان

إنهم إن شكوا في وجودي فأنا الشك والشاك معاً

وأنا الترنيمة التي بها البراهمي يتغنى.

الباب الخامس عشر

بوذا

الفصل الأول

الزنادقة

المتشككون - العدميون - السوفسطائيون -

الملحدون - الماديون - ديانات بغير إله

إن أسفار اليوبانشاد نفسها تدل على أنه قد كان بين الناس متشككون حتى في أيام اليوبانشاد؛ فقد كان الحكماء أحيانا يسخرون من

 

الكهنة، مثال ذلك في سفر "شاندوجيا" من أسفار اليوبانشاد، تشبيه لرجال الدين المتشددين في تمسكهم بالعقيدة إذ ذاك بموكب

 

من الكلاب أمسك كل منها ذيل سابقه، وهو يقول في ورع : "أم دعونا نأكل، أم دعونا نشرب"(1

)

، وفي سفر "سواسانفد" من أسفار اليوبانشاد تصريح بأنه لا إله، ولا جنة، ولا نار، ولا تناسخ، ولا عالم؛ وإن أسفار الفيدا

 

واليوبانشاد ليست إلا تأليفاً من عند جماعة من الحمقى المغرورين، وأن الأفكار أوهام والألفاظ كلها باطلة، وأن من تخدعهم العبارات

 

البراقة يتمسكون بالآلهة، وبالمعابد، و "بالقديسين" مع أنه لا فرق في حقيقة الواقع بين "فشنو" (الإله) وبين كلب من الكلاب(2)

 

، وإن قصة لتروى عن "فيروكانا" الذي عاش اثنين وثلاثين عاماً تلميذاً للإله العظيم "براجاباتي" نفسه، وأنه تعلم علماً كثيراً

 

عن النفس "التي خلصت" من الشرور، والتي لا تشيخ، ولا تموت، ولا تحزن، ولا تجوع، ولا تظمأ، والتي لا ترغب إلا في الحق،

 

ثم عاد "فيروكانا" بغتة إلى الأرض وطفق يعلم

الناس هذا المذهب الآتي الذي هو فضيحة الفضائح : "حياة الإنسان إنما تسعد هاهنا على الأرض، ونفس الإنسان لا بد من إشباع

 

رغباتها، فمن استطاع أن يسعد نفسه على هذه الأرض، وأن يشبع رغبات نفسه، كسب الدارين معاً، هذه الحياة الدنيا والحياة الآخرة"(3)

 

، وإذن فقد يكون البرهميون الصالحون الذين صانوا تاريخ بلادهم، قد خدعونا قليلاً حين أفهمونا أن نزعة التصوف والتقوى

 

بين الهندوس كانت عامة لم يشذ عنها أحد.

 

والحق أنه كلما كشف لنا البحث العلمي عن شخصيات لم تكن في المنزلة العليا من احترام الناس، ممن اشتغلوا بالفلسفة الهندية قبل بوذا،

 

ارتسمت لنا صورة تبين لنا إلى جانب القديسين السابحين في تأملاتهم عن إلههم "براهما"، طائفة من الأشخاص احتقرت الكهنة

 

وشكت في الآلهة، وسميت- دون أن ترتاع لهذا الاسم- سميت بطائفة "اللا أدريين" و "العدميين"؛ فمثلاً رفض "سانجايا" اللا أدري

 

أن يثبت أو أن ينفي الحياة بعد الموت، وتشكك في إمكان حصول الإنسان على العلم اليقيني، وحصر الفلسفة في محاولة استتباب

 

السلام؛ كذلك أبى "بورانا كاشيابا" أن يعترف بالفوارق الخلقية، وعلم الناس أن الروح عبد للمصادفة لا يملك لها دفعاً؛ وذهب

 

"ماسكارين جوسالا" إلى أن القدر قد خط في لوحه كل شئ يصيبه الإنسان بغض النظر عما هو جدير به حقاً؛ ورد "أجيتا كاسا كامبالين"

 

الإنسان إلى عناصر هي التراب والماء والنار والهواء، وقال : "إن الحمقى وأرباب الحكمة يتشابهون إذا ما تحلل الجسد، فكلاهما

 

يزول وينعدم ولا يكون له وجود بعد الموت"(4)، ولقد صور لنا مؤلف "رامايانا" صورة نموذجية للمتشكك حين صور لنا "جابالي" الذي جعل يسخر من راما"

 

لأنه رفض مملكة ليفي بوعد تعهد بالوفاء به :

 

"جابالي وهو برهمي عالم وسوفسطائي مهر في الكلام، تشكك في الإيمان وفي القانون والواجب، وراح يحدث سيد أيوذيا الشاب قائلاً :

أنى لك يا "راما" هذه الحكم السخيفة التي ترين على قلبك وتكتنف عقلك.

هذه الحكم التي تضلل السذج ومن لا يتعمقون التفكير من بني الإنسان ...؟

أواه، إني لأبكي من أجل هؤلاء الفانين من الناس حين يخطئون فيكبون على واجب باطل.

ويضحون بهذه المتعة الحبيبة إلى النفس حتى تنقضي حياتهم القاحلة.

وما ينفكون يقدمون العطايا للآلهة وللأسلاف؛ ياله من ضياع للطعام!

لأنه لا الإله ولا السلف يأخذ منا هذا الذي نقدمه إليه في ولاء وتقوى!

وهل إذا أكل الطعام آكل، تغذى به ناس آخرون؟

فهذا الطعام تقدمونه لبرهمي، هل يمكن له إذن أن يشبع الآباء السالفين؛ إن الكهنة بخبثهم قد صاغوا هذه الحكم،

 

وهم يقولون إذ هم ينظرون إلي أغراض أنانية:

"قدم قربانك وتب إلى الله؛ واترك مالك الدنيوي وأخلص للصلاة!"

كلا، يا "راما" ليس هناك حياة آخره، وكلها أباطيل

هذه الآمال وهذه العقائد عند الإنسان

فابحث عن لذائذ الحاضر، واطرد عن نفسك هذه الأوهام العابثة الواهية(5)

ولما شب بوذا رجلاً، وجد القيعان والشوارع بل وجد الغابات في شمال الهند، تتجاوب كلها بأصداء نزاع فلسفي، كان في جملته

 

ينحو نحواً إلحاديا مادياً. وإنك لترى الأسفار الأخيرة من "يوبانشاد"، كما ترى أقدم الأسفار البوذية ملئاً بالإشارات إلى هؤلاء الزنادقة(6)

 

؛ فقد كان هناك طائفة كبيرة من السوفسطائيين الجوالين- ويسمونهم باريباجاكا أو المتجولين- تنفق أحسن أيام السنة في الرحلة

 

من مكان إلى مكان، باحثة لها عن تلاميذ أو معارضين في البحث الفلسفي؛ وبعضهم كان يعلم المنطق على أنه الفن الذي تستطيع به أن

تبرهن على أي شئ ، ولذلك أطلق عليهم بحق اسم "من يشققون الشعرة" أو "من يتلون تلوي ثعابين الماء"؛ وآخرون طفقوا

 

يبرهنون على عدم وجود الله وعدم ضرورة اصطناع الفضيلة؛ وكانت جموع كبيرة من الناس تحتشد لتسمع أمثال هذه المحاضرات

 

والمناقشات، وبنيت قاعات لهم خاصة، وكان الأمراء أحيانا يكافئون الظافرين في أمثال هذه الحلبات الفكرية(7)

 

؛ حقاً لقد كان عصراً يدهشك بحرية فكره، وبألوان التجارب التي أجراها أهله في عالم الفلسفة.

 

ولم يبق لنا كثير مما قاله هؤلاء المتشككة، والفضل في خلود ذكراهم يرجع كله تقريباً إلى ما هاجمهم به أعداؤهم(8)

 

، وأقدم اسم بين تلك الطائفة هو "بريهاسباتي"، لكن أقواله الهدامة قد فنيت كلها، بحيث لم يبق لنا منها إلا قصيدة واحدة

 

تحط من شأن الكهنة في لغة لا يشوبها غموض الميتافيزيقا:

ليس للجنة وجود، وليس هناك خلاص أخير؛

فلا روح، ولا آخرة، ولا طقوس للطبقات ...

إن فيدا ذات الوجوه الثلاثة، وأمر الإنسان لنفسه بلغات ثلاث؛

وهذه التوبة بكل ما فيها من تراب ورماد.

كل هذه وسائل عيش لقوم

خلوا من الذكاء والرجولة ...

كيف يمكن لهذا الجسد إذا ما أصبح تراباً

أن يعود إلى الظهور على الأرض؟ وإذا كان في وسع الشبح أن يمضي

إلى عوالم أخرى، فلماذا لا يجذبه الحب الشديد

لمن يخلفهم وراءه ، فيرجعه إليهم؟

إن هذه الطقوس الغالية التي تقام لمن يموتون

ليست إلا وسائل عيش دبّرها

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy