قصة الحضارة (70)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الفصل الرابع

تعاليم بوذا

صورة الزعيم - أساليبه - الحقائق السامية الأربع - الطريق ذو

الخمس شعب - قواعد الأخلاق الخمس - بوذا والمسيح - لا أدرية

بوذا ومناهضته لرجال الدين - إلحاده - علم النفس بغير نفس- معنى النرفانا

كانت وسيلة بوذا في نشر تعاليمه- شأنه في ذلك شأن سائر المعلمين في عصره- هي المحاورة والمحاضرة وضرب المثل؛

 

ولما لم يدر في خلده قط- كما لم يدر في خلد سقراط أو المسيح- أن يدون مذهبه، فقد لخصه في "عبارات مركزة" أريد بها

 

أن يسهل وعيه على الذاكرة؛ وهذه المحادثات- على الصورة التي احتفظ لنا بها الرواة من أتباعه- تصور تصويراً لاشعورياً

 

أول شخصية واضحة الحدود والمعالم في التاريخ الهندي: رجل قوى الإرادة، صادق الرواية، مزهو بنفسه،

 

وديع المعاملة، رقيق الكلام، محسن إحساناً

لا ينتهي عند حد معلوم؛ ولقد زعم لنفسه "الاستنارة" لكنه لم يدّعِ الوحي، فما زعم قط للناس أن إلهاً كان يتكلم بلسانه؛

 

وهو في جدله

 

مع خصومه أكثر صبراً ومجاملة من أي معلم آخر ممن شهدت الإنسانية من أعلام المعلمين؛ ويصوره لنا أتباعه-

 

وربما كانوا يضيفون

 

إليه ما ليس فيه لتكمل صورته- يصورنه لنا مصطنعاً لـ "أهمسا" على أتم درجاتها (والأهمسا هي الامتناع

 

عن قتل الكائنات الحية على اختلافها)؛ فيقولون عنه : "أن جوتاما الذي اعتزل الناس قد رفع نفسه

 

عن الفتك بالحياة، بأن كف

 

عن قتل الأحياء؛ لقد خلع عن نفسه الهراوة

 

والسيف (مع أنه كان يوماً من طبقة الكشاترية- أي طبقة المقاتلين) وهو يزورُّ عن غلظة المعاملة

 

ازوراراً، ويمتلئ قلبه بالرحمة،

 

فهو رحيم شفوق بكل كائن تدب فيه بالحياة... وترفع عن النميمة، أو رفع نفسه عن دناءة الغيبة... هكذا كان يعيش رابطاً لما

 

انحلت عراه، مشجعاً لدوام الصداقة بين الأصدقاء، مصلحاً ذات البين عند الخصوم، محباً للسلام، متحمساً للسلام،

 

متحدثاً بكلمات تهيئ للسلام" (36)؛ لقد كان مثل "لاوتسي" ومثل "المسيح" يود أن يرد السيئة بالحسنة، والكراهية

 

بالحب؛ وإذا أسيء إليه في النقاش أو أسيء

 

التفاهم بينه وبين من يحاوره، آثر الصمت: "إذا أساء إلي إنسان عن حمق، فسأرد عليه بوقاية من

 

حبي إياه حباً مخلصاً، وكلما

 

زادني شراً، زدته خيراً" ؛ فإذا جاءه غر وإهانة، استمع إليه بوذا وهو صامت، حتى إذا ما فرغ الرجل من حديثه، سأله بوذا:

 

"إذا رفض إنسان يا بني أن يقبل منحة تقدم إليه فمن يكون صاحبها؟" فيجيبه الرجل : "إن صاحبها عندئذ هو من قدمها"؛ فيقول له

 

بوذا: "إني أرفض يا بني قبول إهانتك، والتمس منك أن تحفظها لنفسك"(37

 

). إن بوذا- على خلاف الكثرة الغالبة من القديسين- كانت له روح الفكاهة، لأنه أدرك أن البحث الميتافيزيقي بغير

 

ضحك يصاحبه، من ضروب الكبرياء.

كانت طريقته في التعليم فريدة لا يماثلها نظير، ولو أنها مدينة بشيء "للجوالين" أو السوفسطائيين المتنقلين الذي عاصروه في بلده؛

 

فكان ينتقل من بلد إلى بلد، وفي صحبته تلاميذه المقربون، وفي أثره ما يقرب من ألف ومائتين من أتباعه المخلصين؛ ولم يكن أبداً

 

يهتم لغده، فكان يكتفي بالزاد يقدمه له أحد المعجبين من سكان البلد الذي يحل فيه؛ ولقد وصم ذات يوم أتباعه بالعار،

 

لأنه أكل في منزل امرأة فاجرة(38)؛ كانت طريقته دائماً أن يقف السير عند مدخل قرية من القرى، ويضرب خيامه في حديقة أو

 

غابة أو على ضفة نهر؛ وكان يخصص

 

ساعات العصر لتأملاته، وساعات المساء للتعليم؛ وكانت محادثاته تجري في صورة سقراطية من الأسئلة

 

وضرب الأمثلة الخلقية والتلطف

 

في الحوار، أو كان يسوق تعاليمه في عبارات مقتضبة يرمي بها إلى تركيز آرائه تركيزاً يجعلها في صورة من الإيجاز والترتيب

 

بحيث تقر في الأذهان؛ وأحب "عباراته التعليمية المقتضبة" إلى نفسه هي "الحقائق السامية الأربع" التي بسط فيها رأيه بأن الحياة

 

ضرب من الألم، وأن الألم يرجع إلى الشهوة، وأن الحكمة أساسها قمع الشهوات جميعاً:

1

- تلك- أيها الرهبان- هي الحقيقة السامية عن الألم : الولادة مؤلمة، والمرض مؤلم، والشيخوخة مؤلمة، والحزن

 

والبكاء والخيبة واليأس كلها مؤلم...

2

- وتلك أيها الرهبان- هي الحقيقة السامية عن سبب الألم : سببه الشهوة، الشهوة التي تؤدي إلى الولادة من جديد، الشهوة التي تمازجها

 

اللذة والانغماس فيها، الشهوة التي تسعى وراء اللذائذ تتسقطها هنا وهناك، شهوة العاطفة، وشهوة الحياة، وشهوة العدم.

3

- وتلك- أيها الرهبان هي الحقيقة السامية عن وقف الألم :

أن نجتث هذه الشهوة من أصولها فلا تبقى لها بقية في نفوسنا، السبيل هي الانقطاع والعزلة والخلاص وفكاك

 

أنفسنا مما يشغلها من شئون العيش.

4

- وتلك- أيها الرهبان- هي الحقيقة السامية عن السبيل المؤدية إلى وقف الألم : إنها السبيل السامية ذات الشعب الثماني، ألا وهي: سلامة

 

الرأي، وسلامة النية، وسلامة القول، وسلامة الفعل، وسلامة العيش، وسلامة الجهد، وسلامة ما نعني به، وسلامة التركيز(39).

 

كانت عقيدة بوذا التي يؤمن بصدقها، هي أن الألم أرجح كفة من اللذة في الحياة الإنسانية، وإذن فخير للإنسان ألا يولد؛ وهو في ذلك

 

يقول أن ما سفح الناس من دموع لأغزر من كل ما تحتوي المحيطات العظيمة الأربعة من مياه(40)

 

؛ فعنده إن كل لذة تحمل سمها في طيها، لمجرد أنها لذة عابرة قصيرة: "أذلك الذي يزول ولا يقيم هو الحزن أم السرور؟ "ألقى هذا السؤال

 

على أحد تلاميذه، فأجابه هذا بقوله: "إنه الحزن يا مولاي"(41)؛ إذن فأس الشرور هو "تامبا"- وليس معناها الشهوة كائنة ما كانت،

 

بل الشهوة الأنانية؛ الشهوة التي يوجهها

 

صاحبها إلى صالح الجزء

 

أكثر مما يريد بها صالح الكل؛ وفوق الشهوات كلها الشهوة الجنسية، لأنها تؤدي إلى التناسل الذي يطيل من

 

سلسلة الحياة إلى ألم جديد

 

بغير غاية مقصودة؛ وقد استنتج أحد تلاميذه من ذلك أنه- أي بوذا- بهذا الرأي يجيز الانتحار، لكن بوذا عنفه

 

على استنتاجه ذاك، قائلاً:

 

إن الانتحار لا خير فيه، لأن روح المنتحر- بسبب ما يشوبها من أدران- ستعود فتولد من جديد في أدوار أخرى من التقمص،

 

حتى يتسنى لها نسيان نفسها نسياناً تاماً.

 

ولما طلب تلاميذه منه أن يحدد معنى الحياة السليمة في رأيه لكي يزيد الرأي وضوحاً، صاغ لهم "قواعد خلقية

 

خمسة" يهتدون بها- وهي بمثابة

الوصايا لكنها بسيطة مختصرة، غير أنها قد تكون "أشمل نطاقاً وأعسر التزاماً، مما تقتضيه الوصايا العشر" :

 

وأما وصاياه الخمس فهي :

1- لا يقتلن أحد كائناً حياً.

2- لا يأخذن أحد ما لم يعطه.

3- لا يقولن أحد كذباً.

4- لا يشربن أحد مسكراً.

5- لا يقمن أحد على دنس.

وترى بوذا في مواضع أخرى يضيف إلى تعاليمه عناصر يتسلف بها تعاليم المسيح على نحو يدعو إلى العجب: "على الإنسان

 

أن يتغلب على غضبه بالشفقة، وأن يزيل الشر بالخير... إن النصر يولد المقت لأن المهزوم في شقاء... إن الكراهية يستحيل عليها

 

في هذه الدنيا أن تزول بكراهية مثلها، إنما تزول الكراهية بالحب"(44

 

). وهو كالمسيح لم يكن يطمئن نفساً في حضرة النساء، وتردد كثيراً قبل أن يسمح لهن بالانضمام إلى الطائفة البوذية؛

 

ولقد سأله تلميذه المقرب "أناندا" ذات يوم:

"كيف ينبغي لنا يا مولاي أن نسلك إزاء النساء؟".

"كما لو لم تكن قد رأيتهن يا أناندا".

"لكن ماذا نصنع لو تحتمت علينا رؤيتهن؟".

"لا تتحدث إليهن يا أناندا"

"لكن إذا ما تحدثن إلينا يا مولاي فماذا نصنع؟"

"كن منهن على حذر تام يا أناندا"

كانت فكرته عن الدين خلقية خالصة؛ فكان كل ما يعنيه سلوك الناس، وأما الطقوس وأما شعائر العبادة، وما وراء الطبيعة واللاهوت

 

، فكلها عنده لا تستحق النظر؛ وحدث ذات يوم أن هم برهمي بتطهير نفسه من خطاياها باستحمامه في "جايا" ، فقال له بوذا:

 

"استحم هنا، نعم هاهنا ولا حاجة بك إلى السفر إلى جايا أيها البرهمي؛ كن رحيماً بالكائنات جميعاً؛ فإذا أنت لم تنطق كذباً، وإذا

 

أنت لم تقتل روحاً، وإذا أنت لم تأخذ ما لم يعط لك، ولبثت آمناً في حدود إنكارك لذاتك- فماذا تجني من الذهاب إلى "جايا"

 

؟ إن كل ماء يكون لك عندئذ كأنه جايا"(46)، إنك لن تجد في تاريخ الديانات ما هو أغرب من بوذا يؤسس ديانة عالمية،

 

ومع ذلك يأبى أن يدخل في نقاش عن الأبدية والخلود

 

والله؛ فاللانهائي أسطورة- كما يقول- وخرافة من خرافة الفلاسفة، الذين ليس لديهم من التواضع ما يعترفون به بأن

 

الذرة يستحيل عليها أن تفهم الكون؛ وإنه ليبتسم(47) ساخراً من المحاورة في موضوع نهائية الكون أو لا نهائيته؛ كأنما

 

هو قد تسلف بنظره إذ ذاك ما يدور بين علماء الطبيعة

 

والرياضيات اليوم من مناقشة حول الموضوع مناقشة ما أقربها من حديث الأساطير؛ لقد رفض أن يبدي رأياً عما إذا كان للعالم

 

بداية أو نهاية، أو إذا كانت النفس هي هي البدن أو شيئاً متميزاً منه، أو إذا كان في الجنة ثواب للناس حتى أقدس القديسين من بينهم؛

 

وهو يسمي هذه المشكلات "غاية التأمل النظري وصحراءه وبهلوانه والتواءه وتعقيده"(48

 

) ويعتزم ألا يكون له شأن بأمثال هذه المسائل، فهي لا تؤدي بالباحثين فيها إلا إلى الخصومة الحادة، والكراهية الشخصية والحزن؛

 

ويستحيل أن تؤدي بهم إلى حكمة أو سلام؛ إن القدسية والرضى لا يكونان في معرفة الكون والله، وإنما يكونان في العيش الذي

 

ينكر فيه الإنسان ذاته، ويبسط كفه للناس إحسانا(49)؛ ثم يضيف إلى ذلك تهكماً بشعاً فيقول أن الآلهة أنفسهم، لو كان

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy