قريش من القبيلة الى الدولة المركزية(3)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الباب الثاني
المقدمات الدينية
تمهيد : اليهودية والمسيحية
 

انتشرت الديانتان الساميتان الإبراهيميتان التوحيديتان : الموسوية والعيسوية أو اليهودية والنصرانية (المسيحية) في جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام على تفاوت بينهما في المدى والرقعة أو المساحة . مع ملاحظة أن أولاهما ليست تبشيرية ولو أن د . محمد حسين هيكل يخالف هذا الرأي ويؤكد أن ( رجال الدين يبذلون الجهود لنشر الدعوة إلى العقيدة التي يؤمنون بها ) ونحن نؤيده في ذلك ولو أن التبشير في ديانة اليهود أخف حدة وأقصر باعاً وأقل نشاطاً وينضم إليه أحمد أمين إذ نراه يقول ( عمل اليهود على نشر ديانتهم جنوبي الجزيرة حتى تهود كثير من قبائل اليمن ومن أشهرها ذو نواس ) وأياً كان الأمر فالذي لا مرية فيه أن هاتين الديانتين التوحيديتين كان لهما وجود وحضور في شبه الجزيرة العربية ( فليس صحيحاً إذن أن الأمة العربية في ذلك العصر - يعني السابق على الرسالة المحمدية - كانت تعيش في عزلة لا تعرف من أمر الأمم المجاورة شيئاً ، فاليهودية والمسيحية لم تنزلا على أهل الجنوب ولا على أهل الشمال من السماء وإنما جاءتا أولئك وهؤلاء من اتصال بالأمم المتحضرة المجاورة ، فعزلة الأمة العربية إذن سخف لا ينبغي أن يقبل أو يطمأن إليه ) .

هذا ما رآه العميد د . طه حسين فهو هنا يشجب الادعاء القائل بأن عرب الجزيرة العربي قبل الإسلام كانوا معزولين عن العالم ويسم هذا الادعاء بالسخف الذي لا يطمئن إليه العقل ومن ثم يتعين رفضه ، ويضيف د . محمد حسين هيكل سبباً آخر لانتشار الديانتين الإبراهيميتين آنذاك في شبه الجزيرة العربي وهو اتصال العرب بما جاورهم من البلاد عند انتقالهم إليهم في القوافل للمتاجرة معهم ( وكان طبيعياً أن يظل العرب الذين يتصلون بنصارى الشام أو بنصارى اليمن في رحلتي الصيف والشتاء الذي ورد ذكرهما في القرآن ) في سورة قريش وقد سجلهما الشعر الجاهلي فهذا الشاعر الجاهلي يمتدح هاشماً جد النبي (ص ) :

عمرو العلا هشم الثريد لقومه سفر الشتاء ورحلة الإيلاف

ويرى العميد د . طه حسين ( أن مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن وينصح من يريد أن يدرس الحياة الجاهلية فعليه أن يدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته ( ادرسها في القرآن فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي ونص القرآن لا سبيل إلى الشك فيه ) وأن هذه بدهية حين تفكر فيه قليلاً ) إذن رحلتا الصيف والشتاء حقيقة تاريخية قام دليل ثبوتها بموجب نص لا سبيل إلى الريبة فيه ، كذلك ثبتت بالشعر الجاهلي ، ولو أن د. طه حسين يلقي ظلالاً من الشك على صحة هذا الشعر ، ولكن تلك قضية تتعلق بتاريخ الأدب اشتجر الخلاف حولها واحتدم ، وتخرج من نطاق بحثنا .
وينكر العديد من البحثين رد طه حسين الشعر الجاهلي ورفضه إياه وأنه تابع فيي ذلك استاذه مرجليوث وأن ذلك الشعر صور الحياة العقلية والدينية والاجتماعية والاقتصادية بل وحتى السياسية أدق تصوير وأن تعليق الشراح القدامى على ذلك الشعر وتفسيرهم له كان سطحياً وساذجاً وأنهم لو امعنوا النظر فيه لاستبان لهم أنه تضمن دلالات عقائدية ( كشفت عن الميثولوجيا التي كانت لديهم ) وسياسية واقتصادية مخبوءة تحت السطح لا يفك مغاليقها إلا مرن له خبرة ودراية بأحوال ذلك المجتمع بل وأساطيره .

ومن اتصال العرب بتلك البلاد التي كانوا يسافرون مرتين كل عام ، الأولى في الشتاء والأخرى في الصيف عرفوا اليهودية والنصرانية وتوحيد الإله كما أنهم تعرفوا على كتابيهما المقدسين .

وسبب آخر هو انتقال تجار من معتنقي هاتين الديانتين إلى بلاد العرب عامة وإلى مكة خاصة التي كانت ملتقى القوافل ومركزاً للتجارة العالمية وملتقى القوافل ومستقراً لجواسيس الدولتين العظمتين الرومانية والفارسية ، ولا شك أن عرب الجزيرة قد احتكوا بهؤلاء من خلال التعامل معهم وسمعوا عقائدهم التوحيدية وانتقلت إلى كثير منهم ، خاصة وأن الوثنية أو التعددية الإلهية لم تعد تقنع شطراً كبيراً منهم خلا من له مصلحة منهم في بقائها وهم ارستقراطية قريش وصناديدها من الأغنياء والمتمولين الذين كان يهمهم أن تظل مكة عاصمة للوثنية لما يجره عليهم ذلك من مغانم . ويذهب د. محمد حسين هيكل إلى أن النصرانية على وجه الخصوص انتقلت إلى بعض القبائل من ( من يفدون عليهم من نصارى الحبشة ) .

ويرى د. محمد سعيد شكري الأستاذ بكلية التربية بجامعة عدن في بحث له بعنوان ( حركة عبهلة بن كعب العنسي 10/11 هـ ) أن ( القبيلة العربية عامة واليمنية خاصة قد تأثرت بالأفكار الدينية النصرانية واليهودية بل المجوسية بالنسبة لثمامة ، وما نصارى الحيرة سواء من الأزد أو جعفي أو بني الحارث بن كعب في نجران دليل على انتشار الديانة والأفكار النصرانية في القبيلة اليمنية وخاصة القبائل القاطنة على الطرق التجارية الهامة .

ومعلوم أن مكة في مقدمة المدن التي تقع على الطرق التجارية الهامة وأنها من أبرز مدن القوافل في ذلك العهد .
ولما كان لكل من الديانتين التوحيديتين الساميتين الإبراهيميتين في جزيرة العرب وقتذاك تاريخ خاص ووجود متميز وأمكنة فقد رأينا أن نفرد لكل منهما فصلاً مستقلاً

في اليهودية

ارتبطت اليهودية بمنطقة يثرب ( المدينة فيما بعد ) أكثر مما ارتبطت بغيرها من المواقع في الحجاز ، ومن ثم يستحسن أن نتعرف على تلك المناطق لندرك الأسباب التي جعلتها مركز جذب للديانة التوحيدية السامية الأولى في تلك المنطقة بالذات :

( المدينة المنورة لم تكن من قبل هجرة الرسول ( ص ) وحدة مدنية مترابطة ولا هي كانت يثرب فحسب في سهل المدينة المحصورة بين الحرتين ، وكانت بعض القبائل تنزل على مرتفعات الحرتين وكانت يثرب إحدى هذه الواحات ، ولما كان اليهود قد سكنوا سهل المدينة قبل الأوس والخزرج فإن منازلهم التي كانت في واحة يثرب وما حولها تعتبر أقدم واحات البلد ومركزها العامر ، وإلى جانب يثرب هناك واحات : السنح ورابح وخربي وقباء وحسيكة والبدائع وغيرها ، وعندما استقر الأوس والخزرج في السهل غلبوا اليهود على أكثر ما كان بأيديهم ، وعمروا واحات قديمة وأنشئوا واحات جديدة ) وتاريخ يثرب القديم مجهول فلا توجد مدونات يمكن الرجوع إليها وكذلك لم تقم أبحاث أثرية يمكن الاستفادة منها .. ومن المؤكد أن هذه الواحة القديمة قد سكنتها القبائل منذ زمن بعيد إذ لا يعقل ألا يجذب خصب هذه البقعة وكثرة المياه بها الناس إلى انتجاعها والإقامة فيها ووجود يثرب في الكتابات المعينية يدل على قدمها وأن المعينين استعمروها ...

وعرفت كذلك باسم المدينة من كلمة ( مدينتنا ) التي تعني ( الحمى ) أي المدينة على رأي المستشرقين الذين يرون أن اليهود المتأثرين بالثقافة الأرمية أو بعض المتهودة من بني أرم الذين نزلوا يثرب هو الذين دعوها ( مدينتنا ) ومن هنا جاءت المدينة أما كلمة مدينة على أنها اختصار من مدينة الرسول فيرون أنه رأي متأخر قال به العلماء . ثم يورد الباحث بعض الأسباب الاسطورية في تعليل الاسم : ويسوق صاحب الرحلة الحجازية رأياً آخر يعتمد فيه على الروايات التي تقول أن موسى حين خرج ببني إسرائيل من مصر أرسل فرقة من جيشه لقتال العماليق وأن هؤلاء الجنود أقاموا بيثرب بعد أن قضوا على أعدائهم وانهم اطلقوا اسم يثرب على المدينة تحريفاً لها من الكلمة المصرية اوسربيس ، كما أن اسم طيبة الذي استعمل للمدينة مأخوذ من ( طيبة ) المصرية وللإخباريين كعادتهم آراء في الاسم قالوا أنها سميت ( يثرب ) نسبة إلى يثرب بن مهلائيل بن ارم عبيل ابن عوض بن ارم بن سام بن نوح . ثم يذكر التعليل الإسلامي للاسم وقالوا بل قيل لها ( يثرب ) من التثريب وزعموا أن الرسول لما نزلها كره أن يدعوها يثرب كراهية للتثريب فدعاها ( طيبة ) و( طابة ) .

ونعقب على ذلك بأن : كراهية الرسول لاسم يثرب ليس زعماً فهناك أحاديث صحيحة تؤكد ذلك بل أنه فرض عقوبة على من يدعوها يثرب وهذا مرده لسببين : الأول أنه كان يتفاءل ويتشاءم من أسماء الأمكنة والأشخاص ويغير ما كان قبيحاً أو منفراً ، والآخر : هو تصميمه على أن يترك الصحابة والأنصار خاصة وراء ظهورهم كل ما يمت بأدنى صلة بالفترة السابقة على الإسلام . وإلى جانب منطقة يثرب كان هناك منطقة خيبر ، ويرى أ. محمد علي قطب ( أن الوجود اليهودي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كان محصوراً فيها ) .

ولنتعرف على خيبر ومدى الوجود اليهودي فيها آنذاك ( وخيبر التي تقع على بعد مائة وستين كيلو مترا من المدينة كان الوجود اليهودي فيها كثيفاً ، حتى أن خيبر كانت كلها خالصة لهم ليس فيها من الأعراب أحد ) ويضيف أ . أحمد أمين إلى هاتين المنطقتين مستعمرات أخرى : تيماء وفدك ووادي القرى .

تضاربت الآراء حول أسباب دخول أولى الديانات الإبراهيمية إلى جزيرة العرب ، فعلى حين يؤكد د/ محمد إبراهيم الفيومي أنها لم تدخل للتبشير ولكن لأسباب أخرى منها

( أ ـ زيادة عددهم في فلسطين إلى أربعة ملايين
(ب ) اضطهاد الرومان لهم في القرن الأول
( ج ) تدمير الهيكل ،
وهذا الرأي قريب مما ذهب إليه عباس محمود العقاد ( كان اليهود يهاجرون بجملة قبائلهم من أرض كنعان كلما أصابهم القمع والتشريد من فاتح جديد ، هاجر بنو النضير وبنو قريظة وبنو يهدل جملة واحدة إلى يثرب بعد أن ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعاً بالشام ) فإن أحمد أمين ينحو بمحنى آخر وهو أن يهود الجزيرة العربية آنذاك كانوا طائفين لا بالمعنى العقائدي ، ولكن فريقين أو بتعبيره صنفيين ( عنصر يهودي نزح إلى بلاد العرب أتوا من فلسطين وعرب تهودوا ) إنما لم يفصح لنا الأستاذ أحمد عن سبب نزوح العنصر اليهودي إلى بلاد العرب من فلسطين ، ويبدو أن بحث أسباب الهجرة اليهودية إلى شبه الجزيرة العربي وما قيل حول هذا الموضوع من آراء عرض للعميد د / طه حسين ، ولكنه ل يهتد فيه إلى رأي يطمئن إليه ولذا نراه يقول ( وكانت اليهودية قد استقرت في شمال الحجاز لأسباب لا يحققها التاريخ ) . ونقل إلينا د . صالح أحمد العلي ما خطه أحد المؤرخين السابقين في هذه الخصوصية ( يذكر السمهودي عن بني قريظة : زعموا أن الروم لما ظهروا على الشام خرج قريظة والنضير وهدل هاربين من الشام يريدون من كان بالحجاز من بني إسرائيل فوجه ملك الروم في طلبهم فأعجزوا رسله ـ ويظهر هذا النص - يقول د . العلي - أن الجماعات اليهودية التي سكنت المدينة كان أقدمها الذين قدموا بعد استيلاء الروم على بلاد الشام ولعله على أثر استيلاء تيتوس على الدولة اليهودية وتشتيت اليهود ) وهنا نرى السمهودي يذكر أن بني قريظة والنضير وهدل نزحوا إلى الجزيرة العربية من بلاد الشام ( فلسطين ) على إثر اضطهاد الرومان لهم ولكن في ثنايا النص ما يؤكد على وجود لبني إسرائيل في منطقة الحجاز ويبقى السؤال الذي أثير من قبل : من أين أتى هؤلاء اليهود القدامى ؟ وما هي أسباب هجرتهم إلى الحجاز ؟

قد تكون الإجابة معقولة ولكنها مختزلة : يهود الحجاز وقت ظهور الإسلام نزحوا من فلسطين بعد أن اشتدت عليهم وطأة الروم ، ثم بعد تخريب بختنصر لبيت المقدس .

ولم يعد وجود اليهودية في شبه الجزيرة العربية آنذاك يستند إلى الروايات التاريخية فحسب ، بل ( قد تم العثور على عدد من الحفريات والآثار والكتابات النبطية فيها أسماء عبرانية يعود بعضها إلى القرن الأول للميلاد ) ( وقد ذهب بعض المستشرقين استناداً إلى دراسة أسماء يهود الحجاز عند ظهور الإسلام إلى أن أولئك اليهود لم يكونوا يهوداً حقاً بل كانوا عرباً متهودين تهودوا بتأثير الدعاة اليهود ) .

ومفاد ذلك أن اليهود الذين هاجروا من فلسطين إلى الحجاز نجحوا في تهويد بعض أبناء القبائل العربية في الحجاز ، وهو ما انتهى إليه أحمد أمين كما سبق أن ذكرنا من وجود صنفين من اليهود : يهود مهاجرين أو نازحين من فلسطين ، وعرب متهودين .

وقد ظهر يهود بعض العرب في عدة عصور منها أن ( المرأة المقلاة في الجاهلية كانت تنذر إن عاش لها ولد أن تهوده ، فتهود قوم منهم ، وذكر العلماء أيضاً أن من الأنصار " الأوس والخزرج " من كانوا مسترضعين في بني قريظة وغيرهم فتهودوا وأن من الأنصار " الأوس والخزرج " من رأى في الجاهلية أن اليهودية أفضل الأديان فتهود أولادهم ) وسبب آخر هو اختلاط اليهود مع العرب ( فقد عاش اليهود في جزيرة العرب معيشة أهلها فلبسوا لباسهم وتصاهروا معهم فتزوج اليهود عربيات وتزوج العرب يهوديات ، ولعل كون بعض اليهود من أصل عربي هو الذي ساعد على تحطيم القيود التي تحول بين زواج اليهود بالعربيات وبالعكس ) ولعل مما يؤكد ذلك أن كثيراً من اليهود رجالاً ونساء حمل أسماء عربية كما نبغ عدد من الشعراء اليهود لهم قصائد نقلتها إلينا كتب الأدب العربي كذلك ( يرى أو ليري احتمال كون بني قينقاع من أصل عربي متهود ) .

 
 
  
 
أما عن البقاع التي انتشرت فيها الديانة التوحيدية الأولى ( اليهودية ) فأشهرها اليمن ( عن طريق اتصال ملوك حمير بيهود يثرب ) ويرى أحمد أمين أن اليهود عملوا على ( نشر دينهم جنوبي الجزيرة حتى تهود كثير من قبائل اليمن ومن أشهرهم ذو نواس الذي اشتهر بحبه لليهودية واضطهاده لنصارى نجران ) ويؤكد الأستاذ برهان الدين دلو ذلك فيقول ( من اليمن انتشرت ظاهرة التهود بين السكان وتوطدت اليهودية في هذه المنطقة العربية المتحضرة والمتقدمة اقتصادياً وعمرانياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً ) ، أما د . محمد إبراهيم الفيومي فيذهب إلى أن ( أصل اليهود باليمن يرجع كما يذهب كتاب السيرة إلى الحبرين اللذين رافقا تبعاً في رحلته إلى اليمن أي أن اليهودية دخلت وفق دعوة تبشيرية ) .

أما في الحجاز فقد انتشرت واستقر اليهود في يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى . أثرت اليهودية في مجتمع الحجاز ذلك أن القبائل اليهودية مثل بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وبني زعورا وبني هدل وبني قمعة وبني زيد اللات وهم رهط عبد الله بن سلام الذي أسلم وحسن إسلامه ، كانت عاملاً مهماً في انتشار الدين اليهودي في القبائل العربية التي جاورتهم والتي كانت على الوثنية والتعددية الإلهية وخاصة الأوس والخزرج ( يقول السهيلي في الروض الأنف : غير أنه وجد في الأوس والخزرج من قد تهود وكان من نسائهم من تنذر إذا ولدت وعاش ولده أن تهوده لأن اليهود كانوا أهل علم وكتاب )
يضاف إلى ذلك أنهم كانوا على درجة حضارية متقدمة لحد كبير على سائر العرب المجاورين لهم في تلك الأصقاع ( كان جماعة بيثرب من أبناء اليهود فيهم الشرف والعز على سائر اليهود وقد ذكرنا أن بني زهرة ( = من يهود يثرب ) كان فيهم الملك وفيهم ثلاثمائة صائغ مما يدل على مكانتهم المتميزة ) . كذلك ( يرى بعض الإخباريين أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز ونزولهم في وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب انما كان في أيام بختنصر ، أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على أثر ظهور الروم على بلاد الشام ، وفتكهم بالعبرانيين مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم فأنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح ) ويذهب د . حسن إبراهيم إلى أن اليهودية انتشرت في جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام ولا سيما في اليمن كما انتشرت في وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب، حيث أقامت قبائل بني قريظة وبني النضير وقينقاع ) .

ولعل هذا الحديث يوضح مكانة اليهود في يثرب ( يقول رسول الله (ص ) عن يهود بني النضير : هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش ) .
وقال حسان بن ثابت ـ وهو يراهم وسراة الرجال على الرحال : أما والله أن لقد كان عندكم لنائل للمجتدي وقرى حاضره للضيف وسقبا للمرام وحلم على من سفه عليكم ونجده إذا استنجدتم فقال الضحاك ابن خليفة واصباحاه نفسي فداؤكم ماذا تم تحملتم من السؤدد والبهاء والنجدة والسخاء ؟
قال : يقول نعيم بن مسعود الاشجعي : فدى لهذه الوجوه التي كأنها المصابيح ظاعنين من يثرب.. من للمجتدي الملهوف ؟ ومن للطارق السغبان ؟ ومن يطعم الشحم فوق اللحم ؟ ما لنا بيثرب بعدكم مقام.
هذا ما قاله محمد ( ص ) في حق طائفة من يهود يثرب وهم يهود بني النضير عندما أجلاهم منها وبنو المغيرة درة قريش . وما قاله في شأنهم حسان بن ثابت وهو شاعر الرسول - وما شهد به الضحاك بن خليفة الاشهلي وهو من الصحابة وأول غزوة شهدها هي غزوة بني النضير ولم يملك نفسه حين رأى بني النضير ينفون من يثرب أن قال تلك العبارة .
أما نعيم بن مسعود الاشجعي فقد لعب دوراً بارزاً في تخذيل الأحزاب التي جاءت لحصار يثرب وذلك في موقعة الخندق أي من الصحابة المذكورين في السيرة ومع ذلك رأيناه يتفجع على يهود بني النضير : ما لنا بيثرب مقام بعدكم .
هذه هي المنزلة التي بلغها اليهود في يثرب بشهادة الرسول ( ص ) وثلاثة من اصحابه المرموقين منهم اثنان من الأنصار خلطائهم .

أما المستوى الحضاري الذي بلغه اليهود فيدل عليه الخبر الآتي الذي يصور رحيل بني النضير من يثرب بعد نفيهم عنها : ( ثم شقوا سوق المدينة والنساء في الهوادج عليهن الحرير والديباج وقطف الخز الحمر والخضر وقد وصف لهم الناس فجعلوا يمرون قطاراً في أثر قطار فحملوا على ستمائة بعير .. لقد مر يوم إذن نساء من نسائهم في تلك الهوادج سفرن عن الوجوه لعلى لم أر مثل جمالهن لنساء قط ، لقد رأيت الشقراء بنت كنانة كأنها لؤلؤ غواص والرواع بنت بن عمير مثل الشمس البازعة في أيديهن اسورة والذهب والدر في رقابهن...قاله أبو سعيد الخدري ومروا بالدفوف والمزامير على النساء المعصفرات وحلي الذهب ... مظهرين ذلك تجلداً وأبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك الخزرجي الأنصاري ومن علماء الصحابة وحفاظ الحديث والمكثرين لروايته وقد انخرط في جيش محمد وهو ابن ثلاث عشرة سنة والعبارات التي فاه بها صريحة النص والدلالة معاً على أن يهود يثرب كانوا على درجة متميزة من الترقي والتمدن

 
 
  
 
ذلك يظهر إذا قارنا مظهر نسائهم وملابسهن وحليهن وزينتهن بنساء يثرب الأخريات وأرديتهن .. الساذجة .

ولعلويؤكد محمد علي قطب ( أن اليهود كانوا يسيطرون على يثرب قبل هجرة النبي ( ص ) إليها سيطرة كاملة ، مستخدمين وسائل ثلاث : الأولى العقيدة الدينية ، الثانية عنصر المال ، والثالثة المكر والدهاء ) .
اختلف الباحثون عما إذا كان اليهود هو الذين كانوا يسيطرون على البقاع التي استوطنوها ولهم فيها اليد الطولي أم أنها كانت للعرب دونهم :
يرجح د .جواد علي أن الهيمنة كانت للعرب ( وقد انتشرت اليهودية جماعات استقرت في مواضع المياه والعيون من وادي القرى وتيماء وخيبر إلى يثرب ، فبنوا الحصون لحماية أنفسهم وأرضهم وزرعهم من اعتداء العرب عليهم ، وقد أمنوا على أنفسهم بالاتفاق مع رؤساء القبائل الساكنة جوارهم وعلى دفع إتاوة لهم وعلى تقديم الهدايا لاسترضائهم ) ولكن تقديم الهدايا ودفع الإتاوات لرؤساء القبائل المجاورة كان عرفاً في جزيرة العرب ، وذلك ليأمن ساكنو الواحات غارات الأعرب عليهم ، ولا يدل بذاته على انتفاء سيطرة قاطني تلك الواحات على مقدراتها ، ولكن د. جواد علي يؤكد في موضع آخر علي أن السيادة كانت لليهود حتى جاء العرب فتغلبوا عليهم
( وسكن يهود يثرب … وظلوا أصحابها وسادتها حتى جاء الأوس والخزرج فنزلوا واستغلوا الخلافات التي كانت قد وقعت بين اليهود فتغلبوا وسيطروا على المدينة أي يثرب وقسموها فيما بينهم فلم يبق لهم من يومئذ عليها سلطان ، وتذكر روايات أهل الأخبار أن مجيء الأوس والخزرج كان بعد سيل العرم ) ولقد تناقض د/ جواد علي مع نفسه في ذكر أسبقية سكن يهود يثرب إذ ورد أنها كانت في أيدي الأوس والخزرج ثم طرأ عليهم اليهود ( وكانت يثرب عند هجرة اليهود في أيدي أصحابها الأوس والخزرج ولهم سيطرة عليها ) أن ما يجمع عليه المؤرخون والإخباريين هو أسبقية اليهود في استيطان يثرب ومع ذلك ذكر لنا في مواضع أخرى سيطرة اليهود على الأصقاع الأخرى التي توجدوا فيها :
وقد اشتهر يهود خيبر بشجاعتهم وخيبر موقع غزير المياه عرف واشتهر بزراعته وكثرة ما به من نخيل ) .
( وفدك موقع آخر غلب عليه اليهود وسكانه مثل أغلب يهود الحجاز مزارعون عاشوا على الزراعة كما اشتغلوا بالتجارة وبعض الحرف التي تخصص فيها اليهود مثل الصياغة والحدادة والتجارة ) أما الفريق الآخر من الباحثين فقد ذهب إلى أن اليهود كانت لهم الصدارة والسيطرة منهم د / صالح العلي الذي يقول (كانت لليهود سيطرة على مقاليد الحكم في المدينة واتخذوا لها ملكا يحكمها ومنهم محمد علي قطب الذي كان يرى أن اليهود كانوا مسيطرين على يثرب قبل الهجرة .

وفي تعليل السيطرة اليهودية أورد الباحثون عدة أسباب :
منهم من يرجعها إلى تفوق اليهود في التجارة والزراعة والصياغة والحدادة ( ومن المعروف أن جماعات يهودية هاجرت إلى العربية الشمالية والحجاز بعد أن دمر الرومان أورشليم سنة 70 واستقرت هذه الجماعات في يثرب وخيبر ووادي القرى وفدك . وعلى الرغم من اختلاط اليهود بالعرب وتعايشهم معهم واحتكارهم لبعض الحرف والصناعات كالزراعة وصناعة الأسلحة والحدادة والصيرفة والتجارة ...
وفيما سبق ذكرنا أنه كان بمنطقة يثرب 300 صائغ من بني زهرة وهذا الزعم ، إن لم يكن فيه مبالغة من قبل الإخباريين وهي إحدى المثالب التي أخذها عليهم ابن خلدون في " المقدمة " فإنه يدل على مدى تقدم اليهود في الصياغة . وفريق آخر يرجعها إلى إجادتهم أو مهارتهم المالية أو الصيرفة في رأي د . السيد عبد العزيز سالم أو فن المال حسب تعبير محمد علي قطب ، ولازال اليهود حتى الآن يتوارثون هذه الصفة وهم يستخدمون عنصر المال في السيطرة والهيمنة حتى عصرنا الحالي .

ويرجع فريق آخر من الباحثين ذلك إلى معرفة اليهود بالقراءة والكتابة في حين أن العرب أمة أمية ( وكان اليهود في جزيرة العرب تجارا ويعانون صنع الأمتعة والصياغة والسيوف والدروع وسائر الآلات الحديدية ، ويقول ولفنسون : أن اليهود كانوا أساتذة العرب في تعلم الكتابة العربية ) وباحث آخر يقول : ( كانت الكتابة قبل الإسلام قليلة في الأوس والخزرج وكان يهودي من يهود ماسكة قد تعلم الكتابة فأخذ يعلمها الصبيان ) .

لأنهم السيطرة السياسية بقدر ما تعنينا السيطرة الحضارية والمعرفية الناتجة عن أن اليهود كانوا أصحاب علم وبيدهم كتاب مقدس ويؤمنون بوحدانية الإله التي هي لا جدال أكثر تقدماً في درجة العقيدة الإيمانية من الوثنية والتعددية الإلهية ، التي كانت عليها قبائل جزيرة العرب قبل اختلاط أفرادها بأصحاب عقيدة التوحيد ، فإذا انتهينا إلى ذلك كان القول بتقليد العرب لليهود وتأثرهم بهم وأخذهم عنهم أمراً مقبولاً ومستساغاً ، ذلك أن تقليد الأدنى حضارة للأرقى مسلم به قال عبد الرحمن بن خلدون " في المقدمة " في فصل بعنوان (أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعقائده ) ويعلله بـ ( أن النفس تعتقد فيمن غلبها وانقادت إليه إما بالنظرة بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من انقيادها ليس لغلب طبيعي انما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء وما أراه والله أعلم )
واليهود كما ذكرنا امتازوا بكتابهم المقدس وثرواتهم العقارية والمنقولة ومهاراتهم في التجارة والزراعة والصيرفة وسائر الحرف والمهن ، فكان من البديهي أن يؤثروا في جيرانهم العرب ، وأن هؤلاء الأخيرين يقلدونهم ويقتدون بهم ، ويسيرون على منوالهم وأهم ما يسارعون إلى أخذه عنهم هو الدين أو العقيدة التوحيدية .

قد يكون تأثر العرب باليهودية محدوداً بالقياس إلى تأثرهم بالنصرانية كما سوف نرى وذلك لكون الأولى ديانة غير تبشيرية ومغلقة على أهلها ـ الذين يزعمون أن الله اختصهم بها لأنهم شعبه المختار ـ أنما الذي لا مرية فيه أن اليهودية كان لها تأثير على التفكير الديني لدى العرب في الحجاز وقد تمثل ذلك في عدة أمور:

الأول : إذاعة عقيدة التوحيد وهي الإيمان بوجود الإله الواحد ونبذ التعددية الإلهية المتمثلة في عبادة الأصنام وقد يكون الحنفاء أو المتحنفون أكثر من غيرهم تأثراً بهذه العقيدة وقبولاً لها ، وهذا لا يمنع من انتشارها في غيرهم من أبناء القبائل ويرى كارل بروكلمان لقد ساعدت المسيحية والنصرانية على استعجال تفسخ الوثنية العربية ) ويؤكد حسين مروة فيقول ( أن وجود الديانتين كان عاملاً مساعداً في تغيير الوعي الديني هناك باتجاه النظر التجريدي نحو مشكلة الوجود متجاوزاً النظرة الوثنية الحسية ) ومن رأي أندريه ميكل أن الوثنية العربية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية قد تغيرت باتصال بالديانتين التوحيديتين القائمتين آنذاك ) ويذهب د . حسن إبراهيم إلى ( أن اليهود عندما نشروا تعاليم التوراة بين عرب الجزيرة والحجاز كان لذلك أثره في الوثنية الحجازية ) .
هكذا نرى أن العقيدة التوحيد كانت معروفة لدى عدد من القبائل جزيرة العرب قبل الإسلام بسبب اتصالهم باليهود .

الثاني : ترسيخ عقيدة أو فكرة النبوة ، ثم إشاعة مقولة قرب ظهور نبي يخلص الناس مما يعانونه من جور واضطهاد يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلماً ويتحقق ملكوت الله على الأرض وهي عقيدة ( المشيحانية ) المستقرة في طوايا الديانة اليهودية ويطلق عليها في اللغة العبرية ( مشيحوت ) و( تعني الاعتقاد في مجيء مسيح يهودي وبطل قومي يتميز بصفات القدرة القتالية التي تمكن بني إسرائيل من الخروج من حالة الهزيمة العسكرية والفشل السياسي والانحلال الديني والخلقي وتمنيهم بمجيء عالم مثالي تحقق لهم فيه ما يعتقدون من سيادة على سائر الشعوب ، فتأتيهم طائعة عابدة ) .
عقيدة النبوة وفكرة قرب ظهور نبي انتشرتا لدى الأوس والخزرج بيثرب كأثر مباشر لاحتكاكهم باليهود واختلاطهم بهم ، ومعاملتهم معهم ويحدثنا مؤرخو السيرة النبوية أن النبي محمداً ( ص ) لقى رهطاً من الخزرج فوقف عليه ودعاهم إلى السلام وتلا عليهم القرآن وكانوا يسمعون أمره وذكره وصفاته ) فالأنصار ( الخزرج ) هنا لم يفاجئوا بل كان لديهم علم مسبق استقوه من اليهود : النبي يدعو إلى التوحيد ونبذ الأوثان وبيده كتاب مقدس هو القرآن ، الصورة نفسها التي كان يرونها لدى اليهود ولكنها في هذه المرة تتحقق على يد عربي ينطق بلسان عربي مبين ، فلم تأخذهم دهشة ولم يتولهم عجب ومن ثم سارعوا إلى الإيمان به وبدينه . ويسرد الكلاعي الواقعة فيقول : ( فجلسوا وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم في بلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم : أن نبياً مبعوثاً الآن قد أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما كلم رسول الله ( ص ) أولئك النفر ودعاهم إلى الله بعضهم لبعض : يا قوم تعلموا ولله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقكم إليه أحد ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، وقبلوا ما عرض عليهم من الإسلام ) وأنت عندما تقرأ كتب السيرة النبوية وخاصة التراثية تجد أن القبائل تعنتت مع محمد عليه السلام ، ولم تقبل ما كان يدعوها إليه ، ورد كثير منها عليه رداً غير كريم فيما عدا الأوس والخزرج الذين آمنوا بسرعة مذهلة من أثر وجود خلفية لاتصالهم باليهود . ويواصل كتاب السيرة النبوية حكاية ذلك الوفد الذي قابل الرسول محمد ( ص ) في " منى " عند العقبة ( فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ( ص ) ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلما يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ( ص ) . فإذا وضعنا بجانب هذه الواقعة التاريخية أن الرسول ( ص ) ظل في مكة يدعو إلى دين الإسلام طوال ثلاثة عشر عاما ، ولم يؤمن به سوى بضع عشرات ، شطر كبير منهم من الأرقاء والمستضعفين الذين جذبتهم مبادئ العدالة الاجتماعية التي كان ينادي بها النبي محمد ( ص ) أدركنا أن الاستجابة السريعة التي أبدأها الأوس والخزرج مردها أن عقيدة النبي المخلص كانت شائعة بينهم من أثر احتكاكهم وجوارهم يهود يثرب ، فضلا عما يكونون قد استشعروه من أن الإيمان بنبوة هذا النبي العربي سوف ( يخلصهم ) من السيطرة الاقتصادية والاجتماعية لليهود .

 
 
  
 
الثال : التأثير على الخطاب الديني لدى العرب إذ تغيرت بنيته تغيراً نوعياً وتحول من السذاجة إلى التجريد ودخلته مصطلحات ومفاهيم لم تكن معروفة عندهم قبل ذلك مثل : البعث والحساب والميزان والجحيم وإبليس ...الخ .
ثوهذا ما أكده أحمد أمين إذ يقول ( نشر اليهود في البلاد التي نزلوها في جزيرة العرب تعاليم التوراة وما جاء فيها من تاريخ خلق الدنيا ، ومن بعث وحساب وميزان ، وكذلك كان لليهود أثر كبير في اللغة العربية فقد أدخلوا عليها كلمات لم يعرفها العرب ، ومصطلحات دينية لم يكن لهم بها علم ، مثل جهنم والشيطان إبليس ونحو ذلك ) ونحن نرى أن مقولة أثر اليهود الكبير على اللغة العربية من جانب الأستاذ أحمد أمين فيها نوع من الشطط ، إذ أن في مذهبنا أن تأثير الديانة اليهودية على لغة العرب لم يتجاوز نطاق الخطاب الديني وهذا كما أوردنا أمر طبيعي أما خارج هذا النطاق فعلى العكس تماماً ، إذ كان اليهود هم الذين تأثروا بالغة العربية ونطقوا أي تكلموا بها وظهر فيهم شعراء ساروا على نمط القصيدة العربية .

ويرى برهان الدين دلو أن عن طريق الديانة اليهودية وتعاليمها تسربت إلى العرب جميعهم ( ما جاء فيها من : خلق الدنيا ومن بعث وحساب وميزان ونار وجهنم والشيطان وإبليس ) وأوضح ما كان ذلك التأثير على الحنفاء والمتحنفين ولهم مبحث خاص مستقل ، وعلى الشعراء والخطباء منهم على الخصوص مثل أمية بن أبي الصلت الشاعر المشهور الذي قال عنه محمد ( ص ) : آمن لفظه أو شعره وكفر قلبه ذلك لأنه رفض الدخول في دينه مثل قيس بن ساعدة الإيادي أحد خطباء العرب المعدودين ، وقد ورد في دواوين السيرة المعتمدة والتي تلقتها بالقبول والتجلي أن النبي محمداً ( ص ) كان يستمع إلى خطبه ومواعظه في سوق عكاظ - ولم يدع أحد من أولئك المتحنفين أن ملكاً من السماء نزل عليه فأوحى إليه تلك القيم الدينية والمفاهيم والمصطلحات إذن هي بلا ريب من أثر اختلاطهم بأهل الكتاب : اليهود أولاً ثم النصارى فيما بعد ، ودراستهم لكتبهم المقدسة وتعاليمهم ، ويذكر لنا د . صالح العلي أن اليهود كان لهم ( بيت مدارس واحد ويبدو أنه كان المركز الرئيسي أن لم يكن الوحيد ) ويصفه عباس محمود العقاد أنه ( المدرسة العبرية التي ظلت إلى عهد الدعوة المحمدية )

وبداهة أن هذه المدارس اليهودية أو هذه المدرسة العبرانية كانت أبوابها مفتوحة لمن يقصدها من طالبي العلم الديني من الحنفاء وغيرهم ، خاصة وأن أولئك الحنفاء كانوا على قدر متميز من الثقافة وكان بعضهم يعرف لغة أخرى خلاف العربية ، بل واللغة العبرية على وجه الخصوص . وقد ذكر الإخباريون أن ورقة بن نوفل ابن عم أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها وهي أولى زوجات محمد عليه السلام ، كان يقرأ العبرانية وفي رواية أخرى كان يعرف اللسان العبراني وهذا ثابت في أكثر من كتاب من كتب في السيرة المحمدية . ورقة بن نوفل كان من أكابر الحنفاء في مكة وهو الذي بشر الرسول محمد ( ص ) أنه نبي هذه الأمة.

وتنص بعض الروايات على أن ورقة بن نوفل كان ينقل أجزاء من التوراة إلى اللسان العربي أي اللغة العربية . وكونه ابن عم السيدة خديجة يعني أن محمداً عليه السلام كان على اتصال حميم به والفترة من زواج محمد بها إلى إعلانه رسالته وهي خمسة عشر عاماً فترة معتمة في كتب السيرة أي لا يسلط عليها الضوء والذي نرجحه أن محمداً وقد كفته ثروة خديجة شظف العيش وعناء السعي على الرزق كراعي غنم وأخرى يتاجر بمال الغير خارج بها إلى أطراف الجزيرة ... الخ لا شك أنه في تلك الفترة اتصل بأصحاب الملل والنحل وأتباع الأديان والمذاهب الذين تعج بهم مكة أما كمقيمين بها أو وافدين للحج والتجارة ، وممن اتصل بهم الصابئة والأحناف والحنيفية وعلى رأسهم ورقة بن نوفل بسبب قرابته لزوجه خديجة ولا ريب أنه دارت بينهما حوارات وأن الأوراق او الأجزاء التي قام بترجمتها ورقة بن نوفل من العبرانية إلى العربية حاضرة في تلك الجلسات .

بل أن بعض الباحثين يرى أنه قد تمت ترجمة لبعض أجزاء منه التوراة وبمحاولة الحبر اليهودي إخفاء أية الرجم عن النبي محمد ( ص ) ووضع يده عليها كما ورد في البخاري وأنها لو كانت مكتوبة بالعربية لما شرع في سترها لأن محمداً عليه السلام لم يكن يعرف العبرانية ولا الآرامية .

الرابع : من المعروف أن اليهودية شريعة متكاملة فهي لم تقتصر على نواحي العقيدة والعبادة والأخلاق كما ستفعل النصرانية فيما بعد ، بل تناولت الحياة من جميع أقطارها ومن بينها الحدود أي العقوبات الجزائية او الجنائية التي توقع على من يرتكب فعلاً نهت عنه مثل السرقة والزنا ولو أن أحبارهم عندما ارتبطت مصالحهم ومنافعهم بأصحاب السلطة والجاه أحجموا عن تطبيق تلك الحدود في كل أفراد الطبقة الأرستقراطية أو المتنفذة ، وهذه سمة رجال الدين في كل الشرائع إذ يقومون في مثل هذه الحالة بتفسير النصوص وتطويعها وتوظيفها بما يتفق ومكانة أفراد الطبقة ذات الكلمة المسموعة وصاحبة السطوة المالية ، وهي العلاقة التي تربط بين المقدس والسلطة وفي هذه الخصوصية يقول د . صالح العلي ( وكان الزنا عند اليهود محرما وحده الرجم غير أن سريان الفساد في الأخلاق جعلهم لا يطبقونه على أشرافهم تلك الحدود اقتبسها العرب من اليهود فقد كان عبد المطلب هو الذي أطلق عليه د.سيد القمني (أستاذ الحنيفية الأول ) إذ مان في مقدمة المتحنفين ، عبد المطلب ( استن سننا جاء بها الإسلام فيما بعد منها تحريم الخمر والزنا وإقامة الحد على من يقارفهما ) .

هذه التأثيرات كان لها فعاليات بالغة الخطورة في المساهمة في قيام دولة قريش في يثرب على يد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي عليه الصلاة والسلام .
النصرانية " المسيحية " :

انتشرت الديانة التوحيدية الثانية ونعني بها النصرانية أو المسيحية في الجزيرة العربية انتشاراً واسعاً وكان حظها من ذلك أكبر من الموسوية أو اليهودية وقد شاركت في ذلك عدة عوامل جغرافية وتاريخية وسياسية واقتصادية .

نبدأ بالجغرافية : الأقطار المحيطة بالجزيرة آنذاك كانت تدين بالمسيحية فسوريا في الشمال الغربي والعراق في الشمال الشرقي واليمن في الجنوب والحبشة في الغرب ( عن طريق البحر الأحمر ) ، ولم تكن شعوب تلك الأقطار بكاملها تعتنق الديانة الإبراهيمية الثانية " النصرانية " ، غير أنها كانت تمثل الديانة الرسمية لغالبيتها أو شطر كبير منها ، وفي الأطراف كانت دولة الغساسنة وكانت ملة أمرائها النصرانية . والإخباريون ينقلون إلينا أن آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم الذي أدركته جيوش الفتح العربي ( عندما التقى بالخليفة الثالث عمر بن الخطاب كان على نصرانيته ، فعرض عليه الإسلام فأنف منه ، فذهب إلى بلاد الروم في ثلاثين ألفاً فلما بلغ ذلك عمراً ندم ، وعاتبه عبادة بن الصامت فقال :
لو قبلت منه الصدقة وتألفته لأسلم ) وبذلك يثبت أن حكاية إسلام جبلة المذكور ثم ارتداده أنفة من القود الذي توعده به عمر رضي الله عنه ( مسطورة ) كغيرها من مئات المسطورات التي يحفل بها التاريخ العربي ، وأيضاً في الأطراف كانت هناك دولة المناذرة في الخيرة والتي بدأت جذور المسيحية تنمو فيها على يد ملكها أمرؤ القيس الأول ، ثم أخذ عودها يستقيم على عهد حفيده النعمان .

وهكذا بدت الجزيرة العربية وقتذاك محاطة بسوار من الدول والدويلات النصرانية فيها أما الديانة الرسمية أو الغالبة .

في العراق ، وإن لم تكن المسيحية الديانة الرسمية في العراق فأنها تأصلت في الرها وجندي سابور ونصيبين وسلوقية بل كان في بعض هذه المدن مدارس في اللاهوت والفلسفة حازت شهرة واسعة استمرت حتى الخلافة العباسية .
وعن الأسباب التاريخية فالأستاذ العقاد يرجعها إلى ( ما ألم بالكنيسة الشرقية من الاضطهاد واختلال الأحوال في صدد المائة الثانية للميلاد ، إذ اضطر كثير من نصاراها أن يلجأ إلى بلاد العرب طلبا للحرية وكان معظمهم يعاقبه ) .
ومنها غزو الأحباش لليمن ، ثم محاولة أبرهة الخائبة لمد سلطانه إلى قلب الجزيرة العربية وأن هذه الحملة وأن باءت بالإخفاق فأنها تركت أثراً دينياً وإن جاء محدوداً في المواقع التي مرت بها جيوش الأشرم . ( كذلك انتشرت المسيحية في قبائل تغلب وغسان وقضاعة في الشمال وفي بلاد اليمن في الجنوب . وقد دخلت العربية بفضل جهود اباطرة الدولة الرومانية الشرقية في القرن الرابع الميلادي ، وكان من أثر هذه العلاقات الوثيقة بين العرب والبيزنطيين أن تأثر العرب إلى حد ما بالمسيحية ، فانتشرت في الجنوب عن طريق الحبشة والشمال عن طريق سورية وشبه جزيرة سيناء الآهلة بالأديار والصوامع )

( وفي رواية أخرى - نقلاً عن الطبري - أن الذي زرع النصرانية في عرب الجنوب واليمن ذو نواس قبل تهوده فلما تهود سمي بـ " يوسف " وهو الذي حفر الأخدود بـ " نجران " ثم قاتل النصارى )
( أما في الجنوب والجنوب الغربي فقد كانت الحبشة من المراكز التي تشعشعت فيها المسيحية إلى بلاد اليمن وبلاد الحجاز وفي الغزو الحبشي الثاني لليمن في عام 525 م ، وعلى أثره انتشرت المسيحية في اليمن ، واتخذ أبرهة نجران مركزاً رئيسياً لهذا الغرض وانتشرت المسيحية في بلاد العرب ، وبوجه خاص في طئ ودومة الجندل )
( وكانت نجرانالموطن الرئيسي للنصرنية في العربية الجنوبية ، ولعلها الموطن الوحيد الذي توطدت فيه هذه الديانة في اليمن ، وعند ظهور الإسلام كانت نجران المركز الرئيسي للنصرانية في اليمن )

وذكر د. محمد إبراهيم الفيومي أن ( المسيحية دخلت قلب مكة مع الغزو الحبشي لها ) بل أننا سوف نرى فيما يلي أن النصرانية اخترقت قبيلة قريش ذاتها وهي التي كان يتولى أفراد منها سدانة الكعبة وما كان بها من أصنام .

ويرى د . الفيومي أن الاضطهاد الذي وقع على أتباع المسيح عليه السلام كان أسباب انتشارها في الجزيرة العربي ودخلت على يد الحارث الغساني ) .

وفي نطاق الأسباب السياسية فهي ( تتمثل في سعي الروم لمد سلطانهم في الجزيرة العربية عن طريق نشر دينهم على أيدي رجال الدين الذين يبشرون به ) ولقد ( حاولت المسيحية واليهودية أن تتغلغلا في الجزيرة العربي وكانت متصلتين بالصراع السياسي إذ بدت كل منهما حليفة لإحدى الدولتين الطامعتين ) .

ويؤكد عطا الله جليان أنه ( كان للمذاهب النصرانية في مكة والمدينة وصنعاء ونجران واكسوم مرجعيات سياسية ومذهبية مركزية خارجية ) ، وهكذا نرى أن السياسة لعبت دور كبير في نشر المسيحية ، وكانت الدولة الرومانية " البيزنطية " توظف الدين لصالحها ، وتوقن أن تنصير القبائل العربية يخدم مصالحها ، بل أنها لم تتورع عن سلوك طريق الغزو المسلح لنشر المسيحية رغم ما في ذلك من مفارقة مضحكة ، ذلك أن المسيحية كما تصف نفسها جاءت لتلقي على الأرض السلام وللناس المحبة والمسرة ( يصور بعض المؤرخين المنازعة بين اليهودية والمسيحية في الجزيرة العربية كأنها نزاع ديني محض بين اليهودية والمسيحية في حين هي بجوهرها - بالرغم من اتخاذها المظهر الديني ـ نزاع سياسي بين ملوك الأحباش والحميريين ) ويستطرد حسين مروة فيقول ( كانت حملة الأحباش على مكة إذن إحدى ظاهرات الصراع على السيطرة السياسية والاقتصادية أساسياً ، لكن الإخباريين لا يجدون تفسيراً لها سوى التفسير الديني المحض ) ونذكر في مجال الأسباب الاقتصادية ( اتصال العرب بكل من نصارى الشام ومسيحيي اليمن في رحلتي الشتاء والصيف) كذلك كان عرب الجزيرة وخاصة من يقطنون الأطراف الشمالية على اتصال بكل من الغساسنة والمناذرة ، الذين كانت تفشو فيهم ديانة المسيح .

 
 
  
 
ويذهب الأستاذ العميد د/ طه حسين أن العرب عرفوا النصرانية في الشام والعراق وربما في مكة وفي الطائف بفضل التجارة من جهة وبفضل من كان يصل إليها من الرقيق من جهة ثانية ، وبفضل بعض التجار الذين غامروا بأنفسهم وتجارتهم فوصلوا إلى مكة واستقروا فيها ، وكذلك عرف العرب المسيحية في نجران ) . ومن رأي د .محمد إبراهيم الفيومي ( أن المسيحية دخلت مكة وأن رحلات قريش التجارية ونظرية تقسيم الناس إلى أحرار وعبيد ساهمت في إدخال المسيحية في مكة ).
( أما الحجاز فقد كان يستقبل بانتظام القوافل القادمة من أطراف سوريا وما بين النهرين ، وكانت تلك المناطق تذخر بالأديرة والمعابد فكانت هذه القوافل تحمل معها القصص والموضوعات المسيحية ) كذلك ( كان في الحيرة من سراة النصارى من اشتركوا مع سراة قريش في الأعمال التجارية مثل كعب بن عيد التنوخي فهو من سراة نصارى الحيرة ، وكان أبوه أسقفاً على المدينة ، وكان يتعاطى التجارة وله شركة في التجارة في الجاهلية مع عمر بن الخطاب في تجارة البز وكان عقيداً له ) ويرى كارل بروكلمان أن بلاد العرب الداخلية وخاصة مدن الحجاز التجارية لم تكن تجهل تعاليم المسيحية وتقاليدها بسبب من اتصالهم الدائم بقبائل الشمال ) .

ومن أسباب انتشار النصرانية عند العرب وخاصة في الحجاز وجود عدد كبير من العبيد ( الرقيق ) الذين كانوا يدينون بها وقد كانت في مكة عند ظهور الإسلام جالية كبيرة من العبيد عرفوا بالأحابيش ومن هؤلاء عدد كبير من النصارى استورد للخدمة وللقيام بالأعمال اللازمة لسراة مكة . وقد ترك الأحابيش أثراً في لغة أهل مكة مثل عدد من الكلمات الحبشية والأدوات التي يحتاج إليه في الصناعات ، وفي الأعمال اليدوية التي يقوم بها العبيد وفي المصطلحات الدينية ) وهو ذاته ما أكده برهان الدين دلو والعميد طه حسين قال أن العرب في مكة والطائف عرفوا النصرانية بفضل من كان يصل إليهم من الرقيق ـ وجاء في كتب السيرة النبوية أن محمد ( ص ) عندما ذهب إلى الطائف يدعو إلى دينه قابل رجلاً نصرانياً من أهل نينوي يسمى " عداس " كان غلاماً أي عبداً لعتبة وشيبة ابنى ربيعة مما يؤكد انتشار الأرقاء النصارى في بيوت الأرستقراطية في مكة والطائف . وساهم وجود عدد من الأديرة التي يقطنها الرهبان النصارى في إفشاء الديانة الإبراهيمية " المسيحية " بين عدد من القبائل ( لعبت الأديرة دوراً هاماً في نشر النصرانية وتشير جغرافية توزيع الأديرة على انتشارها حتى في المواضع القصية من البوادي . وكانت الأديرة تتلقى المعونات من كنائس العراق والشام ).

ويؤكد د . جواد علي على هذه الحقيقة التاريخية فيقول ( أن دخول النصرانية إلى العرب كان بالتبشير وبدخول بعض النساك والرهبان إليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا ، وبالتجارة والرقيق ولا سيما الرقيق الأبيض المستورد من أقطار كانت ذات ثقافة وحضارة ) وسبق أن ذكرنا أن د . حسن إبراهيم حسن أورد أن سيناء كانت أهله بالأديرة والصوامع ) و( من المواضع التي وجدت فيها النصرانية سبيلاً في أرض العرب : أيله .. ووادي القرى نزلته قضاعة فهي من أثبت القبائل في النصرانية وكان يسكنه نفر من الرهبان ذكرهم جعفر بن سراقة بقوله :
فريقان رهبان بأسفل ذي القرى وبالشام عرافون ممن تنصروا

إن انتشار الأديرة والصوامع في وادي القرى وشبه جزيرة سيناء بل وفي الأصقاع القاصية من بوادي الجزيرة كان عاملاً فعالاً في نشر المسيحية بين القبائل لأن هؤلاء الرهبان والنساك كانوا يرون لزاماً عليهم نشر ديانتهم اقتداء بالمسيح عليه السلام ونقرأ في دواوين السيرة المحمدية أن الرسول ( ص ) عندما بلغ اثنتى عشر عاماً خرج مع عمه أبي طالب في ركب للتجارة سنة 582 م إلى الشام وأنهم قابلوا على الطريق راهباً من أهل النصرانية في صومعته يسمى بحيري ( وفي نجد اعتنق النصرانية قوم من طيء وكندة وقد أنشئت أديرة لرهبان النصارى في جبال طيء ) ، ولقد كان الكثرة من هؤلاء الرهبان على علم بالطب وظفوه واستخدموه في توطيد صلاتهم بعدد من شيوخ القبائل والتبشير بدينهم ( كان الكثير من المبشيرين على علم ووقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس فتمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم فنسب دخول بعض سادات القبائل ممن تنصر إلى مداواة الرهبان لهم ومعالجتهم حتى تمكنوا من شفائهم من الأمراض).

ويرى بروكلمان أنه ( ليس من شك في أن الرهبان الذين انتثرت صوامعهم حتى قبل الصحراء كان لهم كبير أثر في تعريف العرب بالنصرانية وبلغ من تمكن النصرانية في بعض قبائل شبه الجزيرة العربية أن عدداً من أفرادها ذوي النفوذ فيها قام بدوره ببناء أديرة وصوامع .
ويبين مما تقدم أن العديد من الأسباب تضافرت لإذاعة ديانة المسيح عليه السلام في الجزيرة العربية حتى أن قبائل كبيرة فشت فيها تلك الديانة كما سنوضح فيما بعد ، بل أن المسيحية دخلت مكة والمدينة المقدسة ومعقل الوثنية آنذاك ليس هذا فحسب بل إنها استطاعت ان تخترق قبيل قريش صاحبة الولاية على مكة ، إذ آمن بالنصرانية بعض بطونها ونفر من رجالاتها - وهنا يتعين علينا أن نضع في حسباننا أن النصرانية ديانة تبشيرية ليست مغلقة على أهلها كاليهودية وكان ذلك أحد عوامل انتشارها .

تلك كانت أسباب انتشار الديانة السامية والتوحيدية الثانية ( المسيحية النصرنية ) في جزيرة العرب . ولكن في أي البقاع انتشرت ؟ ذكرنا فيما قبل استقرارها في شمال شبه الجزيرة العربية لدى الغساسنة والمناذرة ومدن الشمال الشرقي ( العراق ) ثم في الجنوب في اليمن وفي البحرين وعمان بفضل البعثات التبشيرية ) وفي بلاد الحجاز وخاصة وادي القرى وكان أهل نجران نصارى وقدم منهم وفد إلى يثرب على عهد محمد عليه السلام برئاسة السيد والعاقب والأسقف ، وظل النصارى بنجران حتى خلافة عمر رضي الله عنه حيث أجلاهم تحت شعار " لا يجتمع في جزيرة العرب ( دينان ) ولو أن الطبري يذكر في تاريخه أنه كان بنجران في زمانه بقايا من أهل دين عيسى بن مريم على الإنجيل وأنهم أهل فضل وعبادة ) ( وكما انتشرت المسيحية في بلاد العرب وبوجه خاص في طيء ودومة الجندل ) وكانت هناك صوامع في وادي القرى ووجدت في نجران كنيسة أطلق عليها " كعبة نجران " ومال نفر من العرب إلى الرهبنة وبنوا أديرة ، والإخباريون ( يحدثونا أن حنظلة الطائي فارق قومه ونسك وبنى ديراً بالقرب من شاطئ الفرات يعرف بدير حنظلة ) وكان لتنصر المناذرة أثر كبير في بناء الأديرة والكنائس منها :

كنيسة بيعة بني مازن ، وأخرى تسمى بيعة بن عدي ، ومنها كنيسة الباغوتة ، أما الأديرة فكثيرة منها : ( دير اللج ، ودير مارت مريم ، ودير هند الكبرى ، ودير هند الصغرى ، ودير الجماجم ، ودير عبد المسيح ) .

نظراً لانتشار المسيحيى بهذه الصورة ، فقد كان من المحتم أن تقوم الكنيسة بتنظيم شئون العبادة في تلك المراكز ، ولا تتركها تسير بصورة عشوائية وهذا ما رجحه العقاد ( ولما كانت للنصرانية هذه المثابة من الامتداد في بلاد العرب لزم عن ذلك ولابد أنه كان للنصارى أساقفة في مواضع جمة منها لتنتظم بهم السياسة للكنائس وقد تقدم ذكر أسقف ظفار وقال بعضهم كانت نجران مقام أسقف وكان لليعاقبه أسقفان : يدعى أحدهم أسقف العرب بإطلاق اللفظ وثانيهما يدعى أسقف العرب التغلبيين ومقامه بالحيرة ، أما النساطرة فلم يكن لهم من هذين الكرسيين سوى أسقف واحد تحت الرئاسة بطريك له ) كما (عمد جوستنيان في عام 543 م إلي تنصيب أسقفين مونوفيزيين مستقلين للمناطق الواقعة علي الحدود العربية هما: يعقوب البرادعي وتيودور وساعد الحارث بن جبلة ملك الغساسنة في تمكين المذهب اليعقوبي في مجالات بعيدة بين العرب في شمال شبه الجزيرة العربية ) ويؤكد أحمد أمين أن ( كعبة نجران كان فيها أساقفة معتمدون ) وقد اشتهر من بين رؤساء الإسلام قبل الإسلام قس بن ساعدة ويذكر أدباء العرب أنه كان أسقف نجران ، ويقطع لامانس في كتابه عن يزيد ببطلان ذلك ويذكر أنه لم يكن له صلة بنجران ) وربما كان ظن أدباء العرب ، ذاك الذي ذكره أ . أحمد أمين ، مبعثه أن قساً كان يخطب في أسواق العرب مثل غيره من الأديان الذين كانوا يتخذون من تلك الأسواق منابر للتبشير بعقائدهم . أن كتب السيرة النبوية المعتمدة جاء فيها أن النبي محمداً ( ص ) سمع قس بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ وأنه ذكر لوفد بني إياد عندما وفد إليه في المدينة عام الوفود وأن واحدا منهم أعاد على مسامع محمد ( ص ) مقاطع من الخطبة التي سمعها الرسول ويقول د. محمد حسين هيكل كانت سوق عكاظ أكثر أسواق العرب شهرة فيها أنشد أصحاب المعلقات معلقاتهم ، وفيها خطب قيس وفيها كان اليهود والنصارى وعباد الأصنام يحدث كل عن رأيه آمنا لأنه في الشهر الحرام ) ولكن د. هيكل يذهب إلى أن قساً راهب نجران النصراني وهو الذي رفضه لامانس أنه من المرجح أنه من الحنيفية ثم أورد د . هيكل إحدى خطب قس بن ساعدة التي كان يلقيها في سوق عكاظ :
( أيها الناس اسمعوا وعوا ، من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو أت أت ، ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، وبحار تزخر ، ونجوم تزهر ، وضوء وظلام ، وبر وآثام ، وطعم ومشرب ، وملبس ومركب ، مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا ، وإله قس بن ساعدة ما على وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظلكم زمانه ، وأدرككم وأنه فطوبي لمن أدركه فاتبعه وويل لمن خالفه )

فهنا نجد أن قساً في خطبته ذكر الآيات الكونية التي تدل على أن الحياة لم تخلق عبثاً وألمح إلى البعث والنشور والحساب ، والأهم من ذلك كله أنه بشر بقرب ظهور دين جديد أفضل وأكمل ، ولا يأتي بداهة إلا على يد نبي أو رسول ، وواضح أن ابن ساعدة قد تأثر بتعاليم الديانتين التوحيديتين الموسوية والعيسوية وبأفكارهما وبقيمهما وأخصها عقيدة المخلص الذي يفك أسر المأسورين ويرفع الظلم عن المظاليم ويحقق العدل المطلق وهو الحلم الأبدي الذي يقض مضجع البشرية منذ بدء الخليقة ، وتبني الإسلام هذه الفكرة تحت اسم ( المهدي المنتظر ) ، ومن اللافت للانتباه أن هذه الفكرة أو العقيدة من الأفكار أو العقائد القليلة ، وإذا شئنا قلنا النادرة التي يتفق على الإيمان بها أهل السنة والجماعة مع الشيعة ويروون الأحاديث التي تؤيدها ـ كما أن هذه الفكرة ذاتها هي نقطة التقاء بين الديانات السامية الثلاث : اليهودية والمسيحية والإسلام ، وتجد نظائر لها في العقائد الأخرى .

إن خطبة قس التي أوردنا فيما سلف بعض نتف منها تذكر كتب السيرة المعتمدة التي تلقتها الأمة بالقبول ، بل والتجلة ، أن محمداً عليه السلام سمعها في عكاظ أو في غيرها من أسواق العرب مثل مجنة أو ذي المحاز ودومة الجندل ونطاة خيبر والمشقر وحجر اليمامة ، وتلك الأسواق كانت مجال خطب الدعاة والمبشرين الدينيين ، ومعرض قصائد الشعراء ومعلقات فحول الشعراء .

( قدم وفد إياد ـ قبيلة قس بن ساعدة - على النبي محمد ( ص ) فقال لهم : ما فعل قس بن ساعدة ؟ قالوا : مات يا رسول الله ، قال : كأني أنظر إليع بسوق عكاظ على جمل أورق وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه فقال رجل من القوم أنا أحفظه يا رسول الله وتلا عليه الخطبة فقال رسول الله : يرحم الله قساً أني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة وحده ) ولعل اعتناق قس بن ساعدة لدين عيسى عليه السلام - في رأي من يذهب إلى ذلك . أما نحن فنرجح أنه كان أحد الأحناف أو المتحنفين - نقول لعل اعتناق قس للمسيحية كان أحد أسباب انتشار النصرانية وفشوها بين أفراد إياد التي كانت واحدة من القبائل التي ذاعت فيها الديانة السامية الثانية _ أو المسيحية _ وهناك مبحث خاص سوف نخصصه للقبائل التي غزتها المسيحية وانتشرت بين أفخاذها وبطونها واعتنقها أبناؤها ، أو على أقل تقدير عدد وفير منهم ربما يصل إلى الأغلبية ، ( ويعد قس بن ساعدة من شعراء النصارى العرب مثل أمية بن أبي الصلت وعدي بن زيد ) ويذهب د. السيد عبد العزيز سالم أن ( ممن اعتنق المسيحية من مشاهير العرب : أرباب بن عبد القيس وعدي بن زيد العبادي وأبو قيس ابن أبي دانس من بني النجار وورقة بن نوفل وعبيد بن الأبرص وبحيري الراهب ) وورقة بن نوفل أحد أبناء عم أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها أولى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وأول من آمن به ، كما ان ورقة هو الذي قال أنه سوف يكون نبي الأمة ، أما بحيري الراهب فهو الذي تقابل معه محمد عندما كان غلاماً متوجهاً بصحبة عمه أبي طالب إلى الشام للمتاجرة ، ويقال أن ( أول من تنصر من ملوك الحيرة النعمان بن المنذر ، قيل على يد الجاثليق عبد يشوع ، وقيل على يد عدي بن زيد العبادي ، ودان بالنصرانية كثير من قبائل العرب النازلين بالحيرة أو بالمنطقة المحيطة بها من بينهم : تغلب من بطون من بكر بن وائل في ديار بكر ، وكانت هند بن النعمان زوجة المنذر بن امرئ القيس مسيحية ، فنشأ ابنها عمرو بن المنذر الذي تولى حكم الحيرة فيما بين عامي 554 / 569 م مسيحياً ، وإلى هند هذه ينسب دير هند الكبرى بالحيرة ) وكانت تنقلات القبائل أو بطونها أو أفخاذها مستمرة بين أطراف الجزيرة ووسطها ، ولذا فإن قبيلة تغلب هذه لم تكن هي الوحيدة التي فشت فيها النصرانية بل الكثير غيرها مثل : إياد قبيلة قس بن ساعدة وتميم وحنيفة وقضاعة وغيرها ، بل أن النصرانية اخترقت قبيلة قريش ذاتها ، فقد سبق أن كعب بن عبيد التنوخي وهو من سراة الحيرة النصارى رضي الله عنه قبل ظهور الإسلام ( وقال اليعقوبي : وأما من تنصر من أنحاء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى منهم عثمان بن الحويرث بن عبد العزى وورقة بن نوفل من أسد ) وقد ساق هذه الحقيقة التاريخية برهان الدين دلو (برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام الجزء الثاني ص224 مرجع سابق )

 
 
  
 
وبذلك يمكن القول أن النصرانية كانت متغلغلة في مكة ، واخترقت بعض بطون قريش بل أن البعض يذهب إلى أن المسيحية وجدت داخل الكعبة ذاتها ، ولو أننا نرى أن هذا الرأي ربما يفتقر إلى الأدلة الوثوقية ، وأن استند إلى بعض القرائن التي لا ترقى إلى درجة الدليل منها أن ( عدي بن زيد ) وهو من أشهر شعراء العرب النصارى في الجاهلية يقول :
سعى الأعداء لا يألون شراً عليك ورب مكة والصليب
فكيف يؤمن رجل نصراني بعيسى والصليب ويقسم بالكعبة مجمع الأصنام ، واتخذه الأب شيخو دليلاً على انتشار النصرانية في مكة وعلى تنصر أحياء منها وعلى أن النصرانية قديمة فيها ... وأضاف أن : صور الأنبياء وصور عيسى وأمه التي أمر الرسول بطمسها ومحو معالمها هي دليل على أثر النصرانية في مكة ولهذا أقسم عدي بها وكذلك الأعشى :
حلفت بثوبي راهب الدير والتي بناها قصي والمضاض بن جرهم
والأعشى عاش في الجاهلية وأدرك الرسول ومدحه ) ( د. جواد علي المفصل ، المجلد السادس ، ص666ـ669 ، مرجع سابق ) .

وأياً كان الأمر فإن النصرانية كان لها وجود في جوف الكعبة - حتى مع عدم ترقي تلك القرائن لدرجة الدليل الذي تطمئن إليه النفس ـ ذلك أن محو صورتي عيسى وأمه مريم بأمر محمد ( ص ) قد ورد ذكره في كتب السيرة .
ويؤكد أ . محمد كرد على وجود صور عيسى وأمه ، بقيتا حتى رآهما من أسلم من نصارى غسان وكان على أحد همد الكعبة تمثال مريم وفي حجرها ابنها مرزوقاً ) (محمد كرد علي ، الإسلام والحضارة ، ص123 الجزء الأول ، المرجع السابق .)

عن ابن شهاب أن النبي (ص ) دخل الكعبة يوم الفتح وفيها صور الملائكة فرأى صورة إبراهيم فقال : قاتلهم الله جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها وقال : امحوا الصور إلا صورة مريم .

اخبرني محمد بن يحي عن الثقة عنده عن ابن اسحق عن حكيم بن عباد بن حنيف وغيره من أهل العلم أن قريشاً كانت قد جعلت في الكعبة صوراً فيها عيسى بن مريم ومريم عليهما السلام .
قال ابن شهاب : قالت أسماء بنت شقر : أن امرأة من غسان حجت في حجاج العرب فلما رأت صورة مريم في الكعبة قالت : بأبي وأمي أنك لعربية ، فأمر رسول الله ( ص ) أن يمحو الله تلك الصور إلا ما كان من صورة عيسى ومريم .

ولعل من أظهر آثار الديانتين الساميتين على عرب الجزيرة قبل بعثة محمد عليه السلام ، شيوع أسماء الأنبياء الذين ورد ذكرهم في العهدين القديم والجديد ( التوراة والإنجيل ) مثل : آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قتل في الجاهلية وهو الذي وضع النبي محمد عليه السلام دمه بعد فتح مكة ، وإبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي القرشي ، واسحق الغنوي وهو من الصحابة وأبو أيوب الأنصاري ، وهو الذي نزل عليه الرسول عند مقدمه يثرب مهاجراً من مكة وسليمان بن نوفل ، وسليمان بن أبي حتمة القرشي ( كما كان اسم عبد المسيح شائعاً كثيراً لدى أهل الحيرة خاصة ) ولعل القارئ قد لاحظ أن عددا من هؤلاء كان من قبيلة قريش مما يدل على تأثرها بالمسيحية ، كذلك بين النساء انتشرت الأسماء الواردة في الكتابين المقدسين مثل : ( آسيا بنت الفرج الجرهمية ، مارية مولاة حجري بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل ، وهي التي حبس في بيتها الصحابي خبيب بن عدي، وحواء بنت زيد بن السكن ، وحواء بنت بجيد الأنصارية ، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش رضي الله عنها إحدى زوجات النبي محمد ( ص ) ومريم بنت إياس الأنصارية وأم عيسى بنت الجزار وأم يحي امرأة أسيد بن حضير أحد زعماء الأنصار ) وكلهن صحابيات .

********

من هذا كله يبين أن المسيحية كانت منتشرة في وسط الجزيرة العربية وأطرافها وذلك للأسباب التي أوردناها وكان حظها من الذيوع والانتشار أوفر من الديانة السامية التوحيدية الأولى ( اليهودية ) لعلل لا تخفى ، في مقدمتها أن النصرانية ديانة تبشير فضلاً عن استنادها إظلى مرجعيات سياسية متنفذة : دولتي الروم والحبشة ودويلتي أو إمارتي : الغساسنة والمناذرة ، والنصرانية كما اليهودية تركت أثاراً عميقة الغور في عرب الجزيرة على الأخص في الناحية الاعتقادية ، نذكر :

أولاً : ترسيخ عقيدة التوحيد التي وضعت بذرتها اليهودية أي الإيمان بإله واحد ونبذ ما عداه ، وترك التعددية الإلهية المتمثلة في عبادة الأصنام والأوثان ، وسبق أن ذكرنا أن انتشار المسيحية واليهودية في القبائل العربية كانتا من أوائل العوامل التي دفعت إلى تفسيخ الوثنية العربية لصالح عقيدة التوحيد ، وإلى إقناع العرب وخاصة عقلائهم وحكمائهم بسخف الإيمان بالتعددية الإلهية . ولا شك أنه كان للنصرانية النصيب الأوفر في ذلك ، لأنها كانت أشد ذيوعاً وأكثر انتشاراً من الموسوية ( اليهودية ) حتى أنها اخترقت قبيلة قريش ذاتها بل أنها دخلت قدس أقداسها ونعني به الكعبة .

ثانياً : تكريس عقيدة أو فكرة النبوة والتبشير بظهور نبي أطل أو أظل زمانه ، ففي الخطبة التي ألقاها قس بن ساعدة في عكاظ وسمعها محمد ( ص ) ( وإله قس بن ساعدة ما على وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظل زمانه وأدرككم أوانه ، فطوبي لمن أدركه واتبعه ، وويل لمن خالفه ) ( وعن مروان بن الحكم بن أبي سفيان عن أبيه قال : خرجت أنا وأمية بن أبي الصلت الثقفي تجاراً إلى الشام ، فكلما نزلنا منزلاً أخذ أمية سفراً يقرؤه علينا فكنا كذلك

 
 
  
 
حتى نزلنا قرية من قرى النصارى ) ( د . محمد حسين هيكل ، في منزل الوحي ، ص395 ، مرجع سابق ) ( وقد روى الإخباريين قصصاً عن التقاء أمية بالرهبان وتوسمهم فيه إمارات النبوة وعن هبوط كائنات مجنحة شقت قلبه ثم نظفته وطهرته تهيئة لمنحه النبوة ) (محمد كرد علي ، الإسلام وحضارة العرب ، ص125 ) وأمية هذا ( حضر البعثة المحمدية ولم يسلم ولم يرض بالدخول في الإسلام لأنه كان يأمل أن تكون له النبوة ، ويكون مختار الأمة وموحدها فقد برز نموذجاً للتطهر والزهد والتعبد وقد مات سنة تسع للهجرة بالطائف كافراً بالأوثان وبالإسلام ) (د . سيد القمني ، الحزب الهاشمي ، ص70 )

ثالثاً : في الخطاب الديني تركت النصرانية أثراً في العرب لا يقل عن أثر الموسوية فيه ، ويذهب د . السيد عبد العزيز سالم إلى ( أن الشعر الجاهلي يشهد على ذلك ) ويؤكد أحمد أمين أن المسيحية نشرت تعاليمها بين العرب ) (أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص27 ) كما يرى أحمد أمين أن شعراء النصارى مثل قس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت وعدي بن زيد لهم مسحة خاصة في شعرهم عليها طابع الدين ومتأثرة بتعاليمه ) (المرجع نفسه والصفحة نفسها ) .

وأورد د . سيد القمني عدة قصائد للشاعر أمية بن أبي الصلت تتضمن كلمات : الجنة والنار والبعث والحشر والنشور والحساب والرب ذا العرش والميزان وآيات الله كالسماء التي رفعت بلا عمد والأرض بلا وتد وبعثة الرسل مثل إبراهيم وإسماعيل وقصة الذبح والفداء ، موسى وهارون ليذهبا إلى فرعون الذي كان طاغياً ، ومريم التي لم تكن بغياً ولا حبلى والملك الذي جاءها وقال لها لا تجزعي وعيسى الذي أتى من الإله آية ولم يكن غوياً ولا شقياً وقصص الأولين مثل عاد وجرهم ويظهر من أدبيات بعض الإخباريين أن بعض أهل الجاهلية كانوا قد اطلعوا على التوراة والإنجيل وأنهم وقعوا على ترجمات عربية للكتابين منهم ورقة بن نوفل وأمية بن أبي الصلت ( د. جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص680 ، المجلد السادس ) ، وقد أكد البعض ترجمة الإنجيل للعربية آنذاك ، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري في كتاب " بدء الخلق " وفي كتاب " التفسير " عن أنه كان يقرأ الإنجيل باللغة العربية ويكتب منه ما يشاء الله أن يكتب ( حسني يوسف الأطير ، البدايات الأولى للإسرائيليات في الإسلام ، ص20 ) . كما يؤكد د / جواد علي أن الشعر الجاهلي قد حفل بالعديد من الألفاظ والعبارات والأفكار المستمدة من النصارى مثل الإقرار بإله واحد والنهي عن عبادة الأوثان ، والتقرب إليها والرب يكفي الإنسان ويرعاه ويساعده في حله وترحله والفناء على كل امرئ وليس أحد من هذه الدنيا بخالد ، والصلوات والقيام والركوع والسجود والتسابيح ، وتقديس اسم الله والتسبيح بعد الصلاة لا سيما الضحى والعشى ، والحواريون ورسم المسيح وتلامذته ) . (المرجع السابق ، ص67 )
ولعل من نافلة القول أن نضيف أن قصائد الشعراء وخاصة الفحول منهم كانت تقوم بالدور نفسه الذي تقوم به الصحف والمجلات في عصرنا الحالي ، وكانت هي أداة الإعلام الفعالة ، يحفظها العرب ويرددونها ويتناقلونها في مجالسهم ، ذلك أن الأمية كانت هي الغالبة عليهم " نحن أمة أمية " هكذا قال الرسول محمد ( ص ) فضلاً عن ولعهم بالشعر وكان للشعراء عندهم مكانة تسامى مكانة الانتلجنسيا في هذه الأيام ، وعندما كان ينبغ شاعر في قبيلة عدت ذلك من مفاخرها ، ويذهب أحمد أمين إلى أن شعراء وخطباء النصرانية ( أدخلوا على اللغة العربية ألفاظا وتراكيب لم تكن معروفة ) (أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص28 ) .

*********


هذه الآثار التي بصمت بها اليهودية والنصرانية الذهنية العربية خاصة في المجال الديني ، كانت من العوامل البالغة الخطر في التمهيد لقيام دولة قريش على يد محمد النبي عليه الصلاة والسلام إذ ساعدت عقيدة التوحيد التي قامت تينك الديانات بنشرها بين العرب قبل الإسلام على تفكيك عرى الوثنية والتعددية الإلهية التي كانت مسيطرة وقتذاك وساهمت في تفسيخها وفضحها والكشف عن زيفها ومنافاتها للعقل ومجافاتها للمنطق والحس السليم ، بحيث أن الإسلام الذي نادى به محمد فيما بعد ، جاء وقد عبدت أمامه الطرق وحرثت من تحته الأرض لتتلقى البذور التي ألقاها وهي أيضا بذرة توحيدية . وتكمن أهمية المناداة بالإسلام ضمن مكونات الدولة الوليدة لا في كونه عقيدة خاصة بالعرب ومتميزة عما سبقها في بعض المناحي فحسب ، بل لأنه كان أحد الأعمدة الركينة التي ارتكز عليها البناء الخاص بتلك الدولة ، وكان استعمال الدين كمدماك لشد أزر بنية الدولة بدأ قديماً بمبادرة المؤسس الأول ومجمع قريش قصي الجد الأعلى لمحمد عليه السلام لأنه لما كان يتمتع به من ملكات عقلية فذة ونادرة أدرك بثاقب نظره أهمية عنصر الدين في تعضيد الدولة ومؤازرتها فسار الأحفاد من بعده على هداه ، ومترسمين خطاه .

كما لعبت عقيدة التوحيد دوراً بارزاً آخر لا يقل خطورة وهو المساهمة في توحيد قبائل العرب ، لأن الإيمان بدين واحد أو عقيدة واحدة يخالف تماماً من الوجوه كافة وشتى المناحي اعتقاد كل قبيلة بإله خاص بها ، فالتوحيد في العقيدة سوف يؤدي بطريق الحتم واللزوم إلى صهر القبائل في بوتقة واحدة ، أو حتى التقريب بينها وإزالة مشاعر التفرد ، وربما النفور ، بما لا يستطيعه عامل آخر ، انظر إلى من يعتنقون ديناً واحداً سوف تجد بينهما العلاقة حميمة على اختلاف في عروقهم وتباعد بين ديارهم ، وهكذا كان فعل التوحيد التي بذرتها الموسوية والعيسوية أو اليهودية والنصرانية ( المسيحية ) في شبه الجزيرة العربية ، ولذا عندما جاء محمد ( ص ) يدعو إلى التوحيد والوحدة ونبذ العصبية وجد لصوته صدى ولندائه استجابة خاصة لدى العرب الذين خالطوا أبناء إحدى تبنك الديانتين وعلى سبيل المثال : الأوس والخزرج ، وهو باعتراف كتب التاريخ الإسلامي من أهم عوامل نجاح الدعوة المحمدية ، ونذكر في هذا المقام بقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهم ( يا معشر الأنصار لطالما أعز الله بكم الإسلام ) . وقد واكب التوحيد في الألوهية الذي نشرته الديانتين المذكورتين بجزيرة العرب نماء الشعور القومي عند القبائل العربية ولقد تمثل ذلك في هزيمة الفرس أمام العرب في " يوم ذي قار " وفي انتصار " ذي يزن " ومن ثم فلم يكن من قبيل المصادفة أن يتوجه إلى اليمن لتهنئة وفد من قريش على رأسه عبد المطلب الجد المباشر لمحمد ( ص ) .

وفائدة أخرى جليلة انطوت عليها عقيدة التوحيد ، وهي ترسيخ فكرة دولة مركزية يسوس أمورها حاكم فرد ، ذلك أن التعددية الوثنية أو بعبارة أخرى وجود إله لكل قبيلة أو مجموعة محدودة من القبائل ، يفضي إلى معنى مماثل وهو وجود رئيس لكل قبيلة ـ أما عقيدة التوحيد التي تنادي بإله واحد لا شريك له تنتهي إلى وجود حاكم واحد تخضع له كل القبائل ، ويذعن له جميع الناس ، لهذا وجد محمد بن عبد الله القرشي ( ص ) التربة صالحة لتولي مقاليد الدولة التي شاءت الظروف التاريخية أن تكون عاصمتها يثرب بدلاً من مكة ، حقيقة أن بعد وفاته لقى خليفته أبو بكر الصديق قدراً من المقاومة من بعض القبائل ، ولكن القبائل التي كانت قد مهدت لديها فكرة الدولة المركزية المنبثقة من عقيدة التوحيد والإيمان بالإله الوحيد وقفت إلى جانبه ، حتى تمت له السيطرة على الجزيرة العربية كافة ثم بدأ يمد السلطان العربي خارجها .

كذلك كان للديانتين الإبراهيميتين جانب آخر ساعد في التمهيد لقيام دولة قريش في يثرب ، هو ترسيخ فكرة مسئولية الإنسان عن أفعاله من خلال الثواب والعقاب لا في الحياة الآخرة ، فحسب بل أيضاً في الحياة الدنيا بوجود سلطة تتولى توقيع العقاب على المخالفين وهو ما عرف بـ " الحدود " وهذا أمر لم تكن تعهده بهذا المعنى المنتظم القبيلة العربية ، وخاصة تلك التي لم تكن مستقرة في المدن والقرى والواحات وأقصى ما كانت تعرفه هو الخلع ، أي خلع الفرد الذي يقارف أفعالاً منكرة تجر على القبيلة أو الفخذ المتاعب التي قد تؤدي إلى الحروب والغزوات ، ولعل اقتباس المتحنفين من الديانة اليهودية فكرة المسئولية الجزائية وتوقيع حدود الزنا والسرقة وشرب الخمر على المقترفين لها ، ومثال ذلك ما قام به عبد المطلب أستاذ الحنيفية وسيد مكة في زمانه والذي يقرب المعنى الذي نهدف إلى توضيحه ، ومن ثم لما جاء محمد ( ص ) ونادى بكل تلك القيم والتعاليم ، كانت الأذهان مهيأة لها ، وكانت تلك من الركائز التي توطدت بها أركان الدولة التي قامت على يديه في يثرب ، لأنه لا يتصور قيام أي دولة دون وجود مبدأ المسئولية والثواب والعقاب عن الأفعال .

ليس معنى ما سطرناه في هذه الفقرة أن الجانب العقيدي هو وحده الذي قام بعبء التمهيد لدولة قريش في يثرب ، فهذه نظرة أحادية الجانب لا نظن أننا قد رمينا إليها ، ولكن ما قصدنا إليه هو أن هذا العامل كان أحد أخطر العوامل الممهدة لنشأة تلك الدولة القرشية ، ولكنه لم يكن الفاعل الفرد بل لعبت إلى جواره عوامل أخرى أدت أدواراً بالغة الخطر .

* * * *

قبل أن نشرع في الكلام على القبائل التي اعتنقت المسيحية ، نلفت النظر إلى مسألة ذات بال وهي أن القرآن الكريم تحدث عن النصرانية لا عن المسيحية وعن النصارى لا عن المسيحيين ونسبة الناصري ترجع إلى ( الناصرة ) القرية التي ولد ونشأ فيها المسيح عليه السلام وتقع في منطقة الجليل ومن عنا لقب بـ ( يسوع الناصري ) .

ورغم أن القرآن المجيد جاء بعد عيسى بأكثر من ستة قرون فإنه توقف في تناوله لـ ( النصرانية ) عند حد معين ، فهو لم يذكر شخصيات شديدة الخطر في تاريخ ديانة عيسى بن مريم مثل شخصية بولس أو شاول الطرسوسي أول من نادى بألوهية المسيح وبالتثليث وبذلك حول مسار المسيحية بكامله ، ولا تحدث القرآن عن حوادث ذات أهمية بالغة مثلما حدث في مجمع نيقيه 325 م الذي كرس تلك العقيدة مثلما أصّـل لها الأصول وقعـّد لها القواعد وأبدع اللاهوت اللازم لها ، وأمسك عن ذكر تلاميذ المسيح بتفصيل حتى عن أكابرهم ومتقدمهم مثل الصخرة بطرس والأدوار التي قاموا بها في نشر عقيدة المسيح والتضحيات التي قدموها في سبيل ذلك . وعندما جاء القرآن يتحدث عن كتاب المسيحية المقدس يذكر الإنجيل بالمفرد ولا يأتي بكلمة واحدة عن الأناجيل الأربعة المتداولة لدى اتباع يسوع عليه وعلى أمه السلام ـ أن القارئ للقرآن العظيم يشعر بفارق هائل بين حديثه عن اليهودية وبين تناوله للمسيحية .
تكلم على الأولى باسهاب وافر في العديد من السور والآيات حتى أدق التفاصيل لم يغفلها بينما طرح المسيحية طرحاً موجزاً مقتضباً أشد ما يكون الإيجاز وأبلغ ما يجيء الاقتضاب .
ما تفسير ذلك … ؟

 
 
  
 
العلة في رأينا ترجع إلى أن الفرقة ( أو الفرق ) التي وصلت إلى وسط الجزيرة وغربها .. إلى منطقة الحجاز كانت هي فرقة ( اليهود المتنصرين ) أو ( اليهود الناصريين ) نسبة إلى الناصرة مسقط رأس المسيح أو ( النصارى الموحدين ) أو ( الخوارج ) كما تصفهم بعض الكتابات المسيحية .
هذه الفرق أو ( الفرقة ) هي التي آمنت بالمسيح رسولاً وليس إلهاً ولا هو ابن الله ولا هو ثالث ثلاثة وأنه مخلوق وبشر وليس رباً معبوداً وأنه نبي مثل غيره من الأنبياء وهو كأحدهم أرسله الله تعالى للناس وأن الله جل جلاله خلقه في بطن أمه مريم العذراء البتول من غير أن يلامسها ذكر وأنه روح القدس وكلمة الله تباركت أسماؤه وان روح القدس والكلمة مخلوقان خلقهما الله بقدرته .

ولعل القارئ قد لاحظ أن هذه المعاني أو الاعتقادات التي كانت تؤمن بها تلك الفرقة ( الفرق ) تكاد تكون مطابقة لما جاء بشأنها في القرآن الكريم مع بعض الفروق التي مردها إلى التزام القرآن الصارم بـ (التوحيد الخالص ) النقي من أية شائبة وإلى ميل القرآن إلى تنزيه السيدة مريم تنزيهاً كاملاً ، هذه الفرقة أو الفرق التي ظلت متمسكة بالتعاليم الصحيحة التي جاء بها المسيح فتعرضت للاضطهاد من قبل شاؤول الطرسوسي أو بولس ففرت بدينها الحق إلى وسط الجزيرة وغربها : مكة ، نجران ، دومة الجندل ، وادي القرى … تماماً كما هاجر اليهود ـ إلى الحجاز ـ فالجزيرة العربية ( وفيها الحجاز ) هي الامتداد الطبيعي للشام وفلسطين ويخبرنا التاريخ أن الهجرات كانت تبادلية بينهما .

وسبق أن أوردنا رأي كل من العقاد والفيومي في وقوع اضطهاد في القرن الأول الميلادي على اتباع ابن مريم مما اضطرهم إلى الهروب إلى الحجاز ـ ووجود فرقة ( أو فرق ) تؤمن بتعاليم المسيح الصحيحة قامت أدلة على ثبوتها وجاء ذكرها في المصادر الإسلامية والمسيحية على السواء وكون المصادر تصمهم بالمروق أو الخروج أو التحريف لا ينفي مسألة ثبوتهم تاريخياً ) وركان علماء السلف من المسلمين على علم بوجودهم خاصة أولئك الذين أرخوا للفرق والملل والفصل والنحل والأهواء والشيع … الخ منهم ابن حزم الأندلسي .

وكان من البديهي أن يكف أولئك النصارى عن ذكر بولس أو شاؤول خصمهم اللدود أو عدوهم المبين وقاهرهم وملجئهم للهجرة والهرب وأن يصفوه وأتباعه بالكفر والمروق عن الدين الصحيح دون إفصاح عن أسمائهم أو تعيين لذواتهم إهمالاً لشأنهم وازدراء لهم .

وكانت تلك الفرقة ( الفرق ) أيضاً لا تعترف إلا بـ " إنجيل " واحد والمعروف بـ " إنجيل الابيونيين " أي إنجيل " اليهود المتنصرين أو اليهود الناصرين أو النصارى الموحدين " وكانوا يعتبرون ما عداه تحريفاً للإنجيل الصحيح الذي بشر به يسوع . ولقد تحدث القرآن عن تحريف أهل الكتاب لكتبهم المنزلة وحصراً عن نسيان النصارى حظا مما ذكروا به ( س المائدة / 14 ) . الخلاصة أن هذه الفرقة أو الفرق في صميم اعتقادهم أنه انجيل واحد ومن ثم لم تذكر الأناجيل الأربعة لأنها في نظرها باطلة .

ويخبرنا باحث مسلم أن تلك الفرق أو الفرقة ( كانت تقول أن بولس مرتد وتسلم بـ ( إنجيل متى ) لكن هذا الإنجيل عندها مخالف لهذا الإنجيل المنسوب إلى متى الموجود عند معتقدي بولس الآن في كثير من المواضع ولم يكن البابان الأولان فيه ، فهذان البابان وكذا كثير من المواضع محرفة عند هذه الفرقة ومعتقدو بولس يرمونها بالتحريف .

والفرقة المعنية في الفقرة السابقة هي فرقة الابيونيين وهي من أشهر فرق اليهود
المتنصرين وهي تقطع بأن إنجيل متى قد حرف خاصة في البابين الأولين وهما اللذان يتناولان قصة ميلاد عيسى وعذراوية أمه مريم . (عقائد النصارى الموحدين ، ص30 ) .

أما المراجع المسيحية فتقول عن الابيونيين : وجد في فلسطين مسيحيون من اليهود باسم الناصرين وابيونيين ولا نستطيع الجزم هل كانا مذهبين منفصلين أو أنهما كانا جناحين لمذهب واحد من ذوي الآراء المتحررة أو الضيقة .

فالبعض مثل هارناك يعتقد أن الإسمين هما لقب للمسيحيين من اليهود بينما يعتقد البعض الآخر أن الابيونيين هم جماعة الرجعيين والمذهب الأضيق من المسيحيين اليهود بينما كان الناصريون أكثر تسامحاً مع من يختلفون معهم في العقيدة والممارسات ( دائرة المعارف الكتابية ، الجزء الأول ، ص55 ، ط1 ، 1988 ) .

وفي موضع آخر ( يمكننا وصف الابيونيين عموما بأنهم : المسيحيون اليهود الذين عملوا على الاحتفاظ بقدر الامكان بتعاليم وممارسات العهد القديم ) (المرجع نفسه والصفحة نفسها )

ولعل التوصيفات التي أطلقتها دائرة المعارف الكتابية على الابيونيين مثل : ذوي الآراء الضيقة .. جماعة الرجعيين .. المحتفظين بتعاليم العهد القديم .. تشي بأنها الفرقة أو الفرق التي تمسكت بالتعاليم الأولى الأصلية التي بلغها المسيح والذي صرح في أكثر من مناسبة أنه ما جاء لنقض الناموس وألوهية المسيح والتثليث نقض لا شك فيه للناموس . ولكن الدوائر الدينية المسيحية الرسمية ( رئاسات شئون التقديس ) تضع إنجيل الابيونيين من ضمن الأناجيل الأبوكريفا أي غير المعترف بها أو الخارجة أو المحرفة أو المتحولة أو المزورة .

ان الابيونيين لديهم إنجيل يسمى ( الإنجيل بحسب متى ) غير كامل وغير صحيح تماماً بل هو مزور ومشوه ويسمونه الإنجيل العبري . (دائرة المعارف الكتابية ، الجزء الأول ، ص55 ) . ونذكر أن الحذف يتعلق بنسب المسيح .

ويلقي لنا د. عبد المنعم حفني مزيدا من الضوء على هؤلاء الابيونيين منهم :
فرقة من اليهود المستنصرين .. التسمية تعني الاغمار لأنهم كانوا من نكرات اليهود .. أو انهم من الفقراء إلى الله قبلوا المسيح بمعنى ( المهدي المنتظر ) ورفضوا الإقرار بالألوهية وولادته العذرية وقالوا أن المسيح .. رسول قد خليت من قبله الرسل ( الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية ، ص43 ،ط1 ، 1410 / 1980 ) .
ونضيف أنهم يؤكدون أن من يزعم خلاف ذلك فهو مجدف في حق الله تعالى .. ومستحق اللعنة الأبدية ورفضوا الإقرار برسولية بولس ( شاؤول ) ودخلوا معه في عراك .

أما د. جواد علي فيرى أن الابيونيين ( جماعة من قدماء اليهود المتنصرين عرفوا بهذه التسمية العبرانية الأصل التي تعني الفقراء .. وهم يعتقدون بوجود الله الواحد خالق الكون وينكرون رأي بولس الرسول في المسيح ويحافظون على حرمة السبت وحرمة يوم الرب وقد ذهب بعض قدماء من نتحدث عنهم إلى أنهم فرقتان بالقياس إلى مولد الابن المسيح من الأم العذراء ويعتقد أكثرهم أن المسيح بشر مثلنا أمتاز على غيره بالنبوة وأنه رسول الله . وهو نبي كبقية من يبقه من الأنبياء المرسلين .

وقد آمن بعض منهم بعقيدة ( العذراء ) وولادتها المسيح من غير اتصال ببشر ، غير أن بعضاً آخر منهم آمن بأن المسيح ابن مريم من ( يوسف ) فهو بشر تماماً ، أنكر الصلب المعروف ، وذهب إلى أن من صلب كان غير المسيح وقد شبه على من صلبه فظن أنه المسيح حقاً ورجعوا إلى إنجيل متى المعروف بالعبرانية وأنكروا رسالة بولس على النحو المعروف عند بقية النصارى ) (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، د.جواد علي ، الجزء السادس ، ص635 ، ط2 ، 1978 م ، دار العلم للملايين ، بيروت ) .

ولسنا بصدد تاريخ للفرقة الموده من أتباع يسوع ولا نزعم أن الفرقة البيونية هي حصراً التي هاجرت إلى الجزيرة العربية واستقرت أو شيعة منها في مكة حتى ظهور الإسلام ، ولكن الحقيقة المؤكدة أن هناك فرقة أو فرق من اليهود الذين تنصروا وتمسكوا بتعاليم صحيحة له وأوذوا واضطهدوا من أجل ذلك ففرت إلى الحجاز وظلت على عقيدتها وتبشر بها وتتعامى عن خصومها وأعدائها ولا تعترف إلا بإنجيل واحد ، ولعزلتها في وسط وغرب الجزيرة انعزلت وانقطعت صلتها بباقي الفرق والطوائف المسيحية ولم يعد لها بما كان يجري في مسيرة المسيحية خارج الحجاز أو الجزيرة وظلت على هذه العزلة تجتر تلك التعاليم الأولى التي أحضرتها معها من فلسطين وبقيت على هذا المنوال وعلى هذه الصورة حتى أعلن النبي محمد ديانته .. ولكن الذي لا شك فيه أن ذلك كان موافقة تاريخية بكل المقاييس لأن تلك الفرقة كانت موحدة تنادي بالتوحيد وتلح عليه وكانت كل الظروف في تلك الآونة تطلب التوحيد بل وتنقب عليه بمعنى أنه ولو كانت تلك الفرقة مثلثة أي تؤمن بالتثليث وتبشر به وتنبذ التوحيد وترفضه وتعاديه ، لحدث تنافر بينها وبين تلك اللحظة التاريخية التي كانت تمر بها الجزيرة العربية .
ومن هذا المنطق ـ منطلق التوافق ـ بين دعوة تلك الفرقة أو الفرق وبين موجبات التوحيد السائدة على كل الأصعدة ، تبرز القيمة الحقيقية لوجودها آنذاك .
قبائل كبيرة فشت فيها النصرانية

انتشرت المسيحية في شبه الجزيرة العربية عموماً وفي الحجاز خصوصاً ومما يدل على ذلك أن عدداً من القبائل الكبيرة اعتنقت غالبية أفرادها تلك الديانة ، نذكر فيها على سبيل المثال ثلاثاً .

أولاً : إياد

 
 
  
 
أولاً : إياد

يبدو أن ديانة المسيح كانت متمكنة من هذه القبيلة ، ويظهر ذلك من قيامها بدور بارز فيما سمي في التاريخ الإسلامي بـ " حروب الردة " ونحن نعتقد أنه جانب من أهم الجوانب التي غفل عنها المؤرخون وهم يعددون الأسباب التي دفعت كثيراً من قبائل شبه الجزيرة العربية إلى الانتفاضة على الحكومة التي قامت في المدينة برئاسة الصديق أبى بكر رضي الله عنه بعد وفاة الرسول محمد ( ص ) أو قل أن المؤرخون تغافلوا عنها ونعني بذلك الجانب الاقتصادي والجانب العقائدي ونقصد بالأخير هو أن اعتناق القبائل للديانة المسيحية وتغلغلها في صفوف أفرادها وأن إسلامها من ثم كان ظاهرياً جعلها تتحين الفرصة للثورة على المدينة ، وقد جاء لها الفرصة عند وفاة الرسول ( ص ) . وقبيلة إياد مثل على ذلك فقد ساهمت في حروب الردة ووقفت إلى جانب جيوش الروم والفرس أثناء الفتح العربي الإسلامي لبلادها أو للبلاد التي كانت تحت سيطرتها . ولم يحدد المؤرخون الوقت الذي تحولت فيه قبيلة إياد من الشرك وعبادة الأصنام إلى المسيحية ولكنهم يطرحون العديد من الأسباب التي أدخلت النصرانية إليها ، منها اتصالها بالدولة اللخمية وانطواؤها تحت هيمنتها ، كذلك ارتحال بعض بطونها إلى مشارف بلاد الروم واتصالهم بأهلها ، فقام قسس ورهبان من الروم بالتبشير بالنصرانية بينهم ، ( والأمر المؤكد أن إياداً كانت على النصرانية وقت ظهور الإسلام ) وموطن إياد كان " تهامة " وقد عاونت " مضر " في إجلاء " جرهم "من مكة وتولت حماية البيت ثم هاجرت إلى البحرين والعراق ، ولوجودها هناك خضعت لسلطان دولة اللخمين في الحيرة التي كانت المسيحية قد انتشرت فيها منذ أن نبذ النعمان عبادة الأوثان فبنيت الكنائس والأديرة . وأصبحت في الحيرة طائفة هامة هي طائفة العباد ( د . السيد عبد العزيز سالم ، دراسات في تاريخ الإسلام ، ص284 ) ومن تلك الأديرة : دير اللج الذي بناه النعمان ودير مارت مريم ودير هند الكبرى ودير هند الصغرى ودير الجماجم وهو ينسب إلى قبيلة إياد ويفسر البلاذري في فتوح البلدان سبب هذه التسمية بأن (مالك بن محرز الإيادي قتل قوماً من الفرس ونصب الجماجم عند الدير فسمي دير الجماجم ( ودير عبد المسيح ) ( المرجع نفسه ، ص281 ) . ومن أسباب انتشار المسيحية في قبيلة إياد تنصر قس بن ساعدة أحد أبناء القبيلة وأحد خطباء العرب المعدودين ، وكانت له في سوق عكاظ خطب مأثورة يحفظها الناس عن ظهر قلب لبلاغتها ، وعلى الرغم من أن وفداً من إياد جاء إلى رسول الله ( ص ) في عام الوفود سنة 9هـ فانه من الثابت أن إيادا كانت ضالعة في حروب الردة بشكل متميز .

كما أنها قاتلت جيوش الفتح العربي في فارس والشام ، ونحن نرجع علة ذلك إلى تفشي النصرانية في صفوفها وأن الإسلام كان غطاء ظاهرياً وأنها كانت تتربص مثل بعض القبائل التي كانت دخلت دين المسيح ، وتتحين الفرص لتعود إلى دينها ، وهذه مسألة تحتاج من المؤرخين خاصة لفجر الإسلام ، مزيداً من التمحيص .

وفي سنة 11هـ انضمت قبيلة إياد إلى " سجاح " التميمية ( وكان على رأسها وتاد بن فلان وكان الإياديون يشكلون فرقة من جيش سجاح وهي مقبلة من أرض الجزيرة بالعراق ) ولم تمهد إياد بعد انكسار المرتدين ( ففي السنة الثانية عشرة من الهجرة نجد اسمها في عداد من قاتل خالد بن الوليد في " عين التمر " التي انتهت بظفر خالد بن الوليد والمسلمين على جموع العجم والنصارى ) (د . محمد إحسان النص قبيلة إياد ، ص24 ) ( وإلى جانب هؤلاء الأعاجم أقام عشير عظيم من قبائل البادية : بني تغلب والنمر وإياد يرأسهم عقبة ابن أبي عقة والهذيل ومن كان معهم على قيادة الجيوش التي نفرت مع سجاح لغزو المسلمين بالمدينة ) (د . محمد حسين هيكل ، الصديق أبو بكر ، ص221 ) وكعادته في المعارك التي تولى قيادتها خالد بن الوليد رضي الله عنه دحرهم ، ولكن إياد لم تستسلم وظلت على عدائها للإسلام والمسلمين فشاركت في قتال خالد بن الوليد وذلك في وقعة " الفراض " وهي على تخوم الشام والعراق والجزيرة فدارت الدوائر على الروم وأحلافهم ) بل أن هناك من الباحثين من يرى أن ( قبيلة إياد لم تكن من بين المنضمين للروم فحسب ، بل كانت من بين من كان يحرضهم على قتال المسلمين ) هذه الاستجابة من قبل إياد على محاربة المسلمين مرة بعد مرة مع من سموا بـ " المرتدين " وأخرى مع العجم ( الفرس ) وثالثة مع الروم دليل لا يقبل الشك على تمسكها بعقيدتها النصرانية وأن ذلك كان أحد العوامل وأن لم تكن العامل الوحيد في إصرار إياد على عداوة الدين الجديد .
وكما ذكرنا فقد كانت هناك عوامل أخرى اجتماعية واقتصادية ولكنها تخرج عن نطاق بحثنا وهو انتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية والحجاز وقت ظهور الإسلام .

أياً كان الأمر ، فالثابت أن المسيحية لم تكن ديناً عارضاً أو عقيدة هامشية في تلك البقاع بل على العكس فقد كانت هناك من القبائل الكبيرة ذات الثقل ممن دانت بها .

ثانيا : تميم

عرفت المسيحية طريقها إلى قبيلة تميم مثلها في ذلك مثل قبائل أخرى : تغلب وقضاعة وطيء ومذحج وغسان وربيعة ، وسبق أن ذكرنا أسباب ذلك وهناك سبب خاص بـ " تميم " ساعد على اعتناق كثير من أفرادها الديانة المسيحية وهو وجود علاقة حميمة بينها وبين مملكة الحيرة التي دان ملوكها بالدين نفسه مؤخراً ، إلى جانب ذلك بحث الإخباريون عن روابط وثيقة للغاية قامت بين زهماء قبيلة تميم وقريش ( ذكر كسترو أن تميماً لعبت دوراً كبيراً في العصر الجاهلي ، وكانت تساهم كثيراً في دعم نفوذ هذه المدينة في المجتمع القبلي لشبه الجزيرة العربية ( د. عبد الجبار العبيدي في قبيلة تميم العربية بين الجاهلية والإسلام ص31 الرسالة 37 ، الحولية 7 ، 1406هـ ، 1986 م ) . ولم تكن تلك الرابطة تقتصر على المصالح التجارية أو على " الإيلاف " بل تعدتها إلى علاقات اجتماعية تمثلت في قيام مصاهرات أسرية بين القبيلتين إذ تزوج قرشيون من تميميات وتزوج تميميون من قرشيات ، وكان ذلك منذ عهد مبكر ، فقد تزوج عبد شمس بن عبد مناف : عبلة بنت عبيد ابن جازل " التميمي " وكان أولاده وأحفاده منها يسمون " العبلات " واستمرت علاقة المصاهرة حتى بعد ظهور الإسلام إذا اصهر عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي في ابنته " أسماء " وكذلك فعل علي وجعفر ـ ابنا أبي طالب ـ ومن الجانب الآخر تزوج حنظلة بن الربيع كاتب النبي محمد ( ص ) من بنت نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ونلفت الانتباه أن الإصهار إلى قريش كان لا يتم إلا من رؤوس بني تميم وشيوخهم ، لا من عامتهم كما سبق أن ذكرنا .
علاوة على ذلك كانت هناك تداخلات سياسية بين القبيلتين الكبيرتين ، إذ بخلاف الإيلاف الذي دخلت فيه " تميم " كغيرها ، فإن فريقاً من المتنفذين من قبيلة " تميم " قبلوا كمستشارين يؤخذ رأيهم في إدارة مكة من الوجهة السياسية بل أن قريشا قلدت " تميما " وظائف على درجة كبيرة من الأهمية من الناحية الدينية ، فقد كانت وهذا على سبيل المثال وظيفة " الإفاضة " غداة النحر إلى منى في يد تميمي هو زيد بن عدوان ، واستمرت في بني تميم حتى جاء الإسلام .

فهذه القبيلة التي كانت المسيحية فيها فاشية توثقت العلاقة بينها وبين قريش من نواح عديدة : تجارية واجتماعية ودينية ، وهذا الاتصال الوثيق يجعل المسيحية وتعاليمها قريبة المنال من القرشيين .

وإذ أن تميماً من القبائل التي اتصلت بمصب الفرات وبالخليج الفارسي وكان أبناؤه ينتقلون بين شبه الجزيرة العربية وأرض العراق ، فقد كان ذلك واحداً من أسباب اعتناق كثير منهم النصرانية ، وكان ممن تنصر " سجاح " التي ادعت النبوة فيما بعد ، وهي من بني " حروب الردة " موقف سجاح تلك وموقف قبيلة تميم من تلك الحروب مع ما قلناه من اعتناق غالبية أبنائها للمسيحية وتنصر سجاح ، كل ذلك يدعونا إلى تكرار ما نادينا به من ضرورة تمحيص الباعث الديني لمثل تلك القبائل في ضلوعها في حرب حكومة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في المدينة ـ وعدم الاكتفاء بالسبب السهل " المجاني " الذي يرجع تلك الحروب إلى سبب وحيد هو امتناع تلك القبائل عن تأدية الزكاة لحكومة المدينة .

ومما يقطع بأن قبيلة " تميم " قد ضربت بسهم وافر فيما سمي بـ " حروب الردة " أن خالد بن الوليد ( لم يدع بني تميم حتى قضى في ديارهم على كل نافخ نار للفتنة أو في رمادها ) فهذه القسوة البالغة من جانب " سيف الله المسلول " والتي دفعته إلى القضاء على كل " نافخ نار " تقطع بأن مقاومة بني تميم لجيوش المسلمين كانت شديدة الصلابة ، بالغة العناد ونرجح أن سبب ذلك هو انتشار المسيحية فيها ، وهو الذي جعلهم يستميتون في الدفاع عن عقيدتهم ـ هذا بالأضافة إلى الأسباب الأخرى التي تند عن مجال بحثنا ويحدد د. محمد حسين هيكل منازل بني تميم على الوجه الآتي :

( تمتد من الشمال الشرقي لبلاد العرب حتى تتاخم خليج فارس في شرقها وهي تقع كذلك إلى شمال المدينة من الشرق ثم تنحدر حتى الجنوب الشرقي من مكة ) أي أن القبائل التي انتشرت النصرانية فيها كانت مضاربها قريبة من مكة والمدينة " الحجاز " ثم تمتد حتى التخوم وأن علاقات حميمة وروابط وثيقة انعقدت بينها وبين القرشيين .

ولعل من الأدلة التي تقوم على فشو النصرانية في قبيلة بني تميم ( قول طخيم بن الطخماء في مدحهم :
وأني وأن كانوا نصارى أحبهم ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق


ثالثاً : حنيفة

إحدى القبائل التي كانت تدين بالنصرانية وقد اعتنقها وملكها هوذة ابن علي " الحنفي " وزاره آركون أسقف دمشق وتباحث معه في شأن ظهور الدين الجديد " الإسلام " وتروي بعض الأخبار أنه بعد أن وعده الرسول ( ص ) أن يقره على ما تحت يده ـ في حالة إسلامه ـ فأن جماهير بني حنيفة " النصارى " أبوا عليه ذلك ، وهددوا بخلعه إن فعل . ( د. إحسان صدقي العمد ، في حركة مسليمة الكذاب ، ص32 ، الحولية العاشرة ، الرسالة الثامنة والخمسون ، 1409 ، 1410 هـ ، 1981 ، 1982 م حوليات كليات الآداب ، جامعة الكويت ) . ويبالغ " ليال " إذ يقول : " أن بني حنيفة على بكرة أبيهم كانوا نصارى " وإذ إن مضاربهم كانت في اليمامة في أواسط نجد شمال شرق الجزيرة العربية ، فان الأمر المؤكد أنه كانت توجد في تلك الأنحاء أديرة يسكنها عدد من الرهبان النصارى مما يقطع بوجود مسيحي في اليمامة ، وما هو جدير بالذكر أن بني حنيفة كانوا يسكنون الحجاز وغادروها عقب البسوس في منتصف القرن السادس الميلادي ( المرجع نفسه " حركة مسليمة الكذاب " ص28 ) ومعلوم أن مسليمة الكذاب الذي ادعى النبوة كان من بني حنيفة وكان يقول : " أن له نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشا لا يعدلون ) ( د . محمد حسين هيكل في الصديق أبو بكر ، ص75 ) . ودور بني حنيفة فيما عرف بـ " حروب الردة " مشهور وقد قاتلوا المسلمين قتالا مريرا حتى أن عكرمة بن أبي جهل رغم جسارته وقرشيته انهزم أمامهم هزيمة منكرة ( وجاء النصر على يد خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد شدائد وأهوال في موقعة " حديقة الموت " واستشهاد مئات المسلمين منهم تسعة وثلاثين من كبار الصحابة والقراء " حفظة القرآن " ) ( المرجع نفسه،ص19 ) .

أن الدفاع المستميت والقتال الشرس من جانب بني حنيفة للمسلمين فيما عرف بـ " حرب الردة " له أسباب اقتصادية إذ أن " حنيفة " كانت مضاربها في واحات خصيبة تغل محصولات زراعية متنوعة ، وكان شطر من أبنائها يعملون في الزراعة وكانت منطقتهم مشهورة بإنتاج القمح " الحنطة " . وأحرى اجتماعية إذ كانت التركيبة الاجتماعية لديهم تختلف عن باقي القبائل لكن بداهة يجيء في مقدمة تلك الأسباب : السبب العقائدي ونعني به إيمان غالبية أناء تلك القبيلة بالمسيحية ـ وهذا ينطبق بدوره على سائر القبائل التي اعتنقت هذه الديانة وخاصة القبائل الثلاث التي ذكرناها في هذا الفصل .

ويرى برهان الدين دلو أن المسيحية ( تسربت إلى اليمامة وهي إحدى الواحات الشهيرة بتقدم زراعتها ورقي صناعتها وتحضر سكانها وكان معظم أهل اليمامة قبيل الإسلام من بني حنيفة الذين اعتنق بعضهم المسيحية ) ( برهان الدين دلو ، في جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الثاني ، ص225 ) .
الصابئة
أولاً : الصابئون

فرقة دينية قديمة ـ سوف نرى فيما بعد لها فرعين - ذات معتقدات يشوبها قدر من الغموض والتعقيد . أما عن قدمها : فيزعم بعض أتباعها أنهم يعتنقون ملة النبي نوح عليه السلام بل وتعاليم النبي أدريس عليه السلام وغيرهم يرى أن اسمهم يرجع إلى اسم صابئ بن لامك أخي نوح .

ولسنا بصدد التأريخ لها وشرح عقائدها إلا بالقدر الذي يتصل بجوهر كتابنا ونعني به تبين العوامل الفاعلة في التوحيد الذي ساهم في تحول قريش من قبيلة هاشمية تسكن جبال مكة وأطرافها إلى دولة مركزية تحكم الجزيرة العربية كلها ثم الإمبراطورية الواسعة التي عرفها التاريخ .

* * * *

 
 
  
 
احتدم الخلاف بين اللغويين والباحثين والمؤرخين والمفسرين والدارسين في حقل الملل والنحل والفرق سواء بين الإسلاميين والإسلاميين أو بين الإسلاميين والغربيين حول الصابئة أو الصابئين حتى هذين الاسمين لم يفلتا من الاختلاف ، فالبعض يرى أنهما يدلان على مسمى واحد وأنه لا فرق بين الصابئة والصابئين ، والبعض الآخر يذهب إلى أنهما متمايزان وأن الصابئة فرقة والصابئين فرقة أخرى .

والاختلاف بدأ مبكراً بخصوص أصل الاسم أوجذره أو مأخذه فهناك من يرى أن " صبأ " معناه ظهر وطلع كما تطلع النجوم أو تظهر ( تاج العروس من جواهر القاموس ، الزبيدي ، والقاموس المحيط ، الفيروز آيادي ، والمعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية ) .

ومنهم من يذهب إلى أن " صبأ " يصبو : إذا نزع واشتاق أو فعل فعل الصبيان أو صبا إذا عشق " (معجم القرآن الكريم ، إعداد مجمع اللغة العربية نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب ) .
فهنا نرى أن جذر الكلمة "صبأ " قد تراوح ما بين :
ـ طلع أو ظهر
ـ نزع أو اشتاق
ـ فعل فعل الصبيان
ـ عشق
ولكنها جميعاً تدل على : الظهور والبزوغ والتحول من حال إلى حال .

هناك شبه إجماع بين البحاث العرب المسلمين على أن معنى صبأ الرجل : خرج من دينه الذي هو عليه إلى دين آخر .
ومن هنا كان يقال عن النبي محمد ( ص ) " الصابئ " هكذا كانت تسمية العرب وقريش وهذه المصادر الثلاثة التي أوردناها على سبيل المثال تعلل ذلك بقولها :
أن النبي ( ص ) ترك دين قبيلته قريش إلى دين الإسلام فهو قد صبأ .
وهو تعليل جرى عليه السلف ةلكن ليس هناك ما يمنع عقلا أن يكون هناك تعليل أخير .

******

أما عن الدارسيين الغربيين فهم طالهم الاختلاف حول جذر الكلمة أو مأخذها وأتى كل واحد منهم بتفسير فمنهم من يرجع كلمة ( صبأ ) إلى الكلمة العبرية ( صبغ ) أي غمس أو غطس أو أغمد ...
وبذلك يكونون هم " المعمدون " الذين يباشرون طقس ( التعميد ) بواسطة الغطس .

وهنا نورد معلومة قد تلقي مزيداً من الضوء على الرأي الذي يذهب إلى أن معتقدات الصابئة ترجع في الأصل إلى مصر القديمة ، فالتعميد بالغطس كان طقساً مصرياً قديماً في بعض الأقاليم إذ كان المولود في الأسبوع الأول من ولادته يعمد بـ ( تغطيسه ) في نهر النيل المقدس أو حابي وما زالت هذه العادة سارية في بعض القرى في النوبة في أسوان إذ تقوم النسوان فيها بممارسة هذا الطقس مع مواليدهن .

أما الفريق الآخر من الدارسين الغربيين فهو يذهب إلى أن كلمة " صابئة " ربما تكون مشتقة من الكلمة المصرية القديمة ( سب ) التي تعني ( الحكمة ) و ( النجوم ) وربما تكون هذه الكلمة المصرية هي أصل الكلمة اليونانية ( سوفيا ) أو ( الحكمة ) وربما ولكن بقدر مشكوك فيه تكون هي أصل كلمة ( الصوفية ).
ولسنا في حاجة لأن نذكر أن هذا التفسير يؤيد المذهب الذي يرجع معتقدات الصابئة إلى مصر القديمة وسوف نرى أن النبي إدريس عليه السلام يرجح البعض أن ولادته كانت في مصر أو على الأقل إقامته فيها ردحاً من عمره ، وسبق أن قلنا أن بعض الصابئون يزعمون أنهم على دين ادريس عليه السلام ولو أن البحاث الإسلاميين يكذبونهم في ذلك .

وإذا كان هذا هو قدر الاختلاف حول مأخذ كلمة الصابئة سواء فيما بين الإسلاميين أو بين الغربيين ( الفرنجة ) فأن الاختلاف حول أصل عقائد الصابئين أشد :

( الصابئون يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام وهم قوم يزعمون أنهم على ملة نوح ) (المعجم الوسيط ) وأيضاً ( … ويزعمون ) أنهم على دين نوح عليه السلام بكذبهم وفي التهذيب عن الليث كذلك أما في الروض فهم منسوبون إلى ( صابئ بن لامك أخي نوح عليه السلام ) (تاج العروس ، الزبيدي )

ولقد لفت نظري وأنا أبحث حول الصابئة ما ذكره الطبري في تفسيره " جامع البيان عن تأويل آي القرآن أو تفسير الطبري " حققه وراجعه الإخوان محمود وأحمد شاكر ـ المجلد الثاني ـ ص147 ـ ط2 ، 1969 م ـ دار المعارف بمصر . ومن المفسرين من اقتصر على بيان دين الصابئة بقوله :

هم قوم عدلوا عن دين اليهودية أو النصرانية وعبدوا الملائكة ) ( الزمخشري ، في الكشاف ، الجزء الأول عند تفسير آية البقرة التي ورد بها ذكر الصابئين) .
وللإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رأي جرئ في خصوصية عبادة الصابئة للكواكب لا يسعنا إلا إيراده : [أما الصابئات فقد قال أبو حنيفة يجوز للمسلم أن يتزوج بهن وقال أبو يوسف ومحمد ( الصاحبان ) لا يجوز وسبب الخلاف أن أبا حنيفة يرى أنهم قوم يؤمنون بكتاب ويقرون بنبي ولا يعبدون الكواكب بل يعظمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في أنهم يستقبلونها عند صلاتهم وهذا لا يمنع التزاوج من نسائهم ] (أحكام الزواج والطلاق في الإسلام ، للشيخ بدران أبو العينين بدران ، كلية الحقوق بالقاهرة ، ص99 ، ط2، 1961 ، مطبعة دار التأليف بمصر ، وكذلك كتاب الأحكام الإسلامية في الأحوال الشخصية ، للشيخ محمد ذكريا البرديسي ، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية حقوق القاهرة ، ص167 ـ 168 ، ط3 ، 1966 ،1967 الناشر دار النهضة العربية بمصر . )

ومعلوم أن أبا حنيفة عاش في العراق حيث كانت هناك فرقة من الصابئة فرأيه إذن على قدر من الأهمية لأنه نفى عنهم عبادة الكواكب وأكد أنهم يعظمونها وقارن بين تعظيمها للكواكب وتعظيم المسلمين الكعبة وهي لفتة ذكية ولا غرو فقد اشتهر شيخ الأحناف بالذكاء وسرعة البديهة .

وسوف نتناول فيما بعد حكم الفقه في الصابئة ولكننا استبقنا ذلك لأن رأي الإمام الأعظم يدخل في تقييم عقيدة الصابئة .

أما الطبري فيورد في تفسيره : [ كما نقل : أنهم فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور ] ( تفسير الطبري عند تفسيره لآية سورة البقرة السابق ذكرها ـ نقلا عن معجم ألفاظ القرآن الكريم ) وعن مجاهد والحسن : هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، وعن قتادة : قوم عابدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات .

وقيل وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب .. وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام ) (غرائب القرآن ، النيسابوري عند تفسيره الآية / 62 من سورة البقرة )

أما قول مجاهد والحسن أنهم طائفة من اليهود والمجوس فيشوبه الغموض فهل هؤلاء ( الصابئة ) كانوا في الأصيل يهوداً ثم صبأوا ومجوساً ثم صبأوا وما أهمية ذكر الدين السابق إذا العبرة أنهم في نهاية المطاف تحولوا إلى صابئة .أما أنهم كانوا مجوساً ثم تهودوا ثم صبأوا !!!

والمعلومة التي ذكرها قتادة أنهم يصلون كل يوم خمس مرات للشمس فهي علي درجة كبيرة من الأهمية ويكاد يكون قتادة قد انفرد بها .
أما تعليله أن هذه الصلوات الخمس هي للشمس فنحن لا نوافق عليه خاصة وأن قبلتهم لم تكن نحو الشمس كما سنذكر فيما بعد .
ونذهب إلى أن علة ذلك يرجع إلى أن الصابئة كانوا يعبدون الكواكب أو يعظمونها وإذ أن الكواكب السيارات هي خمس : المشترى والزهرة وزحل وعطارد والمريخ فيغدو المجموع خمس صلوات لأنهم يتوجهون لكل واحد منهم بصلاة .
وهناك من يؤكد أنهم ينتهون بعقائدهم إلى غاذيمون وهو شيث بن آدم وهرمس وهو أدريس النبي عليه السلام وقالت فرقة منهم أن إدريس وهو هرمس ولد بـ ( منف ) وسموه هرمس الهرامسة أو مثلث الحكمة وباليونانية آرمسيس أي عطارد وعند العبرانيين أخنوخ وقالت فرقة أخرى أن إدريس ولد ببابل وانتقل إلى مصر وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم وأن الله أفهمه سر الفلك وعدد السنين والحساب وأنه أول من نظر في الطب وتكلم فيه ( هامش ص109 من الجزء الثاني من كتاب الملل والنحل للشهرستاني وهو التعليق بقلم الشيخ أحمد فهمي محمد المحامي الشرعي الذي صحح " الملل " وعلق عليه .)

ولا شك أن مصحح كتاب " الملل " قد نقل ذلك من كتاب التفاسير ( تفاسير القرآن ) التي نقلت بدورها بشأن إدريس كثيراً من الأساطير التي وردت في ( التوراة ) بشأن ( أخنوخ ) في حين أن المسلم يلتزم في شأنه بما ورد في القرآن الكريم أما الأساطير التي تعج بها التوراة فهو في غنى عنها ( انظر تعليق أ . محمد فريد وجدي على مادة إدريس التي وردت في دائرة المعارف الإسلامية ، ص484 ـ 485 من المجلد الثاني دائرة المعارف الإسلامية، إعداد وتحرير إبراهيم ذكي خورشيد وآخرين ، ط1، 1969 ، دار الشعب بمصر ) .

وبعيداً عن الأساطير فإن تأثر الصابئة بأحد أسلافهم سواء أكان اسمه إدريس أو أخنوخ أو هرمس عاش في مصر وتعلم من كهنتها الحكمة والطب . وسر الفلك أمر يقوم شاهداً على احتواء عقائد الصابئة على وشائج حميمة بالكواكب بلغت درجة العبادة ( أو التعظيم ) وعلم القدماء المصريين في الفلك والطب لا يماري فيه أحد وقد استطردنا قليلاً في هذه الجزئية للتأكيد على أن من يذهب إلى أن عقائد الصابئة تؤوب في مصادرها الأولى إلى مصر القديمة لم يخطئ .

********

وتوسع الشهرستاني - ربما بعكس غيره - من الإسلاميين الذين تكلموا في ( الملل والنحل ) في شرح عقائد الصابئة فقال أنهم يقفون في مقابل الحنيفية وأنهم يقرون بأن للعالم صانعاً فاطراً حكيماً مقدساً عن الحدوث ويعجز البشر عن الوصول إليه وأنما يكون التقرب إليه بالوساطات المقربين وهم ( الروحانيون ) المقدسون ومنهم شيث بن آدم وإدريس .

وأن أحوال هؤلاء الروحانيين من الروح والريحان .. الخ ومنهم الساجد والراكع والقائم والساكن والمتحرك ومنهم كروبيون في عالم القبض وروحانيون في عالم البسط وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( الملل والنحل ، الشهرستاني ، ت548 هـ ، صححه وعلق عليه الأستاذ الشيخ أحمد فهمي محمد المحامي الشرعي ، ص108 وما بعدها ، الجزء الثاني ، ط1 ، 1467 هـ ، نشرته مكتبة الحسين التجارية بمصر ) .

ولعل وصف هؤلاء الروحانيين يذكر بأوصاف الملائكة في الإسلام ( والملائكة الكروبيون أقرب الملائكة إلى حملة العرش ،وقال أبو العالية : الكروبيون سادة الملائكة منهم : جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم المقربون ( هامش ص116 من المصدر نفسه ) .

بل كان العرب قبل الإسلام الجاهلية يعرفون الملائكة الكروبيين يقول أمية بن أبي الصلت : ملائكة لا يفترون عبادة .. كروبية منهم ركوع وسجد ( المرجع السابق ) . وسنذكر فيما بعد أن من تأثير الصابئة في عملية التوحيد تجذير عملية الوساطة ولكن حل الملائكة عند عرب ما قبل البعثة المحمدية محل الروحانيين وتهيئة الأذهان لقبول الأوصاف الروحية التقديسية للملائكة ..وكيف أن عقيدة الوساطة تحولت إلى الشفاعة ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه ) الآية 355 من سورة البقرة .

أما عن طقوسهم العبادية :
أنهم يصلون خمس صلوات في رأي قتادة وثلاث في رأي غيره ـ وقد رجحنا رأي قتادة وأن لم نأخذ بتعليله وطرحنا التعليل الأصح حسب اجتهادنا .
أما قبلتهم في صلاتهم ( نحو مهب الحنوب ) ( تاج العروس ، الزبيدي ) وفي الصحاح :
قبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار .
وفي التهذيب : أن قبلتهم نحو مهب الجنوب .
المصدر نفسه : وقبلتهم مهب الشمال عند منتصف النهار ( المعجم الوسيط ) ومن مسلكهم :
التضرع والابتهال بالدعوات وإقامة الصلوات وكذلك الزكوات والصيام عن المطعومات والمشروبات وتقريب القرابين والذبائح يضاف إلى ذلك أنهم عرفوا الوضوء فقد ( كانوا يطهرون أنفسهم بالوضوء عند الاتصال الجنسي وأنهم كانوا يحرمون لحوم الخنزير والكلاب والطيور ذات المخالب .. وأنهم كانوا يبيحون الطلاق أو يجيزونه ) ( First Encyclopedia of Islam )

وهذه الفروض العبادية قد تسربت إلى الأديان الأخرى ، ولعل فريضة الصيام هي أشدها لفتا للانتباه لأنها امتناع عن المطعومات والمشروبات في حين أنها في اليهودية والمسيحية امتناع عن أنواع مخصومة من الطعام في أوقات معينة .
وسبق أن تكلمنا عن شعيرة " التعميد " بالغطس أو الغمس في الماء وفي رأينا أنه طقس من طقوس الانتقال أكثر مما هو طقس عبادي أو شعائري ( معجم العلوم الاجتماعية ، أشرف على تحريره د.إبراهيم مدكور ، ط1 ، 1975 الهيئة العامة المصرية للكتاب ) .

وليس ثمة ما يمنع أن يوحنا المعمدان تلقفه منهم وعنه أخذته المسيحية مع تغيير في الأداء ونذكر بما قلناه أنه في الأساس مأخوذ من مصر القديمة .

ولعل طقس التعميد هذا هو الذي حسم الفرق بين الفرقة التي تدخل في زمرة أهل الكتاب وتسمى الصباة أو الصابئة وهم الماندرائيون وهي فرقة يهودية مسيحية تمارس طقس التعميد وموطنها فيما بين النهرين .
أما الصابئون فهم الحرانيون نسبة إلى حران وهم وثنيون وهم الذين عاشوا شطراً من الزمن تحت ظلال الإسلام .
وهم متأثرون بالثقافة الهللينية وإليهم ينسب عدد من المدرسين المشهورين في الثقافة الإسلامية مثل ثابت بن قره وجابر بن حيان .

ولا يعنينا ما تقوله المصادر الغربية في شأن معاملة حكام المسلمين للصابئين أو الصباة التي تتراوح بين الرعاية والاضطهاد لأنها تند عن موضوع درسناه .
ولقد ذكر ابن النديم هؤلاء الحرانيين باسم ( الحرنانية الكلدانيين المعروفين بـ الصابئة ) وأورد طرفاً من عبادتهم وطقوسهم العبادية فقال ( المفترض عليهم من صلاة في كل يوم ثلاثة … لموضع الأوتاد الثلاثة التي هي : وتد المشرق ووتد السماء ووتد المغرب ، في صلاتهم ركعات وسجدات . وفي صلواتهم : فروض ونوافل . ولا صلاة لهم إلا على طهور . والمفترض عليهم من الصيام ثلاثون يوماً ولهم أعياد منها : عيد ( فطر السبعة ) و ( فطر الشهر ) و ( عيد الميلاد ) وهو في ثلاثة وعشرين من كانون .

ولهم قربان ( ضحية ) يتقربون به وإنما يذبحون للكواكب ويذبحون للقربان ( الأضحية ) : الذكور منهم المعز والضان وسائر ذوات الأربع مما ليس له أسنان في اللحيين جميعاً ومن الطير : غير الحمام مما لا مخلب له . والذبيحة عندهم ما قطع الأوداج والحلقوم والتذكية متصلة بالذبيحة لا انفصال بينهما . ولا ذبيحة إلا لما له رئة ودم . وقد نهوا عن أكل الجزور وما لم يذك وكل ما له أسنان في اللحيين جميعا : كالخنزير والكلب والحمار .ومن الطير غير الحمام وما له مخلب . ومن النبات غير الباقلي والثوم ويتركون الاختتان . ويتزوجون بشهود . لا من قريب القرابة ـ ولا طلاق إلا بحجة بينة عن فاحشة ظاهرة ولا يراجع المطلق ولا يجمع بين امرأتين ولا يطأ إلا لطلب الولد . وفي الميراث : فريضة الذكر مثل الأنثى ( الفهرست لابن النديم د. ت . ن . الناشر دار المعرفة ، بيروت )

أن كثير من هذه الطقوس والشعائر قد انتقلت أم بحذافيرها أو ببعض التعديلات لغيرها من الأديان.
ولكن يظل سؤال هو :

هذه الطقوس والشعائر كانت سائدة لدى الحرانيين الصابئة في وقت كتابة ابن النديم للفهرست أي في القرن الرابع الهجري ؟ فهل هي نفسها التي كانت موجودة لدى الصابئة أو الصابئين وقت أن كانت قريش تعمل على السيطرة على مقدرات الجزيرة العربية ؟

أنني من ناحيتي أرجح ذلك لأن الطقوس والشعائر من سماتها الرئيسية الدوم والاستمرار وترثها الأجيال بعضها عن بعض كما هي .

وقد ذكر القرآن الكريم الصابئين في ثلاثة مواضع :
الآية 62 / من سورة البقرة
الآية 69 / من سورة المائدة
الآية 17 / من سورة الحج
 
الحلقة القادمة
المقدمات الاجتماعية
المجتمع القبلي

 

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy