قصة الحضارة ول ديورانت أسس الصناعة (3)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

أسس الصناعة

 

النار - الآلات البدائية - النسج وصناعة

 

 

الخزف - البناء والنقل - التجارة وشئون المال

 

لئن بدأت إنسانية الإنسان بالكلام، وبدأت المدنية بالزراعة، فقد بدأت الصناعة بالنار التي لم يخترعها الإنسان اختراعاً، بل الأرجح أن قد صنعت له الطبيعة هذه الأعجوبة باحتكاك أوراق الشجر أو غصونه، أو بلمعة من البرق أو باندماج شاءته المصادفة لبعض المواد الكيمياوية، ولم يكن لدى الإنسان في ذلك إلا ذكاء الذي يقلد به الطبيعة ويزيدها كمالاً؛ ولما أدرك الإنسان أعجوبة النار استخدمها على ألف صورة، أولها فيما نظن أن أتخذ منها شعلة يقهر بها عدوه المخيف، ألا وهو الظلام، ثم أستعملها بعد ذلك للتدفئة، وبذلك استطاع أن يتحرك مبعداً عن مناطقه الاستوائية إلى مناطق أقل منها إرهاقاً للقوى، وبهذا الانتقال أخذ شيئاً فشيئاً يعمر الكوكب الأرضي فيجعله مسكناً للإنسان، ثم بعد ذلك أخذ يستعمل النار في المعادن فيلينها ويطرقها ويمزجها في هيئة أشد صلابة وأكثر مرونة مما وجدها عليه أول ما وجدها؛ لقد بلغت النار في أعين البدائيين من الغرابة ومن النفع حداً جعلها لديه إحدى المعجزات التي تستحق أن تتخذ إلهاً وتُعبد، ولذلك أقام لها ما لا يحصى عدده من الحفلات التعبدية، وجعل منها مركزاً لحياته وبيته؛ وكان كلما انتقل من مكان إلى مكان، حملها معه معينا بها، لا يرضى لها قط أن تخمد؛ بل أن الرومان أنفسهم أعدموا العذراء الطاهرة عقاباً لها على إهمالها الذي كان من شأنه أن تنطفئ النار المقدسة.

على أن الإنسان، إذ هو لم يزل في مراحل الصيد والرعي والزراعة، ما أنفك

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> أسس الصناعة

 

مخترعاً، فكان الإنسان البدائي يشحذ زناد عقله لعله يجيب لنفسه إجابات عملية عما تثيره الحياة الاقتصادية في وجهه من مسائل؛ فقد كان الإنسان بادئ ذي بدء راضياً - في ظاهر الأمر - بما تقدمه له الطبيعة - كان راضياً بثمار الأرض طعاماً، وبجلود الحيوان وفرائه لباساً، وبالكهوف في سفوح التلال مأوى، ثم تلا ذلك، فيما نظن (فمعظم التاريخ ظن وبقيته من إملاء الهوى) أن أخذ في تقليد آلات الحيوان وصناعته؛ فلقد رأى القرد وهو يقذف بالحجارة وثمار الفاكهة على أعدائه، أو يكسر الجوز والمحار بالحجر، ثم رأى كلاب الماء تبني لنفسها السدود والطيور تهيئ الأعشاش والعرائش، والشمبانزي تقيم بيوتاً شبيهة جداً بما يقيم الإنسان من أكواخ؛ فحسدها على ما لها من قوة في مخالبها وأسنانها وأنيابها وقرونها، وعلى صلابة جلودها، فأخذ من فورهُ يعد لنفسه آلات وأسلحة على غرار ما للحيوان منها، بل تفوقها، فالإنسان - كما قال فرانكلن - حيوان صانع للآلات(24) لكن هذه الميزة أيضاً - كسائر ما نُضفيه على الإنسان من ميزات نزهى بها ونفخر - إن هي إلا تفوق على الحيوان في الدرجة وحدها لا في النوع.

وكان النبات الذي يحيط بالإنسان البدائي مصدراً لكثير من الآلات، فمن الخيزران صنع الإنسان السهام والمدى والإبر والقوارير؛ ومن فروع الشجر صنع الملاقط والمماسك؛ ومن لحاء الشجر وأليافه صنع الحبال والثياب في صنوف شتى؛ وفوق هذا كله صنع الإنسان لنفسه العصا؛ ألا ما أبسطها اختراعاً لكنها من كثرة النفع بحيث لبث الإنسان ينظر إليها رمزاً للقوة والسلطان، من العصا السحرية عند عرائس الجن وعكازة الراعي إلى عصا موسى أو هارون، والعصا العاجية التي كان يمسك بها القنصل أيام دولة الرومان، والقضيب الذي يلوح به المنبئون بالغيب ثم الصولجان يمسك به القاضي أو الملك؛ ولقد انقلبت العصا في الزراعة فأساً، أما في الحروب فقد أصبحت حربة أو سهماً أو رمحاً أو سيفا

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> أسس الصناعة

 

 

أو سنكيا(25). وكذلك استغل الإنسان المعادن وصاغ الصخر أسلحة وأدوات هي اليوم تحفة المعارض، فصنع منها المطرقة والسندان والوعاء يغلي فيه الماء، والسكين، ورأس الرمح، والمنشار، والصفائح، والخوابير، والروافع، والفئوس، والمثاقب؛ وكذلك من دنيا الحيوان صنع أدواته، فصنع المغارف، والملاعق، والأواني، والأطباق، والأقداح، والمراسي، والمشابك؛ صنع هذا كله من قواقع الشاطئ، كما صنع غير ذلك من الأدوات الغليظة والدقيقة من قرون الحيوان وأنيابه وأسنانه وعظامه وشعره وجلده؛ وكان لمعظم هذه الأدوات المصنوعة مقابض من خشب شُدت إليها بطرق تدل على مهارة صانعيها، فقد كانوا يربطون هاتيك المقابض بضفائر من الألياف أو الحبال أو عصب الحيوان، وأحياناً كانوا يلصقونها بغراء مصنوع من مزيج عجيب من الدماء؛ إن مهارة الإنسان البدائي توازي على الأرجح - بل ربما تفوق - مهارة الإنسان المتوسط في عصرنا الحديث، فلئن كنا نختلف عن هؤلاء الأولين، فما ذاك إلا بفضل ما تجمع لدينا من معارف وأدوات ومواد، ولا يُعزى الفرق بيننا وبينهم إلى تفوق فكري امتازت به طبائعنا من دونهم؛ الحق أن أبناء الطبيعة أولئك يغتبطون أيما غبطة كلما سيطروا على موقف اعترضهم، سيطرة أعملوا فيها أذهانهم المبدعة؛ فبين وسائل اللهو المحببة إلى الإسكيمو أن يذهبوا إلى أماكن وعرة مهجورة، ثم يتسابقون هناك في ابتكار الوسائل التي يواجهون بها ضرورات الحياة التي ليس لديهم ما يستعينون عليها به من أدوات(26).

وتبدّت مهارة الإنسان البدائي في فن النسيج على صورة جديرة منه بالفخر، وهاهنا أيضاً اهتدى الإنسان بالحيوان في طريق السير، فنسيج العنكبوت وعش الطائر، وتشابك الألياف والأوراق وتقاطعها في النسيج الطبيعي الذي تراه في الغابة، كل ذلك أقام للإنسان نموذجاً بارزاً يجتذبه، وإنه لنموذج بلغ من الوضوح حداً يجعلنا نرجح أن قد كان النسيج من أول الفنون التي اصطنعها الجنس البشري،

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> أسس الصناعة

 

 

فنسج اللحاء والأوراق والألياف والحشائش ليصنع منها ثياباً وبُسُطا وأغطية لجدرانه، ولقد أتقن صنعها في بعض المواضع بحيث لا تجد من صناعة اليوم ما يفوقها بكل ما للصناعة اليوم من مُعينات وآلات؛ فنساء "ألوشيا" قد ينفقن عاماً كاملا في نسج ثوب واحد؛ والهنود في أمريكا الشمالية يصنعون البطاطين والأردية فيزخرفونها بالهُداب ويوشونها بالشعر وخيوط القصب المصبوغة بناصع الألوان التي استقطروها من التوت، حتى لقد قال عنها "الأب ثيودى" Father Theodut: "إنها من النصوع بحيث لا أظن أن ألواننا تدنو منها" (27)؛ فقد بدأ الفن حيث انتهت الطبيعة؛ فهذه هي عظام الطيور والأسماك، وهذه هي قصبات الخيزران الدقيقة، قد تناولها الإنسان بالصقل حتى جعل منها إبراً، ثم هذه أعصاب الحيوان قد شُدت خيوطاً بلغت من الرقة حداً تنفذ به من سم الخياط مهما بلغ هذا من دقته وضيقه؛ وكذلك جعل الإنسان من اللحاء فراشاً وقماشاً، وجفف جلود الحيوان ليصنع منها رداء وحذاء، وضفر الألياف نسيجاً قوياً ونسج الغصون اللينة والألياف الملونة سلالا أجمل مما ينتجه العصر الحديث في هذا الباب(28).

وصناعة الخزف قريبة الشبه بصناعة السلال، بل ربما كانت مأخوذة عنها، فهم يصنعون العجينة على إطار من أغصان الصفصاف المجدولة حتى لا تحترق هذه الأغصان، وبذلك يتصلب الطين غلافاً لا يقبل الاشتعال، ويحتفظ بهيئته بعد أن يزال عنه إطار الصفصاف(29)، ربما كانت هذه أول مرحلة من مراحل طريق أخذ يتطور حتى بلغ القمة في الصناعة الخزفية المثلى المعروفة باسم "البورسلان" أو ربما جففت أشعة الشمس قطعاً من الطين ألقيت فيها، فكان ذلك منبها للإنسان إلى فن الخزف؛ فما عليه بعد ذلك إلا أن يخطو خطوة واحدة، وهي أن يستبدل بالشمس ناراً، ثم يصنع لنفسه من تربة الأرض آنية مختلفة الصور يستخدمها في شتى جوانب العيش - يستخدمها للطهي، وللخ

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> أسس الصناعة

 

 

وللنقل، وأخيراً يستخدمها للأبهة والزينة، والزخارف التي كان يطبعها بأظفاره أو بآلاته على الطينة وهي بعدُ عجينة طرية، كانت إحدى صور الفن في أول نشأته، وربما كانت كذلك في إحدى مصادر الكتابة الأولى.

ومن الطين الذي جففته الشمس صنعت القبائل البدائية الآجر وأقامت الدور، ثم سكنت فيما يصح أن نسميه بيوتا من خزف، لكن هذه البيوت الخزفية لم تكن أول صورة من صور البناء، التي أخذت تتطور في رقيها من الكوخ الطيني الذي سكنه "الهمجي" إلى أن بلغت أحجار البناء الراقية في مباني نينوى وبابل؛ ولقد تسلسل هذا التطور حلقة بعد حلقة بتماسك بعضها ببعض بحيث تؤدي الواحدة إلى التي تليها؛ فبعض الشعوب البدائية - مثل الفيداويين في جزيرة سيلان - لم يكن لهم دُور للسكنى، واكتفوا بالأرض وطاء، والسماء غطاء، وبعضها - مثل أهل تسمانيا - أووا إلى جذوع الشجر الخاوية؛ وبعضها - مثل سكان جنوب ويلز الجديدة - اتخذوا الكهوف مسكناً؛ وبعضها - مثل البوشمن - كانوا يتقون الريح بحواجز يقيمونها هنا وهناك من أغصان الشجر، وأحياناً نادرة كانوا يغرزون في الأرض أحجاراً ثم يغطونها بالطحلب وفروع الشجر؛ ومن هذه الحواجز التي أقيمت لاتقاء الريح، خرجت الأكواخ حين أضيفت إلى الحواجز جوانب عند أطرافها؛ وإنك لترى الكوخ في كل مراحل تطوره مائلا بين سكان استراليا الأصليين، تراه من بدايته حيث كان يقام صغيراً من الغصون والأعشاب والتراب، ولا يسع إلا شخصين أو ثلاثة، إلى الأكواخ الكبيرة التي تؤوى ثلاثين شخصاً أو يزيد. وأما البدوي، صائداً كان أو راعياً، فقد آثر لنفسه خيمة في مستطاعه حلها معه أينما انتهى به طرادُه لصيده، لكن الطبقات العليا من القبائل الفطرية، مثل الهنود الأمريكيين، استخدمت الخشب في بنائها؛ وكذلك كانت قبيلة "إراكوا" تبني من الحطب الذي لا يزال مغطى بقشوره، أبنية فسيحة طولها خمسمائة قدم،

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> أسس الصناعة

 

 

وتؤوى عدداً كبيراً من الأسر؛ وأخيراً ترى أهل "أوقيانوسيا" يشيدون دُوراً حقيقية من ألواح الخشب التي أتقن قطعها وبهذه الدور وصل التطور في المساكن الخشبية أكمل مراتبه(30).

لم يبقى أمام الإنسان البدائي إلا ثلاث خطوات في طريق التطور لتتم له ضرورات المدنية الاقتصادية كلها: آلات النقل، وعمليات التجارة، ووسائل التبادل، إنك إذا أبصرت بالحمّال يحمل المتاع من طيارة حديثة لينزله على الأرض، فقد رأيت صورة النقل في أول مراحله وفي آخر مراحله معا؛ فلاشك أن قد كان الرجل في بداية الأمر يحمل أثقال نفسه بنفسه، اللهم إلا إذا تزوج (فتكون الزوجة حاملة أثقاله) بل إن الإنسان إلى يومنا هذا، في آسيا الجنوبية والشرقية، تراه في الأعم الأغلب عربة وحمارا وكل شيء؛ ثم أخترع الإنسان الحبال والروافع وبكرات الجر؛ سيطر على الحيوان واستخدمه ناقلا لأحماله؛ ثم صنع أول ما شهد التاريخُ من جرارات حين جعل ماشيته تجر على الأرض غصوناً طويلة وضع عليها متاعه ؛ ثم وضع جذوعا من الشجر تحت الجرارة كأنها عجلات؛ ثم قطع الجذوع شرائح مستعرضة وابتكر بذلك أعظم اختراع آلي، وهو العجلة، لأنه وضع العجلات تحت الجرارة وصنع بذلك عربة؛ ومن جذوع الشجر كذلك صنع الأطواف بربط الجذوع بعضها ببعض، كما صنع الزوارق بحفر الجذوع وتفريغ أجوافها، ولما تم له ذلك أصبحت مجاري الماء أيسر طرق النقل؛ وأما على اليابس فقد شق لنفسه الطريق بادئ ذي بدء عبر المروج والتلال التي لم يكن فيها طريق؛ ثم عبَّد لنفسه سكةً ثم رصف آخر الأمر طريقاً، ودرس النجوم وأخذ بعدئذ يسير بقوافله عبر الجبال والصحراوات مهتدياً إلى طريقه بالنظر إلى السماء؛ وطفق الإنسان يسبح بزورقه دافعا إياه بالمجداف والشراع حتى عبر البحر في شجاعة من جزيرة إلى جزيرة، وأخيراً قطع

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> أسس الصناعة

 

 

المحيطات لينشر ثقافته المتواضعة من قارة إلى قارة؛ ففي هذا الصدد أيضا حُلت المشكلات الرئيسية قبل أن يبدأ التاريخ المدون.

ولما كانت الكفايات البشرية والموارد الطبيعية موزعة على الأرض في غير مساواة، فقد ترى شعباً من الشعوب قادراً بفضل ما تطور لديه من استعدادات خاصة، أو بفضل قُربه من المواد المطلوبة، تراه قادراً على إنتاج أشياء معينة لا يكلفه إنتاجها ما يكلف جيرانه؛ فيمضي في صنع هذه الأشياء حتى يصنع منها أكثر من حاجته، وعندئذ يقدم فائض إنتاجه لجيرانه في مقابل ما ينتجونه هم؛ وهذا التبادل هو أصل التجارة؛ فهنود شبشا في كولومبيا كانوا يصدرون صخور الملح التي تكثر في بلادهم، ويستوردون مقابل ذلك الغلال التي يستحيل استنباتها في أرضهم القاحلة؛ وبعض القرى التي يسكنها الهنود الأمريكيون كادت أن تتخصص في صناعة رءوس الرماح، بينما تتخصص بعض القرى في غانة الجديدة في صنع الأواني الخزفية؛ كذلك في إفريقية ترى من هذه القبائل ما يجعل الحدادة صناعته، ومنها ما يجعل صناعته الزوارق أو الرماح؛ ومثل هذا التخصيص في القبائل أو القرى كثيراً ما أكسبها اسم صناعتها، (فيطلق عليها الحدَّاد، أو السَّمَّاك أو الخزاف . . .)، ثم انتقلت هذه الأسماء مع الزمن إلى الأسر التي اختصت نفسها بهذه الصناعة أو تلك(30 أ)؛ والتجارة بفائض الإنتاج كانت في أول أمرها تبادلا بالهدايا، بل إنك لترى في أيامنا هذه التي تحسب كل شيء بالأرقام أنه قد تكون الهدية (حتى ولو كانت دعوة على الطعام) مقدمة لصفقة تجارية أو خاتمة لها؛ ومما يَسَّرَ التبادل الحروب والسرقات والجزية والغرامات والتعويض، فكل هذه وسائل عملت على انتقال السلع من مكان إلى مكان، إذ لم يكن للإنسان مندوحة عن ذلك؛ ثم أخذ نظام للتبادل ينشأ رويداً رويداً، فأقيمت مراكز التجارة والأسواق والمتاجر - أقيمت أول الأمر آناً بعد آن في غير نظام، ثم أقيمت على فترات معلومة، ثم أصبحت دائمة - وفي هذه الأماكن جَعلَ من يملك

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> أسس الصناعة

 

 

سلعة فائضة عن حاجته يعرضها مقابل سلعة هو بحاجة إليها(31).

لبثت التجارة أمداً طويلا وهي لا تزيد عن هذا التبادل، ومضت قرون قبل أن تخترع وسيلة متداولة ذات قيمة فتعمل على سرعة الحركة التجارية؛ فقد كان الرجل من قبيلة "دياك" يجوز له أن يظل جائلاً في أنحاء السوق ممسكاً بيده كرة من شمع العسل، وباحثاً عن زبون في مستطاعه أن يقبلها منه مقابل شيء يمكن أن يكون أنفع له(32)؛ وأول وسائل التبادل كانت سلعاً يطلبها كل إنسان ويقبلها كل بائع ثمناً لبضاعته: كالبلح والملح والجلود والفراء والحلي والآلات والأسلحة؛ وفي مثل هذا التبادل كانت المدُيتان تساويان زوجا من الجوارب، والثلاثة معاً تساوي بطانية، والأربعة كلها تساوي بندقية، والخمسة جميعاً تساوي جواداً؛ كذلك كان أيّلان صغيران يساويان مُهراً، وثمانية أمهُرٍ تساوي زوجة(33)؛ إنك لا تكاد تجد شيئاً لم يستعمله الناس استعمالهم للنقود هنا أو هناك، وفي هذا الزمن أو ذاك: الفول وشصُّ السمك والقواقع واللؤلؤ والخرز وجوز الهند والحبوب والشاي والفلفل، وأخيراً الأغنام والخنازير والأبقار والعبيد؛ وكانت الماشية معياراً مناسباً لقياس القيمة ووسيلة للتبادل بين الصائدين والرعاة، فهي تربح بالتربية وهي سهلة الحمل لأنها تنقل نفسها؛ فتجد الناس والأشياء حتى عهد هومر يقوَّمون بالماشية: فدرع "ديومديز" قيمتها تسعة رءوس من الماشية، وعبد ماهر يساوي أربعة؛ واللفظتان اللتان استعملهما الرومان للماشية وللمال متشابهتان، فللأولى استعملوا لفظة Pecus وللثانية Pecunia؛ وكذلك طبعوا صورة الثور على نقودهم القديمة؛ بل إن الكلمة التي تستعملها اللغة الإنجليزية لرأس المال وهي Capital ترتد في تاريخها عن طريق اللغة الفرنسية إلى الكلمة اللاتينية Capitale ومعناها مِلك، وهذه الكلمة بدورها مشتقة من Caput التي تعني "رأس" والمقصود رأس من الماشية، فلما أن استنجمت المعادن أخذت تحل شيئاً فشيئاً محل سائر الأشياء في استعمالها معياراً للقيمة، مثال ذلك النحاس والبرونز والحديد، وأخيراً الذهب

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> أسس الصناعة

 

 

والفضة لأنهما يمثلان قيمة كبيرة في حيز صغير ووزن قليل، فأصبحا وسيلة التعامل للإنسان كافة، وهذا الانتقال من السلع المعيارية في التبادل إلى العملة المعدنية لم يتم على أيدي البدائيين في أرجح الظن، إنما هي خطوة خطاها الناس إبان التاريخ المدّون، فاخترعوا العملة وابتكروا الدين، وهكذا زادوا ثروة الإنسان ورخاءه حين يسروا تبادل فيض ما ينتجون(34).

 

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> التنظيم الاقتصادي

 

الفصل الثالث

 

التنظيم الاقتصاد(4) لحلقة القادمة من

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy