قريش من القبيلة الى الدولة المركزية(4)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 2
سيئجيد 

 

المقدمات الاجتماعية
المجتمع القبلي

 

 

 

 




كان مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ينقسم إلى :

" عرب " وهم سكان المدن والمراكز الحضرية وكانوا يسمون بـ " أهل المدر " أي أصحاب البيوت المبنية و " أعراب " وهم الذين يقنطون البادية وكان يطلق عليهم " أهل الوبر " أي الذين يعيشون في الخيام . وكان العربي يغضب إذا قيل له يا أعرابي ـ والأعرابي يرضى ويسر إذا قيل له : يا عربي .
ولقد أقر القرآن الكريم هذه التفرقة في عدد من آياته .

كان أهل البوادي أو الأعراب أو أهل الوبر قبائل ( يسكنون الخيام ولا يقرون في مكان ، ينتجعون الكلأ ويتبعون مساقط المياه ومنابت العشب يرحلون إليها بأنعامهم التي ينتفعون بلحومها وألبانها ويكتسون بأصوافها وأوبارها ـ وهم ـ لجدب بلادهم وانصرافهم هن أوجه الكسب الأخرى ـ كانوا يقنعون من العيش بالكفاف ولا يتفننون في المطاعم والملابس بل كانوا يعيشون على اللبن والتمر واللحم لقلة مواطن الكلأ لديهم ، ولميلهم إلى الانتقال كانوا يأنفون من الاشتغال بالزراعة ويرون أنهم لم يخلقوا إلا للقتال ولم يعدهم الدهر إلا للصراع والنزال وأنهم لا ينبغي أن يتناولوا رزقهم إلا من سيوفهم ورماحهم ) ( سمير عبد الرازق القطب ، أنساب العرب ، ص270 ، د ، ت ، دار الحياة ، بيروت ) .

إن ما كان يميز البدوي أو الأعرابي ـ وربما لازال ـ هو إيمانه الراسخ بأن رزقه يأتي من رمحه وسيفه فحسب وأنفته الشديدة من الزراعة والصناعة ويعتقد في قرارة نفسه أنهما لا تصلحان إلا للعبيد ومن على شاكلتهم ، ولم تكن الغزوات ـ والحال كذلك ـ أمراً عارضاً في حياة القبائل بل يصح القول أنها كانت في حالة غزو مستمر وأن أوقات " اللا غزو " أو " اللا إغارة " أو " اللا حرب " هي الاستثناء أو هي هدنة لالتقاط الأنفاس لشن غارة أو غزوة قادمة وشيكاً ، ومن هنا كانت القبيلة بحاجة لأن ترهب وتخاف وبحاجة لأن تعلم القبائل الأخرى مدى قوتها ، بل أنها بحاجة لأن يعلم أبناؤها هذا ويعتقدونه ، أو ليست حياتها حرباً دائمة ) ( د. عبد المجيد زراقط ، " الفرد والجماعة في الشعر الجاهلي " بحث بـ " الفكر العربي " مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانية ، كانون الأول / ديسمبر 1988 ، العدد الرابع ، السنة التاسعة ، ص4) .

كانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية ولو أن البعض من المستشرقين يرى أن الأسرة هي الخلية الاجتماعية ونحن نرجح الرأي الأول باعتبار أن القبيلة هي منبع القيم الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك المجتمع لا الأسرة ، فالفرد كان يشعر بولاء مطلق لا لأسرته بل لقبيلته في المقام الأول ، فهو الذي يذود عنها في وقت الإغارة عليها بل ويستميت في الدفاع عنها ويرى الموت في سبيل ذلك شرفا رفيعا والفرار عارا فهو يشارك في غزواتها التي تشنها ضد القبائل الأخرى ، وفي مقابل ذلك فإن القبيلة تضفي عليه حمايتها حال حياته وتطالب بديته عند قتله ، وإذا تبرأت منه عد " خليعا " وفي هذا الضياع المطلق ، فالارتباط بالقبيلة مثل " الجنسية " بالنسبة لـ " المواطن " في العصر الحديث .

وإذا خلعت القبيلة واحداً من أبنائها اعتبرت غير مسئولة عما يرتكبه من أفعال ، أما إذا قتل فلا يحق لها أن تطالب بدينه ، أي أنه فقد اعتباره أو كيانه المعنوي .

كانت القبيلة تتكون من طبقتين :

الفقراء وهم أغلب أفرادها ( كانوا يعيشون عيشة الكفاف ، قانعين أحيانا وساخطين عليه أحياناً ) ( د. عبد الجواد الطيب ، هذيل في جاهليتها وإسلامها ، ص119 ، ط 1982م ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا ، تونس ) يسكنون في خيام حقيرة ويلبسون الأسمال البالية ويأكلون الطعام الخشن التافه ويقومون بالأعمال الشاقة ويقع على كواهلهم المكدودة العبء الأكبر في القتال ـ في الحرب ـ .

الأغنياء وهم الذين كانوا يمتلكون قطعان الإبل والشاه وعلى درجة ملحوظة من الغنى واليسار ويسكنون خياماً جيدة تحتوي على فرش وثير ويلبسون ملابس فاخرة ويأكلون طعاماً طيباً ، وبالجملة يتمتعون بقدر من الراحة والدعة والنعيم لا يتوافر لطبقة الفقراء ، وكان من بين هذه الطبقة فئة تسمى " السادة " يمتازون بأنهم يتحملون الكثير لإصلاح ذات البين أملاً بين عشائر وبطون وأفخاذ القبيلة ذاتها أو بين قبيلة وأخرى وكثيراً ما كانت مساعي الصلح هذه تؤدي إلى أن يتحملوا التزامات مالية قد تكون باهظة أو ضئيلة مثل دفع ديات القتلى من الطرفين المتنازعين .

وبجانب هاتين الطبقتين كانت توجد فئة تسمى " الموالي " وتسميهم قواميس اللغة العربية " الزعانف " ويطلق على أحدهم " الزنيم " " والتنواط " وهو الذي يناط بالقوم أو يلتصق بهم وليس منهم (اللغوي : عيسى بن إبراهيم الحميري ، نظام الغريب في اللغة ، تحقيق محمد بن علي الأكوح ، ص83 ، ط1 ، 1400هـ / 1980 م ، دار المأمون للتراث ، دمشق ) ، والموالي في الغالب عرب من أبناء قبيلة أخرى تركوها والتجئوا إلى أخرى تسبغ عليهم حمايتها أو من الأسرى الذين وقعوا في أسر القبيلة إثر غارة شنتها على قبيلتهم ثم من عليهم " أسيادهم " بفك أسرهم فتحولوا إلى " موالي " وقد يكونون من " الأعاجم" الذين كانوا " أرقاء " وافتدوا أنفسهم من ناتج أعمالهم من الحرف التي كانوا يجيدونها أو من عليهم سادتهم بـ " العتق " نظير خدمات أدورها لمن يملكهم أو للقبيلة كلها كإظهار شجاعة في إحدى الغزوات أو مهارة في أحد الأعمال وبعد عتقهم يظلون " ملتصقين " بالقبيلة ، والموالي فئة " بين بين " أقل مكانة من أبناء القبيلة " الخلص " أو الصرحاء " أو المحض " وأرفع رتبة أو درجة من " العبيد " أو " الرقيق " وكان يوجد نوع من التوارث بين الموالي وسادتهم .

و" الولاء " من الأنظمة الاجتماعية التي أخذها الإسلام من عرب ما قبله ( انظر كتابنا الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ) وأحكامه مبسوطة في موسوعات الفقه الإسلامي.

وفي مقابل " الموالي " يجيء " الخلعاء " وقد أشرنا لهم فيما سلف إشارة عابرة ـ وهم الأشخاص الذين تلفظهم قبائلهم وتتبرأ منهم ومن فعالهم وقد يتم ذلك كتابة أو بموجب إعلان يذاع عادة في "الأسواق العامة" التي لها وظائف أخرى متنوعة بجانب الأنشطة التجارية ، إذ رغم ارتباط الفرد بقبيلته وقناعته بأن حياته بدونها لا قيمة لها بل وموته كذلك ، كان يوجد أشخاص يتميزون بروح التمرد ولا تعجبهم الأوضاع التي كانت تسود " مجتمع القبيلة " خاصة التمايز المالي الذي يؤدي بدوره إلى " التمايز الاجتماعي " الذي يشطره ‘إلى " أغنياء " وهم قلة مترفة أو منعمة نسبياً و " فقراء " وهم الأغلبية التي تعاني شظف العيش ، فيثورون ويتركون القبيلة ، أو أولئك الذين تطردهم القبيلة وجميعهم يسمون " الخلعاء " ( وقد تصل الأمور بالفرد طالما أنه امتلك مفهوماً جديداً للانتماء إلى جماعة إلى مغادرة القبيلة والبحث عن مصيره في إطار جماعة أخرى يختارها بنفسه ، وقد تفعل القبيلة ذلك فتطرد الخارجين على قرارتها وكان هؤلاء يسمون " الخلعاء " أو " الصعاليك " ) ( د . عبد المجيد زراقط ، الفرد والجماعة في الشعر الجاهلي ، ص77 ) .

الصعاليك أو الخلعاء هم شبان فقراء أمثال " عروة بن الورد " و " تأبط شراً " و " السليك بن السلكة " و " الشنفري " ويسمون " ذؤبان العرب " جمع ذئب لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو ، ولكن مع فقرهم كانوا نبلاء ومن نبلهم أنهم كانوا لا يهجمون إلا على الأشحاء البخلاء من الأغنياء وكانوا يسمون "العدائين" لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو في السلب والنهب ( أحمد أمين ، الصلعكة والفتوة في الإسلام ، ص47 ، سلسلة " اقرأ " ، العدد الحادي عشر بعد المائة ، ط2 ، 1981م ، دار المعارف بمصر ) وكانت ظاهرة الصلعكة إفرازاً طبيعياً للأوضاع المختلة في مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام وتركز الثروة في أيدي طبقة محدودة من أبناء القبيلة وهم الأغنياء بينما أغلبية أفرادها يئنون تحت وطأة الفقر والحرمان ، ويؤيد أحمد أمين وجهة النظر هذه إذ يذكر ( وقد أنتجت الحالة الاجتماعية في جزيرة العرب هذه " الصلعكة " لأن أكثرهم كان من الفقراء ولا يجدون ما يأكلون وإذا حصلوا على شيء من غارة أو نحوها فشيخ القبيلة هو الذي يأخذ من الغنيمة حصة الأسد وهم لا يأكلون إلا الفتات ) ( المرجع السابق ، نفس الصفحة ) كانت النتيجة الطبيعية لهذا كله أن فر الصعاليك من مجتمعهم النظامي ليقيموا لأنفسهم بأنفسهم مجتمعاً فوضوياً شريعته القوة ووسيلته الغزو والإغارة وهدفه السلب والنهب ( د.يوسف خليف ، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ، ص55 ، ط4 ، 1986 ، مكتبة الدراسات الأدبية ـ 8 ـ ) فعلى سبيل المثال في قبيلة " هذيل " ( أغلب أفراد هذه القبيلة كانوا من الدهماء يعيشون عيشة الكفاف قانعين أحياناً ساخطين عليه أحياناً أخرى وبعضهم أو كثير منهم كان يعد من " الصعاليك " و" الذؤبان " مثل " الأعلم " و " صخر الغي " و " أبي جندب " وغيرهم ومع هذا كان " الخلعاء " من " هذيل " أقل من غيرهم ) ( د. عبد الجواد الطيب ، هذيل في جاهليتها وإسلامها ، ص119 ) .

يأتي الصعاليك أو الخلعاء في مرتبة تالية لفئة " الموالي " التي ذكرناها ، وهم أعلى درجة من طبقة " الرقيق " أو " العبيد " التي تتكون من أسرى الغارات والحروب أو بالجلب من الخارج كالحبشة أو بالشراء من سوق " النخاسة " وكانوا يقومون بأشق الأعمال وأحقرها تلك التي كان يأنف العربي أو الأعرابي من مزاولتها حتى ولو كان من طبقة الفقراء في القبيلة والعبيد على ذلك ، ( كانوا في هذه الفترة قوة منتجة لا استهلاكية فقط ... إلى جانب كونهم كانوا يشكلون حينئذ إحدى السلع الشائعة والرابحة ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الأول ، ص200 ) وكانت المتاجرة بهم نافعة وتمثل دخلاً كبيراً لمن يزاولها ويذكر الإخباريون أن عبد الله بن جدعان كان من كبار " النخاسين " وكون ثروته الفاحشة من " النخاسة " ومن فائض كسب العبيد والإماء بل أنه كان لا يتورع عن تشغيل " الإماء " في الزنا ويحصل على أجورهن من ذلك كما أنه كان يبيع أولادهن من " الزنا " ( وكان الرقيق في الجاهلية من السبي والنخاسة ، وعبودية الدين ، أما الأرقاء من مصدر الأسر فهم أولئك من العرب من الرجال والنساء الذين كانوا يقعون في أيدي القبيلة في حروبها ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص168 ) . ومع تنامي التجارة واتساع حركتها مع استشراء الربا تزايد عدد " الأرقاء " واستخدمهم رؤساء القبائل وكبار التجار مثل صناديد قريش في مكة ، في الأنشطة كافة بداية بالخدمة المنزلية والعمل الشاق في المزارع والبساتين والمهن المرهقة وفي حراسة القوال ... الخ وفي السيرة نجد أكثر من صحابي كان يعمل ذلك مثل عداس في الطائف وسلمان الفارسي في يثرب ، وكذلك الاشتراك في الغارات التي كانت تشنها القبائل ضد يعضها البعض ولعلنا نذكر الحلف الذي عقدته قريش مع " الأحابيش " والجدل الذي ثار حول حقيقة الأخيرين ، ورغم ما كان يؤديه " الرقيق " من أعمال شاقة وخدمات متنوعة ويقدمونه من تضحيات في سبيل سادتهم فإنهم كانوا في غاية البؤس والمسغبة .

ولكن " الصعاليك " أو " الخلعاء " أو " الذؤبان " امتازوا على فئة " الموالي " وطبقة " العبيد " بالشهامة والمروءة إذ أنهم ما كانوا يستأثرون لأنفسهم بما كان ينهبونه من الأغنياء البخلاء بل كانوا يعطونه طواعية واختياراً للفقراء والمعدمين الذين حكم عليهم " المجتمع القبيل " آنذاك بالعوز والفاقة والحرمان في حين كانت طبقة محدودة قليلة العدد تتمتع وحدها بالخيرات وتعيش منعمة نبياً فـ " الصعاليك " امتازوا بـ ( نظرات إنسانية متقدمة إذ كانوا يعمدون إلى تلك المأتي لإغاثة المعوزين ) ( منذر الجبوري ، أيام العرب وأثرها في الشعر الجاهلي ، ص66 ، ط2 ، 1986م ، دار الشئون الثقافية "آفاق " ، بغداد ـ العراق ) ، وكان من بين " الصعاليك " شعراء معروفون جسدوا كل تلك المعاني في قصائدهم ( والذي يعنينا هو أن شعر هؤلاء الصعاليك كان مثالا لشعر سياسي طريف هو شعر الثورة والكفر بأوضاع فرضت عليهم الحرمان والفقر المدقع ) ( سمير عبد الرازق قطب ، أنساب العرب ، ص284 ) .

 

 

 

 

 

 

 


ونحن نخالف الباحث في مذهبه أن شعر " الصعاليك " هو شعر سياسي يمثل ثورة على الأوضاع ذلك أن " الصعاليك " أو " الذؤبان " أو " الخلعاء " لم يكن لديهم الوعي الكافي لتكوين تنظيم سياسي يقود ثورة تكتسح تلك الأوضاع الجائرة التي سادت آنذاك ، ولا تعدو أن تكون قصائدهم أو أشعارهم نفثات يعبرون بها عن تمردهم وسخطهم وشتان بين التمرد والثورة وفرق بين أبيات السخط والشعر السياسي ، وفي الحق أنه من الشطط أن نطالب " الصعاليك " بوعي يرقى إلى مستوى " ثورة " ، ويؤكد باحث آخر ما نذهب إليه إذ يقول ( وينعكس في أخبار الصعاليك وشعر شعرائهم إحساس مرير بوقع الفقر في نفوسهم وشكوى صارخة من الظلم الاجتماعي وهو أن منزلتهم واستنكار للعبودية والتمييز العنصري ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص163 ) . ويرى د. يوسف خليف أن الصلعكة ( كانت عند عروة بن الورد نزعة إنسانية نبيلة وضريبة يدفعها القوي للضعيف والغني للفقير وفكرة اشتراكية تشرك الفقراء في مال الاغنياء وتجعل لهم نصيب فيه بل حقاً يغتصبونه إن لم يؤد إليهم وتهدف إلى اتحيق لون من ألوان العدالة) (د. يوسف خليف ، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ، ص49 ) ولو أننا نرى في استعمال كلمة " اشتراكية " من قبل د.خليف نوعاً من الشطط وعدم توخي الدقة العلمية المضبوطة في استعمال الألفاظ .

وأياً كان الأمر فإن ظاهرة " الصلعكة " كانت نتاجاً طبيعياً للأحوال المختلة التي اعترت " مجتمع القبيلة " والمجتمع العربي عامة في شبه الجزيرة قبل بعثة محمد ( ص ) ، وأن ذلك المجتمع قد بلغ درجة الأزمة الحادة وكان من البادي للعين الفاحصة أن استمراره على ذلك النمط كان ضرباً من المستحيل وأنه كان يسير نحو الحل الذي يتمثل في " التوحيد " بكافة صوره وفي مقدمتها التوحيد الاجتماعي والسياسي وهو ما لعبته بمهارة وبراعة فائقتين دولة القرشيين في " يثرب " .

وكما كانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية فقد كانت كذلك " الوحدة السياسية " ، إذ أنها بمثابة دولة صغيرة ، لها مقومات الدولة خلا عنصر الأرض الثابتة ، وذلك بسبب تنقلها وراء مصادر المياه والكلأ ، والمقصود بالأرض الثابتة الحدود المرسومة التي لا تتعداها ، فالواقع أنه كان لكل قبيلة مستقر تتحرك في أرجائه تتبع فيه موسم المطر ومنابت العشب حتى إذا انتهى الموسم عادت أدراجها إلى موطنها الأول ، ولذلك حفظ لنا الإخباريين مواطن بعض القبائل مثل :
تميم وكانت تسكن بادية البصرة ، وهذيل تسكن جبالا قرب مكة ، وكنانة كانت تسكن جنوبي الحجاز ... الخ ( أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص8 ، ط13 ، 1982م ، مكتبة النهضة المصرية ) ، إذن المقصود أن عنصر الوطن كانت القبيلة تفتقر إليه .

أما حكم القبيلة فهو موكول إلى شيخها أو رئيسها أو سيدها ، ويشترط فيه أن يتميز بصفات معينة منها : الكرم والشجاعة والحلم والدهاء وسعة الصدر والحكمة والفصاحة ...الخ وبداهة يتعين أن يكون علة قدر من سعة الرزق وكثرة المال حتى يستطيع أن يفي بالتزامات الرئاسة ( فقد كان شيخ القبيلة أن يعين الضعفاء ويفتح بيته للنزلاء والأضياف ويدفع الديات عن فقراء القبيلة ) ( د. السيد عبد العزيز سالم ، تاريخ العرب قبل الإسلام ـ 1 ـ ص363 ) وكان يعاون شيخ القبيلة في إدارة شئونها " مجلس القبيلة " وهو يتكون من أفرادها ـ الأحرار الأصلاء ـ الذين بلغوا سن الأربعين ويتمتعون بعقل راجح وعادة ما يكونون على درجة من اليسر المالي ، ويجتمع المجلس غالباً في خيمة الشيخ ويتحاور أعضاؤه بحرية تامة في الأمور التي تهم القبيلة جميعها ، ولكن ليس شيخ القبيلة ملزما بأن يأخذ رأي " مجلس القبيلة " أو ما تستقر عليه أغلبيته وهو مطلق الحرية في القرار الذي ينتهي إليه فأحيانا يتبنى رأي المجلس وأخرى يطرب به عرض الحائط والثالثة يوافق على فكرة فرد واحد منهم … ولعل هذا منشأ الفرق الجوهري بين نظامي " الشورى " و" الديمقراطية " التي يلزم فيها الأخذ برأي الأغلبية حتى لو خالف رأي الحاكم وهناك كثير من الباحثين لا يتلفت لهذا الفرق الجوهري ويخلط بين النظامين خلطاً معيباً ويعتبرهما شيئاً واحداً .

وفي مقابل حرية شيخ القبيلة المطلقة في إصدار القرار فأن عليه تقع المسئولية كاملة فإذا اتخذ قرارا أوقع القبيلة في مأزق أو نالها من ورائه خطر فأنه يكون عرضة للإطاحة به لأنه يكون قد أثبت عدم جدارته بادارة دفة شئون القبيلة .. وهو الذي يتولى قيادة مقاتلي القبيلة في الغارات أو الغزوات ـ وربما يشاركه في ذلك فرد منها يتميز بالمهارة القتالية أو الحنكة الحربية ، يطلق عليه لدى بعض القبائل " العقيد" .

وحكم سيد القبيلة نافذ على جميع أفرادها ولا يملك أحد عصيانه ، ولزعيم القبيلة بعض الامتيازات في الغنائم التي تنتج عن الغارة أو الغزو مثل :
المرباع ( = ربع الغنيمة ) ، الصفايا ( = ما يصطفه لنفسه قبل قسمة الغنائم أو الفيء ) ، النشيطة ( = ما أصيب من مال نشوب القتال ) ، الفضول ( = ما لا يقبل القسمة من مال الغنيمة ) وهو ما ترى مقدار ليس بالهين أو البسيط ، وبعض هذه الامتيازات أقره الإسلام وكان النبي محمد ( ص ) يختص به .

وبداهة أن القبائل في الجزيرة العربية ـ رغم كثرتها ، كانت متناثرة ولا رباط بينها سوى الغزو والغارات ، بيد أن عدداً محدوداً منها قد عقد حلفاً بينها أو نشأت بينها " مصاهرة " ولكنه الاستثناء الذي لا ينال من القاعدة الراسخة وهي أنها كانت مشتتة ومتنافرة بل ومتعادية وقد أوجد ذلك " فراغاً سياسياً استفادت منه على أكمل وجه دولة القرشيين في يثرب ( إذ في ظل هذه الظروف كان الإسلام قد نجح في إقامة نواة دولة قوية في المدينة المنورة امتد نفوذها على جميع الحجاز ومناطق أخرى من جزيرة العرب مستفيداً من الفراغ السياسي الذي كان يسود الجزيرة في ذلك الوقت ) ( د.إحسان صدقي العمد ، حركة الأسةد العنسي " بحث في المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، العدد الرابع والثلاثون ، المجلد السابق ، ربيع 1989م ، تصدر عن مجلس النشر العلمي ، جامعة الكويت ) ، ولعله من نافلة القول أن نذكر أن تفرق قبائل الجزيرة العربي لم يكن هو العامل الوحيد لـ " الفراغ السياسي " بل كانت هناك عوامل أخرى أشرنا إليها فيما سلف ولقد أحس كثير من زعماء القبائل آنذاك بذلك " الفراغ السياسي " وحاولوا ملأه ولكن الظروف الموضوعية والقدرات الذاتية لديهم لم تؤهلهم لذلك ( قال ابن إسحق : وقدم على رسول الله ( ص ) وفد بني عامر بن الطفيل … وقال له قومه : يا أبا عامر أن الناس قد أسلموا فأسلم ، قال : والله لقد كنت آليت ألا انتهى حتى تتبع العرب عقبي ، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ) ( أورده الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير 701/774هـ ، في السيرة النبوية ، تحقيق د. مصطفى عبد الواحد ، الجزء الرابع ، ص109 ، ط 1966م دار إحياء الكتب العربية بمصر ) ، فهنا نجد عامر بن الطفيل سيد بني عامر كان يؤمل في زعامة الجزيرة العربية حتى " تتبع العرب عقبة " ـ ولم يكن هو الوحيد الذي راودته تلك الفكرة بل شاركه آخرون ، ولكن يتحقق له أولهم النجاح في ملء " الفراغ السياسي " وبعد " فتح مكة " غدا واضحا لكل ذي عينين من رؤساء وشيوخ القبائل أن قريشاً أصبحت سيدة الجزيرة العربية دون منازع ، فتوافدت على يثرب " المدينة " عشرات الوفود من مختلف أرجاء الجزيرة ، تبايع محمدا ( ص ) ، حتى سمى ذلك العام بـ " عام الوفود" وتعلن ولاءها المطلق لسيد قريش وقائد دولتها ، وعن بعض وفد " بني عبد القيس " يخبرنا ابن كثير ( فلما رأوا رسول الله ( ص ) وثبوا من رواحهم فأتوا رسول الله ( ص ) فقبلوا يده ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص89 ) وتقبيل اليد قديماً وحديثاً وفي أركان الدنيا الأربعة دليل حاسم على الاعتراف بالسيادة والرئاسة . كذلك عندما قدم " أعشى بني مازن " على النبي ( ص ) خاطبه بقوله ( يا سيد الناس وديان العرب ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص143 ) ، والذين قارنوا بين محمد وسليمان ـ الملك النبي ـ عليهما السلام ( فقال قائل منا ـ هم قوم عبد الرحمن بن أبي عقيل ـ يا رسول الله ( ص ) ألا سألت ربك " ملكاً " كملك سليمان ؟ قال فضحك رسول الله ( ص ) ثم قال : فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص165 ) .

وكانت الوفود التي وردت على يثرب في أواخر العام التاسع وأوائل العاشر الهجريين " وفوداً سياسية " جاءت لتعلن ولاءها لـ " دولة قريش " وقائدها ، ولم تكن وفوداً دينية والذي يؤكد هذه الحقيقة التي تنطق بها موسوعات السيرة النبوية ، هو أن بعض تلك الوفود كان يضم من بين أعضائه نصارى ( قدم على رسول الله ( ص ) الجاورد بن عمر بن حنش بن المعلي أخو " عبد القيس " في وفد " عبد القيس " وكان نصرانياً ) ( أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، 224/310هـ ، تاريخ الرسل والملوك ، الجزء الثالث ، ص136 ، ط2 ، 1969م ، دار المعارف بمصر ) وضم " وفد تغلب " ستة عشر رجلاً مسلمين ونصارى عليهم الصلب المذهبة فنزلوا دار رملة بنت الحارث) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص178 ) أو يكون الوفد كله من " النصارى " مثل " وفد أهل نجران " ( وذكر محمد ابن اسحق أن وفد نصارى نجران " كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم .. وأمر هؤلاء الأربعة عشر يؤول إلى ثلاثة منهم وهم " العاقب " وكان أمير القوم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، و" السيد " وكان ثمالهم أي ملجأهم وصاحب رحلهم ، وأبو حارثة بن علقمة وكان " أسقفهم " و حبرهم " ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص106 ، 107 ) .

وإذا كان بعض هذه الوفود قد دخل في الإسلام بعد مقبلة النبي ( ص ) فذلك لأن " الدين " كان أحد مكونات " الدولة القرشية " والدخول في الإسلام إعلان من الذي أسلم على خضوعه المطلق للدولة لا عن إيمان صادق ، بدليل أن كثيراً من تلك القبائل إرتد عن الإسلام وحارب دولة قريش ، ( عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عمته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : توفي رسول الله ( ص ) فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها : اشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب فوالله ما اختلفوا في واحدة إلا طار بحظها وغنائها عن الإسلام ) ( أورده أحمد يحي بن جابر المعروف بـ " البلاذري " في كتاب فتوح البلدان ، حققه د . صلاح الدين المنجد ، القسم الأول ، ص144 ، د.ت. مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة ) .

كان ابن القبيلة يعتز بنفسه اعتزازاً كبيراً ، إذ أنه هو الذي يحدد هويته ، فبدونه يتحول إلى " دعي " وهو من ينتسب إلى غير قبيلته أو قومه ، وندر أن اعتزت أمة بأنسابها مثل العرب ، ومن ثم يمكن الجزم بأن النسب " ملمح " عربي أصيل ينفرد به العرب دون سائر الناس ( والعرب مهتمون بأسابهم محتفظون بكيانها ، ومن الضياع عند القوم أن يجهل امرؤ نسبه ، أو أن يكون دعياً أو ملصقاً أو زنيماً ) ( سمير عبد الرازق القطب ، أنساب العرب ، ص9 ) ، ويحكي لنا الإخباريين أن " النعمان بن المنذر " أثناء مفاخرته لـ " كسرى أنو شروان " تباهي وجد جده .. الخ بينما لا يعرف أعلى من أبيه .

ولكن ما الباعث على اهتمام العربي بنسبه وحفظه إياه ؟

من المعلوم أن العرب " أمة أمية " ، لم يكن يعرف القراءة والكتابة فيها إلا عدد قليل غاية القلة ، أما الباقون وهم الألوف المؤلفة فقد جهلوها حتى ولو كانوا من سراتهم ، وكانوا يطلقون علة من يعرف القراءة والكتابة بالإضافة إلى صفتين أخريين " الكامل " من هنا تنبع أهمية حفظ الأنساب وأن تعيها الذاكرة الحافظة وتختزنها جيلا وراء جيل ، إذن المجتمع العربي آنذاك كان صاحب " ثقافة شفوية " بخلاف عدد من المجتمعات المعاصرة له كانت ذات " ثقافة مدونة " أو " كتابية " سواء تم ذلك على الورق أو على الحجر أو عليهما معاً .

ولسنا في حاجة إلى أن نذكر أننا نركز اهتمامنا في المقام الأول على المجتمع العربي وسط الجزيرة العربية وغربها حيث نشأت دولة قريش ، إذ الثابت أن " العربية الجنونية " أو " اليمن " عرفت " الثقافة المدونة " في صورها المتنوعة ، و " الثقافة الشفوية " تعتمد على الذاكرة الفردية ثم الذاكرة الجماعية ، ونظرا لأهمية النسب في حياة العربي فقد كان "حفظه " أحد روافد " الثقافة الشفوية " ، وتخصص بعض الأشخاص في هذا النوع من " الفن " إذا صح أن يوصف بذلك ، وكانت لهم مكانة ومهابة منهم أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ونذكر القارئ أنه اختير عضوا لحكومة الملأ وتولى الأشناق وهي الديات والمغارم بسبب أنه كان " نسابة " أي عالم بالأنساب ومن ثم كان في مقدوره تحديد الديات والمغارم حسب مكانة المجني عليه وما إذا كان محضا أو حليفا أو لصيقا أو زنيما …الخ ومعرفة الجاني ومكانه من القبيلة التي ينتمي إليها ، وحول النسب تحلقت الظواهر الاجتماعية التي تحدقنا عنها مثل : الخلع والولاء والحلف ..الخ كذلك تترتب على " النسب " آثار اجتماعية لا يمكن التهوين من شأنها : منها الميراث ، وتحديد مكانة الفرد في القبيلة فإن كان لصيقا أو زنيما فلا يحق له أن يشارك في " مجلس القبيلة " أو يتولى راستها ، وأيضا الكفاءة في الزواج فالمولى لا يحق له الزواج من امرأة ذات نسب صريح . لأن هذه الكفاءة انتقلت إلى الفقه الإسلامي فلا يجوز لغير الهاشمي أن ينكح ( يتزوج ) هاشمية ، وكذا تحديد المهور ، إذ أن مهر العربية الصريحة يفوق بما لا يقاس مهر غيرها .

 

 

 

 

 

 

 

 





ومن منظور النسب ( تضم القبيلة عادة ثلاثة أصناف :

( 1 ) صرحاء النسب وهم طبقة الأشراف وهم يتفاوتون في الشرف بتفاوت بيوتهم في الحسب
( 2 ) الموالى أو اللصقاء أو الملتصقين بالقبيلة بواسطة الجوار أو الحلف أو الاصطناع
( 3 ) العبيد المسترقين وهم في الغالب أسرى الحروب والغارات ) ( د.محمد عابد الجابري ، العصبية والدولة ، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي ، ص463، د.ت.، نشر " آفاق عربية " ، بغداد ) ولكن ما هو الحسب الذي تتفاوت فيه طبقة الأشراف ذات النسب الصريح ؟ ( الحسب هو نسب شريف وخلال حميدة ، وشرف النسب عائد بدوره إلى الخلال والشرف والحسب أنما هو الخلال ، ومعنى الحسب راجع إلى الأنساب ) ( د.محمد عابد الجابري ، ص440، نقلا عن " مقدمة ابن خلدون " الجزء الثاني ، ص432 ) .

إذن النسب الصريح الشريف إذا انضافت إليه الخلال الحميدة تحقق معنى الحسب ، وكلاهما من شروط الرئاسة والسؤدد في مجتمع الجزيرة العربية ، وقد فطن " القرشيون " إلى ذلك من وقت مبكر فبجانب نسبهم الصريح الشريف حرصوا على اكتساب الخلال الحميدة والسجايا الرفيعة والأخلاق العالية والصفات الممتازة فتحقق لهم الحسب المنيف ، وتحفظ لنا كتب السيرة الألقاب التي كانت تطلق على مؤسسي " دولة قريش " والتي تقطع بأنهم كانوا يتمتعون بنسب شريف وحسب منيف أهلهم لما وصلوا إليه من مجد ، فقد كان هاشم ( من أحسن الناس وأجملهم وكانت العرب تسميه " قدح النضار " و" البدر " ) ( الإمام محمد يوسف الصالحي الشامي ، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ، الجزء الأول ، ص219 ) وكان أخوه المطلب بن مناف ( ذا شرف في قومه وفضل وكانت قريش أنما تسميه " الفضل " لسماحته وفضله ) (الإمام محمد عبد الملك بن هشام ، السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص158 ) وكانوا يسمون بني مناف بـ " المغيرات " مدحاً لهم وتعظيماً :

إن المغيرات وأبناءها خير أحياء وأموات ( المرجع السابق ، ص163 ) .

أما عبد المطلب الجد المباشر لمحمد ( ص ) فلقد تعددت ألقابه فهو الفياض والفضل ومطعم الطير وشيبة الحمد : بنو شيبة الحمد الذي وجهه يضيء ظلام الليل كالقمر البدر .

وهكذا تكامل في قيادات قريش النسب الشريف والحسب الرفيع مما لم يتح لأي قبيلة أخرى من قبائل شبه الجزيرة العربية وكان ذلك أحد الدعامات البارزة التي ساهمت في ترسيخ الدولة التي أقامها الحفيد محمد (ص ) في يثرب .

كان المجتمع المديني أو الحضري يختلف عن المجتمع البدوي ، وأن كان يشابهه في بعض الملامح ، والمراكز الحضرية في الجزيرة العربية تركزت في : مكة والطائف ويثرب واليمامة وأن وجدت أصغر منها يمكن أن يطلق على مجتمعاتها حضرية عدا ذلك " العربية الجنوبية " أو اليمن ، وتميزت المراكز الحضرية فيما بينها :
فـ " مكة " غلبت عليها التجارة واليمامة غلبت عليها الزراعة ، أما في كل من " الطائف و " يثرب " فقد اختلطت في أرجائها الزراعة والصناعة والتجارة ، ولكن الزراعة كانت هي الأكثر ، وبداهة أن هناك فروقاً بين المجتمع المديني التجاري والمجتمع المديني الزراعي مع بروز الملامح أو القسمات المشتركة التي تفرقها عن مجتمع البادية .

وفي المراكز الزراعية تنوعت الزراعة في كل واحدة منها بحسب نوع التربة ومصادر المياه والطقس .
كذلك وجدت في المجتمع الحضري بعض الصناعات اليدوية :
كانت هناك صياغة الذهب وبها امتازت "يثرب " وكان يهود بني زهرة كانوا صياغاً وتملكوا ثلاثمائة متجر للمصوغات الذهبية ، وازدهرت دباغة الجلود في " الطائف " حتى أن المياه التي كانت تتخلف عنها تفوح فيها روائح عفنة تزكم الأنوف ، كما كانت تجفف العنب " الزبيب " ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص154 ) وظهر معدن الحديد في مضارب قبيلة " بني سليم " فبرعوا في صناعته ومن ثم أطلق جيرانهم لقب " القيون " جمع قين وهو الحداد ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الأول ، ص200 ) كذلك كانت هناك صناعة تحويلية في مكة تخصصت في " الأدم " أي الجلود ولو أنها كانت أقل شأناً منها في الطائف ، ويذكر الإخباريين أن قريشاً عندما أرسلت عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي في الحبشة بشأن المسلمين الذين هاجروا إليها بعثت معهما بهدايا قيمة من " الأدم " إليه وإلى بطارقته ليأمر بطردهم من بلده ولكنه رفض ورد الهدايا ، أما في اليمامة فقد كانت ( مرابع بني حنيفة مناطق زراعية في معظمها واشتهرت بزراعة التمور والحبوب حتى اعتمدت عليها في تصدير " الميرة " أي الحبوب إلى مناطق أخرى في الجزيرة العربية أهمها منطقة الحجاز وبصفة خاصة قريش في مكة ) ( د.إحسان صادق العمد ، حركة مسيلمة الحنفي ، ص28 ) ولا يفهم من هذا النص اقتصار النشاط الاقتصادي في اليمامة أو اعتماده على الزراعة وحدها ( إذ ساعد موقع منازلها في اليمامة عند ملتقى الطرق التجارية البرية من الحجاز واليمن إلى شرق الجزيرة العربية والعراق وفارس ، ساعد هذا الموقع على اشتغال بني حنيفة بالتجارة بما عرف بتجارة الترانزيت فضلا عن تصدير حاصلاتها الزراعية من حبوب وتمور ، وما اشتهرت به من منسوجات ) ( المرجع نفسه ، ص31) .

وكان العربي ساكن المراكز المدنية يأنف من امتهان الزراعة والصناعة ولكن بدرجة أقل من الأعرابي نزيل البادية ، ذلك أن ظروف بيئة العربي هي التي اضطرته إلى ذلك .

انقسم المجتمع الحضري أو المديني إلى طبقتين : الأغنياء والفقراء : والأغنياء هم التجار والمرابون وملاك الزراع وكثيراً ما كان الواحد منهم يجمع بين أكثر من نشاط اقتصادي ( وتتمثل قنوات استثمار أهل مكة على سبيل المثال ـ قبل بعثة محمد في : التجارة من الشمال والجنوب " رحلة الشتاء والصيف " والمضاربات والإقراض والاقتراض بالربا الفاحش " ربا النسيئة " واستثمار الأموال في مشاريع زراعية في مناطق الواحات الغربية كالطائف والمشاركة والمخالطة بين العمل ورأس المال واقتسام الأرباح خاصة في الأعمال التجارية ، والدعارة والترويج لها ضمن محلات خاصة واستغلال الإماء في ذلك وتجارة الرقيق ) (عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص43 ، ط1 ، 1968 م ، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس ـ ليبيا ) وممن كانوا تجاراً ويملكون مزارع في " الطائف " عمرو بن العاص ) اتخذ بستاناً .. عرف بكثرة كرمه وأنواع أعنابه ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص142 ) وغيره من (أثرياء قريش استغلوا أموالهم في الطائف واشتروا فيها الأرضين وغرسوها واستثمروها واشتروا بعض المياه وبنوا لهم منازل .. اتخذوها مساكن لهم في الصيف واسهموا مع رؤساء ثقيف في أعمال تجارية وربطوا حبالهم بحبالهم وحاولوا جهد إمكانهم ربط الطائف بمكة في كل شيء ) ( المرجع نفسه ، ص153 ) .

وذكر الإخباريون أن الربا كان ظاهرة لها قاعدة مستقرة في المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام ، أما إقراض المال وأخذ الربا فيه فأن الشواهد عليه كثيرة فهي منسوبة إلى أشخاص بأسمائهم ، ويذكر العلماء أن آية تحريم الزنا نزلت في " العباس بن عبد المطلب " و " خالد بن الوليد " وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا فجاء الإسلام ، ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال رسول الله ( ص ) "ألا أن كل ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " ) (محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص86 ، ط1 ، 1982 م ، دار الرشيد ، بغداد ) ، ولقد كان من آثار الربا ظهور ما يسمى بـ " عبودية الدين " ( فقد كان الفرد لسد رمقه ويعجز عن سداد الدين فيحق للمقرض استرقاقه أو بيعه أو يبيع منه ولده ، وبعضهم كان يقترض للمضاربة في التجارة ويعجز عن سداد الدين ، قالت بريرة لعائشة : كانت على أهلي تسع أواقي في كل عام أوقية فأعينيني فاشتريها فأعتقتها ) ( محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص91 ) وعبودية الدين استمر العمل بها في صدر الإسلام قبل نزول تحريم الربا ، قال الطحاوي : كان الحر يباع في الدين في أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقتضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك ، وحكى عن مكي أن النبي ( ص ) أمر به في صدر الإسلام ( تفسير القرطبي ، طبعة دار الشعب ، ص1179 ) وفي كتابه الربا أورد المستشار محمد سعيد العشماوي حديثا عن الدار قطني ( أن النبي ( ص ) قبل نزول آية الربا وجرياً على سنة العرب قضى باسترقاق شخص يدعى ( سُرق ) كان قد عجز عن الوفاء بدينه إلى دائنه ) ( محمد سعيد العشماوي ، الربا ، ص19 ، ط1، 1988 ، دار سينا للنشر بمصر ) ، ان استمرار ظاهرة عبودية الدين حتى صدر الإسلام وقضاء محمد ( ص ) باسترقاق ( سرق ) لعجزه عن دفع دينه ـ وذلك قبل تشريع تحريم الربا ـ يقطع بتمكن تلك الظاهرة وأنها كانت إحدى القواعد الاقتصادية المتعارف عليها في تلك الفترة .

وممن ذكره الإخباريين في المرابين : عبد الله بن جدعان وسبق أن ذكرنا نتفا من أخباره ، ومسعود بن عمر الثقفي ( في الطائف ) وغيرهما في المراكز المدنية بل وفي المجتمع البدوي ، ولسنا في حاجة إلى القول أن يهود يثرب كغيرهم أساتذة في النشاط الربوي .

كانت التجارة من أهم الأنشطة الاقتصادية في تلك المراكز وقد أوضحنا كيف تحولت تجارة مكة على يد القرشيين من المحلية إلى العالمية ، ولقد ساهم في ذلك عدد من العوامل منها عقود الإيلاف التي أبرمها هاشم بن مناف واخوته ( كذلك كان لاضمحلال الملاحة في أواخر عهد الروم " القرن الخامس الميلادي " وما بعده ، أثره في ظهور البر الحجازي ، فهو طريق رحلة الشتاء والصيف من اليمن والشام واستطاعت قوافل الجمال في هذا الطريق الذي يصل الجنوب بالشمال أن تحل محل تجارة البحرين من عدن القديمة وخليجي السويس والعقبة ، وقد أفاد عرب الحجاز لا سيما قريش من هذا التحول من تجارة البحر إلى تجارة البر بل كان ذلك أحد العوامل في ازدياد أهمية مكة وعدد غيرها من محطات القوافل على طول الطريق ) ( د.سليمان حزين ، " توسع العرب وانتشار الإسلام ، الحديث الرابع ، ص70 ، من كتاب إسلاميات ، ط1990 م، دار مودي للنشر ، لندن ) .

كان حصيلة تلك الأنشطة الاقتصادية المتنوعة أن تكدست الثروات في أيدي عدد محدود من رجالات قريش في مكة ، وثقيف بالطائف ، والأوس والخزرج واليهود بيثرب ، وبني حنيفة في اليمامة ، وصناديد قريش . أما عن الطائف وأغنيائها فقد ( ذكر عن عروة بن مسعود الثقفي أنه كان من رجال الذين كان عندهم عشر نسوة عند مجيء الإسلام ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص155) والزواج من عشر نساء في وقت واحد دليل على الغنى الوفير ، ذكر أهل الأخبار أن من أغنياء الطائف مسعود بن معتب الثقفي ، قيل أن له مالاً عظيماً وأنه أحد من قيل أنه المراد من الآية " على رجل من القريتين عظيم " ( محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص85 ) وقلنا أن من بين سادة ثقيف بالطائف : مسعود بن عمير بن عجر الثقفي وأنه كان أحد المرابين وعلى الدرجة نفسها من الملاءة واليسار ( كان سكان يثرب الأصليون من العرب ، ذوي خبرة في التجارة ومهارة في الزراعة حتى نافسوا اليهود بتجارتهم وتنمية أموالهم وأصبحوا أصحاب ثروات وحصون ومعاقل ) ( عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص23 ) ، وقد ألمعنا آنفاً في المبحث الخاص بالأنصار إلى وجود أثرياء أماثل وأصحاب حيطان " بساتين " وكروم نخيل وأطم " حصون " بين الأوس والخزرج ( الأنصار فيما بعد ) .

أما عن الثروة في اليمامة فقد بلغت في أيدي سادتها حداً كبيراً إذ كانوا في أعمال الزراعة يستعينون بالعبيد ... كما استعانوا بالموالي من العجم المجوس ) ( إحسان صادق العمد ، حركة مسليمة الحنفي ، ص29 ) ، وكان يحكم قبيلة بني حنيفة " ملك " مما يدل على حسن تنظيمها السياسي وارتفاع مستواها الاقتصادي ، ( وكان ملوكها يقيمون علاقة تجارية جيدة مع فارس والحجاز واليمن ) ( المرجع نفسه ، ص31 ) .

هذه أمثلة سريعة بقدر لزومها للبحث عن الأوضاع المالية المرتفعة التي وصل إليها أفراد طبقة الأغنياء في المراكز المدنية أو الحضرية في وسط وغرب شبه الجزيرة العربية حيث تأسست دولة قريش وكان أفراد تلك الطبقة يعيشون حياة رغدة ناعمة :

 

 

 

 

 

 

 

في بيوت مبنية ( لا في خيام كأثرياء البوادي ) ، مفروشة بأفخر أنواع الرياش ، ويلبسون الملابس الرقيقة ، والنعال المستوردة ، ويعتمون بالعمائم الملونة المجلوبة من الخارج ، ويأكلون أطيب الأطعمة ( استقدم عبد الله بن جدعان طباخاً من فارس ليعد له " الفالوذج " التي تطلق عليها العامة " البالوظة " ويشربون ألذ المشربات ويركبون الدواب الفارهة ذات السرج المطهمة ، وفي بيوتهم العدد الوفير من العبيد والإماء إما للخدمة أو المتعة ، ويتزوجون من النساء عددا كبيرا غير محدود ، ويقضون لياليهم في قصف ولهو ومقامرة ومعاقرة الخمور وسماع غناء الجواري المدربات على الغناء والرقص ، وقد ذكر أهل الأخبار أن عبد الله بن جدعان كانت له جاريتان بارعتان في الغناء مدحهما أمية بن أبي الصلت في أشعاره وأشاد بغنائهما ، كما أن عبد الله بن جدعان كان لا يشرب إلا في كؤوس من الذهب الخالص حتى سمى " حاسي الذهب " وكان من أبرز مهام العبيد حراسة هؤلاء الأغنياء الشخصية وحراسة منازلهم ـ وتفيض كتب الأدب مثل كتاب الأغاني للأصفهاني بالعديد من الحكايات التي تقطع بثرائهم الفاحش .
* * * *

أما طلقة الفقراء كانت تضم سائر الأفراد من سكان المراكز المدنية : باقي أعضاء القبيلة حتى ولو كانوا من " الخلص " ثن الموالي ، ومن تربطهم علائق ببعض السادة مثل الحلف أو الجوار ، والأرقاء ، ولم تكن تشمل " الخلعاء " أو " الصعاليك " أو " الذؤبان " أو " أغربة " إلا فيما قل ، لأن هؤلاء كانوا عادة ينزلون البوادي ، فطبيعة حياتهم أو منهج معيشتهم لا يتوافق مع الحياة الحضرية المستقرة .

إن قريش انقسمت إلى فرقتين : ( قريش الأباطح ) و ( قريش الظواهر ) وهو تقسيم أساسه التمايز الطبقي لا العرقي أو النسبي " من النسب " فكلهم قرشيون ينتمون إلى ( النضر بن كنانة ) ، فقريش البطاح من ولد فهر من دخل مع قصي الأبطح ، وقريش الظواهر من لد فهر : بنو الأدرم بن فهر ومعيص بن لؤي ومحارب بن الحارث إبنا فهر فهؤلاء قريش الظواهر ، وسائر قريش أبطحيون إلا رهط أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه وهم هلال بن أهيب وضبة بن الحارث بن فهر ورهط سهل وسهيل ابنى البيضاء وهم هلال بن ضبة بن الحارث بن فهر فأنهم دخلوا مع قصي فهم أبطحيون ) ( سمير عبد الرازق ، أنساب العرب ، ص47 ) فهنا نجد الذين انسلخوا رهطهم ودخلوا مع قصي لحقتهم " الأبطحية " فهي إذن تفرقة في الثروة والمكانة الاجتماعية المؤسسة على المال لا على الأصل أو النسب ، كما أنها " الأبطحية " تعطي صاحبها شرفا وامتيازا حتى أن معاوية بن أبي سفيان قد افتخر بها وهو خليفة وحاكم بأمر للعالم الإسلامي في زمانه .

هكذا تبين لنا أنه في المركز المديني ينقسم أفراد القبيلة الواحدة : فيلحق أحدها أو بطن أو فخذ منها بطبقة بينما يظل الباقون في طبقة أدنى ، لأن المقياس هو " تملك أدوات الثروة ووسائل الانتاج " ، ففي " باب القسامة " روى البخاري أن رجلاً من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى ثم قتله لاعتقاده أنه أهمل في أداء عمله وظل الخبر سراً حتى وصل إلى علم أبي طالب بن عبد المطلب وكان آنذاك زعيم بني هاشم فتوجه إلى القاتل ( فقال : اختر منا إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فأنك قتلت صاحبنا ، وأن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله ( وهذه هي القسامة ... من القسم ) وأن أبيت قتلناك به ) ( رواه البخاري في صحيحه في باب القسامة ، وأورده أحمد أمين في فجر الإسلام ، ص226 ) ، فهذا هاشمي من أسمى فروع قريش يعمل أجيراً لدى قرشي من فخذ آخر وتدفع غطرسة رأس المال صاحب العمل إلى قتله لمجرد توهمه أنه تقاعس في شغله ولو كان معيار التمايز نسبياً " من النسب " لكان الهاشمي هو صاحب العمل لا الأجير ، ولكنه تفاوت طبقي أساسه المال ، بل أن أبا طالب نفسه …( كان لا مال وكان ‘ذا أكل عيال أبي طالب جميعا أو فرادي لم يشبعوا ... وكان بنو أبي طالب يصبحون رمصاً عمصاً .. وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم أول البكرة ( يعني في الصباح ) فيجلسون وينتبهون ) ( الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير ، السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص242 ) هذه عبارات صريحة النص والدلالة نعا على أن أبا طالب كان يعاني بشدة من قلة المال ،حتى أن أولاده كانوا لا يجدون كفايتهم من الطعام ولا ماء يغسلون به وجوههم ويزيلون عن عيونهم الرمص والعمص ، ويبدو أن حالة أبي طالب المالية استمرت كذلك بل تدهورت حتى غداً عاجزاً عن إعالتهم مما دفع أبي طالب محمدا عليه السلام بعد عدة سنين لأن يقترح على عمه الآخر الغنى ـ العباس ـ أن يتوجها معاً إلى منزل أبي طالب ليعودا باثنين من أبنائه لتخفيف العبء عن كاهله فأخذ العباس جعفرا وكفل محمد ( ص ) علياً ، ولعله بذلك كان يرد الجميل لأبي طالب لأنه بعد وفاة جده عبد المطلب آواه وضمه إلى أسرته .

إذن مواضعات ذلك المجتمع كانت تجيز أن يلحق الفقر برجل شريف من فرع سامق في القبيلة وله مكانة أدبية مرتفعة فيها بيد أن ذلك كله كان لا يخوله حق كسب ( عضوية نادي الأغنياء ) أو حتى مجرد دخوله ، نخلص من ذلك كله أنه كان يوجد من بين طبقة الفقراء في المركز المديني أو الحضري أفراد خلص أو صرحاء من القبيلة .

أما الفقراء فقد كانوا من الموالي أو اللصقاء أو المرتبطين بحلف أو جوار مع أحد الصناديد ، ثم الرقيق أو العبيد ، وكانت عيشة هذه الطبقة في عمومها ـ على تفاوت بين فرد وآخر أو فئة و أخرى ـ صعبة أشد ما تكون الصعوبة بائسة أبلغ ما يكون البؤس . ( أما الفقراء المستضعفون فكانوا يؤلفون سواد " العرب " أو جمهور العوام وكانوا يتآلفون من رعاة الأنعام وفقراء الفلاحين والعمال وصغار الباعة والفعلة وكانوا يسكنون الخيام البسيطة أو العشش أو أكواخ حقيرة يعيشون فيها عيشة ضنكة وجوعاً مستمراً ) (برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص157 ) وكانوا يقنعون من العيش بالكفاف وليست لهم طاقة كالسادة الأغنياء كي يتفننوا في المطاعم والملابس بل كانوا يتبلغون بالتافه من المآكل ويلبسون الأسمال ، بل أنهم في بعض الحالات قد لا يجدون ما يسدون به رمقهم .

إن بعض الأسر في قريش ذاتها كانت تضطر إلى " الاحتفاد " أو " الاعتفار " عندما لا تملك قوت يومها وتفصل على أن تمد أيديها إلى غيرها تطلب منه الإحسان ، وكيف أن هاشماً شجب هذه العادة القبيحة وعمل على علاجها ، ولعله من نافلة القولل أن نذكر أن ذلك الاحتفاد أو الاعتفار من أثر الخلل الاجتماعي الذي حايث المجتمع المكي والذي شطره إلى : طبقة قليلة منعمة مرفهة وأخرى معوزة مملقة خالية الوفاض مما يحفظ عليها حياتها والاثنتان من أرومة واحدة !!!

كما سبق أن أوردنا في مبحث " حلف الفضول " أن من بين أسباب عقده "التآسي في المعاش " حسبما أورده صاحب " السيرة الشامية " فهو " مشروع " لإعادة التوازن ولو نسبياً بين طبقتي الأثرياء والمعدمين ولمنع ثورة توشك أن تهب فتطيح بذلك الوضع الجائر وبالفعل قامت بعض الفئات المضطهدة المحرومة بالشروع في ذلك ( ومن بيان أهل الأخبار عن الذين كانوا قد اعتصموا في " جبل تهامة " أنهم كانوا من الخارجين على الأعراف ومن الرقيق الآبق ، تجمعوا في هذا المكان المرتفع وتحصنوا وأخذوا يغتصبون من المارة ، وبقوا على هذا الحال حتى ظهر الرسول ( ص ) على أعدائه فوجدوا إذ ذلك أنهم لن يتمكنوا بعد ظهور الرسول من الاستمرار في التحرش بالمارة والتحرز بهذا الجبل وأن ظروفا جديدة قد ظهرت ستؤمن لهم سبل العيش ، وأن الرسول سيعفو عنهم ويفغر لهم ما وقع منهم قبل الإسلام فجاءوا إليه وأسلموا عنده وكتب لهم كتاب أمان بذلك ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب ، الجزء الرابع ، ص267 ) هذه مجموعة من الفقراء والعبيد الآبقين لم تطق صبرا على العيش الذليل الضيق فانتفضت وثارت على الأعراف الجائرة واعتصمت " بجبل تهامة " وأخذت تقطع الطريق على السابلة وتنهب ما تقع أيديهم عليه وظلت على ذلك إلى أن ظهر الرسول محمد ( ص ) على من عاداه ، وعلم أولئك المنتفضون أن ظرفا جديدا قد حدث أي أن هناك تنظيما سياسيا قد تخلق أو بمعنى آخر أن دولة قد تأسست لن تسمح لهم بالاستمرار في "خروجهم " ومن ناحية أخرى نمى إلى علمهم المبادئ الاجتماعية العادلة التي كان محمد ( ص ) يدعو إليها ، فانتهوا فيما بينهم إلى أنه لابد من الانصياع لسلطة تلك الدولة ومن ناحية أخرى الاستفادة من العدالة الاجتماعية التي تنشرها .

يرى العميد د.طه حسين أن مرآة الحياة " الجاهلية " يجب أن تلتمس من القرآن ، أي أنك إذا أردت أن تكون فكرة كاملة عن حياة العرب قبل الإسلام ( يسميها العميد : الجاهلية ) فـ ( أدرسها في القرآن ، فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي ، ونص القرآن ثابت لا شك فيه ) ( د.طه حسين ، في الشعر الجاهلي ، ص16 ، ط1 ، 1344هـ / 1926 م، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة ) ، والقرآن الكريم يحدثنا أن بعض العرب كان يئد أولاده خشية العوز والإملاق ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ، نحن نرزقهم وإياكم ) ( سورة الإسراء الآية / 31 ) ومن البديهي أن الذي كان يقدم على تلك الفعلة الشنعاء ، انما كان من الفقراء المستضعفين لا من الأغنياء المترفين ، ووصول الأمر بالعض ليفعل ذلك دليل أكيد على انحداره لحد هاوية العسر الشديد إذ أنه لم يجد ما يطعم به أولاده ففضل قتلهم على موتهم جوعاً بين يديه ، واضطراب الأحوال الاجتماعية في مجتمع مكة واختلال أحواله ووجود النسبة الغالبة فيه من المعوزين المملقين جعل هؤلاء يسارعون إلى الاستجابة لنداء محمد ( ص ) ، بمحو الفوارق الطبقية والتمايز الاجتماعي ( روى يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد جلس المستضعفون من أصحابه : عمار بن ياسر ، وخباب بن الأرت ، وصهيب ابن سنان وبلال بن رباح وأبو فكيهة ، وعامر بن فهيرة وأشباههم من المسلمين ، فتهزأ قريش بهم ، ويقول بعضهم لبعض : هؤلاء جلساؤه قد من الله عليهم من بيننا ) ( أحمد يحي المعروف بالبلاذري في أنساب الأشراف ، الجزء الأول ، ص156 ، ط1 ، 1959م ، سلسلة " ذخائر العرب " سنة 1927 م ، أخرجه معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية بالاشتراك مع دار المعارف بمصر ) ، ولم يكن المستضعفون من الرجال وحدهم هم الذين استجابوا لمحمد ( ص ) ، بل فعلها كذلك عدد من النساء منهن : سمية أم عمار بن ياسر ، ولبينة جارية بني المؤمل من رهط عدي بن كعب ، وزنيرة جارية أبي جهل ، والنهدية مولدة نهد بن زيد ثم صارت لامرأة من بني عبد الدار وأم عبيس أمة لبني زهرة ) ( المرجع نفسه ، ص198 ) ، هذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن تردي الأحوال الاجتماعية بلغ حداً اضطر النساء للثورة مع ملاحظة وضع المرأة ووعيها حينذاك ، وهؤلاء العبيد والإماء كانوا في ملك أفخاذ وبطون بارزة من قريش مثل : بني عبد الدار ، بني مخزوم ، بني زهرة ، بني عدي ، بني تيم ، بني جمح ...الخ ولا شك أن ما عانوه من ظلم اجتماعي فادح أوقعه عليهم سادتهم المترفون دفعهم إلى الهرولة للاستجابة إلى الصيحة التي أطلقها محمد ( ص ) والتي انتهت في آخر الشوط إلى إقامة الدولة في " يثرب " خاصة وأن تلك الصيحة كانت مضخمة بروح العدالة الاجتماعية والمساواة .

* * * *

ولم يكن حال طبقة الفقراء أحسن منها في المراكز المدينية أو الحضرية الأخرى ، بيد أن المصادر ( كتب التراث ) ركزت على مكة لأنها شهدت ظهور البعثة المحمدية ثم على يثرب مهد دولة القرشيين ، ولكننا مع ذلك نجد نتفاً إخبارية عن حال المستضعفين في باقي المراكز المدنية ، مثل : كانت نسبة العبيد والموالي مرتفعة في " اليمامة " لشدة الحاجة إليهم لأداء الخدمة الشاقة في المزارع وتجارة الترانزيت وصناعة المنسوجات ، ولقد سجل الشاعر " جرير الخطفي " هذه الحقيقة في شعره
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها
( إحسان صادق العمد ، حركة مسيلمة الحنفي ، ص29 ) .

ويرجح د.صالح أحمد العلي قلة عدد العبيد في يثرب لأن الصناعات كان يقوم بها اليهود مثل النجارة والحدادة وصياغة الذهب أو النساء في البيوت مثل الغزل والنسيج وخياطة الملابس ( ومن المحتمل اشتغال العبيد ببعض الصناعات غير أنه لا يوجد دليل على كثرة العبيد في " المدينة " ) ( د.صالح أحمد العلي ، الدولة في عهد الرسول ( ص ) ، المجلد الأول ، ص27 ) وهو رأي يأخذ به على علاته أو بتعبير آخر يتعين ألا نسلم به تسليماً مطلقاً بل علينا أن نمحصه ، ذلك أن " يثرب " كانت منطقة زراعية تحتاج إلى عبيد لفلاحتها ، بيد أن نص الدكتور العلي تحدث عن استخدام العبيد في مجال الصناعة فحسب ، فقد جاء في كتب السيرة النبوية أن " سليمان الفارسي " رضي الله عنه كان عبدا مملوكا كاليهودي يعمل في حائطه ( بستانه ) في يثرب ولما دخل الإسلام نصحه الرسول ( ص ) أن يكاتب على العتق أي يدفع له مالا نظير تحريره من رق العبودية ففعل وعاونه الرسول في ذلك ( د.حسن إبراهيم حسن ، زعماء الإسلام ، ص95 ، ط3 ، 1980 ، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة ) هذا مثل يدل على استخدام الرقيق في المزارع والبساتين والكروم وإذ أن الرقعة الزراعية في " منطقة يثرب " لم تكن ضيقة فلا شك أنها احتاجت لعدد ملحوظ إلى الكثرة من الأرقاء هذا بخلاف الأنشطة الأخرى ونعني بها الأنشطة الصناعية .

كذلك في " الطائف " التي امتازت بكثرة زروعها وبساتينها يتحتم أن يكون ( الثقفيون ) سادتها قد جلبوا عبيدا ليشتغلوا لهم في مستغلاتهم الزراعية خاصة وأنهم حضر مستقرون متقدمون بالقياس إلى بقية أهل الحجاز وفاقوا غيرهم في الزراعة ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص151 ، المرجع السابق ) ، إن الصفات التي استبغها عليهم د.جواد علي في النص المذكور تجعلنا نؤكد أنه من الصعب نفي استعانتهم بـ " الرقيق" في مزارعهم ، وينقل إلينا الإخباريين من كتب السية المحمدية أن محمدا ( ص ) عندما توجه إلى " الطائف " يدعو ثـقـفياً إلى الإسلام قابل هناك ( عداساـ غلام إي عبد ـ عتبة وشيبة ابني ربيعة ) وهو من أهل " نينوي " وكان يعمل لهما في مزارعهما وأنه قدم للنبي ( قطفا ) من عنب بأمر سيديه من أنتاج كرومهما هناك ( أبو القاسم السهيلي 508/581هـ ، الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام ، نحقيق طه عبد الرؤوف سعد ، الجزء الثاني ، ص179 ، ط 1391هـ/1971م ، من منشورات مكتبة ومطبعة عباس عبد السلام شقرون بمصر ) .

تلك الواقعة تدل على أن استخدام العبيد في مزارع " الطائف " كان أمراً شائعاً .

* * * *

 

 

 

 

 

 

 

هذه هي الطبقة الأخرى طبقة الفقراء المستضعفين التي تضم المملقين المعوزين من أبناء القبيلة الصرحاء الخلص ، ويجانبهم الموالي ومن على شاكلتهم من الملتصقين والمستجيرين والمتحالفين ثم الرقيق من عبيد وإماء وهم عصب الإنتاج في الأنشطة الاقتصادية كافة ، ومع ذلك كانوا يعيشون حياة كلها قساوة وشظف ومسغبة مما يقطع أن المجتمع العربي المديني الحضري دخل في مأزق وأنه لابد من البحث عن حل من قبل فئات الطبقة التي تحمل عبء هذا المأزق ، لقد وجد أفرادها بكل فئاتها الخلاص مما تعانيه في المسارعة للاستجابة للنداء الذي جهر به محمد ( ص ) لا لما كان يحمله من قسمات واضحة للعدالة الاجتماعية فحسب بل لأن هذا النداء جاء في أوانه ونضجت كل الظروف الموضوعية لانبعاثه من ناحية ولقبوله من الناحية الأخرى ـ فهو النداء الذي تداعى في الختام إلى قيام دولة قريش في يثرب على يد المنادي عليه السلام ، والقارئ المتمعن لوقائع تلك الحقبة سوف يتبين أن أفراد هذه الطبقة كان لهم دور بارز في شد أزرها في البداية بتحمل جميع أنواع الضغوط من قبل خصومها لو أدها في المهد ويورد لنا الإخباريين أسماء هؤلاء المستضعفين وقصصهم التي تبين مقاومتهم العنيدة لأعداء محمد عليه السلام ودعوته نذكر منهم : الأرقم ابن أبي الأرقم وعبد الله بن مسعود وخباب بن الأرت ، وصهيب وسلمان وعمار وبلال وأبو فكيهة وعامر بن فهيرة وغيرهم ـ رضوان الله عليهم ، ولذلك ظل محمد ( ص ) حتى آخر لحظة من حياته يقدرهم ويعرف لهم فضلهم فيما قدموه مبكرا ، إن موسوعات السيرة النبوية حافلة بالعديد من الأمثلة على ذلك ( روى أن خالد بن الوليد أغلظ لعمار بن ياسر وانطلق عمار يشكو إلى الرسول ، وجاء خالد يشكو وأغلظ له القول والرسول ساكت لا يتكلم ، فبكى عمار وقال : يا رسول الله ألا تراه ؟ فرفع الرسول رأسه وقال : من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله ) ( د.حسن إبراهيم حسن ، زعماء الإسلام ، ص90 ، المرجع السابق ) ، خالد بن الوليد أحد رجالات قريش المعدودين ومن بني مخزوم أحد فروعها البارزة ومن أغنيائها وكان شريكا للعباس بن عبد المطلب ، عم النبي ( ص) ويتمتع بمواهب عسكرية فذة إذ قيل عنه أنه ( لم يهزم قط لا في " الجاهلية " ولا في " الإسلام " ) ، بيد أن محمدا ( ص ) لم يعبأ بذلك والتفت إلى ما قدمه عمار في الأيام الصعبة الأولى ، هؤلاء المستضعفون عندما ترسخت أقدام الدولة في يثرب كان محمد يقدمهم على صناديد قريش من أمثال أبي سفيان فكان يأذن لهم بالدخول قبلهم ذلك وفاء منه لما أسدوه من خدمات عظيمة تجل عن الوصف في البدايات المبكرة للمسيرة .

لقد كانت طبقة الفقراء أصدق حساً تجاه نداء محمد ( ص ) فقد عرفت بفطرتها الطبيعية أنه النداء الذي تكاملت له الشروط وآذنت بانبعاثه ، ولا غرو تلك الطبقة ذاتها كانت نتاجاً شرعياً أو مولوداً شرعياً للمجتمع الحضري ـ خاصة في مكة ـ ويرى د.حمود العدوي أن ( الدعوة وصاحبها كانت محكومة إلى حد كبير بطبيعة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية السائدة … ولم تكن مجرد تعبير عن مفاهيم دينية وغيبية مثالية بحتة منبثقة عن مفاهيم مجردة ومنفصلة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي السائد … لقد كانت هي التعبير المباشر إلى حد وبشكل ما عن الطبقة الاجتماعية المسحوقة من عبيد وفقراء وصعاليك … فلم يكن الخلاف والعداء والمقاومة الشرسة التي لقيها محمد وأتباعه من قبل الأرستقراطيات السياسية والاقتصادية في المجتمع المكي القديم هو عداء وخلاف ديني بقدر ما أنه كان خلافاً وتناقضاً اجتماعياً وطبقياً في الأساس … ويؤكد هذه الحقيقة التاريخية انتشار مبادئ الدعوة في أوساط الفئات والطبقات المقهورة من العبيد والموالي وفقراء وصعاليك المجتمع المكي ) ( د.حمود العدوي ، المدخل الاجتماعي في دراسة التاريخ والتراث العربي ـ دراسة عن المجتمع اليمني ، فصل عنوانه " تناقضات المجتمع المكي القديم " وبقصد المؤلف بـ " القديم " السابق على ظهور الإسلام ، ص163/164 ،ط2 ، سبتمبر 1989م ، د.ن ) والذي يؤكد ما ذهبنا إليه وأيدنا فيه حسين مروة وحمود العدوي أن الغالبية الساحقة من الذين استجابوا لمحمد (ص ) هم من طبقة المسحوقين من المجتمع المكي والذين كانوا سخرية وهزء صناديد قريش ويحدثنا القرآن الكريم أن خصوم الرسل وهم ( الملأ ) كانوا يطلقون على المستضعفين الذين يتبعون الرسل لقب (الأراذل ) .

ويؤكد " علم اجتماع المعرفة " حقيقة علمية هي أن الأفكار والآراء والعقائد والمعتقدات ما هي إلا إفراز أو نتاج للواقع المادي ، والمقصود بهذا الواقع تركيبة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وتبرز ( أهمية المصالح الاقتصادية في تكوين المعتقدات والآراء والقيم الإنسانية ) (البروفيسور دنكن ميشيل ، معجم علم الاجتماع ، ترجمة ومراجعة د,إحسان محمد الحسن في باب " علم الاجتماع المعرفة " ، ص243 ، ط2 ، مارس ( آذار ) 1986 م،دار الطليعة ، بيروت ) ، ويرى إميل دوركهايم ـ عالم الاجتماع المشهور أنها (وليد التركيب الاجتماعي لمجتمعنا فهي جزء منه وغالبا ما تؤيده وتسنده وتعكس الظواهر الأساسية للحياة الاجتماعية ) ( المرجع السابق ، الصفحة نفسها ) ، ويصدق هذا التوصيف على المجتمع المكي آنذاك ـ بصفة خاصة ـ ونذكر هنا بما سبق أن سطرناه وهو أن عاملا آخر قد امتاز به ذلك المجتمع وهو تسرب أفكار إليه من الديانتين الساميتين الإبراهيميتين : الموسوية والعيسوية اللتين كانتا تتمتعان بحضور ثابت الأركان في منطقة الحجاز ومنها مكة ـ من بين تلك الأفكار فكرة ظهور نبي منتظر أطل أو أظل زمانه ، وهذا العامل من المقطوع به أنه ساهم بفعالية شديدة في الترحيب بدعوة محمد ( ص ) إذ من المهم أن نلاحظ كيف ترتبط الحياة الفكرية في فترة تاريخية معينة بالقوى الاجتماعية والسياسية القائمة ..

وأضاف كارل مانهايم إليها مجموعة أخرى من الكيانات الاجتماعية مثل الأجيال والطوائف الدينية والمهن والكنائس والمدارس ..) ( د.محمد عاطف غيث ، قاموس علم الاجتماع ، باب " علم الاجتماع المعرفة " ص460 ، ط1 ، 1988م، دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية ) أي أن الآراء والعقائد والأفكار والمعتقدات التي تسود مجتمعاً معيناً في فترة زمنية محددة لا تتأثر فحسب بالبني الاقتصادية والسياسية بل تضاف إليها ما يصدر عن بعض كيانات ذلك المجتمع مثل الطوائف والكنائس والمهن .. فهذه بدورها تؤثر على سائر بنيات المجتمع ولو أنها في الوقت نفسه تتأثر بها إلى حد ما ، فإذا طبقنا هذه الحقيقة العلمية التي أكدها علماء الاجتماع وخاصة في " علم اجتماع المعرفة " ، إذا طبقناها على المجتمع المكي السابق على البعثة المحمدية نجد أن العقائد والأفكار والمعتقدات والقيم التي ذاعت أو حتى ظهرت فيه هي انبثاق بطريق مباشر من واقعه الاقتصادي الاجتماعي وأيضاً وبدرجة ما عما كانت تبثه فيه الديانتان المتغلغلتان فيه وهما اليهودية والنصرانية ( سبق أن شرحنا ذلك ) من أفكار ومعتقدات ، ومن بينها أو أبرزها فكرة ظهور نبي منتظر قد أطل أو أظل زمانه .

الباب الخامس :
المقدمات الاقتصادية
مصادر الثروة




في البداية كانت مصادر الثروة لدى القبيلة العربية : المراعي ، قطعان الماشية ، العيون والآبار وكانت مشاعاً بين أفرادها ، وشيئاً فشيئاً مثل المجتمعات كافة بدأ في الظهور أفراد يتميزون بقدرات خاصة وملكات فريدة مثل : القوة العضلية ، الشجاعة ، الذكاء ، الدهاء ..الخ أخذوا يستأثرون لأنفسهم ولعائلاتهم ( الزوجة والأولاد ) بشطر من هذه المصادر ، ومن مجموع هؤلاء الأشخاص تخلقت أرستقراطية تملكت (أعداداً كبيرة من الإبل وصارت تستأثر بالإنتاج بهذه المشاعيات لمواشيها الخاصة ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص155 ، المرجع السابق ) ، والحال نفسه بالنسبة لمنابع المياه الأرضية مثل العيون والآبار ، هي أيضا أصبحت ( توزع بين ملكية خاصة وأخرى عامة ، وقد تكون خاصة بمدينة بأسرها وقبيلة معينة أو الأسرة أو لفرد يستفيد منها أو يبيع مياهها للناس وقد يؤجرها أو يبيعها ) ( محسن خليل ، في الفكر الاقتصادي الإسلامي ، ص83 ) ثم تطورت الأحوال فيما بعد حتى إن هذه الأرستقراطية اجتازت جل مصادر الثروة ولم تترك لغيرها إلا ما يمكن أن يوصف بالفتات الذي يتساقط من موائد الطاعمين ، يضرب لنا د.عبد الجواد الطيب مثلاً من قبيلة ( هذيل ) فيقول عن قطعان الماشية وهي من أبرز مصادر الثروة عند القبيلة العربية آنذاك ( وهذه الإبل والشاة كان يرعاها في العادة فقراؤهم ويقتنيها الأغنياء منهم ، وتبدو آثار ذلك واضحة في أشعارهم وفي أخبار غاراتهم وحروبهم ) ( د.عبد الجواد علي ، هذيل في جاهليتها وإسلامها ، ص91 ) ، وبذلك انقسمت القبيلة إلى :

( أ ) طبقة الأغنياء وهم الأرستقراطية أو الملأ أو النخبة أو الصفوة أو السادة
( ب ) وطبقة الفقراء أو المستضعفين أو ( الأراذل ).

وضمن مصادر تمويل القبيلة : الغنائم التي كانت تأتي من الغارات ، بيد أننا رأينا فيما سلف كيف كان يستأثر( بنصيب الأسد ) منها أعضاء الملأ وعلى رأسهم ( شيخ القبيلة ) وقد عددنا الأصناف التي كان يختص أو يخص بها نفسه ، والباقي تجري قسمته بعد ذلك ويذهب الجزء الأكبر منه للسادة . وكان لكل قبيلة ( حمي ) هو في الأساس الموضع الذي ترعى فيه إبلها ثم أطلق فيما بعد على ما يجوز أن نسميه موطنها أو مستقرها حيث مضارب خيامها وما حولها ، هذا ( الحمى ) لا يحق لقبيلة أخرى أن تتعدى عليه وإلا هيأت نفسها للدخول في معركة شرسة من جانب القبيلة المعتدى عليها ، إن الذي يهمنا في هذا المبحث ، بشأن هذه الخصوصية ، أن القبيلة كانت تستقضى من القوافل التجارية التي تمر بحماها أو أرضها أجراً وجعلا في مقابل هذا المرور ، فهو نوع من الضريبة الإلزامية لبروز عنصر الإكراه أو الجبر فيه ، وإذا لم تدفع القافلة هذا الأجر والجعل تعرضت للنهب والسلب والقتل حتى ولو كانت لكسرى نفسه ( بعث كسرى أنو شروان لى عامله باليمن بعيراً تحمل " نبعاً " ، وكانت بعير كسرى تبذرق من المدائن حتى تدفع إلى النعمان بن المنذر بالحيرة والنعمان يبذرقها بخفراء من بني ربيعة حتى تدفع إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة فيبذرقها حتى يخرجها من أرض بني حنيفة ، ثم تدفع إلى تميم وتجعل لهم جعالة فتسير بها إلى أن تبلغ اليمن ، وتسلم إلى عمال كسرى باليمن ولما بعث كسرى بهذه البعير ووصلت إلى اليمامة قال هوذة ابن علي للآساورة الذين يرافقونها : انظروا الذي تجعلونه لبني تميم ، وأنا أكفيكم أمره وأسير بها معكم حتى تبلغوا مأمنكم ، وخرج هوذة والأساورة العير معهم من هجر حتى إذا كانوا بنطاع ، بلغ بني تميم ما صنع هوذة ، فساروا إليهم فأخذوا ما كان معهم واقتسموه وقتلوا عامة الأساورة وسلبوهم ، وأسروا هوذة بن علي فاشترى هوذة نفسه بثلاثمائة بعير ، فساروا معه إلى هجر وأخذوا منه فداءه ) (محمد أحمد جاد المولى بك وآخران ، أيام العرب في الجاهلية ، ص2ـ3 ).

هذه الجعالة التي كانت تأخذها القبيلة من أي قافلة تجارية تعبر أرضها هي الأصل التاريخي لـ ( العشور ) التي عرفت فيما بعد في الإسلام .
وسبق أن ذكرنا أن الإيلاف الذي كانت تقدمه طواعية واختياراً في صورة منح أو هدايا قوافل قريش التجارية إلى زعماء القبائل التي تجتاز حماها والذي سنه هاشم بن عبد مناف وجاء ذكره في سورة ( قريش ) وفصلنا القول فيه بالمبحث الذي يحمل عنوان ( هاشم يوضح القسمات ) .

هذه الجعالات أو الأجور والإيلافات كان معظمها يدخل جيوب رؤساء القبائل والمتنفذين فيها ، بينما لا ينال منها أفراد ( القبيل ) ، ونعني بهم المستضعفين ، إلا اليسير .

بالإضافة إلى أن طبقة الفقراء كان بعضهم يقدم خدمات إلى قوافل التجار مثل : العمل كأدلاء أي يهدونها الطريق ، أو كحراس ، أو كخدم في الأعمال الشاقة مثل سقي الإبل وعلفها ..الخ خاصة أنها في بعض الأحيان تبلغ المئات بل عشرات المئات كما سنذكر ، وعادة ما يكون هؤلاء العبيد أو الموالي أو الملتحقين بالقبيلة فيذهب الشطر الغالب من أجورهم إلى سادتهم .

وعندما تنامت حركة التجارة في الجزيرة العربية في المراكز الحضارية مثلما أوردنا فيما سلف ساهم العديد من شيوخ القبيلة ووجهائها في عروض القوافل التجارية خاصة تلك التي تكون على مقربة من ( المراكز المدينية ) أو تربطها بها علاقات كالحلف أو الجوار أو المصاهرة وهذه ( توفر فوائد مالية للقبائل بتسويق ما لديها من بضائع ، إضافة إلى ما تفيده من الخدمات التي تقدمها للقوافل من جهة أخرى)، والإقراض بالربا لم يقتصر على الأغنياء في المراكز الحضرية وحجهم بل تعامل به عدد من سادات القبائل في البوادي .

كل هذه الدخول التي كانت تصب في خزائن سادات ووجهاء القبائل مما جعلهم يتغولون ويزدادون استكباراً على طبقة الفقراء فيها ، الأمر الذي ساعد على تجذير الفوارق بين الطبقتين ، إذ مما لاشك فيه أن هذا التمايز في الثروة أدى بدوره إلى التمايز الاجتماعي مما أثر تخلخلا في الروابط القبلية ، فبعد أن كان أفراد القبيلة يشعرون بالمساواة فيما بينهم ، طفق الفقراء والمستضعفون منهم يلمسون أنهم غدوا في مرتبة أدنى بكثير من أغنيائهم الذين يمسكون بأيديهم بزمام الثروة ، أي أن الجانب الاقتصادي لعب دوراً خطيراً في تحطيم الروح القبلية وغدت المصالح المادية هي الرابطة الجديدة التي تجمع بين أبناء كل طبقة وتوحد بينهم.

* * * *

الحلقة القادمة

المقدمات الاقتصادية
مصادر الثروة

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy