قريش من القبيلة الى الدولة المركزية(5)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 2
سيئجيد 

المقدمات الاقتصادية مصادر الثروة

 

 

هذه هي الطبقة الأخرى طبقة الفقراء المستضعفين التي تضم المملقين المعوزين من أبناء القبيلة الصرحاء الخلص ، ويجانبهم الموالي ومن على شاكلتهم من الملتصقين والمستجيرين والمتحالفين ثم الرقيق من عبيد وإماء وهم عصب الإنتاج في الأنشطة الاقتصادية كافة ، ومع ذلك كانوا يعيشون حياة كلها قساوة وشظف ومسغبة مما يقطع أن المجتمع العربي المديني الحضري دخل في مأزق وأنه لابد من البحث عن حل من قبل فئات الطبقة التي تحمل عبء هذا المأزق ، لقد وجد أفرادها بكل فئاتها الخلاص مما تعانيه في المسارعة للاستجابة للنداء الذي جهر به محمد ( ص ) لا لما كان يحمله من قسمات واضحة للعدالة الاجتماعية فحسب بل لأن هذا النداء جاء في أوانه ونضجت كل الظروف الموضوعية لانبعاثه من ناحية ولقبوله من الناحية الأخرى ـ فهو النداء الذي تداعى في الختام إلى قيام دولة قريش في يثرب على يد المنادي عليه السلام ، والقارئ المتمعن لوقائع تلك الحقبة سوف يتبين أن أفراد هذه الطبقة كان لهم دور بارز في شد أزرها في البداية بتحمل جميع أنواع الضغوط من قبل خصومها لو أدها في المهد ويورد لنا الإخباريين أسماء هؤلاء المستضعفين وقصصهم التي تبين مقاومتهم العنيدة لأعداء محمد عليه السلام ودعوته نذكر منهم : الأرقم ابن أبي الأرقم وعبد الله بن مسعود وخباب بن الأرت ، وصهيب وسلمان وعمار وبلال وأبو فكيهة وعامر بن فهيرة وغيرهم ـ رضوان الله عليهم ، ولذلك ظل محمد ( ص ) حتى آخر لحظة من حياته يقدرهم ويعرف لهم فضلهم فيما قدموه مبكرا ، إن موسوعات السيرة النبوية حافلة بالعديد من الأمثلة على ذلك ( روى أن خالد بن الوليد أغلظ لعمار بن ياسر وانطلق عمار يشكو إلى الرسول ، وجاء خالد يشكو وأغلظ له القول والرسول ساكت لا يتكلم ، فبكى عمار وقال : يا رسول الله ألا تراه ؟ فرفع الرسول رأسه وقال : من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله ) ( د.حسن إبراهيم حسن ، زعماء الإسلام ، ص90 ، المرجع السابق ) ، خالد بن الوليد أحد رجالات قريش المعدودين ومن بني مخزوم أحد فروعها البارزة ومن أغنيائها وكان شريكا للعباس بن عبد المطلب ، عم النبي ( ص) ويتمتع بمواهب عسكرية فذة إذ قيل عنه أنه ( لم يهزم قط لا في " الجاهلية " ولا في " الإسلام " ) ، بيد أن محمدا ( ص ) لم يعبأ بذلك والتفت إلى ما قدمه عمار في الأيام الصعبة الأولى ، هؤلاء المستضعفون عندما ترسخت أقدام الدولة في يثرب كان محمد يقدمهم على صناديد قريش من أمثال أبي سفيان فكان يأذن لهم بالدخول قبلهم ذلك وفاء منه لما أسدوه من خدمات عظيمة تجل عن الوصف في البدايات المبكرة للمسيرة .

لقد كانت طبقة الفقراء أصدق حساً تجاه نداء محمد ( ص ) فقد عرفت بفطرتها الطبيعية أنه النداء الذي تكاملت له الشروط وآذنت بانبعاثه ، ولا غرو تلك الطبقة ذاتها كانت نتاجاً شرعياً أو مولوداً شرعياً للمجتمع الحضري ـ خاصة في مكة ـ ويرى د.حمود العدوي أن ( الدعوة وصاحبها كانت محكومة إلى حد كبير بطبيعة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية السائدة … ولم تكن مجرد تعبير عن مفاهيم دينية وغيبية مثالية بحتة منبثقة عن مفاهيم مجردة ومنفصلة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي السائد … لقد كانت هي التعبير المباشر إلى حد وبشكل ما عن الطبقة الاجتماعية المسحوقة من عبيد وفقراء وصعاليك … فلم يكن الخلاف والعداء والمقاومة الشرسة التي لقيها محمد وأتباعه من قبل الأرستقراطيات السياسية والاقتصادية في المجتمع المكي القديم هو عداء وخلاف ديني بقدر ما أنه كان خلافاً وتناقضاً اجتماعياً وطبقياً في الأساس … ويؤكد هذه الحقيقة التاريخية انتشار مبادئ الدعوة في أوساط الفئات والطبقات المقهورة من العبيد والموالي وفقراء وصعاليك المجتمع المكي ) ( د.حمود العدوي ، المدخل الاجتماعي في دراسة التاريخ والتراث العربي ـ دراسة عن المجتمع اليمني ، فصل عنوانه " تناقضات المجتمع المكي القديم " وبقصد المؤلف بـ " القديم " السابق على ظهور الإسلام ، ص163/164 ،ط2 ، سبتمبر 1989م ، د.ن ) والذي يؤكد ما ذهبنا إليه وأيدنا فيه حسين مروة وحمود العدوي أن الغالبية الساحقة من الذين استجابوا لمحمد (ص ) هم من طبقة المسحوقين من المجتمع المكي والذين كانوا سخرية وهزء صناديد قريش ويحدثنا القرآن الكريم أن خصوم الرسل وهم ( الملأ ) كانوا يطلقون على المستضعفين الذين يتبعون الرسل لقب (الأراذل ) .

ويؤكد " علم اجتماع المعرفة " حقيقة علمية هي أن الأفكار والآراء والعقائد والمعتقدات ما هي إلا إفراز أو نتاج للواقع المادي ، والمقصود بهذا الواقع تركيبة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وتبرز ( أهمية المصالح الاقتصادية في تكوين المعتقدات والآراء والقيم الإنسانية ) (البروفيسور دنكن ميشيل ، معجم علم الاجتماع ، ترجمة ومراجعة د,إحسان محمد الحسن في باب " علم الاجتماع المعرفة " ، ص243 ، ط2 ، مارس ( آذار ) 1986 م،دار الطليعة ، بيروت ) ، ويرى إميل دوركهايم ـ عالم الاجتماع المشهور أنها (وليد التركيب الاجتماعي لمجتمعنا فهي جزء منه وغالبا ما تؤيده وتسنده وتعكس الظواهر الأساسية للحياة الاجتماعية ) ( المرجع السابق ، الصفحة نفسها ) ، ويصدق هذا التوصيف على المجتمع المكي آنذاك ـ بصفة خاصة ـ ونذكر هنا بما سبق أن سطرناه وهو أن عاملا آخر قد امتاز به ذلك المجتمع وهو تسرب أفكار إليه من الديانتين الساميتين الإبراهيميتين : الموسوية والعيسوية اللتين كانتا تتمتعان بحضور ثابت الأركان في منطقة الحجاز ومنها مكة ـ من بين تلك الأفكار فكرة ظهور نبي منتظر أطل أو أظل زمانه ، وهذا العامل من المقطوع به أنه ساهم بفعالية شديدة في الترحيب بدعوة محمد ( ص ) إذ من المهم أن نلاحظ كيف ترتبط الحياة الفكرية في فترة تاريخية معينة بالقوى الاجتماعية والسياسية القائمة ..

وأضاف كارل مانهايم إليها مجموعة أخرى من الكيانات الاجتماعية مثل الأجيال والطوائف الدينية والمهن والكنائس والمدارس ..) ( د.محمد عاطف غيث ، قاموس علم الاجتماع ، باب " علم الاجتماع المعرفة " ص460 ، ط1 ، 1988م، دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية ) أي أن الآراء والعقائد والأفكار والمعتقدات التي تسود مجتمعاً معيناً في فترة زمنية محددة لا تتأثر فحسب بالبني الاقتصادية والسياسية بل تضاف إليها ما يصدر عن بعض كيانات ذلك المجتمع مثل الطوائف والكنائس والمهن .. فهذه بدورها تؤثر على سائر بنيات المجتمع ولو أنها في الوقت نفسه تتأثر بها إلى حد ما ، فإذا طبقنا هذه الحقيقة العلمية التي أكدها علماء الاجتماع وخاصة في " علم اجتماع المعرفة " ، إذا طبقناها على المجتمع المكي السابق على البعثة المحمدية نجد أن العقائد والأفكار والمعتقدات والقيم التي ذاعت أو حتى ظهرت فيه هي انبثاق بطريق مباشر من واقعه الاقتصادي الاجتماعي وأيضاً وبدرجة ما عما كانت تبثه فيه الديانتان المتغلغلتان فيه وهما اليهودية والنصرانية ( سبق أن شرحنا ذلك ) من أفكار ومعتقدات ، ومن بينها أو أبرزها فكرة ظهور نبي منتظر قد أطل أو أظل زمانه .




في البداية كانت مصادر الثروة لدى القبيلة العربية : المراعي ، قطعان الماشية ، العيون والآبار وكانت مشاعاً بين أفرادها ، وشيئاً فشيئاً مثل المجتمعات كافة بدأ في الظهور أفراد يتميزون بقدرات خاصة وملكات فريدة مثل : القوة العضلية ، الشجاعة ، الذكاء ، الدهاء ..الخ أخذوا يستأثرون لأنفسهم ولعائلاتهم ( الزوجة والأولاد ) بشطر من هذه المصادر ، ومن مجموع هؤلاء الأشخاص تخلقت أرستقراطية تملكت (أعداداً كبيرة من الإبل وصارت تستأثر بالإنتاج بهذه المشاعيات لمواشيها الخاصة ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص155 ، المرجع السابق ) ، والحال نفسه بالنسبة لمنابع المياه الأرضية مثل العيون والآبار ، هي أيضا أصبحت ( توزع بين ملكية خاصة وأخرى عامة ، وقد تكون خاصة بمدينة بأسرها وقبيلة معينة أو الأسرة أو لفرد يستفيد منها أو يبيع مياهها للناس وقد يؤجرها أو يبيعها ) ( محسن خليل ، في الفكر الاقتصادي الإسلامي ، ص83 ) ثم تطورت الأحوال فيما بعد حتى إن هذه الأرستقراطية اجتازت جل مصادر الثروة ولم تترك لغيرها إلا ما يمكن أن يوصف بالفتات الذي يتساقط من موائد الطاعمين ، يضرب لنا د.عبد الجواد الطيب مثلاً من قبيلة ( هذيل ) فيقول عن قطعان الماشية وهي من أبرز مصادر الثروة عند القبيلة العربية آنذاك ( وهذه الإبل والشاة كان يرعاها في العادة فقراؤهم ويقتنيها الأغنياء منهم ، وتبدو آثار ذلك واضحة في أشعارهم وفي أخبار غاراتهم وحروبهم ) ( د.عبد الجواد علي ، هذيل في جاهليتها وإسلامها ، ص91 ) ، وبذلك انقسمت القبيلة إلى :

( أ ) طبقة الأغنياء وهم الأرستقراطية أو الملأ أو النخبة أو الصفوة أو السادة
( ب ) وطبقة الفقراء أو المستضعفين أو ( الأراذل ).

وضمن مصادر تمويل القبيلة : الغنائم التي كانت تأتي من الغارات ، بيد أننا رأينا فيما سلف كيف كان يستأثر( بنصيب الأسد ) منها أعضاء الملأ وعلى رأسهم ( شيخ القبيلة ) وقد عددنا الأصناف التي كان يختص أو يخص بها نفسه ، والباقي تجري قسمته بعد ذلك ويذهب الجزء الأكبر منه للسادة . وكان لكل قبيلة ( حمي ) هو في الأساس الموضع الذي ترعى فيه إبلها ثم أطلق فيما بعد على ما يجوز أن نسميه موطنها أو مستقرها حيث مضارب خيامها وما حولها ، هذا ( الحمى ) لا يحق لقبيلة أخرى أن تتعدى عليه وإلا هيأت نفسها للدخول في معركة شرسة من جانب القبيلة المعتدى عليها ، إن الذي يهمنا في هذا المبحث ، بشأن هذه الخصوصية ، أن القبيلة كانت تستقضى من القوافل التجارية التي تمر بحماها أو أرضها أجراً وجعلا في مقابل هذا المرور ، فهو نوع من الضريبة الإلزامية لبروز عنصر الإكراه أو الجبر فيه ، وإذا لم تدفع القافلة هذا الأجر والجعل تعرضت للنهب والسلب والقتل حتى ولو كانت لكسرى نفسه ( بعث كسرى أنو شروان لى عامله باليمن بعيراً تحمل " نبعاً " ، وكانت بعير كسرى تبذرق من المدائن حتى تدفع إلى النعمان بن المنذر بالحيرة والنعمان يبذرقها بخفراء من بني ربيعة حتى تدفع إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة فيبذرقها حتى يخرجها من أرض بني حنيفة ، ثم تدفع إلى تميم وتجعل لهم جعالة فتسير بها إلى أن تبلغ اليمن ، وتسلم إلى عمال كسرى باليمن ولما بعث كسرى بهذه البعير ووصلت إلى اليمامة قال هوذة ابن علي للآساورة الذين يرافقونها : انظروا الذي تجعلونه لبني تميم ، وأنا أكفيكم أمره وأسير بها معكم حتى تبلغوا مأمنكم ، وخرج هوذة والأساورة العير معهم من هجر حتى إذا كانوا بنطاع ، بلغ بني تميم ما صنع هوذة ، فساروا إليهم فأخذوا ما كان معهم واقتسموه وقتلوا عامة الأساورة وسلبوهم ، وأسروا هوذة بن علي فاشترى هوذة نفسه بثلاثمائة بعير ، فساروا معه إلى هجر وأخذوا منه فداءه ) (محمد أحمد جاد المولى بك وآخران ، أيام العرب في الجاهلية ، ص2ـ3 ).

هذه الجعالة التي كانت تأخذها القبيلة من أي قافلة تجارية تعبر أرضها هي الأصل التاريخي لـ ( العشور ) التي عرفت فيما بعد في الإسلام .
وسبق أن ذكرنا أن الإيلاف الذي كانت تقدمه طواعية واختياراً في صورة منح أو هدايا قوافل قريش التجارية إلى زعماء القبائل التي تجتاز حماها والذي سنه هاشم بن عبد مناف وجاء ذكره في سورة ( قريش ) وفصلنا القول فيه بالمبحث الذي يحمل عنوان ( هاشم يوضح القسمات ) .

هذه الجعالات أو الأجور والإيلافات كان معظمها يدخل جيوب رؤساء القبائل والمتنفذين فيها ، بينما لا ينال منها أفراد ( القبيل ) ، ونعني بهم المستضعفين ، إلا اليسير .

بالإضافة إلى أن طبقة الفقراء كان بعضهم يقدم خدمات إلى قوافل التجار مثل : العمل كأدلاء أي يهدونها الطريق ، أو كحراس ، أو كخدم في الأعمال الشاقة مثل سقي الإبل وعلفها ..الخ خاصة أنها في بعض الأحيان تبلغ المئات بل عشرات المئات كما سنذكر ، وعادة ما يكون هؤلاء العبيد أو الموالي أو الملتحقين بالقبيلة فيذهب الشطر الغالب من أجورهم إلى سادتهم .

وعندما تنامت حركة التجارة في الجزيرة العربية في المراكز الحضارية مثلما أوردنا فيما سلف ساهم العديد من شيوخ القبيلة ووجهائها في عروض القوافل التجارية خاصة تلك التي تكون على مقربة من ( المراكز المدينية ) أو تربطها بها علاقات كالحلف أو الجوار أو المصاهرة وهذه ( توفر فوائد مالية للقبائل بتسويق ما لديها من بضائع ، إضافة إلى ما تفيده من الخدمات التي تقدمها للقوافل من جهة أخرى)، والإقراض بالربا لم يقتصر على الأغنياء في المراكز الحضرية وحجهم بل تعامل به عدد من سادات القبائل في البوادي .

كل هذه الدخول التي كانت تصب في خزائن سادات ووجهاء القبائل مما جعلهم يتغولون ويزدادون استكباراً على طبقة الفقراء فيها ، الأمر الذي ساعد على تجذير الفوارق بين الطبقتين ، إذ مما لاشك فيه أن هذا التمايز في الثروة أدى بدوره إلى التمايز الاجتماعي مما أثر تخلخلا في الروابط القبلية ، فبعد أن كان أفراد القبيلة يشعرون بالمساواة فيما بينهم ، طفق الفقراء والمستضعفون منهم يلمسون أنهم غدوا في مرتبة أدنى بكثير من أغنيائهم الذين يمسكون بأيديهم بزمام الثروة ، أي أن الجانب الاقتصادي لعب دوراً خطيراً في تحطيم الروح القبلية وغدت المصالح المادية هي الرابطة الجديدة التي تجمع بين أبناء كل طبقة وتوحد بينهم.

* * * *

 

 

 

 

 

في مقدمة العوامل الخارجية التي ساهمت في نمو الحركة التجارية في المراكز الحضارية وخاصة في مكة وأدت إلى تكديس الثروات في أيدي عدد محدود ـ حياد القرشيين في النزاع الذي كان دائرا بين الفرس والروم ، مما أتاح لهم التعامل مع الطرفين معاً .
من ناحية الإمبراطورية الرومانية البيزنطية فإن ( إقبالها ونهامتها على منتجات الهند والصين لم تصرفهم عن الاستعانة بالقرشيين كوسطاء للتجارة الهندية وكانت القسطنطينية تستخدم منتجات الشرق لإبراز مظاهر العظمة والأبهة في البلاط الإمبراطوري فالأباطرة أنفسهم كانوا يحيطون أنفسهم بحاشيات مترفهة تلبس الثياب الحريرية ، وكانت أبهة الكنائس البيزنطية وفخامتها تتطلب مزيداً من البخور الطيوب ومزيداً من الأقمشة الحريرية المصنوعة في الصين والهند ..) ( د.السيد عبد العزيز سالم ، تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص306 ) ، بل أن اهتمام الروم الشرقيين بالتجارة مع مكة دفع إلى إنشاء وكالات تجارية فيها للاهتمام بالشئون التجارية والتجسس على أحوال العرب ( عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص22) وأن هذه البيوت أو الوكالات التجارية الرومانية كانت من بين المنابع التي صدرت عنها " النصرانية " في مكة .

أما من ناحية الفرس فقد أوضحنا أن نوفل الأخ الأصغر لهاشم عبد مناف قد أخذ عهدا من كسرى ( فاختلف تجار قريش إلى أرض العراق وأرض فارس آمنين ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، المجلد الأول ، ص134 ) ، ولم تكن الحبال أو العهود التي أبرمها ( الأخوة عبد مناف ) قاصرة على فارس ، بل امتدت إلى دول مجاورة أخرى مثل الحبشة ، وقد سجل شعر ما قبل البعثة المحمدية تلك الحقبة التاريخية ، فهذا مطرود بن كعب الخزاعي يقول :
يأيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف
الآخذين العهد من آفاقه والراحلين لرحلة الإيلاف

ويكاد الباحثون يجمعون على حياد سادة مكة بين القوتين الأعظم لذاك الزمان وأنه كان دليلا على كياسة القرشيين وبعد نظرهم وحسهم السياسي العميق ، إذ ( أفادت هذه السياسة مكة كثيراً فظهرت زعامتها على القبائل وجعلت القبائل تعترف لها بالتفوق ) وحتى بعد الحملة العسكرية الخائبة التي قادها أبرهة الأشرم ضد مكة والتي ساهمت في هزيمته فيها حرارة الصحراء اللافحة ( فإن قريشاً ) ظلت متمسكة بحيادها الحذر الذي أثنى عليه خيراً جمهور الباحثين ( فلم تصطدم بالأحباش رغم حملة أبرهة بل نشطت تجارتها مع اليمن ) ( د.عبد العزيز الدوري ، التكوين التاريخي للأمة العربية ، ص29 ، مرجع سابق ) .

وعندما نقول سادة قريش فأنه يشمل وجهاء ثقيف في الطائف ، إذ أنهم كانوا من أهم المشاركين في تجارة القوافل المكية ولعل ما يؤكد ذلك أن القرآن الكريم ربط بين مكة والطائف وسماهما ( القريتين ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، المجلد الأول ، ص135 ، مرجع سابق ) .

أن العهود التي أبرمها هاشم بن عبد مناف وأخوته قد نقلت التجارة في مكة من المحلية إلى العالمية أو الدولية ، ولعل ما يثبت ذلك عظم القوافل التجارية التي تخرج من مكة إلى تلك البلاد التي عقدت معها عهود ومواثيق " الإيلاف " ثم تعود منها وهي محملة بعروض أخرى لبيعها في الأسواق .

يحدثنا الإخباريين أن القافلة الواحدة كانت تضم ما بين ألف وألفي بعير مما يقطع بتنامي ثروات القرشيين وشركائهم من الثقفيين وغيرهم ، ونذكر قافلة قريش التي كانت السبب في غزوة بدر الكبرى ، كمثل على ما بلغته تجارة أولئك القوم ( قال ابن اسحق : ثم أن رسول الله ( ص ) سمع بأبي سفيان بني حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجارتهم وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص ، وقال ابن عقبة وابن عائذة في أصحاب أبي سفيان : هم سبعون رجلا وكانت عيرهم ألف بعير ..الخ ) ( ابن سيد الناس ، عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ، المجلد الأول ، ص239 ، مرجع سابق ) .

يضيف د.سليمان حزين عاملاً خارجياً آخر لازدهار التجارة في وسط وغرب الجزيرة وخصوصاً منطقة الحجاز وعلى الأخص مكة فقد ( كان لاضمحلال طريق الملاحة في البحر الأحمر في أواخر عهد الرومان ( القرن الخامس الميلادي وما بعده ) أثره في ظهور طريق البر الحجازي وهو طريق رحلة الشتاء والصيف بين اليمن والشام ، واستطاعت قوافل الجمال من هذا الطريق الذي يصل الجنوب بالشمال أن تحل محل تجارة البحرين بين عدن القديمة وخليجي السويس والعقبة ، وقد أفاد عرب الحجاز لا سيما قريش من هذا التحول من تجارة البحر إلى تجارة البر ، بل كان ذلك أحد العوامل في ازدياد أهمية مكة وعدد غيرها من محطات القوافل على طريق القوافل ) ( د.سليمان حزين ، إسلاميات ، الحديث الرابع ، ص70) .

إن التنافس بين الروم والفرس والحبشة على تجارة العربية الجنوبية " اليمن " ( وضعف سلطان جنوبي الجزيرة العربية الإقطاعي ، والحروب الإقطاعية والدينية المهلكة ، وذلك في الفترة الواقعة بين القرنين الثالث والسادس الميلادي ) ( دائرة المعارف الإسلامية ، المجلد السادس ، ص473 ) قد أدى إلى تنامي التجارة البرية التي تنقل بالجمال في قوافل تسير بين اليمن والشام والعراق ( وما أن حل عام 600م حتى كان القرشيون في مكة يتحكمون في هذه التجارة إلى حد كبير ) ( المرجع نفسه ، ص491 ) ، وهكذا أصبحت قريش قبيل ظهور الإسلام سيدة التجارة في وسط وغرب الجزيرة بدون منازع ، والذي لا ريب فيه أن ازدهار تجارة القرشيين الدولية الكبيرة آنذاك ، ونعني الرومان والفرس ثم الأحباش ، وذلك كان بكل المقاييس في صالح دولة قريش التي قامت بعيد ذلك في يثرب ( ولو أن مثل ذلك الضعف السياسي سبق الإسلام بقرنين مثلاً لتغير وجه التاريخ في الشرق الأدنى والعالم الإسلامي ولما أتيح للدين الجديد أن يستفيد من توسع العرب السياسي على حساب الإمبراطوريتين القديمتين على نحو ما حدث في صدر الإسلام ) ( د.سليمان حزين ، المرجع السابق ، ص71 ) .

ولعله من البديهي أن نذكر أن توسع العرب الذي حدث في صدر الإسلام كان هو الثمرة المباشرة لقيام دولة قريش في يثرب ، التي منها انطلقت جيوش الفتح التي حققت ذلك التوسع .

تلك لمحات خاطفة عن العوامل الخارجية التي أدت إلى تعاظم التجارة في مكة ومن ثم في الطائف وتكدس الثروات في أيدي قلة محدودة ، أما العوامل الداخلية التي وظفتها قريش في سبيل ذلك أهمها : الحج والأسواق .

الحج :

أحد الطقوس الدينية الجماعية ، عرفه العديد من الشعوب القديمة وهو بنية عضوية في عبادتهم ، وأن اختلفت صورته من عقيدة لأخرى ، ونكتفي بمثل واحد وهو الديانة المصرية القديمة :
كانت مواسم الحج عند المصريين القدماء تسمى الأعياد المقدسة ( ومن أشهرها عيد المعبودة ( باستت ) إلهة ( بوبسطة ) ، فقد روى هيرودوت أن المحتفلين بهذا العيد كانوا يتقاطرون رجالاً ونساء على هذه المدينة من أقاصي البلاد في زوارقهم ... وعندما يصلون قبلتهم يقربون القرابين العظيمة ...وقيل أن عدد الزوار الذين اشتركوا في أحد هذه الأعياد بلغ ما لا يقل عن 700000 نسمة ، وقد يكون هذا العدد مبالغاً فيه ، غير أن مما لا مشاحة فيه أن ( بوبسطة ) كانت تضم بين جدرانها في مثل هذا العيد من الزوار ما تضمه مدينة طنطا الحالية ، والأغاني التي ينشدها الكهنة ودهماء القوم معددين مناقب آلهتهم العظيمة ، وبعضها يثير شعوراً دينياً طاهراً وينبئ عن حماس شعري ) ( إستيندوف الألماني ، ديانة مصر القديمة ، تعريب سليم حسن ، ص70 ـ71 ،ط1، 1921 ، مطبعة المعارف بشارع الفجالة بمصر ) وفي عيد الإله ( آمون ) بمدينة الأقصر أو طيبة ( كانت تقدم مختلف أنواع القرابين مثل الثيران المسمنة الخاصة لهذه المناسبة ) ويحدثنا الأثريون وعلماء المصرولوجيا أن من أبرز الشعائر التي كان المؤمنون يقومون بها في تلك الأعياد وخاصة كان مدينة " منف " هو الطواف حول مبنى مقدس ( والطواف حول الحائط كان طقسا خاصا بـ " منف " ( مرجريت مري ، مصر ومجدها الغابر ، ترجمة محرم كمال ، مراجعة د.نجيب ميخائيل إبراهيم ، ص168 ) بالإضافة إلى تقديم ( الذبائح التي تصاحب الاحتفال بالحادث ، وكانت هناك أنشودة تخلد ذكرى احتفال في طيبة تقول ( ما أشد سرور معبد آمون في العام الجديد عن ذبح الضحايا عندما يتقبل آمون أشياءه الجديدة وتنحر ثيرانه بالمئات ) ( مرجريت مري ، مصر ومجدها الغابر ) هكذا يبين أن الحج أو العيد المقدس أو الاحتفالية المقدسة بإله معين أو موسم ديني ، كان من أبرز أركان العبادة لدى المصريين القدامى ، وكان يتعين على المؤمنين الذين يحجون إلى المدينة المقدسة التي يجري بين جنباتها العيد المقدس ( الحج ) أن يمارسوا شعائر منها :

أ ـ ذبح ضحايا ـ يفضل أن تكون من الثيران المسمنة ـ وتقدم كقرابين للإله صاحب الاحتفالية وهو يسر كثيراً بذلك .
ب ـ تردد أناشيد معينة تمجيداً لمعبودهم .
ج ـ الطواف حول حجر أو مبنى مقدس .

 

 

 

 

في مقدمة العوامل الخارجية التي ساهمت في نمو الحركة التجارية في المراكز الحضارية وخاصة في مكة وأدت إلى تكديس الثروات في أيدي عدد محدود ـ حياد القرشيين في النزاع الذي كان دائرا بين الفرس والروم ، مما أتاح لهم التعامل مع الطرفين معاً .
من ناحية الإمبراطورية الرومانية البيزنطية فإن ( إقبالها ونهامتها على منتجات الهند والصين لم تصرفهم عن الاستعانة بالقرشيين كوسطاء للتجارة الهندية وكانت القسطنطينية تستخدم منتجات الشرق لإبراز مظاهر العظمة والأبهة في البلاط الإمبراطوري فالأباطرة أنفسهم كانوا يحيطون أنفسهم بحاشيات مترفهة تلبس الثياب الحريرية ، وكانت أبهة الكنائس البيزنطية وفخامتها تتطلب مزيداً من البخور الطيوب ومزيداً من الأقمشة الحريرية المصنوعة في الصين والهند ..) ( د.السيد عبد العزيز سالم ، تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص306 ) ، بل أن اهتمام الروم الشرقيين بالتجارة مع مكة دفع إلى إنشاء وكالات تجارية فيها للاهتمام بالشئون التجارية والتجسس على أحوال العرب ( عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص22) وأن هذه البيوت أو الوكالات التجارية الرومانية كانت من بين المنابع التي صدرت عنها " النصرانية " في مكة .

أما من ناحية الفرس فقد أوضحنا أن نوفل الأخ الأصغر لهاشم عبد مناف قد أخذ عهدا من كسرى ( فاختلف تجار قريش إلى أرض العراق وأرض فارس آمنين ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، المجلد الأول ، ص134 ) ، ولم تكن الحبال أو العهود التي أبرمها ( الأخوة عبد مناف ) قاصرة على فارس ، بل امتدت إلى دول مجاورة أخرى مثل الحبشة ، وقد سجل شعر ما قبل البعثة المحمدية تلك الحقبة التاريخية ، فهذا مطرود بن كعب الخزاعي يقول :
يأيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف
الآخذين العهد من آفاقه والراحلين لرحلة الإيلاف

ويكاد الباحثون يجمعون على حياد سادة مكة بين القوتين الأعظم لذاك الزمان وأنه كان دليلا على كياسة القرشيين وبعد نظرهم وحسهم السياسي العميق ، إذ ( أفادت هذه السياسة مكة كثيراً فظهرت زعامتها على القبائل وجعلت القبائل تعترف لها بالتفوق ) وحتى بعد الحملة العسكرية الخائبة التي قادها أبرهة الأشرم ضد مكة والتي ساهمت في هزيمته فيها حرارة الصحراء اللافحة ( فإن قريشاً ) ظلت متمسكة بحيادها الحذر الذي أثنى عليه خيراً جمهور الباحثين ( فلم تصطدم بالأحباش رغم حملة أبرهة بل نشطت تجارتها مع اليمن ) ( د.عبد العزيز الدوري ، التكوين التاريخي للأمة العربية ، ص29 ، مرجع سابق ) .

وعندما نقول سادة قريش فأنه يشمل وجهاء ثقيف في الطائف ، إذ أنهم كانوا من أهم المشاركين في تجارة القوافل المكية ولعل ما يؤكد ذلك أن القرآن الكريم ربط بين مكة والطائف وسماهما ( القريتين ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، المجلد الأول ، ص135 ، مرجع سابق ) .

أن العهود التي أبرمها هاشم بن عبد مناف وأخوته قد نقلت التجارة في مكة من المحلية إلى العالمية أو الدولية ، ولعل ما يثبت ذلك عظم القوافل التجارية التي تخرج من مكة إلى تلك البلاد التي عقدت معها عهود ومواثيق " الإيلاف " ثم تعود منها وهي محملة بعروض أخرى لبيعها في الأسواق .

يحدثنا الإخباريين أن القافلة الواحدة كانت تضم ما بين ألف وألفي بعير مما يقطع بتنامي ثروات القرشيين وشركائهم من الثقفيين وغيرهم ، ونذكر قافلة قريش التي كانت السبب في غزوة بدر الكبرى ، كمثل على ما بلغته تجارة أولئك القوم ( قال ابن اسحق : ثم أن رسول الله ( ص ) سمع بأبي سفيان بني حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجارتهم وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص ، وقال ابن عقبة وابن عائذة في أصحاب أبي سفيان : هم سبعون رجلا وكانت عيرهم ألف بعير ..الخ ) ( ابن سيد الناس ، عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ، المجلد الأول ، ص239 ، مرجع سابق ) .

يضيف د.سليمان حزين عاملاً خارجياً آخر لازدهار التجارة في وسط وغرب الجزيرة وخصوصاً منطقة الحجاز وعلى الأخص مكة فقد ( كان لاضمحلال طريق الملاحة في البحر الأحمر في أواخر عهد الرومان ( القرن الخامس الميلادي وما بعده ) أثره في ظهور طريق البر الحجازي وهو طريق رحلة الشتاء والصيف بين اليمن والشام ، واستطاعت قوافل الجمال من هذا الطريق الذي يصل الجنوب بالشمال أن تحل محل تجارة البحرين بين عدن القديمة وخليجي السويس والعقبة ، وقد أفاد عرب الحجاز لا سيما قريش من هذا التحول من تجارة البحر إلى تجارة البر ، بل كان ذلك أحد العوامل في ازدياد أهمية مكة وعدد غيرها من محطات القوافل على طريق القوافل ) ( د.سليمان حزين ، إسلاميات ، الحديث الرابع ، ص70) .

إن التنافس بين الروم والفرس والحبشة على تجارة العربية الجنوبية " اليمن " ( وضعف سلطان جنوبي الجزيرة العربية الإقطاعي ، والحروب الإقطاعية والدينية المهلكة ، وذلك في الفترة الواقعة بين القرنين الثالث والسادس الميلادي ) ( دائرة المعارف الإسلامية ، المجلد السادس ، ص473 ) قد أدى إلى تنامي التجارة البرية التي تنقل بالجمال في قوافل تسير بين اليمن والشام والعراق ( وما أن حل عام 600م حتى كان القرشيون في مكة يتحكمون في هذه التجارة إلى حد كبير ) ( المرجع نفسه ، ص491 ) ، وهكذا أصبحت قريش قبيل ظهور الإسلام سيدة التجارة في وسط وغرب الجزيرة بدون منازع ، والذي لا ريب فيه أن ازدهار تجارة القرشيين الدولية الكبيرة آنذاك ، ونعني الرومان والفرس ثم الأحباش ، وذلك كان بكل المقاييس في صالح دولة قريش التي قامت بعيد ذلك في يثرب ( ولو أن مثل ذلك الضعف السياسي سبق الإسلام بقرنين مثلاً لتغير وجه التاريخ في الشرق الأدنى والعالم الإسلامي ولما أتيح للدين الجديد أن يستفيد من توسع العرب السياسي على حساب الإمبراطوريتين القديمتين على نحو ما حدث في صدر الإسلام ) ( د.سليمان حزين ، المرجع السابق ، ص71 ) .

ولعله من البديهي أن نذكر أن توسع العرب الذي حدث في صدر الإسلام كان هو الثمرة المباشرة لقيام دولة قريش في يثرب ، التي منها انطلقت جيوش الفتح التي حققت ذلك التوسع .

تلك لمحات خاطفة عن العوامل الخارجية التي أدت إلى تعاظم التجارة في مكة ومن ثم في الطائف وتكدس الثروات في أيدي قلة محدودة ، أما العوامل الداخلية التي وظفتها قريش في سبيل ذلك أهمها : الحج والأسواق .

الحج :

أحد الطقوس الدينية الجماعية ، عرفه العديد من الشعوب القديمة وهو بنية عضوية في عبادتهم ، وأن اختلفت صورته من عقيدة لأخرى ، ونكتفي بمثل واحد وهو الديانة المصرية القديمة :
كانت مواسم الحج عند المصريين القدماء تسمى الأعياد المقدسة ( ومن أشهرها عيد المعبودة ( باستت ) إلهة ( بوبسطة ) ، فقد روى هيرودوت أن المحتفلين بهذا العيد كانوا يتقاطرون رجالاً ونساء على هذه المدينة من أقاصي البلاد في زوارقهم ... وعندما يصلون قبلتهم يقربون القرابين العظيمة ...وقيل أن عدد الزوار الذين اشتركوا في أحد هذه الأعياد بلغ ما لا يقل عن 700000 نسمة ، وقد يكون هذا العدد مبالغاً فيه ، غير أن مما لا مشاحة فيه أن ( بوبسطة ) كانت تضم بين جدرانها في مثل هذا العيد من الزوار ما تضمه مدينة طنطا الحالية ، والأغاني التي ينشدها الكهنة ودهماء القوم معددين مناقب آلهتهم العظيمة ، وبعضها يثير شعوراً دينياً طاهراً وينبئ عن حماس شعري ) ( إستيندوف الألماني ، ديانة مصر القديمة ، تعريب سليم حسن ، ص70 ـ71 ،ط1، 1921 ، مطبعة المعارف بشارع الفجالة بمصر ) وفي عيد الإله ( آمون ) بمدينة الأقصر أو طيبة ( كانت تقدم مختلف أنواع القرابين مثل الثيران المسمنة الخاصة لهذه المناسبة ) ويحدثنا الأثريون وعلماء المصرولوجيا أن من أبرز الشعائر التي كان المؤمنون يقومون بها في تلك الأعياد وخاصة كان مدينة " منف " هو الطواف حول مبنى مقدس ( والطواف حول الحائط كان طقسا خاصا بـ " منف " ( مرجريت مري ، مصر ومجدها الغابر ، ترجمة محرم كمال ، مراجعة د.نجيب ميخائيل إبراهيم ، ص168 ) بالإضافة إلى تقديم ( الذبائح التي تصاحب الاحتفال بالحادث ، وكانت هناك أنشودة تخلد ذكرى احتفال في طيبة تقول ( ما أشد سرور معبد آمون في العام الجديد عن ذبح الضحايا عندما يتقبل آمون أشياءه الجديدة وتنحر ثيرانه بالمئات ) ( مرجريت مري ، مصر ومجدها الغابر ) هكذا يبين أن الحج أو العيد المقدس أو الاحتفالية المقدسة بإله معين أو موسم ديني ، كان من أبرز أركان العبادة لدى المصريين القدامى ، وكان يتعين على المؤمنين الذين يحجون إلى المدينة المقدسة التي يجري بين جنباتها العيد المقدس ( الحج ) أن يمارسوا شعائر منها :

أ ـ ذبح ضحايا ـ يفضل أن تكون من الثيران المسمنة ـ وتقدم كقرابين للإله صاحب الاحتفالية وهو يسر كثيراً بذلك .
ب ـ تردد أناشيد معينة تمجيداً لمعبودهم .
ج ـ الطواف حول حجر أو مبنى مقدس .

 

 

 

 

بالمثل في الفترة السابقة على ظهور الإسلام كانت العرب تتوافد على مكة مدينة القداسة بالألوف لأداء الحج ، حتى القبائل التي دانت باليهودية والنصرانية كانت تشارك فيه باعتبار أن الكعبة ـ كعبة مكة ـ بناها إبراهيم عليه السلام الذي تعظمه الديانتان المذكورتان ، كذلك الصابئة الذين يعدون الكعبة أحد البيوت المقدسة لديهم . وإذا كان المصريون القدماء يتقاطرون على مدنهم المقدسة بالمراكب أو الزوارق عن طريق النيل ، كان العرب يسافرون إلى مكة بالإبل سفن الصحراء ، و كانوا يحجون البيت ويعتمرون ويحرمون ، ويطوفون بالبيت سبعاً وكانوا يلبون ، إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته في قوله : ألا شريك هو لك تملكه وما ملك ، ويقفون المواقف كلها .. وكانوا يهدون الهدايا ـ أي الضحايا ) ( د.محمد إبراهيم الفيومي ، في الفكر الديني الجاهلي ، ص221 ) هذه الشعائر التي كان يمارسها عرب ما قبل بعثة محمد (ص ) في الحج تشبه إلى حد مذهل التي كان يؤديها قدماء المصريين في أعيادهم المقدسة ، فهم كانوا يطوفون بالكعبة ـ البناية المقدسة ـ والتي بها الحجر الأسود وكانوا يلبون وهذه التلبية تقابل التراتيل التي كان يترنم بها قدماء المصريين كهنة ودهماء على حد تعبير إستندوف الألماني ، معددين مناقب آلهتهم ، وكان العرب يقربون ( الهدى ) ثم ينحرونه تماماً كما كان لأولئك المصريون القدامى وصفاً بديعاً لطوافات العرب آنذاك وخاصة ( العمرة الرجبية ) بمكة … ( شوارع ضيقة مزدحمة بالعابدين … مواكب تطوف بحجارة الأحياء …جمال مترنحة حاملة القباب الفاقعة الألوان ..يقودها زعماء القوم ويسير وراءها على الجمال نسوة قريش وقد حللن شعورهن ، وضربن بالدفوف والغرابيل ، وصحن بأصوات الفرح والحماسة حتى يصل الجميع إلى فناء الكعبة ) ( د.يحيي الشامي ، الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة قبل الإسلام ، ص81 ، مرجع سابق ، نقلا عن مجلة الشرق ، ص36 ـ 37 ، مجلد 37 ، المطبعة الكاثوليكية سنة 1939م، بيروت ) هذه الصورة التي خطها قلم لامانس تتطابق إلى حد بعيد مع ما كان يجري في عيد المعبودة " باستت " إلهة " بوبسطة " ( كان هذا العيد آية في الأنس والسرور إذ كان الوافدون إليه يمرحون ويلعبون طوال طريقهم إلى " بوبسطة " وكان صدى الغناء والموسيقى يملأ سطح الماء ، والنساء يضربن على الدفوف والرجال يلعبون على المزامير يغنون أو يصفقون ) ( إستندوف الألماني ، ديانة قدماء المصريين ، ص71 ) .

إذن تشابهت لدرجة مدهشة شعائر الحج لدى عرب الجزيرة قبل الإسلام بتلك التي كان يؤديها قدماء المصريين في أعيادهم المقدسة ) .

اعتقد أولئك العرب أن الحج كان من أرث أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، ولما جاء الإسلام أبقى على الحج بجميع مناسكه تلك ، خلا التلبية فقد نفاها من عبارات الشرك التي كانت بعض القبائل تضمنها إياها .

استثمر أغنياء قريش الحج والعمرات لتنشيط التجارة في منطقة الحجاز إذ من غير المعقول أن يؤم مكة ألوف العرب من جميع أنحاء الجزيرة لأداء هذه المناسك دون أن يستفيدوا منهم أقصى ما تكون الفائدة وينتفعوا أكبر منفعة ، وأول ما فعلته قريش في هذا السبيل أن ( عززت أيضاً وضعها القبلي بتشريعاتها الوثنية وارتباطها بالبيت حتى أصبح كل من يتمرد على قريش يتمرد على قدسية البيت ومن يتمرد على قدسية البين فهو يتمرد على قريش ) ( د.محمد إبراهيم الفيومي ، في الفكر الديني الجاهلي ، ص241 ) .

رغم وجود نيف وعشرين كعبة في جزيرة العرب آنذاك ، فإن أياً منها لم يبلغ ما وصلت إليه كعبة مكة من مكانة مقدسة ، وذلك بفضل ذكاء القرشيين ودهائهم حتى غدا القسم بها يساوي القسم بالآلهة فنحن نجد " زهير بن أبي سلمى " في معلقته المشهورة يقول :
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم
وغيره من شعراء ذلك العصر فعل ذلك .

أن البيت الذي يرتفع إلى هذا الحد من القداسة ، يتعين على العربي في أي مكان أن يحج إليه ولو في العمر مرة واحدة ، والذين يحجون إليه ( كانوا إذا عزموا على الرحيل والرجوع إلى ديارهم البعيدة يحملون معهم الحجارة المتواجدة بفناء الكعبة لينصبوها في ديارهم النائية على شاكلة حرم البيت ) ( د.يحيي الشامي ، الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة قبل الإسلام ، ص85 ) إلى هذه الدرجة نجحت الدعاية الذكية التي أطلقها القرشيون الدهاة بين القبائل في تعظيم كعبة مكة .
أيضاً سمح القرشيون أو استحثوا تلك القبائل على نقل أوثانهم ووضعها في فناء الكعبة حتى قيل أن عددها بلغ ثلثمائة وستين صنما كما روى الكلبي في كتابه ( الأصنام ) والهدف من ذلك واضح وهو جذب أكبر عدد من القبائل العربية إلى مكة ليؤدوا مناسك الحج ثم ليعرجوا على معبوداتهم أو أصنامهم المنصوبة في حرم الكعبة ليذبحوا لها .
أن القرشيون استغلوا وقعة الفيل وهزيمة أبرهة الحبشي في تجذير قداسة البيت العتيق الذي حماه ربه بـ ( طير أبابيل ) رمتهم بـ ( حجارة من سجيل ) وفي ذلك يقول أحد شعراء تلك الفترة وهو ( رؤبة بن العجاج ) :
ومسهم ما مس أصحاب الفيل ترميهم بحجارة من سجيل
ولعبت طير بهم أبابيل

وكان القرشيون يسمون ( الحمس ) أي أصحاب الحماسة في الدين و ( أهل الحرم ) ومن ثم كان يرى سائر العرب أن الحج إلى بلدهم الحرام والاتصال بهم شرف لهم وبلغ من إكبار العرب لهم أنهم كانوا يستعيرون منهم ثياب للطواف بها حول الكعبة لأن ملابسهم هم لا تليق بذلك ، كل هذه الأمور جعلت منطقة الحجاز مقصداً ومزاراً لجميع العرب ومكة محجة لجميعهم من أقطار الجزيرة كافة .

أن الذي لا مشاحة فيه أن هناك أمر ساعد القرشيين في سمو قدر مكة لدى العرب هو قناعة الأخيرين أن الذي بناها هو إبراهيم وولده إسماعيل عليهم السلام ، والأخير في نظرهم هو جدهم الأعلى ، أي أنها أرث جدهم أو أبيهم .
أن أيام الحج كانت أيام عبادة ، فمالها وللتجارة والمرابح والمكاسب ؟

أن القرشيين كانوا أذكى من أن يخلطوا بين الأمرين ، ومن ثم فأنهم أقاموا أسواقا ارتبطت بموسم الحج وتعلقت بمواقيته .

الأسواق :

انقسمت الأسواق إلى عامة وخاصة ( محلية ) أو خارجية و ( داخلية ) ونبدأ بالأخيرة التي كانت تقام في منطقة الحجاز هي :

" عكاظ " وهو أشهرها ومدته من واحد إلى عشرين من ذي القعدة ، و" مجنة " من عشرين إلى ثلاثين من ذي القعدة ، ، و" ذو المجاز " من غرة ذي الحجة إلى الثامن منه وهو يوم التروية وبه كانت وما زالت تبدأ أيام الحج الأكبر ، ثم " خيبر " عقب الحج إلى أواخر شهر المحرم . ( سوق عكاظ ) التي تقع إلى الجنوب الشرقي من مكة وعلى بعد 10 أميال من الطائف ونحو 30 ميلا من مكة ، من أعظم أسواق العرب وكانت تنزلها قريش وهوازن وغطفان وخزاعة وعضل ) ويصف الإدريسي " عكاظ " بأنها سوق عامة ( يقع سوق " ذي مجنة " الذي يقصده التجار في بداية شهر ذي الحجة فيقيمون فيه حتى يوم التروية ، وفي العشرة الأخيرة من ذي القعدة تقوم سوق " مجنة " التي يقصدها التجار بعد انفضاض سوق عكاظ وهي تقع قرب مكة ، ويؤكد الباحث ما سبق أن قررناه أن قريشاً ربطت هذه الأسواق بموسم الحج الأكبر ولأن موسم بعض الأسواق " عكاظ وذي مجنة " تقع أيام حجهم ... وتلك ميزة لا تتمتع بها بلدة غير مكة ولا قوم إلا قريش ، وما زال موسم الحج الموسم الأكبر للتجارة وخاصة في الحجاز ) ( د.حمدان عبد المجيد الكبيسي ، أسواق العرب التجارية ، ص26 ) وكان أجدر بالباحث أن يفطن إلى أن هذه الميزة كانت من تدبير تجار قريش وليست مصادفة عشوائية إذ في تلك الأيام كانوا يروجون تجارتهم فـ ( تنشط وتعود على أهلها بالأرباح الوفيرة ولتأمين هذا الموسم اتخذت قريش كل ما استطاعت أن تتخذه من وسائل لحماية الوافدين واراحتهم وتقديم الخدمات اللازمة لهم … ) ( المرجع السابق ، ص13 ) إذاً فقريش هي التي سعت لنصب تلك الأسواق في موسم الحج الأكبر وأمنت للوافدين إليها الأمن والحماية والخدمات لأن تلك الأسواق كانت تأتي لصناديد مكة والطائف بالأرباح الوفيرة والمكاسب الهائلة ، إذ البيع والشراء عماد ثروة قريش على الأخص بعكس غيرها من القبائل التي اعتمدت على الغارات والغزوات وما تأتي بها من غنائم وأنفال (ويرجع الثعالبي سبب إقبال قريش على التجارة هو تمسكهم بالدين ( فتركوا الغزو كراهة السبي واستحلال الأموال ، فلما زهدوا في الغصوب لم يبق مكسبة سوى التجارة " ) ( المرجع نفسه ، ص7) ، ولقد صدق الثعالبي فلم نقرأ عن قريش أنها شنت غارة على قبيلة أو سلبتها شيئا ولعل هذا يفسر لنا أمرين :

أولها : كثرة المتحنفين من قريش .

والآخر : نجاح قريش في توظيف الدين لتدعيم دولتها .

بعد هذه الاستطرادة التي جرنا إليها " الثعالبي " نعود إلى الأسواق .
إذ عقب انتهاء موسم الحج الأكبر يقوم سوق " خيبر " في منطقة يثرب المركز الحضري حيث يؤمه بعض القبائل أثناء رجوعها إلى مواطنها خاصة تلك التي تقطن العربية الجنوبية ونواحيها ، ذلك أن الحج الأكبر كانت تؤديه القبائل من كل أقطار الجزيرة العربية ( فقد كانت طرق التجارة والحج تمتد من عدن إلى مكة عبر الجبال فتمر من عدن إلى الجند إلى ذي أشرف ( النجد الأحمر ) إلى أب ، إلى النفيل " نفيل سمارة " إلى ذمار إلى صعدة إلى الطائف فمكة ) ( سيف علي مقبل ، وحدة اليمن تاريخيا ، ص45 ، ط1 ، 1987م ، بيروت ، لبنان ).

عدا الأسواق الأربع التي ذكرناها والتي تقع في منطقة الحجاز ، كان هناك العديد من الأسواق في أمكنة أخرى منها " دومة الجندل " و" المشتقر " و " صحار " و " دبي " و " صنعاء " و " حضرموت " و"هجر" و" عمان " ( عيسى الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص27 ، 28 ) ، ويطلق حسين مروة على النوع الأخير منها " الخارجية " وعلى الأول "الداخلية أو الموسمية " وينعتها بأنها ( أسواق موسمية كموسم الأشهر الحرم خلال الأشهر التي تعارفوا على تحريم الاقتتال فيها ... وقد كان الحج من أكبر مواسم الربح لقريش . ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية ، الجزء الأول ، ص224 ) ، ولاحظ د. حمدان عبد المجيد الكبيسي أن بعضاً منها مما يمكن أن نسميه " الخارجية " ( كانت تقوم على فرض البحر ومثل أسواق : " عدن " و " صنعاء " و " عمان " ) ( د.حمدان عبد المجيد الكبيسي ، أسواق العرب التجارية ، ص280 ) وهذه لم تستعص على قوافل قريش التي كانت كما ذكرنا تجوب الجزيرة وتصل إلى خارجها ، ولم تقتصر وظيفة الأسواق على صب الأرباح الطائلة في جيوب أثرياء مكة والطائف واليمامة ويثرب " وهي المراكز المدنية " في وسط وغرب الجزيرة " بل حققت أهدافاً أخرى منها أنها ( حملت كثيراً

 

من ألوان الترف إلى العرب ) ( د..حمدان عبد المجيد الكبيسي ، أسواق العرب التجارية ، ص26 ) ذلك أن البضائع التي كانت تحملها قوافل الحجيج والعروض التي كانت تباع في الأسواق الخارجية وخاصة في الفروض أو المواني يمكن أن يوصف البعض منها بأنه من " بضائع الترف " ، مثل الملابس الحريرية والعطور والطيوب والنعال الرقيقة والعمائم الملونة والسروج المطهمة والسيوف الهندية ... الخ التي كان يقبل على شرائها سراة مراكز الحضر وفي مقدمتهم وجهاء ثقيف وصناديد قريش ، مما عمق الهوة التي فصلت بين الفقراء والأغنياء .

وأيضاً كانت الأسواق لا في داخل حدود الجزيرة بل في الدولة المحيطة ندوات سياسية يتدارس فيها كبار التجار الأوضاع السياسية لأن الأرتباط بين السياسة والاقتصاد قديم ( وعرفت مكة نوعاً آخر من الندوات السياسية تمثل بالأسواق ... فيها كثير من الأمور التي لها صلة بسياسة القبائل وصلاتها بعضها ببعض ) ( منذر الجبوري ، أيام العرب وأثرها في الشعر الجاهلي ، ص65 ، ط2 ، 1986 م ، دار الشئون الثقافية " آفاق " بغداد وقد نقل الباحث هذا الرآي عن د.جواد علي في " المفصل " ) ، كما لعبت الأسواق دورا بارزا في الحياة الثقافية باعتبارها مهرجانات أدبية .

بيد أن المهمة الخطيرة التي حققها الأسواق هي نشر العامل النقدي داخل المجتمع القبلي بمختلف أنواع النقد المتداول في مختلف البلدان الأجنبية ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية ، الجزء الأول ، ص228 ) ، إذ كان العرب آنذاك يتداولون النقود الرومانية والفارسية ولم يكن لهم نقد خاص بهم ومعلوم أن أول من سك النقود العربية فيما بعد هو عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي.

إذا مما لا يستسيغه العقل أن تتم المتاجرة في تلك الأسواق ـ داخلية وخارجية بطريقة " التبادل البضاعي " ـ والتعامل بالنقد غدا من أبرز أسباب التعجيل بتفكيك النظام القبلي والقضاء على الروح القبلية .

لم تكن التجارة وحدها هي مصدر ثراء سادة المراكز المدينية ، بل انضافت إليها الزراعة في : الطائف ويثرب واليمامة وأن تباينت في كل منها حسب المناخ والتربة ومصادر المياه .

تكدس الثروة في أيدي قلة محدودة في المجتمع المديني أو الحضري ، شطره إلى قسمين أو طبقتين : أغنياء وفقراء الأولون يملكون كل شيء يعيشون حياة مترفة والآخرون تعوزهم حتى المقومات الرئيسية ويحيون عيشة الضنك والشظف ، وتخلقت في أحشاء المجتمع ظواهر ، دلت على أنه مأزوم ومن المستحيل عليه أن يستمر على ذلك وقد ذكرنا منها :
" الاعتفار " أو " الاحتفاد " حتى في ثنايا قبيلة قريش نفسها ، وحاول هاشم بن عبد مناف وعمل جهد طاقته لاحتوائها والقضاء عليها . ومنها انتفاض جمهرة من المستضعفين والعبيد الآبقين بجبل " تهامة " وقطعهم الطريق على السابلة وانتهاب ما تقع أيديهم عليه إلى أن ظهر محمد ( ص ) على أعدائه ، وشعورهم بقيام سلطة جديدة تدعو إلى العدالة الاجتماعية والمساواتية الانسانية فاستسلموا لها .

ومنها إقدام بعض المملقين والمعوزين على " وأد " أولادهم ، مفضلين إنهاء حيواتهم بأيديهم على موتهم جوعاً أما عيونهم وهم أعجز من أن يأتوا لهم بما يسد رمقهم ، وينزع فريق من الباحثين منهم ( روبر سن سميث الانكليزي ) و ( مستر مارك الفنلندي ) إلى أن أسباب هذا النظام ( الوأد ) ترجع إلى الإملاق وعدم القدرة على تربية الأولاد ، وأن التبعة تقع على طبيعة بلاد العرب وحالتهم الاقتصادية ، فإجداب أرضهم وضآلة دخلهم من مهنة الرعي التي كان يزاولها كثير منهم واحتكار التجارة في أيدي أفراد من أسرتهم وحياة الشظف التي كان يعانيها الدهماء ... ) ( د.علي عبد الجواد وافي ، بحوث في الإسلام والاجتماع ، الجزء الأول ، بحث بعنوان " وأد البنات عند العرب في الجاهلية " ص239 ، ط1 ، 1978م ، دار النهضة المصرية للطبع والنشر ، القاهرة ) ويذكر الباحث أن من بين من عرف تلك العادة البشعة (بعض عشائر من قريش وربيعة وكندة وطيء وتميم ) ( المرجع نفسه ، ص238 ) ولكننا نرى أن من مارسها فيهم هم المعدمون داخل تلك العشائر أو القبائل لا الأغنياء أو السادة ، وقد ذكر القرآن الكريم في أكثر من آية أن ( الوأد) أن يشمل الأولاد أي البنين والبنات وأن العلة هي " الإملاق " ( الآية 151 من سورة الأنعام والآية 31 من سورة الإسراء ) .

ومنها ظاهرة " الصلعكة " وأن كان انتشارها في المجتمع البدوي أشد غلبة منه في المجتمع المديني

والحضري ومنها ظاهرة ( رق الدين ) أو ( عبودية الدين ) التي ظلت متفشية حتى ظهور الإسلام ، إذ قضى محمد ( ص ) باسترقاق ( سرق ) لعجزه عن الوفاء بدينه .
كانت هذه الظواهر سبق لنا أن تحدثنا عنها بشيء من التفصيل ، وهي لم تكن خافية على سادات المدن أو الحاضر أو على ذوي الفطنة منه وخاصة في قريش ، وشرع بعضهم في تقديم ما ارتآه من حلول لها مثل هاشم بن عبد مناف بالنسبة لظاهرة " الاعتفار " أو " الاحتفاد " بأن دعا موسري قريش لكفالة فقرائها حتى لا يقدموا على ذلك العمل الفظيع .

كذا كان من بين أسباب عقد " حلف الفضول " في رأي صاحب السيرة الشامية ( التآسي في المعاش ) . بيد أن آخرين عمدوا إلى الصرامة والشدة والقسوة خاصة وأنه فيما يبدو أن عدداً من أولاد الطبقة البائسة أخذ يختلس من مال الطبقة الموسرة ما يتبلغ به ، ومن أولئك : الوليد بن المغيرة ( أبو خالد ) فقد سن لقريش حد قطع يد السارق ( عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص31 ) ولعل من المناسب أن نذكر أن هذا الوليد الذي كان أول من شرع هذا العقاب الصارم كان ( قصاباً أي جزاراً ، يذبح الذبائح لبني عشيرته ) ( اللواء أغا إبراهيم كرم ، خالد بن الوليد ، ص17 ) ، وقد وصفه القرآن الكريم بأن له مالاً ممدوداً ( سورة المدثر ، الآية 12 ) ، فخشيته على ثروته الطائلة بشهادة القرآن الكريم جعلته يسن ذلك الجزاء الرادع حتى يرهب الجوعي ويكف أيديهم الهزيلة عن أن تمتد إلى أمواله وأموال غيره من الصناديد . ولكن تلك المبادرات بنوعيها ـ من جانب من ذكرناهم لم تطفئ جذوة الثورة الاجتماعية التي كان الفقراء على وشك تفجيرها ، ولم تنجح في احتوائها والسيطرة عليها وترويضها ، وظلت كامنة لا خامدة ـ تحت القشرة الرقيقة الهشة من الطاعة والاستسلام الظاهرين للصناديد ، ومن ثم فما أن بادر محمد ( ص ) بإشهار دعوته التي ضمنها أو ضمخها بالعدالة الاجتماعية والتسوية بين الناس غنيهم وفقيرهم ، حرهم وعبدهم حتى كان المستضعفون والأرقاء والمسحوقون في طليعة من استجاب لها بل تحملوا في سبيلها أعتى صنوف العذاب والتنكيل ، وهي الدعوة التي تهيأت لها كل الظروف الموضوعية وأقبلت متوافقة مع موجبات مجتمعها وإذا شئت قلت أن تلك الظروف والوجبات هي التي جعلت انبثاق فجرها أمراً مقضياً وشأناً محتوماً ومن ثم كتب لها النجاح وتأسست دولتها في يثرب .

ولكن أخطر ما في الأمر أن هذا النشاط الاقتصادي الكبير في تلك الفترة والذي لم تكن تعهده جزيرة العرب من قبل ، عجل في تفكيك القيم القبلية التي ترسخت لقرون طويلة وارتكزت على العصبية القبلية وبرزت إلى الوجود قيم جديدة مغايرة تماما لا تتمحور إلا على القواعد المادية والركائز المالية ، فعندما ازدهرت التجارة بالصورة التي رسمناها وتحولت من المحلية إلى العالمية كان من البديهي أن لا تعتمد على التبادل البضائعي بل على التبادل النقدي ولم تعد العوامل الطبيعة مثل :

المناخ ـ زمان المطر ـ مكان الرعي ـ هي سيدة الموقف في تحديد الثروات ، ولا في ربط أبناء القبيلة أو الفخذ بعضهم بعضا ، ولم تعد الماشية هي المقياس للغنى ، ولم تبق رابطة النسب هي التي توثق العلائق بينهم ، لقد كان " العباس بن عبد المطلب " الهاشمي صديقاً حميماً لـ " أبي سفيان بن حرب " الأموي وشريكاً لـ " خالد بن الوليد " المخزومي ، وهما من أرباب المال . ( أن التعامل النقدي داخل المجتمع القبلي أدخل إلى هذا المجتمع أهم العوامل في تعجيل تفكيكه وانحلاله ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الأول ، ص228 ) ، لقد دخلت المجتمع العربي لغة حديثة هي لغة " النقد " حتى في العلاقات التقليدية الراسخة مثل النكاح ( الزواج ) فـ " عند عرب الجاهلية ، كان المهر ثمناً للمرأة ، يقبضه أبوها أو وليها ، يسميه " النافجة " وهو كل ما ينفج من مال الرجل أي يزيد فيه ويعظمه ، وكان المهر عادة عدداً من الإبل يسوقها الخاطب إلى بيت المخطوبة فتسمى ( السياق ) ، وكان عددها يقدر على مقدار المرأة في قومها ، وحظها من الحسن والجمال ، أما عند عرب المدن فكان المهر يدفع نقداً ) ( د.عبد السلام الترمانيني ، الزواج عند العرب في الجاهلية والإسلام ـ دراسة مقارنة ، ص200 ، سلسلة

عالم المعرفة " العدد الثمانون ، ذو القعدة 1404هـ / أغسطس 1984م ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ) .

إن جمهرة الباحثين في تلك الفترة ، قد اجمعوا على أن تنامي الأموال والتعامل بالنقد قد سارع في خلخلة المجتمع العربي ( أن هذا الاتجاه أدى إلى استغلال شديد للضعفاء والفقراء وأوجد تباينا اجتماعيا قلقا ، وأكد النظرة الفردية المستقلة ، كما أنه زعزع من ناحية ثانية المفاهيم القبلية وأضعف الروح الجماعية القبلية ) ( د.عبد العزيز الدوري ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي ، ص11 ، ط5 ، آب (أغسطس ) 1987م ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ـ لبنان ) ، ويقول برهان الدين دلو ( أن المراكز الزراعية الواقعة على شبكة الطرق التجارية بخاصة ، أدت إلى نمو الزراعة وتنشيط التجارة ، واستعمال الربا ، إلى نشوء تفاوت مادي وتمايز اجتماعي بين أفراد المجتمع والقبائل ، وإلى التعجيل في عملية التفكيك الجارية في بيئة المجتمع القبلي ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص165 ) .

بيد أن تفكك الروح القبلية نتيجة لذلك كله ، قد أدى إلى الاتجاه نحو الوحدة بين عرب الجزيرة ونمو نوع من الوعي القومي الجنيني ، عبر عن نفسه بالنزوع نحو التوحيد ، وإقامة سلطان العرب الذي يتصدى لنفوذ البيزنطيين والأحباش والساسانيين في الجزيرة العربية ) ( محسن خليل ، في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص107 ) .

بعد ذلك كله لم تعد القبيلة صالحة لأن تظل هي " الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية " كما كانت من قبل ، بعد أن تجاوزتها الظروف الموضوعية ، وآن الأوان لوحدة تشمل الجزيرة العربية وبدت إرهاصاتها في الأفق :

معركة " ذي قار " والثورة التي نشبت في اليمن ضد أبرهة بعد فتح الحبشة لها ، والجهود التي بذلها " سيف بن ذي يزن " من أجل تحرير اليمن ومحاولاته الاستفادة من صراع الدولتين البيزنطية والساسانية لكسب تأييد إحداهما لجهوده التحريرية ، وقدوم وفود العرب إليه لتهنئته بانتصاره على الأحباش ( المرجع السابق ، نفس الصفحة ) ، وكان على رأس وفد " قريش " " عبد المطلب " جد محمد ( ص ) وقد واكب ذلك كله " وحدة ثقافية " أخذت تظهر في الأفق .

والذي لا شك فيه أتن كل عوامل التوحيد في مختلف مناحيه ، كانت هي الظروف الموضوعية التي مهدت لنشوء دولة قريش وتأسيسها في " يثرب " على يد الحفيد محمد , ص 

عالم المعرفة " العدد الثمانون ، ذو القعدة 1404هـ / أغسطس 1984م ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ) .

إن جمهرة الباحثين في تلك الفترة ، قد اجمعوا على أن تنامي الأموال والتعامل بالنقد قد سارع في خلخلة المجتمع العربي ( أن هذا الاتجاه أدى إلى استغلال شديد للضعفاء والفقراء وأوجد تباينا اجتماعيا قلقا ، وأكد النظرة الفردية المستقلة ، كما أنه زعزع من ناحية ثانية المفاهيم القبلية وأضعف الروح الجماعية القبلية ) ( د.عبد العزيز الدوري ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي ، ص11 ، ط5 ، آب (أغسطس ) 1987م ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ـ لبنان ) ، ويقول برهان الدين دلو ( أن المراكز الزراعية الواقعة على شبكة الطرق التجارية بخاصة ، أدت إلى نمو الزراعة وتنشيط التجارة ، واستعمال الربا ، إلى نشوء تفاوت مادي وتمايز اجتماعي بين أفراد المجتمع والقبائل ، وإلى التعجيل في عملية التفكيك الجارية في بيئة المجتمع القبلي ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص165 ) .

بيد أن تفكك الروح القبلية نتيجة لذلك كله ، قد أدى إلى الاتجاه نحو الوحدة بين عرب الجزيرة ونمو نوع من الوعي القومي الجنيني ، عبر عن نفسه بالنزوع نحو التوحيد ، وإقامة سلطان العرب الذي يتصدى لنفوذ البيزنطيين والأحباش والساسانيين في الجزيرة العربية ) ( محسن خليل ، في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص107 ) .

بعد ذلك كله لم تعد القبيلة صالحة لأن تظل هي " الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية " كما كانت من قبل ، بعد أن تجاوزتها الظروف الموضوعية ، وآن الأوان لوحدة تشمل الجزيرة العربية وبدت إرهاصاتها في الأفق :

معركة " ذي قار " والثورة التي نشبت في اليمن ضد أبرهة بعد فتح الحبشة لها ، والجهود التي بذلها " سيف بن ذي يزن " من أجل تحرير اليمن ومحاولاته الاستفادة من صراع الدولتين البيزنطية والساسانية لكسب تأييد إحداهما لجهوده التحريرية ، وقدوم وفود العرب إليه لتهنئته بانتصاره على الأحباش ( المرجع السابق ، نفس الصفحة ) ، وكان على رأس وفد " قريش " " عبد المطلب " جد محمد ( ص ) وقد واكب ذلك كله " وحدة ثقافية " أخذت تظهر في الأفق .

والذي لا شك فيه أتن كل عوامل التوحيد في مختلف مناحيه ، كانت هي الظروف الموضوعية التي مهدت لنشوء دولة قريش وتأسيسها في " يثرب " على يد الحفيد محمد , ص,


 

 


 الحلقة القادمة المقدمات الثقافية الشعر والخطابة

 

التعليقات (1)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة سامي النجار, أغسطس 01, 2012
لا غرو ولا عجب ما نشهده اليوم من خيانات وعمالات للأجنبي , ها هو عبدالمطلب يرسل ابناءه الأربعة لملوك الروم وفارس والحبشة واليمن ليوقعوا عقودا
بالعمولات التى يتقاضونها مقابل حمايتهم تجارة هؤلاء الملوك , ويبدوا أن عقد العمولة كان يقال له إيلاف , فكم نحن مساكين وقد وصل الأمر بنا ان نلحنها تلحينا ,
بل ونبكي ,,لإيلاف قريش لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت **والواضح ان المقصود هو عبد المطلب وليس الله ** صاحب هذه العقود ويطعم الناس
ويحميهم ..... LOL ومليون LOL علينا وعلى عيشتنا.

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: