هل ينجح فيلم "البحث عن دوري" كما نجح الجزء الأول "نيمو"؟

مصدر الصورة Disney Pixar

لا شك في أن فيلم "البحث عن نيمو" (فَيندينغ نيمو)، هو أحد أكثر أفلام الأطفال المحبوبة على مر العصور؛ فهل يمكن أن يرقى الجزء الثاني منه "البحث عن دوري" (فَيندينغ دوري) إلى مستواه؟ في السطور التالية، يعطينا الناقد سام آدامز حكمه في هذا الشأن.

عندما تتذكر "دوري"، سمكة الزينة زرقاء اللون فاقدة للذاكرة والتي تتمحور حولها أحداث الفيلم الجديد، لمحةً من ماضيها، تتركز الكاميرا على وجهها بينما يدور العالم من حولها بسرعة، ليصبح الوجه ضبابيّ الملامح، قبل أن ينجلي هذا الضباب عن مشهد عادي مألوف.

الأمر هنا يشبه كثيراً ما يحدث عند مشاهدة العمل نفسه، الذي يحمل اسم "البحث عن دوري"، وهو أحدث أفلام شركة "بيكسار" للرسوم المتحركة. فأحداث الفيلم تمضي بوتيرة سريعة، بما يكفي لإيهامنا بأننا بصدد الوصول إلى مكان ما، قبل أن يعيدنا العمل في نهاية المطاف إلى حيث بدأنا بالضبط.

ولكن ربما لا يشكل ذلك إجحافاً، بالنظر إلى أن الفيلم يتمحور في الأساس حول عودة هذه السمكة إلى موطنها وأسرتها. في الجزء الأول: "البحث عن نيمو" (إنتاج عام 2003)، كانت معاناة "دوري" من فقدان مؤقت للذاكرة طرفةً ومزحةً مسلية ترددت غير مرة خلال الفيلم، وعبرت عنها هي نفسها بالقول: "إنه لأمرٌ سائد في أسرتي. (أو) على الأقل أحسب أنا ذلك".

لكن الجزء الثاني، ينظر إلى هذه المسألة من وجهة نظر "دوري"، وبشكل أكثر تعمقاً. ومن هذه الزاوية، التي تمنح فرصةً أكبر للرؤية على نحو أوضح؛ يبدو الأمر مخيفاً ومروعاً.

تبدأ أحداث الفيلم بمشهد من طفولة "دوري"، يُظهر والديّها وهما يبذلان قصارى جهودهما – وإن ببهجةٍ وفرح – لإيجاد سبيلٍ يُمكِّن "طفلهما ذا الاحتياجات الخاصة" من التعايش مع العالم. هنا تسألهما "دوري": "ماذا سيحدث إذا ما نسيتكما؟ هل ستنسياني في أي وقت من الأوقات؟".

وهنا نجد أن الكاتب والمخرج "أندرو ستانتون"، العائد للتعاون مع شركة "بيكسار"؛ لا يهدر وقتاً في استدرار غددنا الدمعية، وهو محقٌ في ذلك.

لكن النزعة إلى فرض التأثير العاطفي، بدلاً من الحصول عليه دون ضغوط، توضح - وعلى نحو جيد - المشكلة المحيرة التي تعاني منها شركة "بيكسار": فكلما زاد نجاح أفلامها، باتت ترى أنه من المُلِحْ تكرارها وإن في صورة أخرى، وكلما أقدمت الشركة على ذلك، سقطت في فخ الرتابة والنمطية.

وهكذا، فنحن نبكي خلال مشاهدة "البحث عن دوري"، ليس لأنه يعبر عن أعمق آمالنا ومخاوفنا، ولكن لأن هذا هو رد الفعل الذي يُفترض أن يصدر عنّا حياله.

اللافت أن الفيلم الجديد، الذي تقاسم ستانتون كتابة السيناريو الخاص به مع فيكتوريا ستراوس وبوب بيترسون، يمضي على درب الجزء الأول: "البحث عن نيمو"، ولكن بشكل معاكس.

ففي هذه المرة، تصبح "دوري" (وتجسد صوتها إيلين ديجينرس) بطلةً للعمل، بينما يصبح ابنها "نيمو" (هايدِن رولينس) ووالده "مارلِن" (ألبرت بروكس)، اللذان ينتميان إلى فصيلة "سمكة المهرج" من الشخصيات المُساعِدة.

وبدلاً من أن يدور الفيلم – كما حدث في الجزء الأول - حول والديّن يبحثان عن ابنهما، تتركز القصة في هذا الجزء؛ على سمكة تبحث عن والديّها. وعوضاً عن أن يجري البحث في المحيط المفتوح، يقودنا العمل هذه المرة إلى بيئة مائية اصطناعية مُتحكم بها، بداخل معهد مُتخيّل للحياة البحرية.

وهذه البيئة عبارة عن محمية ساحلية في كاليفورنيا، تشهد عمليات إعادة تأهيل للمخلوقات البحرية المصابة، ومن ثم إعادتها بعد ذلك إلى بيئاتها الطبيعية. وفي هذه المحمية، يدوي صوت الممثلة سيغورني ويفر، المُهدِئ للأعصاب، مُنطلِقاً من مكبرات الصوت بشكل دوري.

وبحسب تقارير، تم تغيير مسرح الأحداث من معرض تقليدي للأحياء المائية إلى هذا المعهد المفترض، بعدما شاهد كُتّاب العمل الفيلم الوثائقي "بلاك فيش" (الحوت الأسود).

مصدر الصورة Getty Images

وبينما كان "نيمو" يواجه مخاطر مادية في الفيلم الأصلي، تتسم تلك المخاطر التي تواجه "دوري" بطابع نفسي.

فجانب تقافزها بين الأحواض، التي تعيش فيها مع المخلوقات البحرية الأخرى، ومراوغتها لأصابع الأطفال المُقتَحِمة لحوض أسماكٍ يحمل ملصقاً يدعوهم للمس ما يحتويه من كائنات؛ يتعين على "دوري" أن تجوب جنبات تضاريس ذهنها الخاوي من أي شيء أو أي ملمح مميز، ما يجعل منه فضاءً أوسع بكثير من المحيط نفسه، بل وأكثر إفزاعاً منه أيضاً.

مُشبع بالمياه

وبينما تتفوق ورشة العمل المُكلفة بالتأليف في شركة "بيكسار" عادةً على صعيد كتابة العمل، بما يشرح ويوضح بدقة فكرته الرئيسية، فإن الأمر لا يبدو كذلك في "البحث عن دوري"؛ الذي لا تبدو مكوناته متناغمة ومتماشية مع بعضها البعض في كل الأوقات.

فالفيلم أشبه بقبعة ساحر تَعُجُ بالوقائع والأحداث، بدلا من العجائب والمفاجآت، وذلك في ظل اجتياز "دوري" خلاله سلسلةً من العقبات، وتعرفها في غمار ذلك على أصدقاء جدد. ويشمل هؤلاء، أخطبوطاً يعاني من خوف مرضي من المساحات الفسيحة، يُدعى هانك (يجسد أداءه الصوتي إد أونيل)، وسمكة قرش من نوع "القرش الحوتي" تعاني من قصر نظر (تجسد أداءها الصوتي كايتلِن أولسن)، بجانب حوتٍ من نوع "الحوت الأبيض"، فقد الثقة في قدرته على تحديد موقعه عبر صدى الصوت مثل غيره من الحيتان، (يجسد أداءه الصوتي تاي بيريل).

ولكن حتى بمعايير أعمال الرسوم المتحركة التي تُظهر أسماكاً متكلمة، يبدو الفيلم كما لو كان قد فقد ارتباطه بالواقع، منذ تلك اللحظة التي يُخرج فيها الأخطبوط "هانك" السمكة "دوري" من أحد الأحواض باستخدام إبريق صغير للقهوة، بل ويبدأ في مرافقتها في جولة تجوب أروقة هذه المحمية المائية. ويبلغ الأمر بعد ذلك، حد قيادة الأخطبوط نفسه لإحدى الشاحنات.

ولعلنا نتذكر هنا أن ما أكسب "البحث عن نيمو" نجاحه وأهميته، يتمثل في أنه جمع ما بين كونه فيلم أطفال يتناول مفهوم الأبوة والأمومة من جهة، وفيلماً للراشدين يتحدث عن فترة الطفولة من جهة أخرى.

فضلا عن ذلك، فقد استغل ذاك العمل خوفنا، الذي يكاد لا يُحتمل، من مواجهة فكرة الانفصال والافتراق عمن نحب.

ورغم أن البناء الدرامي لـ"البحث عن نيمو"، صُمِمَ بحيث يكون عبارة عن فيلم مغامرةٍ ذي طابع طريف، فإنه ليس بوسع أحدٍ نسيان أن العمل كان يمكن أن يتحول في طرفة عين، إلى مأساة بكل معنى الكلمة، حال حدوث أي تحول طفيف في الأحداث. (ففي عالم موازٍ، كان يمكن أن يري مارلِن – والد نيمو – زوجته وأطفاله يُقتلون، فيتحول إلى محاربٍ للجريمة يطلب الأخذ بالثأر).

أما فيما يتعلق بـ"البحث عن دوري"، فبانغماسه في تلك الاستعارات المجازية - التي لا مفر منها - والمرتبطة بالماء، يتشبث بالبقاء في منطقة سطحية ضحلة كتلك التي توجد عادة في نهاية حمامات السباحة، ليبدو كمن ينثر المياه من حوله بشكل محموم، دون أن يسمح لشعره بأن يبتل قط.

مصدر الصورة Getty Images

لكن الخوض في كل هذه المياه لا يخلو من ميزة، ألا وهي أن تسنح للمرء الفرصة للتمتع بالمشاهد الجديرة بالإعجاب التي يتضمنها العمل. فمنذ أنتجت "بيكسار" فيلمها "توي ستوري" (قصة لعبة) قبل أكثر من 20 عاماً، لا يوجد سوى عددٍ محدودٍ للغاية من أفلام الرسوم المتحركة المُعدة بواسطة الكمبيوتر، التي تستطيع الادعاء بجمال محتواها المرئي.

ويمكن القول إن "البحث عن دوري" هو أحد هذه الأعمال بالتأكيد.

فعالم ما تحت الماء الذي يقدمه هذا الفيلم، يزدان بالأضواء البراقة والمتلألئة. كما أن أرضية الأحواض الزجاجية المقوسة الموجودة في مسرح أحداثه، معهد الأحياء البحرية المفترض هذا، تبدو مغمورة بالظلال المتشابكة والمتقاطعة التي تلقيها عليها جدرانها.

كما يُبرز العمل الاستخدام المكثف والمدروس إلى أقصى حد من قبل "بيكسار"؛ لتقنية الصور المجسمة، تلك التقنية التي تعزز ذاك الطابع الضبابي المُسَبِب للدوار، الذي يحيط بمشاهد تَذَكُر "دوري" للمحاتٍ من ماضيها، وتزيد أيضاً من الإحساس برحابة واتساع المحيط الخاوي على عروشه.

لكن أفضل من هذا وذاك فيما يتعلق باستخدام تقنية الصور المجسمة، ذلك الفيلم الكارتوني القصير الذي يحمل اسم "بايبر"، ويُعرض قبل بدء أحداث فيلم "البحث عن دوري". فذاك العمل، الصامت إلا من مؤثرات صوتية، يستعرض قصة فرخ دجاجة مكسو بالزغب، يتعلم كيف يسلك طريقه في هذا العالم.

وهكذا، بإمكان المشاهد أن يسرح بفكره في ما ينهمك فيه "دوري" خلال الفيلم من تأملاتٍ لساعات طويلة، أو أن ينسى نفسه كليةً، وهو يحدق في ذلك الملمس الناعم لريش "بايبر" المبرقش على شكل أمواج البحر.

حسناً، فإذا ما استغرق المرء تماماً في قصة "البحث عن دوري"، سيمثل ذلك أمراً معقداً وربما مزعجا. فـ "ديجينرس"، التي تجسد الأداء الصوتي للشخصية الرئيسية والتي تُجيد بشدة الاضطلاع بدور المصدر الأساسي للمرح وتخفيف وطأة التأثير الدرامي للفيلم، تجاهد لإبراز السمات العاطفية والدرامية التي يستلزمها دور "دوري" بطلة العمل، وهي معاناة يقاسي منها الفيلم ككل كذلك، لتحقيق الهدف نفسه.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن إطلاق جزء ثانٍ من عمل ما، لا يعني مجرد تكرار العمل الأصلي مع إلباسه حُلة خارجية جديدة، ليس إلا. فعلى سبيل المثال، نجح الجزء الثاني من "قصة لعبة"، الذي انتجته "بيكسار" أيضاً، في توسيع نطاق العالم الذي قدمه الفيلم الأصلي بل وإثرائه.

وفي حالتنا هذه؛ تصاعد "البحث عن دوري" درامياً، ليصل إلى مرحلة، بدا فيها عملاً ذا ثقلٍ وتأثيرٍ عاطفي حقيقي. لكن هذا جعل الكثير مما سبق هذه اللحظة، يبدو إهداراً للوقت لا أكثر.

وهكذا؛ فإذا كانت العبارة الأثيرة التي ترددها "دوري" خلال الفيلم تقول "أبق سابحاً فحسب"؛ فإن العمل كله يبدو أشبه بالسباحة الخرقاء في مياه ضحلة وحلقة مفرغة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: