قريش من القبيلة الى الدولة المركزية(6)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

المقدمات الثقافية الشعر والخطابة




الثقافة كلمة ذات مدلول واسع فهي تشمل جميع نواحي الحياة : الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والسياسية والاخلاقية والتربوية والجمالية " الفنية " واللغوية ، ولذا اختلف علماء الاجتماع في تعريفها ، اختلافاً بيناً ، لاحتوائها على كل الانجازات المتميزة للجماعات الانسانية .

سوف نتكلم على " المنتجات اللغوية " أن جاز هذا التعبير أي اللغة وما أحرزته من شعر وخطابة وأمثال لدى عرب ما قبل العثة المحمدية ، والتي ساهمت في عملية التوحيد وفي تهيئة الظروف أو المساهمة في انضاجها وهي التي انتهت بقيام الدولة القرشية في يثرب .

 اللغة ظاهرة اجتماعية تتوافر فيها خصائص الظواهر الاجتماعية ، وهي لذلك تتأثر في جميع مناحيها بجميع ظواهر الحياة الاجتماعية كما تؤثر في هذه الظواهر ) ( د.علي عبد الواحد وافي ، مادة لغة ، من معجم العلوم الاجتماعية ، تصدير ومراجعة د.إبراهيم مدكور ، إعداد نخبة من الاساتذة المصريين والعرب ، الشعبة القومية للتربية والعلوم والثقافة " يونسكو " الطبعة الأولى ، 1985م ، الهيئة المصرية العامة للكتاب

كانت قبائل الشمال تتكلم اللغة العربية ، إنما بلهجات متباينة : فيها : الفصيح المقبول والوحشي المرذول ، وذلك بتأثير التحضر والبداوة ، فسكان الحواضر تكلموا بلهجات رقيقة وأهل البوادي اتسمت لهجاتهم بالخشونة والجفاوة ، وأضاف علماء اللغة العربية أن لهجات بعض القبائل تميزت بسمات معينة (مثل الكشكشة ) لدى " أسد وهوازن " و ( الكسكسة ) عند ربيعة ومضر ، والفحفحة عند هذيل أما (العنعنة) فهي من نصيب " تميم وقيس " ( أحمد حسن البارودي الباقوري ، أثر القرآن الكريم في اللغة العربية ، ص36 ـ 37 ، ط3 ، 1983م ، دار المعارف بمصر ) . بل أن بعض الكلمات التي كانت تضمها لهجة قبيلة معينة كان يعسر فهمها على أبناء القبيلة الأخرى ، وأجمع العلماء على أن لهجة قريش كانت أفصح لهجات عرب الشمال وأرقها وأحنها وقعاً في الأذن ( ويعلل الباحثون سهولة لغة قريش وعذوبة لهجتهم بأنهم كانوا ينتقون من لغة الوافدين عليهم وهم كثير ، لمكانة قريش الدينية والاقتصادية ، ما عذب لفظه وخف حتى صارت لغتهم المثل الأعلى لسائر العرب ، لما فيها من عذوبة وجمال ولما لهم من سيادة ونفوذ) ( المرجع نفسه ، ص40 ) ، أن السيادة والنفوذ اللذين أشار إليهما الباحث لم يجيئا من باب لسياسة لأن قريشا حينذاك لم تكن قد انشأت دولتها بعد ، ولكن هي الظروف التاريخية التي جعلت مكة تتمتع بمكانتها الخاصة من لهجة قريش قطبا جاذباً تتلاقى عنده وتتفاعل به سائر اللهجات العربية الشمالية بالأخص ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية ، المجلد الأول ، ص255 ) فالألوف العرب التي تفد إلى مكة من شتى نواحي شبه الجزيرة العربية للحج والاعتمار وتتعامل مع القرشيين ، وتسمع منهم لهجتهم لابد أنها تتأثر بها لأن الأقل تحضراً يولع بتقليد من هو أكثر تحضر كما يرى ابن خلدون ، وكذلك يلتقط أهل مكة بعض الألفاظ والتعبيرات من الوافدين عليهم فيتداولونها ويضمونها إلى لهجتهم وبهذا يحصل تأثر وتأثير ، ولكن في النهاية اللهجة القرشية هي التي تكون لها الغلبة والهيمنة ورويداً رويداً غدت "اللهجة الأم " .

كما لعبت الأسواق دوراً ملحوظاً في التوحيد ، ففي مجال النشاط التجاري كان يتم التخاطب بلهجة القرشيين لأنهم يملكون زمامه أي أن العرب الذين كانوا يقصدون تلك الأسواق ـ خاصة تلك التي كانت تقام في منطقة الحجاز ـ يجدون أنفسهم ملزمين أو شبه ملزمين بالحديث بتلك اللهجة أو أنهم يسمعونها من أهلها فيستجيدونها ويستعذبونها فينطقون بها ثم عند عودتهم إلى أوطانهم ومرابعهم ينقلونها لمن خلفهم وهكذا تنتشر وتتفشى وتذيع وتشيع في سائر القبائل .

كانت تلك الأسواق بالفعل مواسم أدبية وثقافية يحضرها كبار الشعراء ومتوسطهم وصغارهم ، وعشق الشعر وحب الشعراء يكاد يصل لدى العربي منزلة الطبع أو الغريزة ، ويلقى كبار

الشعراء قصائدهم أو معلقاتهم وللتحكيم بين شعراء الصف الثاني ولسماع أشعار غيرهم من الفحول ، كما يحضر الخطباء مثل " قس بن ساعدة الإيادي " الذي ذكرنا محمد ( ص ) كان يستمع إلى خطبه في " عكاظ " وأنه حكى ذلك لوفد قبيلته " إياد " واستعادهم إحداها وأثنى على قس خيرا ، و ( يمكن اعتبار سوق عكاظ بمثابة مجمع أدبي لغوي رسمي ) ( د.حمدان عبد المجيد الكبيسي ، أسواق العرب التجارية ، ص22 ) ويؤكد ذلك برهان الدين دلو بقوله ( ولم تكن عكاظ سوقاً تجارياً وموسماً اجتماعياً وحسب بل كانت ندوة أدبية عربية موسمية يجتمع فيها الشعراء والخطباء يتبارون في الشعر والخطابة ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص256 ) ، ويروي لنا الإخباريين أن النابغة الذبياني كانت تضرب له قبة من أدم بسوق " عكاظ " يدخل إليه فيها الشعراء يعرضون عليه أشعارهم ومن فعل ذلك " الخنساء بنت عمرو بن الشريد " و " حسان بن ثابت " ولم تنفرد سوق " عكاظ " وحدها بذلك بل شاركتها سائر الأسواق انما هي فاقتها شهرة ، و ( لقد أسهم في ظهورها (الأسواق ) في تسريع العملية الموضوعية للتوجيهات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نحو الوحدة ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام )

بيد أن الأسواق أدت وظائف أخرى خطيرة مثل الفصل في الخصومات بين العشائر والقبائل وإيجاد الحلول لها ، وعقد حبال الصداقة والتعاون وحسن الجوار بينهم ، ودفع الديات لأهل القتلى وتبادل الأسرى وإعلان خلع الخلعاء والتبرؤ منهم ، وإذا كانت هذه الأنشطة خارج دائرة ( الانتاج اللغوي ) فإنها بلا شك ساهمت بفاعلية كبيرة في نبذ عوامل الفرقة والتشرذم والتناحر التي كانت تسود المجتمع العربي ، أي أنها بذلك حققت تقدماً في طريق التوحيد .

نبدأ بالشعر أشهر وسيلة تعبير عرفها العرب والانتاج اللغوي الأول في مجتمعهم الذي سادت فيه الأمية وغلبت عليه ومن ثم كانت ثقافته شفوية ، وهو ديوان العرب ( ومعلم رئيس من معالم ثقافة العرب قبل الإسلام ومرآة صادقة تعكس بأمانة خصائص الحياة العربية القبلية والبيئية التي نشأ فيها ، ومصدر تاريخي موثوق لمعرفة أوضاع العرب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في القرنين الخامس والسادس الميلاديين ) ( المرجع نفسه ، ص219 ) ، والشعراء في ذلك المجتمع يمثلون الفئة والطبقة المثقفة (الانتلجنسيا ) عندهم لأن الشعر في لغة العرب يعني العلم ، يقال ليت شعري أي ليت علمي وأشعره بالأمر أي أعلمه ، ومن ثم فالشاعر هو العالم ، وبقصد به من يشعر أي يعلم بما لا يشعر به ( أي يعلم به ) ، وقد جاء في القرآن الكريم لفظ يشعركم أي بمعنى يعلمكم ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) " سورة الأنعام ( 6 ) الآية /109 ) ( المستشار محمد سعيد العشماوي ، الخلافة الإسلامية ، ص40 ) ومن ثم كانت للشعراء منزلة رفيعة ( روى عن الأصعمي عن أبي عمر بن العلاء أنه قال : كان الشعراء عند العرب في الجاهلية بمنزلة الأنبياء في الأمم وكانوا يسمون الشاعر : العالم والحكيم ) ( د.سامي مكي ، الإسلام والشعر ، ص15 ، سلسلة " عالم المعرفة " ، العدد السادس والستون ، شعبان / رمضان 1403هـ /يونيو 1983م ، الكويت ) ولذاك فإن ظهور شاعر في القبيلة كان يعتبر حدثاً هاماً فتقام له احتفالية صاخبة ـ وكانت العرب تنظر إلى الشعر نظرة إكبار وتوقير ربما تصل إلى درجة التقديس ، أنهم كانوا في بعض الأحوال لا ينشدونه إلا وهم على وضوء كما فعلوا في قصيدة " المتلمس " الميمية وكالخبر الذي يذكر أن الملك همرة بن هند أمر " الحارث بن حلزة

ألا ينشد الهمزية إلا متوضئاً ) ( المرجع نفسه ، ص15 ) وسماع الشعر لدى العرب وحبهم إياه امتزجت فيه الهواية الفنية والعاطفة المشبوبة التي تبحث عما يروي ظمأها مع طلب المعرفة والاستزادة من العلم والاستكثار من المعلومات كل هذا مجتمعاً ( فهم يحبون الشعر والاستماع إليه لأنه ديوانهم الذي يخلد مفاخرهم ويسجل أنسابهم ووقائعهم ويذكي نار الحماسة في نفوسهم، كان لكل قبيلة شاعر أو أكثر يناضل عن أحسابها ويشيد بمفاخرها ويذود عن حياضها ) ( سمير عبد الرازق القطب ، انساب العرب ، ص323 ) .

وكان الشعر أخطر وسائل الإعلام في تلك الأيام ( ... وربما كان للشعراء في الجزيرة العربية أيام الجاهلية سلطان يفوق سلطان الصحافة في الأزمنة الحديثة ، إذ كان العرب يحسون أن فيهم شيئاً خارقاً أو سحرياً ) ( دائرة المعارف الإسلامية ، مادة " بدو " ، ص495 ) ولا غرو فإنه بالنسبة لانتشار الأمية ولأن العربي كان يتمتع بذاكرة حافظة قوية تحفظ القصيدة من أول مرة ، وهكذا انتقل من شخص لأخر ومن مكان بسرعة فائقة ، فقد كانت للشعر تأثير في النفوس يعادل تأثير السحر ، وتحكي في هذا المجال قصص غربية مثل : رفع شأن قبيلة ببيت من الشعر ، أو تزويج بنات عوانس بعد الفاء بضعة أبيات ، أو نشوب عراك من جراء قصيدة .

أدرك كل من محمد ( ص ) مؤسس الدولة القرشية وأبو سفيان كبير تجار مكة وصناديدها الذين كانوا يعادونه ، حرصاً على مصالحهم ، وخوفاً من ذهاب مكاسبهم ما كان يقوم به الشعراء في الصراع الدائر بينهما فحاول كل منهما بأسلوبه الخاص ضم الشعراء إلى صفه ، أو اسكات صوته مثل :

( أ ) عزم الشاعر المشهور " الأعشى " وهو ميمون بن قيس بن جندل وكنيته " أبو بصير " التوجه إلى النبي محمد ( ص ) ، فتصدى له أبو سفيان وبدأ أولا بتنفيره منه حتى لا يمدحه بقصيدة يطير ذكرها بين أرجاء الجزيرة ، فذكر له ما ينهى عنه مثل الخمر واللهو بالنساء ولكن الأعشى لم يعبأ بذلك ، فلم يجد أبو سفيان أمامه سوى الترغيب ( فقال أبو سفيان يا معشر قريش ، هذا الأعشى والله لو آمن بمحمد واتبعه ليضرمن عليكم نيران بشعره ، فاجمعوا له مائة من الإبل ، ففعلوا فأخذها وانطلق إلى بلده ، فلما كان بـ " قاع منفوحة " رمى به بعيره فقتله ) ( الشيخ أحمد فهمي محمد ، هامش ص327 ، من كتاب الملل والنحل ، للشهرستاني ) .

( ب ) نظر رسول الله ( ص ) إلى زهير بن أبي سلمى " الشاعر المشهور وصاحب المعلقة المعروفة فقال : اللهم أعذني من شيطانه فمالاك بيتاً حتى مات " ( الشيخ أحمد فهمي محمد ، المرجع نفسه ، ص331 ) إدراكاً منه ( ص ) خطورة دور الشعر والشعراء في المجتمع الماثل آنذاك .

( ج ) وكان " أمية بن أبي الصلت " الشاعر الذائع الصيت وأحد المتحنفين كما ألعنا سابقاً ( يحرض قريشاً بعد وقعة بدر وكان يرثى من قتل من قريش فيها من ذلك بقوله :
ماذا ببدر والعقنقل من مرازبة جحاجح

وهي قصيدة نهر الرسول ( ص ) بالدعاء على الشعراء المناوئين لدولته ، أو النهى عن رواية قصائدهم ، بل أمر بعض أتباعه بقتل أحدهم وهو " كعب بن الأشرف " اليهودي الذي كان يهجوه ويحرض عليه ( أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول : قال رسول الله ( ص ) : " من لكعب بن الأشرف فانه قد آذى الله ورسوله " فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه ، وقال : يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال نعم ) ( الإمام الحافظ أحمد بن علي حجر العسقلاني ، فتح البارئ بشرح صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري ، قام باخراجه محب الدين الخطيب ومحمد فؤاد عبد الباقي وقصي محب الدين الخطيب ، الجزء السابع ، الحديث 4037 ، ص390 /391 ، ط2، 1405 من الهجرة ، المطبعة السلفية ومكتبتها بالقاهرة ) ، فأخذ محمد بن مسلمة رجلين معه وقتلوا " كعب بن الأشرف " وقد حكى ذلك البخاري في الحديث المطول المذكور .

لم يكن اغتيال ابن الأشرف إلا بسبب أشعاره المناوئة لمحمد ( ص ) ولدولته التي أسسها في يثرب ، ولأن تلك القصائد وأمثالها كان لها مفعول أكيد في مجتمع أمي ثقافته شفوية وكان الشعر له فيها مكانة الصحف والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى في مجتمعنا المعاصر .

( هـ ) وفي المقابل كان محمد ( ص ) يسبغ كامل رضاه على الشعراء الذين كانوا يمدحونه وينافحون عنه مدحه " كعب بن زهير " لقصيدته اللامية المعروفة خلع عليه " بردته " التي وصلت إلى خلفاء بني العباس يلبسونها في المناسبات الرسمية .

هذا هو الشعر وهذا هو دوره البالغ في المجتمع العربي ، ولكن الذي يعنينا هو إبراز المهمة التي حملها الشعر على عاتقه سواء في الإسراع بعملية التوحيد أو الترويج للأسباب الموضوعية الممهدة لقيام دولة قريش في يثرب .

العرب أمة صناعتها الكلام ... وكان أهل الحجاز من بينهم خاصة أهل لسن وفصاحة .. اجتمع لهم من الخطابة والفصاحة والبيان العجيب والقول المصيب والكلام الغريب والمنطق الساحر ما رددته أسفار الأدب وازدانت به لغة العرب ) ( سمير عبد الرازق القطب ، أنساب العرب ، ص279 ) ، فالحجازيون إذن هم أفصح العرب وفاقهم في هذا المضمار القرشيون أهل مكة التي امتازت بموقعها الجغرافي المتوسط بين كل من اليمن والشام والعراق والذي أتاح لهم السفر إلى هذه البلاد وغيرها والاختلاط مع أهلها ( وقد علمت الأسفار سادة قريش أموراً كثيرة من أمور الحضارة والثقافة فقد أرتهم بلاداً غريبة ذات تقدم وحضارة وجعلتهم يحتكون بعرب العراق وبعرب بلاد الشام فتعلموا من الحيرة أصول كتابتهم وهذبوا لسانهم ودونوا به أمورهم ، وذكر أنهم كانوا من أفصح العرب لساناً وقد شهد العرب لهم بفصاحة اللسان حتى أن الشعراء كانوا يعرضون عليهم شعرهم ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص20 ) .

أن فريضة استفادة لغة القرشيين من رحلاتهم الخارجية ومن اختلاطهم بسكان تلك البلاد ومساهمة كل ذلك في ترقية أو ترقيق لهجتهم ( لغتهم ) ، فريضة مقبولة ومستساغة ولكنها لا تكفي لتفسير

سيادتها على باقي اللهجات أو اللغات المعاصرة لها في شمال الجزيرة ، فقد تكون لغة أو لهجة ما ، فصيحة وعذبة ولطيفة في موقع معين ومع ذلك لا يكتب لها الذيوع ، إذن فما الذي أتاح لـ ( لهجة قريش ) ذلك الحظ من الانتشار فالهيمنة ؟ ؟ ؟

نقل إلينا " حسين مروة " رأي يحي بن زياد الفراء من كبار علماء المدرسة النحوية في الكوفة (160هـ ) : " أن ذلك انتشار لغة أو لهجة قريش ) قد تم بطريق الاختيار والاصطفاء الذاتيين ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية ، الجزء الأول ، ص256 ) وهذا تفسير مثالي لأن الجانب الجمالي ليس هو العامل الحاسم في تبني لغة أو النطق بها لأن من المفترض فيها أن تشبع في الانسان حاجات متعددة وتؤدي له وظائف متباينة مثل التعبير عن معاملاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وطقوسه الدينية وهذا ما قامت به لهجة قريش على أكمل وجه نتيجة ( التأثير الذي كان يمارسه الوضع الاقتصادي والتجاري والاجتماعي والديني للأرستقراطية المكية القرشية على مجرى التطور بسياقها العام ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، ص255 ) فصيرورة مكة هي المركز التجاري الأول في منطقة وسط الجزيرة وغربها ، ونصب الأسواق الداخلية على أطرافها ووجود الكعبة فيها وقيام القبائل من الانحاء كافة بالحج والاعتمار هو الذي أثمر في نهاية المطاف هيمنة لغة قريش ، فاللغة هي وسيلة التواصل ، وتواصل عرب الجزيرة مع أهل مكة القرشيين أصبح ضرورة لهم اقتصاديا وثقافيا ودينيا وهذا التواصل يتم عبر لغتهم أو لهجتهم قد تكون عذوبتها أو رقتها أو لطافتها عاملاً مساعداً ولكنها أبداً لم تشكل العامل الفعال أو الوحيد وإذا اضطر أو تواضع عرب الشمال على التخاطب بلغة قريش فإن عنصراً هاماً من عناصر التوحيد قد تحقق ، فاللغة فضلا عن انها أداة التفاهم بين الأفراد فإنها آلة تفكير ، ( ولذلك نجد أن وحدة اللغة توجد نوعا من الوحدة في التفكير والشعور وتربط الأفراد بسلسلة طويلة معقدة من الروابط الفكرية والعاطفية .. ومجموع الأفراد الذين يشتركون في اللغة يتقاربون اكثر من غيرهم ويتماثلون ويتعاطفون اكثر من سواهم .. أن اللغة هي روح الأمة وحياتها ( أبو خلدون ساطع الحصري ، أبحاث مختارة في القومية العربية ، ص35 ـ 36 ، ط2 ، 1985 م ، من اصدارات " مركز دراسات الوحدة العربية " نشرته دار المستقبل العربي بمصر ) فعندما أخذ عرب الشمال تسودهم لغة قريش طفقوا يتقاربون ويسعون لنبذ الخصومات ويتواصلون بحبال الاحلاف والجوار ، عرفوا أن نمطاً جديداً من الحياة بدا يتعمق في مجتمعهم وظهرت للوحدة أو التوحيد علامات مثل " ذي قار " وانتصار " سيف بن ذي يزن " الخ ( أن التوجه التوحيدي للغة كان يجري في سياق منحى التوجيهات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والانتقال بالمجتمع من مرحلة التجزئة القبلية إلى مرحة التوحيد .. إن اللهجة الق شيى فرضت تأثيرها في مجرى عملية التوحيد اللغوي لا بسبب من خصائصها الذاتية بل نتيجة التأثير الذي كان يمارسه الوضع الاقتصادي والتجاري والاجتماعي والديني للارستقراطية المكية القرشية على مجرى التطور العام ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص217

إن لغة عرب الشمال عرب الشمال قد تأثرت بلهجة قريش ثم أن هذه اللغة الموحدة قد أثرت في عملية الصهر والتوحيد ، لأن اللغة كظاهرة اجتماعية تتأثر وتؤثر .


تحدثنا في المقدمات الاجتماعية عن الصعلكة وعن الصعاليك وأن من هؤلاء شعراء حملت إلينا كتب الأدب العربي قدراً كبيراً من شعرهم منهم :

" عمرو بن الورد " ويطلق عليه " عروة الصعاليك " و " السليك بن السلكة " و " الشنفري " و " القتال الكلابي " الذي يرجح أحمد أمين أنه منهم ( أحمد أمين ، الصعلكة والفتوة في الإسلام ، ص35 ) ، و " الأعلم الهذلي " و " تأبط شرا " ، و " عبيد بن الأبرص " و " أبو النشناش " وغيرهم .

وأهمية شعر هؤلاء الصعاليك تتمثل في أمرين :
أولهما : أنهم وصفوا حالة الفقراء في المجتمع العربي سواء " البودي " منه أو " الحضري " وأكدوا انقسامه إلى طبقتين : أغنياء يملكون مل شيء ويعيشون عيشة مرفهة ، وفقراء يكادون لا يجدون ما يتبلغون به ، ويحيون حياة كلها جوع وشظف .

والآخر " أنهم بشعرهم هذا حضوا الفقراء على التمرد على هذا الوضع الجائر وعدم الاستكانة إليه ومحاولة تغييره ، وسبق أن ذكرنا أنه ليس " شعر ثورة " لأنهم لم يكونوا يملكون الوعي لذلك . والشعر كما ذكرنا كان أكثر أدوات التعبير فعالية في تحريك النفوس لسرعة ذيوعه في المجتمع الأمي ذي الثقافة الشفوية ، ومن ثم كان له أثره خاصة بين الفقراء والمعوزين مما دفعهم لسرعة الاستجابة للدعوة التي نادى بها محمد ( ص ) بالمساواة والعدالة الاجتماعية . يقول " عروة بن الورد " أو " عروة الصعاليك " :
ذريني للغنى أسعى فأني رأيت الناس شرهم الفقير
وأهونهم وأحقرهم لديهم وأن أمسى له نسب وخير
ويقضي في الندى وتزدريه حليلته وينهره الصغير

فهنا يؤكد الشاعر أن الفقير مزدري ، ومحقر ، حتى وان كان " له نسب وخير " وأن المعيار في تقييم الفرد في ذلك المجتمع هو مقدار ما يملكه من مال .

ويقول " الأعلم الهذلي " :
وذكرت أهلي بالعراء وحاجة الشعث التوالب
المصرمين من التلا داللامحين إلى الأقارب
يصف حالة المعدمين الذين يفترشون ويلتحفون بالسماء .
ويقول " الشنفري " :
وأم عيال قد شهدت تقوتهم إذا أطعـمتهم أو تحت واقلت

تخاف علينا العيل ان هي أكثرت ونحن جـيـاع أي آل تالت
مصـعلكـة لا قصضر الستر ولا ترتجي للبيت إذ لم تبيت

هذه صورة ناطقة لأم فقيرة وعيالها فقراء تطعمهم بما يكاد يقيم أودهم وتحشى العيلة إذا هي أكثرت من طعامهم مع أنها تعلم أنهم جياع وهي صعلوكة ، ليست من ذوات الأستار .
ويقول أحدهم مخاطبا الأغنياء الذين يبيتون متخمين من كثرة الأكل وجيرتهم من النسوة يقضين الليل على الطوى :
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم جوعى يبتن خمائصا
ويؤكد " بشرين المغيرة " أن من الخسة واللؤم أن يشبع الأغنياء في حين أن إخوانهم في العشيرة أو أصحابهم لا يجدون ما يأكلون فيظلون جياعا :
وكلهم قد نال شبعا لبطنه وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
ويقول " السليك بن السلكة " :
وما نلتهـا حتى تصلعكت حقبـة وكدت لأسباب المنية أعرف
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني إذا قمت تغشاني ظلال فأسدف
فهو لم ينل أكلاته بعد أن تصعلك وعرض نفسه للهلاك بعد أن عضه الجوع بنابه ويصف " أبو النشناش " الفقر وكيف أنه يصاحب الفتى في كل حال حتى في المضجع لا يفارقه :
فلم أر مثل الفقر الفتى ولا كسواد الليل أخفق طالبه
أن دواوين الشعر وكتب المختارات تعج بالعشرات من هذا النوع من الشعر ، ولكننا قصرنا على عدد قليل من الأمثلة بالقدر الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من أن شعر الصعاليك لعب دورا مؤثرا .
وهناك نوع آخر من الشعر وهو شعر ( الحنيفيين ) ، كان بعضهم شعراء مطبوعين ولهم باع طويل في فن الشعر مثل أبي أمية بن أبي الصلت ، والبعض الآخر كانت له مقطوعات أو عدة أبيات يعبر بها عما يختلج في صدره من أفكار وأحاسيس ولا نستطيع أن نعد هؤلاء من الشعراء .
وشعر ( الحنفاء ) تولى مهمة اختلفت عن المهمتين اللتين أداهما شعر الصعاليك واللتين ذكرناهما في الفقرة السابقة ، فشعر " اللمتحنفين " كان شغله الشاغل هو إدانة التعددية الأوثانية والشرك في العبادة ، والدعوة لنبذ الأوثان وتوحيد الله في العبادة ، والكشف عن زيف العبادة للأوثان وفسادها وبطلانها ، وهنا نرجو الرجوع إلى البحث الخاص بـ " الحنيفية " .

كان الشعر أحد أهم الوسائل التعبير التي لجأ إليها " الحنفاء ) للتعبير عن أفكارهم وآرائهم والدعوة إ‘ليها ، ويرى أحمد أمين أن بعضا من هؤلاء قد تأثر بكل من اليهودية والنصرانية اللتين انتشرتا بين العرب وظهرت في أشعارهم نغمة دينية جديدة ( أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص25 ) . ونذكر أن التوحيد في العقيدة كان أحد الأسباب الهامة التي عاونت في توحيد الجزيرة العربية بالإضافة إلى العوامل الأخرى .

ومن بعض الأغراض التي تناولها أصحاب " الحنيفية " سواء من الشعراء أو الذين قالوا بعض الأبيات أو المقطوعات :
فلا العزى أدين ولا ابنتيهما ولا صنمي بني طسم أدير
أربا واحدا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور

هذه أبيات لـ " زيد بن عمرو بن نفيل " فيها يشجب عبادة الأصنام ويعلن أن الرب واحد كما يعلن في المقطوعة بصراحة وحسم أنه رضى بالله ربا لا شريك له ويحث على التقوى :
ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها متى تحفظوها لا تبوروا

ويذكر " إسلام الوجه إلى الله " حالق " الأرض " التي دحاها والمزن التي ساقها :
أسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا
( دحاها ) فلما رآها استوت على المـاء أرسـى الجبالا

ويطلق على الرب الذي يعبده أسماء مثل " الملك الأعلى " :
وسبق أن وصفه " قس بن ساعدة " أن الله لم يخلق الخلق عبثا :
الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبثا

ويدعو " ورقة بن نوفل " إلى التوحيد صراحة ، وأن الرب ليس كمثله شيء :
بدينك ربـا ليس ربـا مثله وتركك جنات الجبال كما هيا
أدين لرب يستجيب ولا أرى أدين لـم يسمح الدهر داعيا

وفي بيت آخر يقول عن نفسه أنه " النذير " لقومه وأنه نصح لقومه أي دعاهم للحنيفية الموحدة:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم أنا " النذير " فلا يغركم أحد

أما " أمية بن أبي الصلت " فيؤكد أن دين الحنيفية هو الدين الحق وغيره من الملل باطل كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفية زور .

وسبق أن ذكرنا أن " عبد الله بن مسعود " رضي الله عنه كان يقرأ :
" أن الدين عند الله الحنيفية " كما دونها في مصحفه ، وهي الآية التي وردت في ( المصحف العثماني ) كالأتي " أن الدين عند الله الإسلام " .

وديوان أمية مليء بذكر الجزاء والجنة التي أعدت لـ " الأبرار " والتي مصفوفة " نمارقها " وحفت بها الحدائق والنار التي يحيط " سرادقها " بالمذنبين الأشرار التي سوف تسوؤهم مرافقها :
أم من " تلظى " عليه واقدة النار محيط بهـا سرادقها
أم أسكن الجنة التي وعد الأبرار مصفـوفة نمارقها
لا يستوي المنزلان ولا الأعمال لا تستوي طرائـقها
هما "فريقان" فرقة تدخل الجنة حـفت بهـا حدائقها

وفرقـة منهـم أدخلـت النـار فسـاءتـهم مرافقها

ويصف أمية الرب بأنه " رب الراسيات من الجبال " وأنه بنى " سبعا شدادا بلا عمد " وسواها وزينها بنور الشمس المضيئة و " شق الأرض " فأنجبت عيونا وأنهارا " وبارك في نواحيها ".
إله العالمـين وكل أرض ورب الراسيات من الجبال
بناها وابتنى سـبعا شدادا بلا عمـد يرين ولا جبال
وشق الأرض فأنجبت عيونا وانهارا من العذب الزلال
وبارك من نواحيها وزكى بها ما كان من حرث ومال

وينقل إلينا د. سيد محمود القمني عن " الإمام أحمد " أنه قال :
( حدثنا إبراهيم عن مسيرة أنه سمع عمرو بن الشريد يقول : قال الشريد : كنت ردفا لرسول الله ( ص ) ( أي راكبا معه على بعير واحد ) فقال لي : أمعك من شعر " أمية بن أبي الصلت " شيء ؟ قلت : نعم ، قال : فأنشدني بيتا ، فلم يزل يقول لي كلما أنشدته بيتا إيه ( حتى أنشدته مائة بيت ) ( د.سيد القمني ، الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية ، ص71 ، وقد نقله بدوره عن البداية والنهاية ، لابن كثير ، ج2 ، ص205 ) .

وقد أورد عبد البر في كتابه " الاستيعاب في معرفة الصحاب " أن لأمية بن أبي الصلت أختا يقال لها الفارعة وهي التي روت للرسول ( ص ) أخبار أمية أنشدته من شعره ( جزء /4 ، ص379 ) .

وقد تأثر بعض شعراء " الحنيفية " وغيرهم بـ " اليهودية " و " النصرانية " وظهر ذلك واضحا في شعرهم ـ وهذه نظرية أحمد أمين كما ذكرنا ـ نذكر بعض الأبيات ، لـ " أمية بن أبي الصلت " :
عن " جبريل " أمين العرض وميكائيل يقول :
أمين لوحي القدس جبريل منهم وميكال ذي الروح القوي المسدد
فقلت له إذهب وهارون فادعوا إلى الله فرعون الذي كان " طاغيا "
وقولا له : أأنـت سـويت هذه بلا وتد حتى اطـمأنت كمـا هـيا
وقولا له : أأنـت رفعـت هذه " بلا عـمد ، أرفـق إذا بك بانيـا
وعن مريم عليها السلام عندما ظهر لها " جبريل " ليهب لها غلاما زكيا :

تدلى عليها بعد مـا نام أهلها رسولا فلم يحصر ولم يترمرم
فـقـال ألا تجـزعي وتكذبي ملائكة من رب عـاد وجرهم
أنيبي وأعطي ما سئلت فأنني رسول من الرحمن يأتيك بابنم
فقالت " أنى يكون " ولم أكن " بغيا " ولا حـبلى ولا ذات قيم
فسبح ثم اغترها فالتقت به " غلاما " سوى الخلقة ليس بتوأم
فقال لها " أني من الله آية " وعـلـني ، واللـه خير مـعلم
أرسلت ولم أرسل غـويا ولم أكن شقيا ولم أبعث بفحش ومأثم

( الأبيات التي وردت في هذا المبحث التقطتها من كتابي الحزب الهاشمي ، للدكتور سيد القمني ، والخلافة الإسلامية ، للمستشار العشماوي وهما مرجعان سابقان ومن أراد المزيد من الاطلاع في هذه الخصوصية فليرجع إليهما ) .
وإذا كان شعر الصعاليك قد ساهم في الجانب الاجتماعي من المقدمات ، فأن شعر " الحنفاء " كانت له اليد الطولي في " الجانب العقائدي والديني " ، إذ أنه حرث الأرض وهدها لتلقي البذرة العقيدية التوحيدية التي جاء بها الإسلام ، وكان الدين أبرز الروافع التي ساهمت في نشوء دولة قريش في يثرب .

إذا كان الشعر هو الإنتاج اللغوي الأول في المجتمع العربي قبل الإسلام ، فأن الخطابة هي المنتوج الثاني ، وكان مركز " الخطيب " لا يقل عن مركز الشاعر أن لم يفقه في بعض الحالات ، ولكن هناك ملمح بارز في الخطباء وهو أنهم كانوا عادة من السادة والمتقدمين وذوي الصدارة في قبائلهم ، بعكس الشعراء الذين كان عدد منهم من الطبقة الفقيرة والمسحوقة مثل الصعاليك الذين يحدثنا عنهم فيما سلف ، وقد نقل إلينا الجاحظ عن عمرو بن العلاء قوله ( كان الشاعر في الجاهلية بقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم على عددهم ومن غزاهم ، ويهيب من فرسانهم ، ويخوف من كثرة عددهم ، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم ، فلما كثر الشعر والشعراء ، واتخذوا الشعر مكسبة ، ورحلوا إلى السوقة ، وتسرعوا إلى أعراض الناس ، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر ) ( أبو عثمان بن عمرو بن بحر ، الجاحظ ، البان والنبيين ، الكتاب الثاني ، الجزء الأول ، ص241 ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون ، ط1 ، 1948م ، لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ) ، ويعارض حسين مروة وجهة نظر عمرو بن العلاء تلك ويرى أنه ( ليس صحيحا أن حاجة الجاهليين إلى الشعراء في زمن تختلف عن حاجتهم إلى الخطباء في الزمن نفسه ، لأن كلا من الشعر والخطابة كان يؤدي الوظيفة الاجتماعية نفسها في الزمن السابق الذي يتحدث عنه ، أي تحت ذلك الزمن الذي كان يشعر فيه " يقيد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم و .. الخ ) كان هو نفسه ذلك الزمن الذي تفعل الخطابة الفعل ذاته ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، ج1 ، ص285 ) ولكن حسين مروة يخلي قول عمرو بن العلاء من الحقيقة التاريخية كلها وأنه عبر ضمنيا عن ( اتجاه التطور الذي بدأت تبرز مظاهره وآثاره في المعالم الثقافية المقاربة لظهور الإسلام ) ( المرجع نفسه ، ص286 )

ونحن نرى أن ابن العلاء قد تحيز كثيراً أو قليلاً للشعراء على حساب الخطباء ، فالذي نعرفه أن العرب أهل لسن وفصاحة ، ومن كان هذا حالهم ، لابد أن يحظى الخطيب عندهم بمنزلة مرموقة ، فضلاً عن أن الخطابة كانت ( ضرورة من ضرورات حياتهم وحاجة من حاجتهم ، يتخذونها في السلم أداة للمفاخرة والمنافرة ويصطنعونها في الحرب لتثبيت الجنان وتحميس الجبان ، وبعث الحمية في النفوس وجمع الكلمة وتوحيد الصفوف ) ( سمير عبد الرازق القطب ، انساب العرب ، ص77 ) وهو الدور نفسه الذي كان يؤديه الشعر ، ولكن هناك فرقا بين الشاعر والخطيب عند عرب ما قبل البعثة المحمدية وهو أنهم كانوا ( يشترطون فيه السيادة في القوم والكرم في الخلق والعمل بما يقول ، ولابد أن يكون جهير الصوت ، رابط الجاش ، ثابت الجنان ، قوي الحجة ، فصيح اللسان ، قليل الحركة حسن السمت / جميل المظهر ) (المرجع نفسه ، ص78 ) ، ولكن كان للخطابة مهمة خطيرة وهي أن أربابها كانوا يقومون بوظيفة السفراء بين قومهم والملوك والأقيال أمثال كسرى وسيف ين ذي يزن ، ولشرف عندهم كان عدد من شيوخ القبائل يجمع بينها وبين زعامة القبيلة مثل ( عامر بن الظرب العدواني وكان سيد بني عدوان وحكيم العرب في الجاهلية ) (برهان الدين دلو ، جزيرة العرب بل الإسلام ، ج1 ، ص273 ) ، بل كان من بين الشروط التي يتعين توافرها في " شيخ القبيلة " هو أن يكون لساناً فصيحاً ، بليغاً ، كما كان الخطيب يجمع بينها وبين الحكومة في الخصومات أي القضاء بين الناس مثل " ربيعة بن حذار " و " ضبيعة بن نعيم " ( المرجع نفسه ، والصفحة نفسها ) ، أو يجمع بينها وبين الحكمة مثل " أكثم بن صيفي " الحكيم المشهور في عرض الجزيرة وطولها

وفي كتب السيرة النبوية عدة من الوفود التي قصدت االرسول محمدا ( ص ) تضم فيها خطيبها الذي يلقى خطبة عصماء بين يديه ، وعادة ما يكون الخطيب سيد القوم أو من سادتهم مثل عطارد ابن حاجب بن زرارة " وفد قبيلة تميم " ، وكان الرسول (ص ) يندب أحد صحابه ممن يكون اشتهر بالخطابة ليرد على خطيب الوفد ، منهم " ثابت بن قيس شماس من بني الحارث بن الخزرج " رضي الله عنه وعرف بـ " خطيب رسول الله " .

كانت الأسواق ميداناً واسعاً للخطباء يظهرون براعتهم الخطابية وفصاحتهم وبلاغتهم وطلاقة ألسنتهم ، وسبق أن ذكرنا في المبحث الخاص بـ " المقدمات الدينية " أن بعض دعاة الدين المسيحي ، كان يتخذ السوق منبرا لنشر أو للتبشير بـ " النصرانية " ، وفعل ذلك أيضا بعض المتحنفين ، وأشهرهم قس بن ساعدة الإيادي الذي كان محمد ( ص ) من بين من كان يصغي إلى خطبه ، وذكر ذلك لوفد قبيلته عندما اقبلوا إليه وأنه استعاد " إيادياً " منهم إحدى خطبه ( خطب قس ) ، إذن كما كان للشعر مكان مرموق في الموسم الأدبي أو الثقافي الذي كان يقام في السوق ، فقد كان للخطابة فيه مساحة واسعة ، ولسنا بصدد المقارنة بين هذين الفنين أو المنتوجين اللسانيين ففيما سبق أوردنا ما يعين على ذلك ، ولكن ما نقوله أنه حسب بنية كل منهما كان تنبع أو تتجذر الوظيفة التي يؤديها ، ومن المعلوم أن من يقدر على الإتيان بـ " الكلام المنثور " أوفر بما لا يقاس من صاحب الموهبة الشعرية ، ولا يفهم من هذا أن كل فرد في ذلك المجتمع كان بليغا أو خطيبا مفوها وفي حين كان الشارع ـ في أغلب الأحيان ـ يحرص على تنقيح قصائده بتشذيب ألفاظها وتجويد أبياتها ، نجد أن الخطيب جل اعتماده على بديهته وسرعة خاطره ، وإذ لا يتقيد بوزن ولا قافية ( وأن عمد في بعض الأحيان للسجع ) فأن الفرصة تتسع أمامه للاسترسال والتدفق ، ومن ثم تجئ الخطبة أكثر استمالة وأبلغ تأثيرا في نفس السامع ومن هنا استغلها أصحاب العقائد والنحل لعرض أفكارهم ومبادئهم في الأسواق ، إذن كانت الخطابة في الأسواق قناة ذات خطر لتوصيل عقيد التوحيد أو التبشير بين عرب ما قبل البعثة المحمدية ، وإذ أن الخطابة منتوج لساني وفرع من فروع القول وفن من فنون اللغة ، واللغة كما قلنا ظاهرة اجتماعية تؤثر وتتأثر بما في مجتمعها إذن كان حتما ان تتأثر الخطابة بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية فأخذت تعالج القضايا العقائدية ( التفكر في الكون كطريق للإقناع بوحدة خالقه وعدم عبثية خلقه ) والقضايا الاجتماعية والاقتصادية إذ كان المجتمع القبلي كما ذكرنا آنفا قد بدأ يتفكك ، ولم تعد تؤطره المقومات أو القيم التقليدية بل بدأت قيم جديدة تغزوه وتتخلل بنيته التي أفرزتها علاقات اقتصادية مستحدثة ، وكان من الضروري أن ينعكس ذلك على خطب الخطباء ، فبعد أن كان الخطيب همته المفاخرة بحسب قبيلته وبمعاركها وغزواته وأمجادها وانتصاراتها أو تحميسها للأخذ بثأرها ورد العدوان الواقع عليها ... الخ أصبح الخطيب يتحدث في قضايا عامة ، لقد خرج من النطاق القبلي الضيق إلى مجال أوسع النطاق ـ حقيقة أن الخطباء في هذا المضمار لم يبلغوا نهاية الشوط ، ولكن خطبهم تعتبر علامات طريق بارزة ، تدل على التغيير الذي بدأ يتغلغل في بنية المجتمع العربي ( البدوي والمديني ) آنذاك ويعمل فيه أثارها التي شرحناها آنفا ، ولعل اقرب مثل على ذلك : خطب قس بن ساعدة التي كان يحرص على إلقائها في الأسواق ، فكما أن الخطابة قبيل ظهور الإسلام كانت تعبيرا عن سيرورة التغير الاجتماعي والاقتصادي فأنها ساهمت في عملية الدمج والصهر والتوحيد إذ أن تلك الخطب كان يحفظها الرواة وينقلونها من مكان لآخر ، فيسمعها من لم يكن قد حضرها وبذلك تتسع دائرتها .

ومن ثم فان الخطابة كالشعر اضطلعت بمهمة بارزة في نشر عقيدة التوحيد وفي دفع آلياته إلى الأمام وكذا في عملية التوحيد الاجتماعي والتوحيد السياسي .

إن التوحيد بكل مظاهره : العقائدي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي كان أهم عامل في قيام دولة قريش في يثرب .
الخاتمة

 

الحلقة القادمة مصالح صناديد قريش

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: