تاريخ التعذيب في الإسلام(1)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 2
سيئجيد 

القسم الأول لهادي العلوي


مسح ترميزي للتعذيب في الإسلام
في الإصطلاح:
التعذيب اشتقاق حديث تقابله ثلاثة اصطلاحات قديمة: العذاب والبسط والمثلة. وقد استعمل الأولان في
العصور الإسلامية بمعنى واحد يشير إلى إيلام الأسير أو المتهم على سبيل الانتقام أو الحصول منه على
الاعتراف بشيء ما. والبسط يتعدى بعبارة (عليه) وهو بهذا المعنى مستعمل في دارجة بغداد ولكن متعديًا
بنفسه فيقال: بسطه، بمعنى ضربه، والمبسوط هو المضروب، خلافًا للمراد منه في بعض اللهجات العربية
الأخرى حيث يعني المبسوطة المستريح والمسرور. وهو اشتقاق من معنى الانبساط يعني الانشراح. أما
المثلة فهي تشويه الشخص حيًا أو ميتًا..
يرد العذاب في القرآن عند وصف العقاب الأخروي الذي يتم بتعريض أهل النار لصنوف من العقوبات
وصفت في القرآن والحديث. وما يعدده القرآن من هذه العقوبات ينطوي اصطلاحًا تحت طائلة التعذيب
ومنه: التحريق، الشيء بإنضاج الجلود، التجويع والتعطيش، سقي الصديد وهو القيح وسقي المهل أي
المعادن المذابة.. وسيأتي الكلام عن هذه الأمور في القسم الثاني من الرسالة.
أغراض التعذيب وضحاياه:
استخدم التعذيب في العصور الإسلامية المختلفة لأغراض شتى سن قسمها لغرض الدراسة قسمين
عريضين:
1  تعذيب لأغراض سياسية.
2  تعذيب لأغراض أخرى.
التعذيب السياسي:
إن التعذيب لغرض سياسي هو الأسبق ظهورًا في الدولة، ويرتبط ذلك بظاهرة الصراع الطبقي الذي
تتولى الدولة إدارته من خلال دورها الشرقي المباشرة في سيرورة الإنتاج الاجتماعي، أو من خلال
دورها الأوروبي في التعبير عن حاجات الطبقة السائدة في المجتمع. وإحدى الوسائل الأساسية في إدارة
الصراع الطبقي هو القمع بأشكاله المختلفة.ويتوجه القمع أساسًا ضد الطبقات المنتجة مستهدفًا غرضي ن:
إدامة الإنتاج ومنع المنتجين من الوصول إلى السلطة. وبوجه عام، تلجأ إلى القمع السياسي الحكوماتالتي لا تملك قاعدة شعبية تكفيها لتبيت حكمها. واعتماد وسائل التعذيب في هذه الحالة يخطط له كوسيلة
معوضة عن عزلة الحكام بقصد توفير الرادع الذي يمنع المقت الشعبي من أن يتحول إلى تحرك يهدد
سلطة الحاكم. أو تطبيق لهذا النوع من التعذيب يرجع إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان. وكان معاوية
يملك قاعدة شعبية متينة في الشام ساعدته على أن يشتهر بالحلم المأثور عنه، لكن استقلاله بالسلطة بعد
تنازل الحسن بن علي أثار في وجهه عدة إشكالات.
 موقف جمهور المسلمين الذي اعتادوا حكم الخلفاء المقيد بالشرع والذي تجاوزه معاوية بع د أن أقام
سلطته الفردية المطلقة.
 موقف العرب الذي لم يتعودوا الخضوع لسلطة لا سيما سلطة مستبدة. (اللقاحية الجاهلية).
 معارضة أهل العراق المتمسكين بالولاء لعلي بن أبي طالب وأولاده.
والمواقف الثلاثة متكاملة متداخلة لأن الرفض العراقي لمعاوية مرتبط من جهة بالتقاليد البدوية المناوئة
للاستبداد ومن جهة أخرى بأسلوب الحكم الإسلامي المستند إلى مبدأ سيادة الشريعة. ومن هنا كان العراق
مركز النشاط المعارض للحكم الأموي الجديد. ورغم أن معاوية اشترى ولاء العديد من الزعامات القبلية
لهذا الإقليم الخطر فإنه لم يستطع السيطرة على المعارضة التي تحركت أحيانًا خارج إطار القبيلة. وقد
لجأ أول الأمر إلى المداراة فولى المغيرة بن شعبه، أحد دهاة العرب، حكم البلاد، لكن دهاء المغيرة لم
يكن ناجعًا في تخفيف حدة المعارضة فعزل بوال آخر من طراز مختلف، هو زياد بن أبيه، وكان قد نجح
في استدراج زياد مستفيدًا من عقدة النسب وجمع له ولايتي الكوفة والبصرة اللتين يتألف منهما إقليم
العراق آنذاك. وقد أظهر زياد مواهب إرهابية نادرة في صدر الإسلام وصار قدوة لمن بعده من الولاة
والحكام المسلمين. وهو مشرع لعدة أمور سارت عليها السلطة الإسلامية فيما بعد، مثل منع التجول والقتل
الكيفي وكان يعرف عندهم بالقتل على التهمة أو على الظن، وقتل البريء لإخافة المذنب، وقد طبقه على
فلاح خرج لي ً لا للبحث عن بقرته الضائعة خلافًا لقراره بمنع التجول في الليل، وقتل النساء، وهو غير
مألوف عن العرب. ويخبرنا الطبري أن وكيل زياد على البصرة وهو الصحابي سمرة بن جندب أعدم
ثمانية آلاف من أهلها تطبيقًا لمبدأ زياد في القتل على التهمة. ويروى السمعاني في الأنساب أن زياد أمر
بقطع اللسان تطوير مبكر لفن التعذيب يدل على السرعة التي تقدمت بها دولة الإسلام في طريق تكامله ا
كمؤسسة قمعية.
.« تشبه زياد بعمر فأفرط، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك النا س » : يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال
ومناط الشبه هو شدة عمر التي استوحاها زياد في حكم العراق، ومن المعروف مع ذلك أن شدة عمر لم
تقترن بحالات قتل كيفي، أو تعذيب، وإنما كانت درج من الحزم والضبط جعلته مهيبًا في عيون النا س.
ومناط الإفراط هو أن شدة عمر تحولت عند زياد إلى إرهاب دموي استوحاه الحجاج و مضى فيه إلى
مداه الأبعد. والحجاج نسخة متطرفة من زياد وعلى يده أصبح الإرهاب حالة يومية شاملة يعيشها الناس
على اختلاف فئاتهم ولمختلف الأسباب من سياسية وعادية. وقد أنشأ سجن الديماس المشهور. ويقال إنه
كان بلا سقوف. وقدر عدد من كان فيه عند وزفاته بعشرة آلاف من الرجال والنساء.وكان التعذيب يطبقعلى الأسرى والمعتقلين تبعًا لحالاتهم، لكن الشكل السائد لإرهاب الحجاج كان القتل الكيفي بوسيلته
الشائعة وهو قطع الرأس بالسيف.وأضاف الحجاج الصلب بعد القتل للأشخاص الذين لهم وزن خاصة في
حركة المعارضة، وكان من ضحايا هذا الإجراء ميثم الثمار، من أصحاب علي بن أبي طالب المقربين.
استمرت سياسة التعذيب لأجل الإرهاب بعد استراحة قصيرة في خلافة عمر بن عبد العزيز، لتأخذ مدى
جديدًا على يد هشام بن عبد الملك في الشام وولاته في الأقاليم. وطبق هشام بنفسه طريقة القتل بقطع
الأيدي والأرجل في بعض الحالات المشددة ومنها إعدام غيلان بن مسلم الدمشقي بتهمة القول بالقد ر.
وبنفس التهمة أعدم خالد القسري، عامله على العراق، والجعد بن درهم. وقد نفذ الإعدام ذبحًا. ولإعدام
هذين الرجلين ملابسات سياسية معروفة في تاريخ القدرية والمعتزلة وكان خالد القسري قبل ولاية العراق
واليًا على الحجاز وأصدر حينذاك تحذيرًا لمن يطعن في الخليفة أن يصلبه في الحرم، أي في داخل البيت
الحرام. و من المعروف أن الشريعة حرمت قتل الحيوان في هذا المسجد واختلف الفقهاء فيما إذا كا ن
يجوز قتل الأفاعي والعقارب فيه.
وطبق شقيقه أسد، حاكم خراسان، طريقة قطع الأيدي والأرجل والصلب على أتباع الحارث بن سريج
الثائر على الأمويين في المشرق. ولدينا رواية في الطبري تفيد أن الإحراق استخدم في خلافة هش ام
لإعدام داعية من غلاة الشيعة هو المغيرة بن سعيد العجلي، وكان قد خرج على الدولة في ظاهر الكوفة
أيام ولاية خالد القسري.
كانت خلافة هشام صحوة الموت للأمويين، وقد ورثه خلفاء قصار العمر وسط اضطرابات متلاحقة انتهت
بالثورة العباسية التي قضت على مروان بن محمد آخر خلفائهم، وبويع للسفاح كأول خليفة عباسي. وقد
واصل العباسيون تراث أسلافهم الأمويين وأضافوا إليه. ويذكر الطبري أن عدد من أعدمهم أبو مسلم
الخراساني في المشرق بلغ ستمائة ألف بين رجل وامرأة وغلام. وكان إبراهيم الإمام، زعيم الدعوة، قد
كتب إليه، بقتل أي غلام بلغ خمسة أشبار إذا شك في ولائه. واجه العباسيون بدءًا من خليفتهم الثاني أبو
جعفر المنصور، معارضة متزايدة من نفس الجماعات التي عارضت الأمويين: الشيعة، الإمامية والزيدية،
والخوارج والمعتزلة، ومن فرق ظهرت فيما بعد ضمت الشيعة الإسماعيلية ولواحقها وفروعها المختلفة،
والخرمية والزنج، فض َ لا عن المنافسين للخلفاء والخارجين عليهم طمعًا في السلطان، واتبعوا لقمعها نفس
مقاتل » الأساليب ولكن بعد تطويرها لمضاهاة التصاعد في أشكال المعارضة المسلحة. ولدينا روايات في
لأبو الفرج الأصفهاني تفيد أن المنصور قتل بعض العلويين بدفنهم أحياء. وتطور القتل بالتقطيع « الطالبين
إلى زيادة في عدد الأوصال المقطعة، فبعد أن كانت الأيدي والأرجل تقطع دفعة واحدة صارت تقطع إلى
عدة أوصال ويضم إليها أجزاء أخرى من الجسم. وقد أبلغها الرشيد إلى أربع عشرة قطعة، مع تطوير في
الوسيلة تضمنت استعمال مدية غير حادة بد ً لا من السيف وبلغ القتل تحت التعذيب أشنع حالاته بعد الحقبة
العباسية الأولى. ويرتبط ذلك بتعقد الوضع العام للمجتمع العربي الذي عانى مع ظهور الإسلام مخاضات
التدرج من البداوة إلى الحضارة واستكملها في غضون القرن الأول للحكيم العباسي، حيث اقترن تبلور
الدولة بالطلاق البائن مع بقايا المثل البدوية. وهكذا جاءت ذروة النمو الاجتماعي متوارية في حالة القمعالمنفلت من الضوابط (وهو ما يفسر تبعًا لنفس المعيار حدة الثورة الاجتماعية لدى القرامطة، الذين ظهروا
في هذه الحقبة، بالقياس إلى فرق المعارضة التي سبقتها).
وتأوبت الدويلات المنشقة على نهج الخلافة العباسية، لوجودها في نفس المرحلة. وكان الأمراء المتغلبون
في المشرق نماذج متممة للخليفة العباسي في التعامل مع خصومهم السياسيين وهو ما نجده أيضًا في
الأندلس، لا سيما في إبان الصراع بين ملوك الطوائف. ومن الجدير بالذكر هنا أن التعذيب السياسي ظل
مقتصرًا على الصراع الداخلي دون العلاقات الخارجية إلا في النادر. وكان هناك تمييز ملحوظ في
المعاملة بين أسرى الحرب من الكفار وأسرى الحرب من المسلمين. وكان الأسير الكافر يستقر أو يفادى
أو يقتل بالوسائل الاعتيادية تبعًا لأحكام الشريعة في أسرى الحرب ولم تجر العادة على قتله تحت
التعذيب

الحلقة القادمة  ستكون التعذيب لأغراض أخرى

 

 

التعليقات (1)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة عادل الإبراهيم, أغسطس 01, 2012
للأسف فإن هذا التعذيب الذي نشهده اليوم وجدنا له جذورا ضاربة في التاريخ كما نرى . وليت حكامنا يعلنوا انهم مثل أجدادهم
ابعد ما يكونوا عن الإسلام والمسلمين .

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: