تاريخ التعذيب في الإسلام خارطة التعذيب(4)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

خارطة التعذيب

تفاقم التعذيب على يد الأمويين، متلازمًا مع تحول دولة المدينة البسيطة إلى امبراطورية يحكمها خليفة
مطلق السلطة، لكن ذلك لا يعني أن التعذيب لم يمارس من قبل. وقد أشرنا آنفًا إلى أوامر أبي بكر بحرق
المرتدين ودفاعه عن أفعال من هذا القبيل صدرت عن خالد بن الوليد في حروب الردة. ويمكن اعتبار
خلافة عثمان نقطة تحول أولية في القمع الإسلامي، فهو مؤسس جهاز الشرطة في الإسلام، وقد ذكر ابن
اسم مدير الشرطة الذي عينه وهو عبد الله بن منقذ التيمي  من قريش  ونوه بما « الحبر » حبيب في
يدل على بساطة جهازه، كمؤشر على سلطة قمعية في طور النشوء وانتهج ولاة عثمان نهجًا قمعيُا،
محدودًا في دار الإسلام، منفلتًا في دار الحرب (جبهة الفتوحات)... ولم يرد عن عمر بن الخطاب شيء
« أنساب الأشرا ف » من ذلك؛ أما عل  ي فهناك رواية تقول بأنه أحرق مرتدين. وقد أخرجها البلاذري في
على وجهين يرد في أحدهما أنه أحرقهم أحياء وفي الآخر أحرقهم بعد قتلهم بالسي ف. وتربط بعض
المصادر هذا الحدث بأتباع عبد الله بن سبأ الذي قيل إنهم ألهوا عليًا فأحرقهم في روايات، ونفاهم في
روايات أخرى. وتورد الروايات التي ذكرت الإحراق رجزًا قيل إن على أنشده عند أو بعد إحراقه م.
وعبد الله بن سبأ مشكوك في تأريخيته، كما أن الغلو لم يكن قد ظهر في زمان عل  ي. لكن رواية البلاذري
عن حرق المرتدين ممكنة بالنظر لوجود مثل هذه الحالات في ذلك الوقت. ومن المستبعد مع ذل ك أن
يكون عل  ي قد أحرقهم أحياء لما نعرفه عنه من تشدد في مراعاة أحكام الشريعة. والوجه الثاني لرواية
البلاذري أحرى عندي بالقول. مع التنبيه إلى أن الرجز الذي نسب إلى علي في هذا الحادث ركيك لا
يحتمل صدوره عنه وهو من عناصر الضعف في الرواية. ما لم يكن أضيف إليها فيما بعد.
يستثنى من خلفاء الأمويين عمر بن عبد العزيز، الذي حكم أقل من ثلاث سنوات، ويزيد الناقص الذي
حكم ستة أشهر. أما الباقون فكانوا قمعيين بدرجات متفاوتة.وظهرت ملامح نزعة سادية لدى بعض الولاة
والقواد مثل زياد بن أبيه وابنه عبيد الله ومسلم بن عقبة المري والحجاج وقرة بن شريك وبشر بن مروان
ويزيد بن الملهب وخالد القسري وأخيه أسد. ويروى أن مر بن عبد العزيز استعرض بعض هؤلاء يوميًا
 قبل خلافته  فتحدث بما يشعر بالهول من اجتماع عدد منهم وفي وقت واح د. قال: الحجاج بالعراق،
والوليد بالشام، وقرة بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكة.. اللهم قد امتلأت الدنيا ظلمًا وجورًا فأرح
الناس! واشتهر الحجاج من بين هؤلاء رغم أن فيهم من لا يقتصر عن شأوه. و تقول رواية شعبية إنه
كان إذا أعدم أحدًا يستمني على نفسه..ويكرس هذا الجنوح في الخيال حالة الاقتران السيكولوجي بين
الجنس والعنف مما عسى أن يكون الحدس الشعبي قد لمسه من خلال نموذج س ادي تصدر قصص
الإرهاب في تاريخنا.وينتظم الخلفاء العباسيون في نفس السلك. مع استثناءات من النزعة السادية يمكن أن تشمل المأمون
والواثق. والخلفاء الذين رقعوا تحت طائلة البويهيين والسلاجقة ففقدوا سلطتهمالفعلية، وخلفاء الحقبة
العباسية الأخيرة الذين عاشوا في ظروف خاصة واقتصرت سلطتهم في الغالب على بغداد وما حوله ا..
وعرف بالدموية من ولاته وقوادهم: أبو مسلم الخراساني وعبد الله بن علي ومعن بن زائدة ويزيد بن
مزيد وعقبة بن مسلم ومن الوزراء الفضل بن مروان ومحمد بن عبد الملك الزيات وحامد بن العبا س.
وفي الأندلس، تميز المعتمد بن عباد بميله إلى التلذذ بمشهد الرؤوس التي كان يأمر بقطعها وقد مر بنا أنه
كان يشتلها في حديقة داره. واشتهر بالقسوة معظم ملوك الطوائف من غير المعتمد، وكذا المرابطون
والموحدون الذين اقترن تاريخهم بأعمال الإعدام الجماعية التي ذهب ضحاياها مئات الألوف من
خصومهم. ومن الخلفاء الفاطميين عرف الحاكم بأمر الله بحالته المرضية التي تجمع بين أعراض التقلب
والمزاج الدموي.. وعرف من القرامطة أبو طاهر القرمطي بالمذابح المجانية في مكة وغيرها من
النواحي التي امتدت إليها غزواته ما لم نضع في الحسبان احتمال المبالغة في أخباره التي وردتنا في
مصادر معادية للقرامطة.
جلادون من الخلفاء يندمون عند الموت:
بتأثير الحرمة المؤكدة للقتل الكيفي والتعذيب كان بعض الخلفاء يتنغصون عند الموت لخوفهم من دخول
جهنم، فقال عبد الملك بن مروان ليتني كنت غسا ً لا. وبغت الفقيه أبو حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم
يتمنون عند الموت ما نحن فيه. ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه.. (ترجمة عبد الملك من الطبري وابن
وطلب منه العهد .« لوددت أني أقلت العثرة وأني حمال أحمل على رأسي » : الأثير) وقال الواثق العباسي
83 ) وفي قوله هذا إشارة إلى حتمية اقتران القمع / لولده فقال: لا يراني الله أتقلدها حيًا وميتًا. (اليعقوبي 2
الدموي بالسلطة الفردية. وقال والده المعتصم عند الموت: لو كنت أعلم أن عمري هكذا قصير لم أفعل
ما فعلت  الطبري في ترجمته. وانفرد الحجاج براحة ضمير مطلقة ترجع إلى ولائه الديني للأمويين.
موقف الفقهاء:
اشتملت مصادر الحديث على روايات في النهي عن المثلة، أي تعذيب الحي وتشويه الميت حدد الفقهاء
على أساسها مواقفهم من التعذيب نعرضها فيما يلي:
ما قام » : ونصه « السنن » والدرامي في « المسند »  حديث عمران بن حصين، أخرجه أحمد بن حنبل في
أورداه من عدة طرق. .« فينا رسول الله خطيبًا إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة
.« نهى رسول الله عن النهبة المثلة » :  حديث عبد الله الخطيمي، أخرجه أحمد ونصه
 حديث سمرة بن جندب، أخرجه أحمد ورواه ابن هشام في السيرة ونصه مماثل لنص عمران بن
حصين.
مر هشام » : ومسلم في الصحيح ونصه « السنن »  حديث هشام بن حكيم بن حزام، أخرجه أبو داود في
بن حكيم على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية،
فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله يقول إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا، ودخل على حاكم
.« فلسطين فحدثه بالحديث فأمر بهم فخلوا
نصها: في السيرة: « الصحيح »  وصية إلى سراياه أوردها ابن هشام في السيرة وأخرجها الترمذي في
لا تغلوا ولا تمثلوا. في الصحيح: لا تغدروا ولا تمثلوا.
وابن عبد البر في « السنن » وأبو داود في « ذيل المذيل »  حديث هبار بن الأسود، أخرجه الطبري في
بصيغ تتفاوت قلي ً لا « نسب قريش » والزبير بن بكار في « السيرة » وأورده ابن هشام في « الاستيعاب »
خلاصتها أنه أوصى سرية، أو عدة سرايا، إذا ظفروا بهبار بن الأسود أن يحرقوه، ثم استأنف: لا يعذب
بالنار إلا الله، وأمره بقطع يديه ورجليه بد ً لا من ذلك.
وكان هبار من بلطجية قريش وللنبي ثأر شخصي معه لأنه طارد ابنته زينت عندما هاجرت من مكة
لتلتحق بوالدها وضربها فسقطت من بعيرها، وكانت حام ً لا فأجهضت ويختص هذا الحديث بالنهى عن
.« ظفر محمد بهبار في فتح مكة وعفا عنه » الإعدام حرقًا
 أحاديث وردت عن طريق الشيعة، فيها رواية لليعقوبي تؤكد النهي عن التعذيب لأي سبب كان،
وحديث في نهج البلاغة بالنهي عن المثلة، وآخر عن أئمة أهل البيت في معاقبة مرتكبي التعذيب بالسجن
المؤبد.
تتصل هذه الفئة من الأحاديث فئة أخرى حرمت ضرب العبيد وتعذيبهم، منها:
.« الرفد: العطاء » .« لا أخبركم بشرار الناس؟ من أكل وحده ومنع رفده وجلد عبده » :  حديث لليعقوبي
 حديث هلال بن عساف، أخرجه مسلم وابن عبد البر: كنا نبيع البر في دار سويد بن مقرن فخرجت
جارية وقالت لرجل منا كلمة فلطمها، فغضب سويد وقال: لطمت وجهها؟ لقد رأيتني سابع سبعة من
البر، بضم الباء، » إخواني مع رسول الله مالنا إلا خادم واحدة فلطمها أحدنا فأمرنا رسول الله فأعتقناها
.« القمح
من ضرب عبده في غير حد حتى يسيل دمه » :« بغداد »  حديث مقارب أخرجه الخطيب في تاريخ
.« فكفارته عتقه
وهناك جملة أخرى من الأحاديث بشأن تعذيب الحيوان منها:
إن هذه الروايات تحظى بتوثيق علماء الجرح والتعديل منحي السند ولم يرد بشأنها ما يثير الشك في
المصادر التي تناولت الأحاديث الموضوعة أو الشك في المصادر التي تناولت الأحاديث الموضوعة أو
الضعيفة كاللآلئ المصنوعة للسيوطي والوائد المجموعة للشوكاني. لكن توثيق السند، رغم أهميته، ليس
حاسمًا في تصويب الرواية، ونحن نضع في حسابنا:
1  اتجاهات الفرق المعارضة وبعض المتنورين الذين وقفوا ضد الإرهاب وما يحتمل أن تثيره م ن
الحاجة إلى مبادئ شرعية تسند وقفتهم، وفي تاريخ الحدث أمثلة كثيرة على ذلك.
2  وقائع المثلة في السيرة، وهي تعارض منطوق الأحاديث المذكورة، وقد جرى المستشرقون على
الاستفادة من هذا التعارض للتشكيك بالأحاديث، وثمة مع ذلك حجة مقابلة لدى الطرف الرسمي. السلطة
المعذبة  إلى شرعنة سياساته يمكن أن تقف وراء رواية هذه الوقائع في السرية وتخضعها لنفس القدر
من التشكيك، على أني لا أرى مسوغًا لتصميم أحادي يمكن أن تغري به الرغبة في تجاوز أي من هذه
الروايات، التي نقلت إلينا في مصادر معتمدة لا يصح إخضاعها للتشكيك الاعتباطي، وتعارض التوجيه
والممارسة لا يكفي هنا للترجيح بالنظر لاختلاف الدوافع والظروف التي تحكم ك ً لا منها، ولأن منحى
الانفصام بين الفكر والسلوك، كمنحى سائد بدرجات متفاوتة في تاريخ الوعي البشري يمنع من المعايرة
بينهما.
مهما يكن من شيء، فقد تقبل الفقهاء هذه الأحاديث واعتبروها نصًا قاطعًا في تحريم التعذيب، ولا شك
أنهم نظروا إلى ما صدر عن النبي في هذا الشأن خصوصياته التي لا تندرج في عداد السنة، وبنيت على
ذلك جملة من الأحكام الفقهية تناولت قضايا التحقيق والعقوبات وأمور الحرب سنلم بها في السطور
الآتية:
وسائل الإعدام:
لم يتطلع الفقهاء المسلمون إلى يوم تلغى فيه عقوبة الإعدام، مفترضين الضرورة الأبدية للعقوبات ما دام
أي أن « أعف الناس قتلة أهل الإيمان » : الإنسان مزيجًا من الخير والشر، وإنما تداولوا حديثًا نبويًا يقول
المؤمن إذا اضطر إلى القتل نفذه بأقل الوسائل إيلامًا، وقد استنتج منه ابن تيمية أن القتل المشروع هو
ضرب الرقبة بالسيف ونحوه لأن ذلك أوحى أنواع القتل. يقصد أسرع بحيث لا يتعذب المحكوم به،
وينبني على هذا أن الإعدم يجب أن ينفذ بالسيف مادام الوسيلة الأقل إيلامًا، فإذا وجدت وسيلة أخرى
حلت محله، وهو المستفاد من الحديث، ولم يلتفت الفقهاء إلى تعارض هذا الحكم مع حكمين بالقتل
يقترنان بالتعذيب، أولهما حكم قطاع الطرق، المنصوص عليه في القرآن، بقطع اليدين والرجلين والصلب
وهو يقتضي قتلهم بهذه الطريقة، إلا أن جمهور الفقهاء، جعلوا الصلب بعد القتل، وقد أوله ابن تيمية
برفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم. لكن القتل بقطع الأطراف هو حد ذاته تعذيب، ولم
يكن للفقهاء الذين حرموا التعذيب إلا الامتثال لهذا الحكم بسبب صدوره عن الوحي الإلهي.
الحكم الآخر هو رجم الزاني والزانية المحصنين. أي المتزوجين وهي ذات أصل سومري وكانت تفرض
على المرأة المراهطة، وانتقلت إلى المسلمين عن ريق التوراة، ينص هذا الحكم على الرجم حتى الموت،
،« النساء » من سور «15» وكانت عقوبة الزانية المحصنة حبسها في منزلها حتى الموت وفقًا لنص الآية
ثم نسخت بالرجم، وقد أثار حكم الرجم التباسات ناشة عن شناعته من جهة وعدم النص عليه في القرآن
من جهة أخرى، فأنكره فريق من المسلمين بينهم الخوارج وتساهل آخرون في تنفيذه، ويبدو أن القائلين
به شعروا بالحاجة أمام الإنكار، إلى توكيد وروده في الكتاب والسنة فقالوا إن حكم الرجم منصوص عليه
في آية منسوخة التلاوة باقية الحكم.
والشيخ » : ونص الآية كما ترد في مصادر التفسير والناسخ و المنسوخ منسوبة إلى عمر بن الخطا ب
.« والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكا ً لا من الله والله عزيز حكيم
وقد نسخت تلاوة الآية برفعها من القرآن مع بقاء حكمها، ولا سبيل إلى البت في صحة هذه الرواية لأن
أسلوب الآية المدعاة من الركاكة بحيث يصعب القول إنها صادرة عن القرآن، ويزداد الأمر التباسًا حين
آية » تنسخها آية منسوخة التلاوة « الآية 15 من سورة النساء » يراد منا أن نقبل بأن آية باقية التلاوة
مما لا جد له نظيرًا في الناسخ والمنسوخ، على أن مصادر الحديث والسنة اشتملت على وقائع « الرجم
نفذ فها الحكم على يد النبي وبعض الأحاديث التي تصرح به، مما يعزز الاعتقاد بورود حكم شرعي
منصوص عليه في الأصول، وعندئذ قد يكون من المعقول أن يقال أن الآية 15 من سورة النساء قد
طبقات » نسخت بالسنة، ويوافق معظم الأصوليين على أن السنة تنسخ القرآن، على أننا نعثر في
للسبكي أن الصحابي عبد الله بن أبي أوفى سئل إن كان النبي قد رجم فقال نعم، فسئل: بعدما « الصوفية
وتعزز هذه الرواية الشك في الرجم لأن سو رة « ص 333 » أم قبلها؟ فقال أدري « النور » نزلت سورة
النور اقتصرت على عقوبة الجلد.
ونظرًا لتحريم الاجتهاد في موضع النص، لم يكن ميسورًا إعلان رأي ما بشأن هاتين العقوبتين، ولعل
الفقهاء قد وضعوهما على ملاك الاستثناء من حكم الحدث، وهو عام في سائر الأحكام التي قال الفقهاء
بوجوب تنفيذها بضربة واحدة سريعة بالسيف.
ويبدو التمسك بهذا الحديث موجهًا ضد وسائل الإعدام التي شاعت بعد الراشدين وهي الإعدام بالتعذيب،
وبناء على الاعتبارات نفسها حرم الفقهاء الإعدام بالنار، وقد استندوا إلى حديث هبار، ولم يجعلوا أفعال
أبو بكر سابقة وإنما اعتذروا له باحتمال عدم سماعه بالحديث، كذلك لم يعتدوا بروايات حرق المرتدين
على يد علي بن أبي طالب لأن الأحكام الشرعية لا تؤخذ عندهم من مصادر التاريخ العام، لا سيما أن
هناك روايات تفيد أن ك ً لا من أبو بكر وعلي نهى عن المثلة.
التعذيب دون القتل:
حرمه الفقهاء بجميع أشكاله استنادًا إلى النهي العام عن المثلة، وهو يشمل تعذيب الاعتراف العقوبة
وتعذيب العبد وغير ذلك، وفيما يتعلق بالأوان قال أبو يوسف إن الاعتراف الناشئ عن رب المتهم وإيذائه
بأن « المختصر الناف ع » لا يعتد به، وه ما قاله المحقق الحلي. من فقهاء الأمامية. في باب الحدود من
السارق وإذا أقر بالسرقة تحت الضرب لا تقطع يده، وفرق بعض الفقهاء بين ضرب المتهم وتعذيبه
بالوسائل الأخرى، فحرموا الأخيرة إطلاقًا وتسامحوا في الأول  الضرب  فقد أجاز ابن تيمية ضرب
اللصوص لاستخراج الأقوال منهم. ووضع الماوردي قاعدة عامة بشأن الضرب تمنت جوازه مع قوة
التهمة، أي أن تكون هناك دلائل ترجح صدور الفعل عن المتهم، على أن يكون ضرب تعزير لا ضرب
حد، أي دون القدر الأدنى للعقوبات الشرعية وهو أربعون سوطًا، ووضع الماوردي للضرب هدفين: أن
يضرب ليصدق عن حاله، وأن يضرب ليقر، والأول هو أن يقدم إجابات صحيحة عن أمور أخرى يحتاج
المحقق إلى معرفتها في مجرى التحقيق، فإذا ضرب لهذا الغرض أخذت إفادته بالاعتبار، أما إذا ضرب
لهذا الغرض أخذت إفادته بالاعتبار، أما إذا ضرب ليقر فإن إقراره لا يصح، لكن المارودي يفتر حالة
ثالثة هي أن يضرب ليصدق عن حاله فيتجاوز ذلك إلى الإقرار  دون الإقرار أخذ به، وإذا أنكر جاز
للمحقق أن يعمل بالإقرار الأول ولكن مع الكراهية، وهنا يتسامح المارودي فيعطي المحقق فرصة
للاستفادة من الإقرار بالضرب على أن يكون الغرض من الضرب هو الإخبار عن أموره العامة وليس
الإقرار بالتهمة، وهذا اجتهاد من الماوردي المعروف أنه شافعي المذهب، والشافعي لا يوافق على
الضرب، وكذا أبو حنيفة ومالك وهو موقف الإمامية أيضًا كما أسلفنا عن المحقق الحلي، لكن المالكية
أجازوه خلافًا لإمامهم وقالوا في إجازته إنه سيكون سببًا قي الازدجار حتى لا يكثر الإقدام على الجرائم.
التعذيب للعقوبة غير مسموح به خارج العقوبات المنصوص عليها، واعتبر الفقهاء ما صدر عن الحكام
المسلمين بعد الراشدين مخالفًا للشرع، لا سيما في الجرائم السياسية والمخالفات التي تمس شخص الحاكم،
وقد عنى الفقهاء بهذه المعضلة أكثر من غيرهم من فئات المثقفين المسلمين بحكم اختصاصهم كرجال
وقاموا حينذاك بالدور الذي تقوم به منظمات « وهم بهذه الصفة يتميزون عن كونهم رجال دين » قانون
حقوق الإنسان، ولو أنهم أخفقوا مثلها في صد هذه الموجة الجنونية التي لا تزال تعصف بالكثير من
البلدان، وتحتوي مصادر الفقه والحديث على مادة وفيرة مضادة للتعذيب ربما تكون أكثر إشراقًا لو أن
الفقهاء تجرأوا على إعادة النظر في بعض العقوبات الشرعية كالرجم والقطع لما فيها من عناصر المثلة،
وقد مر بنا مع ذلك أنهم اختلفوا حول الرجم حيث أنكره بعض فقهاء الخوارج، ووضع آخرون لتنفيذه
شروطًا تؤدي مراعاتها إلى تقليص مداه، فقد اشترطوا لثبوت الزنا أربعة شهود، وهو شرط أصلي في
الشريعة ولكن معظم الفقهاء ذهب إلى إثقاله بشرط إضافي وهو أن يكون الشاهد قد رأى فعل الزنا عيانًا،
كما تعبر عنه عبارة تنسب إلى عمر بن الخطاب قصة زنا المغيرة بن « يرى الميل في المكحلة » أي أن
شعبة، دون الوقوف على الهيئة الظاهرة للجماع، أي المضاجعة، ومن المؤكد أن هذا لن يتهيأ للمشاهد
حتى في حدائق أوروبا العامة، ناهيك عن أن يكون في المجتمع الإسلامي والفقهاء على اتفاق في أن
الرجل والمرأة إذا وجدا في لحاف واحد وكانا غير زوجين يعاقبان بالتعزير فقط.
إن عقوبة الرجم هي كما قلنا للزاني المحصن، أما الع  زاب فيعاقبون بالجلد مائة سوط، وقد وضعت للجلد
شروط تخفف من أضراره هي:
1  أن يجلد بسوط خفيف بين الشدة واللين.
2  ألا يجرد من ثيابه إلا ما كان منها ثخيًا كالفرو.
3  ألا يضرب في الحر الشديد والبرد الشديد وإنما عند اعتدال الهواء.
4  تجنب المواضع المهلكة كالوجه والبطن.
5  أن يضرب قاعدًا مع عدم المد والغل والقيد.
6  يجوز تقسيط الجلدات إلى خمسة أيام.
ومع هذه الشروط لا يبقى للجلد مفعول سوى دلالته الأدبية الماسة بكرامة الإنسان وهو ما أدى بالقوانين
الحديثة إلى إلغائه في معظم المجتمعات، وللفقهاء تقييدات إضافية للعقوبات، فقد قال أبو حنيفة إن
السكران لا يجلد إلا إذا بلغ في سكره حدًا لا يفرق فيه بين السماء الأرض أو بين ال رجل والمرأ ة.
والمعروف عن أبو حنيفة أنه أباح النبيذ.. وقد استفاد الناس من هذه الرخصة، بينما أثارت هذه الفتوى
زوبعة بين أتباعه فض ً لا عن خصومه، وقال الفقهاء: إن السارق لا يقطع إلا إذا سرق من مال محرز،
والمحرز أن يكون مقف ً لا أو مدفونًا من مالكه، ولذا لا يقطع سارق البساتين والزروع، وكذا من سرق من
حرز هتكه غيره، ولا يقطع سارق المواد التي يسرع إليها التلف كاللحم والفواكه وسارق المباح الكثير
كالخشب، وحددوا معنى السرقة بأخذ المال على سبيل الخفية والاستتار فإن اختلس أو نشل لم يكن سارقًا
ولا قطع عليه، ويشمل هذا الحكم النشالين أو الطرارين، ولا يستفاد من هذا إباحة السرقة في هذه الأمور
فالمقصود هو عقوبة القطع فإذا لم تتوفر شروطها عوقب السارق بعقوبات أخف كالحبس أو التعزير.
وقال أبو حنيفة بعدم العقوبة على اللواط في رواية، وفي أخرى بالجلد ما دون الحد المقرر للزاني،
ويروى عنه أن قال من استأجر امرأة ليزني بها لا يحد لأن العقد يصير شبهة، يقصد أن عقد الاستئجار
هو كعقد الزواج، لأنه يتضمن ركنين هما المهر الذي يدفع للمرأة في شكل أجرة، والتراضي بينهما،
وأخذ الأجرة دليل مادي على رضا المرأة، وفي المحلى لابن حزم أن أبا حنيفة لم ير الزنى إلا ما كان
مطارفة، وأما ما كان فيه عطاء أو استئجار فليس زنا ولا حد فيه. وقد استند في هذا إلى خبر الجائعة
التي أتت راعيًا فسألته الطعام فأبى عليها حتى تعطيه نفسها فوافقت، ثم جاءت إلى عمر بن الخطاب،
فأخبرته فقال: مهر، ودرأ عنها الحد. ولا يعنى هذا القول من أبو حنيفة إباحة البغاء، ويجب على أي
حال أن يفهم في ضوء الاتجاه إلى تقليص حالات تطبيق العقوبة على الزنا، مع ما يحمله من التفريق بين
زنا الرغبة وزنا الحاجة.
يقصد بالمطارفة ما كان عن مجرد رغبة عابثة، ورواية ابن حزم قرب إلى المعقول، وهي بحسب قصة
الجائعة المنقولة عن عمر حكم خاص بالمرأة المزني بها دون الرجل، لأنها زنت اضطرارًا  لا
مطارفة  وهذا لا يرفع العقوبة عن الراعي الذي لا تذكر الرواية حكمه، إذا يبدو أنه كان مجهو ً لا لعمر،
وإلا لكان من المفروض أن يقع عليه الحد، ورواية الجويني تفيد أن عدم العقوبة يشكل الرجل ويجب عدم
الوثوق بها لأا كتابه مكرس للتشنيع بأبي حنيفة ليس لدراسة الأحكام الفقهية.
ويمكن أن نفهم من مجمل هذه الأقوال أن أبو حنيفة يريد رفع العقوبة عن المرأة التي تزني اضطرارًا،
وبالطبع فهذا يشمل البغايا لأن زناهن للحاجة وليس للرغبة، ولا بد أن العقوبة لا تسقط ع ن الرج ل
لعدم توفر هذا القيد.ا « الفاعل »
ويمكننا أن نرصد اتجاهًا عامًا بين الفقهاء في التشدد في جرائم القتل العمد وقطع الطريق واتساهل فيها
بين إقامة الحد عند الإمام وبين الستر « أي من شهدوا الجريمة » عداها، وهناك قاعدة تقول: يخير الشهود
على المشهود عليه واستتابته، بحسب المصلحة، فإن ترجح عندهم أنه يتوب ستروه وإن كان في ترك
الحد عليه ضرر للناس كان الراجح رفعه إلى الأمام.
وتعطي هذه القاعدة درًا للجمهور في معالجة الجريمة دون رفعها إلى السلطة، ولم يحدد صنف الجرائم
يمكن أن تنسحب على جرائم القتل « ضرر للناس » المشمولة بهذا الإجراء، لكن الإشارة إلى ما فيه
والسرقة التي لا يجوز التستر على فاعلها ولا بد بالتالي أن يكون المقصود هنا هو الجرائم الشخصية
وهي الزنى وشرب الخمر وما أشبه. « فواحش » التي يسميها القرآن
واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن » :« النساء » وللقاعدة المذكورة أصل في القرآن هو الآية 16 من سورة
والإشارة إلى الرجل المرأة، وقد ذكر .« تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما، إن الله كان توابًا رحيمًا
الزمخشري في تفسير هذه الآية إن المراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الأمام، فإن تابا
قبل الرفع إلى الأمام فأعرضوا عنهما و تتعرضوا لهما، وقد وردت روايات تتضمن هذا المعنى، ففي
طبقات ابن سعد عن عبد الرحمن بن حرملة أنه جاء إلى سعيد بن المسيب يسأله: وجدت رج ً لا سكرانًا
افتراه يسعني ألا أرفعه إلى السلطان، فقال له سعيد: إن استطعت أن تستره بثوبك فاستره، ويورد ابن
سعد توجيهًا لعمر بن عبد العزيز بعدم التعرض لمرتكبي الفواحش وراء البيوت.
ويشتمل هذا الحديث ،« تدرأ، أو ادرأوا الحدود بالشبهات » : وأوردت مصادر الفقه والحديث قول النبي
على مبدأ قضائي مهم هو تفسير الشك لمصلحة المتهم، ويقول ابن حزم إن أشد الفقهاء قو ً لا بمضمونه
واستعما ً لا له هو أبو حنيفة وأصحابه، ثم مالك،ثم الشافعي.
وشدد الفقهاء على مسألة تعذيب العبيد، وقد استعرضنا بعض الأحاديث المتعلقة بذلك، وهناك اتفاق عام
على تحريم الخصاء لأنه مثلة، ويعتبر العبد منعتقًا تلقائيًا إذا خصاه مولاه، ولهذا السبب لم تزدهر تجارة
أصل » الخصيان في العالم الإسلامي آنذاك رغم الحاجة إلى هذا الصنف من العبيد، ويقول أنجلز في
إن الأندلسيين كانوا يحصلون على حاجتهم من الخصيان من الامبراطورية الجرمانية المقدسة « العائلة
التي تخصصت في هذه التجارة، وينعتق العبد تلقائيًا كذلك إذا عذبه مولاه على رأي الأمامية، وحرموا
الضرب واللطم للعبيد ولكن دون أن يرتبوا عليهما الانعتاق ما لم يبلغا حد التنكيل. وهو المبالغة في
الإيلام، كما خففت عقوبة الجلد الشرعية على العبد إلى نصف مقدارها على الحر في الجرائم التي
تستتوجبها، ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قال في تعليل هذا التخفيف: إن الله أكرم م ن أن يجمع
من قتل عبده » : عليه الرق والحد، واختلفوا على حكم السيد إذ قتل عبده، وقد أخرج النسائي حديثًا يقول
والحديث مقبول عند عامة الفقهاء والمحدثين لكنهم .« قتلناه ومن جدعه جدعناه ومن خصاه خصيناه
تفاوتوا في التزامه نصيًا: فسره بعضهم على سبيل الزجر والتغليظ في النهي فلم يعتبروه نصًا في العقوبة
وقالوا بعقوبة القاتل بما دون القتل، واحتجوا عليه يخبر في سنن البيهقي يفيد أن رج ً لا قتل عبده فجلده
النبي ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقتله، وقال آخرون بقتل الحر إذا قتل عبد غيره ومن
هؤلاء أبو حنيفة وسفيان الثوري، في وراية عنه، وابن أبي ليلى الشافعي وداود الظاهري، وقالت فئة
ثالثة بقتل السيد إذا قتل عبده ومنهم البخاري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري في رواية أخرى عنه،
وأهل السنة والأمامية على اتفاق بأن الحر لا يقتل بالعبد، سواء كان عبده أو عبد غيره، ويكرس رأي
هاتين الطائفتين حالة التردي الأشمل في العصور البعد  إسلامية مما يتضح على الخصوص من
مقارنته بآراء الفقهاء الذين ذكرنا أسماءهم للتو، وهم معدودون، حسب التصنيف الطائفي المعاصر، من
أئمة أهل السنة.
وتسقط الحود بالتقادم، وهو للخمر بزوال ريحته من الفم عند العموم، وشهر عند الشيباني، وللزنا والقذف
والسرقة مضى شهر عند الفقهاء الثلاثة والتقادم لا يشمل القتل العمد.
أحكام عامة:
 منع الخصاء للإنسان والحيوان، واعتبروه من واجبات المحتسب الذي يتولى تأديب الخاصي
وملاحقته بالقصاص أو الدية في حال حدوث وفاة بسبب الخصاء، وقد طبق المنع الملموس فكان أمراء
المسلمين وأغنياؤهم يحصلون بالشراء على الخصيان المجلوبين من خارج دار الإسلام.
2  مراعاة حرمة المنازل بمنع دخولها بغير إذن أهلها، وسمح للمحتسب باقتحام المنزل عند الشك
باحتمال وقوع جريمة كأن يصل إلى علم المحتسب أن رج ً لا خلا بآخر ليقتله أو احتمال حصول زنا أو
لواط، ولا يجوز الاقتحام في حال شرب الخمر لأنه من المخالفات الشخصية التي تعني صاحبها وحده،
وفي السماح له بذلك في حال الزنا واللواط إشكال لأنها معدودة في المخالفات الشخصية ولم يوضح
النص الفقهي ملابسات الحدث وما إذا كان الفعل على سبيل الاغتصاب.

 

 

ترقبوا الحلقة الخامسة - القسم الثاني
المقتربات الدينية للتعذيب

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy