قصة الحضارة التراث الشرقي نشأة الحضارة العناصر العقلية في المدنية الآداب(13)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

قصة الحضارة   التراث الشرقي  نشأة الحضارة  العناصر العقلية في المدنية  الآداب(13)

  

 العناصر العقلية في المدنية  

  

الآداب

  

اللغة - بطانتها الحيوانية - أصولها البشرية - تطورها -

  

نتائجها - التربية - التقليد - الكتابة - الشعر

  

كانت الكلمة بدايةَ الإنسان لأنه بالكلمة أصبح الإنسان إنساناً؛ فلولا هذه الأصوات الغريبة التي نسميها أسماء كلية لا نحصر الفكر في الأشياء الجزئية أو الخبرات الجزئية التي يذكرها الإنسان أو يدركها عن طريق 

الحواس،

 وخصوصاً حاسة النظر؛ وأغلب الظن أنه لولا هذه الأسماء الكلية لما استطاع الفكر أن يدرك الأنواع باعتبارها متميزة عن الأشياء الجزئية، ولا أن يدرك الصفات متميزة عن أشيائها التي تتصف بها، ولا أن يدرك الأشياء

 مجردة عن صفاتها؛ إنه لولا الكلمات التي هي أسماء لأنواع لاستطاع الإنسان أن يفكر في هذا الإنسان وهذا وذاك، ولكنه لم يكن ليستطيع أن يفكر في "الإنسان" بصفة عامة، لأن العين لا ترى الأنواع بل ترى الأشياء 

الجزئية؛ ولقد بدأت الإنسانية حين جلس مِسخّ نصفه حيوان ونصفه إنسان، جلس متربعاً في كهف أو شجرة، يشحذ رأسه شحذاً ليخلق أول اسم من الأسماء الكلية، أول رمز صوتي يدل على طائفة من أشياء متشابهة:

 كاسم منزل الذي ينطبق على المنازل كلها، وإنسان الذي يدل على أفراد الإنسان جميعاً، وضوء الذي معناه كل ضوء لمع على يابس أو ماء؛ ومنذ ذلك الحين،

 

 

انفتح أمام التطور العقلي للإنسان طريق جديد ليست له نهاية يقف عندها ذلك لأن الكلمات للفكر بمثابة الآلات للعمل، والإنتاج يتوقف إلى حد كبير على تطور الآلات(1).

ولما كان تصويرنا لأوائل الأشياء لا يزيد أبداً عن حَدس وتخمين، فَلِخيالنا أن يرسل لنفسه العنان في تصور بداية الكلام؛ يجوز أن تكون أول صورة بدت فيها اللغة - ويمكن تعريف اللغة بأنها اتصال عن طريق الرموز - صيحة حبّ بين الحيوان والحيوان؛ وإنك لترى في صيحات النذير والفزع، وفي مناداة الأم لصغارها، وفي الزقزقة والنقنقة التي يعبر بها الحيوان عن فرحه بصوته أو باتصاله بعشيره من الجنس الآخر، واجتماعه أفراداً 

ليتبادل 

الأصوات من شجرة إلى شجرة، إنك لترى في هذا كله الخطوات التمهيدية التي يجهد الحيوان نفسه في اجتيازها لكي يصل الإنسان إلى الذروة العليا، ذروة الكلام؛ ولقد وُجِدَت فتاة حوشية تعيش مع الحيوان في غابة بالقرب 

من شالون في فرنسا، فلم يكن لها من الكلام إلا صرخات ودمدمات كريهة الوقع على المسامع؛ هذه الأصوات الحية التي تنبعث في الغابات قد لا تكون ذات معنى لآذننا التي تحضَرت، فنحن في هذا كالكلب المتفلسف 

"ريكيه"

 Requet الذي يقول عن "السيد برجريه" Bergeret "إن كل ما ينبعث به صوتي له معنى، أما سيدي فيجري من فمه هراء"؛ ولاحظَ "وِتمَن" Whitman و "كريج" Craig علاقة عجيبة بين أفعال الحمام وصيحاته؛ واستطاع "ديبون" Dupont أن يميز اثنى عشر صوتا مختلفا يستعملها الدجاج والحمام، وخمسة عشر صوتاً تستعملها الكلاب، واثنين وعشرين صوتاً تستعملها الماشية ذوات القرون، ووجد "جارنَر" Garner أن القردة تمضي في لغوها الذي لا ينتهي بعشرين صوتاً على الأقل، مضافاً إليها عدد كبير من الإشارات؛ ومن هذه اللغات المتواضعة نشأت، بعد تطور قصير المراحل، الثلاثمائة كلمة التي تكفي بعض القبائل البشرية 

المتواضعة(2).

 

 

ويظهر أن الإشارات كانت لها الأهمية الأولى، وللكلام المنزلة الثانية في تبادل الفكر في العصور الأولى؛ وإنك لتلاحظ أنه إذا ما أخفق الكلام في الأداء، وثبَت الإشارات من جديد إلى الطليعة؛ ففي القبائل الهندية في أمريكا 

الشمالية، التي تستعمل من اللهجات ما لا يقع تحت الحصر، يجيء العروسان من قبيلتين مختلفتين فيتبادلان الفكر ويتفاهمان بالإشارات أكثر من الكلام، ولقد عَرف "لويس مورجان"Lewis Morgan عروسين ظلا يستخدمان إشارات صامته مدى ثلاثة أعوام؛ وكان التفاهم بالإشارات من الأهمية في بعض اللغات الهندية بحيث تعذر على أفراد قبيلة "أراباهو" Arapaho - كما يتعذر على بعض الشعوب الحديثة - أن يتحدثوا في الظلام(3)؛ وربما كانت أول الألفاظ الإنسانية صيحات تعبر عن العواطف كما هي الحال عند الحيوان، ثم جاءت ألفاظ الإشارة مصاحبة للإشارة بالجسم لتدل على الاتجاه، ثم تلَت ذلك أصوات مقلدة جاءت في أوانها المناسب لتعبر 

عن الأشياء والأفعال التي يمكن محاكاة أصواتها، ولا تزال كل لغة من لغات الأرض تحتوي على فئات من هذه الألفاظ التي تحاكي بأصواتها الأشياء والأفعال، على الرغم من آلاف السنين التي مضت مليئة، بالتغيرات 

والتطورات التي طرأت على اللغة - مثل: زئير، همس، تمتمة، قهقهة، أنين، زقزقة الخ وعند قبيلة "تكونا" Tecuna في البرازيل القديمة لفظ يقلد صوت المسمى تقليداً تاما يدلون به على الفعل "يعطس" وهو "هايتشو"

 (5) وربما كانت هذه البدايات وأمثالها أساساً للكلمات الأولية في كل لغة من اللغات؛ وحصر "رينان" Renan الألفاظ العبرية في خمسمائة كلمة

 

 

أصلية، وحصر "سكيت" Skeat كل الألفاظ الأوربية تقريباً في نحو أربعمائة كلمة أصلية .

ولا تحسبنَّ لغات الشعوب الفطرية بدائية بالضرورة، إذا أردنا بكلمة "بدائية" في هذا السياق أي معنى من معاني البساطة في التركيب، نعم إن كثيراً منها بسيط في ألفاظه وبنائه، لكن بعضها معقد البناء كثير الكلمات 

مثل لغاتنا، بل هو أرقى في التكوين من اللغة الصينية(7) ومع ذلك فتكاد اللغات البدائية كلها أن تحصر نفسها في حدود الحسي والجزئي؛ وهي بصفة عامة فقيرة في الأسماء الكلية والمجردة؛ فسكان استراليا الأصليون يطلقون اسماً على ذيل الكلب واسماً آخر على ذيل 

البقرة،

 ولكن ليس في لغتهم كلمة تدل على "ذيل" بصفة عامة(8) وأهل تسمانيا يطلقون على كل نوع من الشجر اسماً، لكن ليس لديهم كلمة واحدة تدل على "الشجرة" بصفة عامة، وكذلك هنود "تُشكتُو" Choetaw يطلقون اسماً على السنديانة السوداء، وآخر على السنديانة البيضاء، وثالثاً على السنديانة الحمراء؛ لكنهم لا يعرفون كلمة واحدة تدل على السنديانة بصفة عامة، ثم بالطبع ليس لديهم كلمة تدل على الشجرة عامة؛

 ولا شك أن أجيالاً من الناس تعاقبت قبل أن يستطيع الإنسان أن ينتهي من اسم العَلم إلى الاسم الكلي؛ وفي قبائل كثيرة لا تجد ألفاظاً تدل على الألوان مجردة عن الأشياء الملونة، كلا ولا تجد عندها كلمات لتدل على

 مجردات مثل: نغمة، جنس، نوع، مكان، روح، غريرة، عقل، كمية، أمل، خوف، مادة، شعور...الخ(9)، فمثل هذه الألفاظ المجردة تتكون وتتزايد - فيما يظهر - مع تقدم الفكر، لأن بينها وبين الفكر علاقة السبب والمسبب؛ وهي بعد تكوينها تصبح أدوات تعين على دقة التفكير، ورموزاً تدل على الحضارة.

ولما كانت الألفاظ تعود على الناس بكل هذه المزايا، فقد حسبوها نعمة

 

 

إلهية وشيئاً مقدساً، بحيث أصبحت مادة تصاغ منها صبغ السحر، وهي تزداد في أعين الناس تقديساً كلما ازدادت فراغاً من المعنى؛ ولا تزال في يومنا مقدسة إذا استخدمناها في الأسرار الخفية، حين تتحول "الكلمة"

 إلى "لحم" - مثلا - إن الألفاظ لم تكن وسيلة التفكير الواضح فحسب، بل كانت سبيلاً لإصلاح التنظيم الاجتماعي كذلك، لأنها ربطت بين الأجيال المتعاقبة ربطاً عقلياً وثيق العرى، بأن هيأت لهم وسيلة أصلح للتربية من جهة، ولنقل المعارف 

والفنون من جهة أخرى؛ فبظهور ألفاظ اللغة ظهرت أداة جديدة تصل الأفراد بعضهم ببعض بحيث يمكن للمذهب الواحد أو العقيدة الواحدة أن تصُبَّ أفراد الشعب في قالب واحد متجانس؛ وفتحت طرقاً جديدة لنقل الآراء 

وتبادلها، وزادت عمق الحياة زيادة عظيمة، كما وسَّعَت نطاقها ومضمونها، فهل تعرف اختراعاً آخر يساوي في قوته ومجده هذا الاختراع، اختراع الاسم الكلي؟.

وأعظم هذه المزايا التي لألفاظ اللغة - بعد توسيعها للفكر - هي التربية؛ فالمدنية ثروة زاخرة تجمعت على الأيام من الفنون والحكمة وألوان السلوك والأخلاق، ومن هذه الثروة الزاخرة يستمد الفرد في تطوره غذاء لحياته العقلية، ولولا أن هذا التراث البشري يهبط إلى الأجيال

 جيلاً بعد جيل، لماتت المدنية موتاً مفاجئاً، فهي مَدِينة بحياتها إلى التربية.

التربية بدايات ضئيلة من الشعوب البدائية، إذ التربية عندهم - كما هي عند الحيوان - هي قبل كل شيء نقل لضروب المهارة تدريب الناشئ تدريباً يصوغ له شخصيته، فهي علاقة مفيدة سليمة بين العلم والتعلم في تلقين طرائق العيش؛ وهذا التعليم العملي المباشر شجع عند الطفل البدائي نمواً سريعاً؛

 ففي قبائل "أوماها" يكون الولد وهو في سن العاشرة تقريباً قد تعلمَ معظم فنون أبيه، مستعداً للحياة؛ وفي قبائل "الألوت" Aleuts غالباً ما يؤسس الولد داراً لنفسه وهو في العاشرة، وأحياناً يختار زوجة وهو في هذه السن؛ وفي نيجيريا يترك الأطفال وهم في السادسة

 

 

أو الثامنة دور آبائهم ليبنوا لأنفسهم أكواخاً ويزودوا أنفسهم بالقوت من الصيد والسماكة(10)، والعادة أن ينتهي شوط التربية حين تبتدئ الحياة الجنسية، ولما كان نضجهم يأتي مبكراً فإن خمودهم يأتي كذلك مبكراً، ففي ظروف الحياة عندهم ينضج الصبي في الثانية عشرة من عمره ويشيخ في الخامسة والعشرين

(11)، وليس معنى ذلك أن "الهمجي" له عقلية الطفل، بل معناه أنه لم يكن له حاجات الطفل الحديث ولا فُرَصه؛ وهو لم يتمتع بمثل ما يتمتع به الناشئ الحديث من مراهقة طويلة آمنة، تسمح بنقل التراث الثقافي نقلاً يكاد

 يكون كاملاً، وتضمن تدريبه على ضروب أكثر ومرونة أكبر في الاستجابة للبيئة التي بعدت من الصورة الفطرية والتي زادت فيها عوامل التغير.

كانت بيئة الإنسان الفطري ثابتة نسبياً، ولم تكن تتطلب القدرة العقلية، بل تطلبت الشجاعة وتكامل الشخصية؛ فكان الوالد البدائي يركّز اهتمامه في بناء شخصية ولده كما تركّز التربية الحديثة اهتمامها في تدريب القوة

 العقلية؛ فقد كان يعنيه أن يبني رجالا، لا أن يكوّن العلماء؛ ومن هنا كانت طقوس إدماج الناشئ في القبيلة، تلك الطقوس التي كانت في الشعوب الفطرية تعلن بلوغ الناشئ سن النضج وتعترف له بعضوية الجماعة؛

 ترمي إلى اختبار شجاعته أكثر مما تقصد إلى قياس معرفته؛ وكانت مهمتها أن تُعِدَّ الشباب لمشاق الحرب وتبعات الزواج؛ وهي في الوقت نفسه فرصة تتاح للكبار أن يمرحوا ويفرحوا بإيقاع الأذى على الآخرين؛

 وبعض هذه الطقوس "يبلغ من البشاعة ومن إثارة النفس حداً تتعذر معه الرؤية وتصعب الرواية" (12)؛ ففي قبيلة "الكفير" - وهذا مثل معتدل - كان الصبيان الذين يطلبون عضوية القبيلة يُمتحنون بعمل شاق في النهار وحرمان من النوم في الليل، حتى يسقطوا من الإعياء؛ لكي يزداد القائمون بامتحانهم يقيناً بصلابة هؤلاء الصبيان، كانوا يضربونهم بالسّياط "

على فترات قصيرة وبغير رحمة حتى يَنزَّ الدم من أجسادهم" وكان ذلك

 

 

يؤدي إلى قتل نسبة كبيرة من الغلمان؛ لكن الكبار - فيما نظن - كانوا ينظرون إلى الأمر نظرة الفيلسوف؛ وربما كانوا بفعلهم هذا يسبقون الانتخاب الطبيعي ويضيفون إلى عوامله عاملاً جديداً(13)؛ وكانت هذه الطقوس الممتحنة عادة علامة انتهاء المراهقة والاستعداد للزواج؛ وكانت العروس تلح في أن يثبت عريسها قدرته على تحمل الألم؛ وكانت هذه الطقوس عند كثير من القبائل تدور حول عملية الختان،

 فإذا تحرك الشاب أثناء إجرائها أو صرخ، ضربه أهله ضرباً، ورفضته عروسه المنتظرة - التي وقفَت لتشهد العملية في عناية وانتباه - على أساس أنها لا تريد أن تتزوج من فتاة(14).

لم تكن التربية البدائية تنتفع بالكتابة إلا قليلاً، أو لم تكن تنتفع بها إطلاقاً، فليس يدهَشُ الإنسانُ الفطري لشيء دهشته لاستطاعة الأوربيين أن يتصل أحدهم بالآخر - وبينهما مسافة بعيدة - بواسطة خطوط سوداء تُخَطُّ على قطعة من الورق(15)؛ وقد تعلمت قبائل كثيرة الكتابة بمحاكاتها لمن جاءوا لاستغلالها من المتحضّرين، لكن بعض القبائل - كما هو الحال في شمالي إفريقية - لبث أمياً على الرغم من خمسة آلاف عام أخذت هذه القبائل تتصل خلالها بالأمم الكاتبة اتصالا متقطعاً؛ أما القبائل الساذجة التي تعيش معظم حياتها عيشاً معتزلاً بالنسبة إلى سواها، وتنعم بالسعادة التي تنجم عن

 جهل الإنسان بتاريخه الماضي، فلا تحسّ بالحاجة إلى الكتابة إلا قليلاً، ولقد قويت ذاكراتهم بسبب انعدام المخطوطات التي تساعدهم على حفظ ما يريدون الاحتفاظ به، فتراهم يحتفظون. ويَعُون؛ ثم ينقلون ما حفظوه 

وما وَعَوه إلى أبنائهم بتسميعهم إياه؛ وإنما هم يحفظون ويعون ويُسَمعون كل ما يرونه هاماً في الاحتفاظ بحوادث تاريخهم وفي نقل تراثهم الثقافي؛ ويجوز أن يكون الأدب قد بدأ حين بدأ تدوين هذا المحفوظ وتدوين

 الأغاني الشعبية؛ ولا شك أن اختراع الكتابة قد صادف معارضة طويلة من قبل رجال الدين، على اعتبار أنها في الأرجح ستؤدي إلى هدم الأخلاق

 

 

وتدهور الإنسان، فتروي أسطورة مصرية إنه لما كشف الإله تحوت للملك تحاموس عن فن الكتابة، أبى الملك الطيب أن يتلقى هذا الفن لأنه يهدم المدنية هدماً؛ وقال في ذلك: "إن الأطفال والشبان الذين كانوا حتى الآن 

يُرغَمون على بذل جهدهم كله في حفظ ما يتعلمونه ووعيه، لن يبذلوا مثل هذا الجهد "إذا ما دخلت الكتابة" ولن يروا أنفسهم في حاجة إلى تدريب ذاكراتهم"(16).

وبطبيعة الحال ليس في وسعنا أكثر من التخمين إذا أردنا أن نقول شيئاً عن أصل هذه اللعبة العجيبة؛ فيجوز إنها كانت نتيجة تفرعت عَرَضاً عن صناعة الخزف كما سنرى فيما بعد، وذلك بأن نشأت عن رغبة الناس في إثبات 

"العلامات التجارية" على ما يصنعونه من آنية خزفية؛ ويجوز أن تكون زيادة التجارة بين القبائل قد اقتضت اصطناع مجموعة من العلامات المكتوبة، وأن تكون أولى صورها تصاوير غليظة أتفق عليها الناس لتدل على 

السلع التي يتبادلونها في تجارتهم وعلى ما يقوم بينهم من حساب؛ لأنه ما دامت التجارة قد وصلت قبائل يتكلمون لغات مختلفة، بعضها ببعض، فلا بد من اتخاذ وسيلة للتدوين وللتفاهم يفهمها الطرفان المتعاملان معاً؛ وفي

 وسعنا أن نفترض أن قد كانت الأرقام بين أول طائفة من الرموز المكتوبة، وإنها في معظم الحالات كانت تتخذ صورة خطوط متوازية تمثل الأصابع؛ ولا نزال نستعمل كلمة "أرقام" (في اللغة الإنجليزية) التي تدل على ذلك

 الأصل المخطوط، حين نريد أن نقول "أعداد" ؛ ثم لا تزال كلمات مثل كلمة "خمسة" في اللغات الإنجليزية والألمانية واليونانية، ترتدُّ إلى أصل لغوي معناه "يد" (17)؛ وكذلك الأرقام الرومانية تشير بصورتها إلى أصابع اليد، فالعلامة التي معناها خمسة "V" تصــــــــور يـــــداً مفتوحـــة، والتي معناها عشرة "X" تتركب من علامتين من علامات الخمسة تقابلتا عند زاويتيهما؛

 

 

وكانت الكتابة في بدايتها - كما لا تزال عند أهل الصين واليابان - ضرباً من الرَّسم أي كانت ضرباً من الفن؛ فكما أن الإنسان كان يستخدم الإشارات حين كانت تتعذر عليه الكلمات، فكذلك استخدم الصور لينقل أفكاره عَبر المكان وخلال الزمان؛ فكل كلمة وكل حرف مما نستعمله

 اليوم كان فيما سبق صورة، كما هي الحال الآن في العلامات التجارية وفي التعبير عن أبراج السماء؛ والصور الصينية البدائية التي سبقت

الكتابة كانت تسمى "كوروان" ومعناه الحرفيّ "صور للإشارات"؛ وكانت القوائم الطوطمية كتابة تصويرية، أو كانت - كما يقترح "ماسون" Mason رسماً تدونه القبائل لتعبر به عن نفسها؛ فبعض القبائل كان يستعمل عصيًّا محزوزة لتذكّرهم بشيء أو ليبعثوا بها رسالة؛ وبعضها الآخر - مثل "هنود الجُنكِوِن" Algonquin لم يكتف بحزّ العصيّ، بل رسم عليها أشكالاً تجعلها صوراً مصغرة للقوائم الطوطمية؛ أو ربما العكس هو الصحيح، أي أن هذه القوائم الطبيعية كانت صورة مكبرة للعصيّ المحزوزة، وكان هنود بيرو يحتفظون بمدوّنات

 طويلة من الأعداد ومن الأفكار، بأن يعقدوا حبالاً مختلفة الألوان بالعُقَد والعُرَى؛ وربما ألقى شيء من الضوء على أصل هنود أمريكا الجنوبية إذا عرفنا أن هذه العادة نفسها سادت بين سكان الأرخبيل الشرقي وأهل 

بولينزيا.

ولما أهاب "لاَوتسي" Lao-Tse بقومه الصينيين أن يعودوا إلى الحياة الساذجة، اقترحَ عليهم أن يرتدُّوا إلى ما كانوا يصنعونه من حِبال معقودة(18) وتظهر صور من الكتابة أرقى مما ذكرنا بين الشعوب الفطرية آنا بعد آن، فلقد وجدنا رموزاً هيروغليفية في جزيرة "إيستر" في البحار الجنوبية؛ وكشفنا الغطاء في إحدى جزر "كارولينا" عن مخطوط يتكون من

 واحد وخمسين رمزاً مقطعياً تصور أعداداً وأفكاراً(19)، وأن الرواية لتروي كيف حاول رؤساء جزيرة إيستر وكهنتها أن يحتفظوا لأنفسهم بكل معرفة تتصل

 

 

بالكتابة، : وكيف كان الناس يحتشدون مرة في كل عام ليسمعوا المدوّنات وهي تُقرأ عليهم؛ فبديهي أن الكتابة كانت في مراحلها الأولى شيئاً غامضاً مقدساً، ولفظة "هيروغليف" معناها نقش مقدس، ولسنا على يقين من 

أن 

هذه المخطوطات البولينيزية لم يكن مصدرها إحدى المدنيَّات التاريخية؛ لأن الكتابة - على وجه العموم - علامة تدل على الحضارة، وهي من أوثق المميزات التي تفرق بين أهل المدنيَّة وأبناء العصور البدائية.

الأدب في أول مراحله كلمات تقال أكثر منه حروفاً تكتب "على الرغم من أن الكلمة في الإنجليزية تنتمي في أصلها اللغوي إلى ما يدل على الكتابة"؛ وهو ينشأ في ترانيم دينية وطلاسم سحرية، يتغنى بها الكهنة عادةً، 

وتنتقل

 بالرواية من ذاكرة إلى ذاكرة؛ والكلمة التي معناها الشعر عند الرومان، وهي "Carmina" تدل على الشعر وعلى السحر في آن واحد؛ والكلمة التي معناها نشيد عند اليونان، وهي "Ode" معناها في الأصل طلسم سحريّ، وكذلك قل في الكلمتين الإنجليزيتين "Tune" و "Lay" والكلمة الألمانية "Lied" وأنغام الشعر وأوزانه، التي ربما أَوحَى بها ما في الطبيعة وحياة الجسد من اتساق، قد تطورت تطوراً ظاهراً على أيدي السحرة الذين أرادوا أن يحتفظوا وينقلوا ثم يزيدوا من "التأثير السحريّ لأشعارهم" (20) ويعزو اليونان أول ما قيل من شعر في البحر العُشاري إلى كهنة دلفي، الذين ابتكروا هذا البحر ليستخدموه في نظم نبوءاتهم(21)، وبعدئذ أخذ الشاعر والخطيب والمؤرخ يتميز بعضهم من بعض شيئاً فشيئاً، ويتجهون اتجاهاً دنيوياً في فنونهم، بعد أن اتحدوا جميعاً في هذا الأصل الكهنوتي، فأصبح الخطيب مُشيدا رسمياً بأعمال الملك أو مدافعاً عن الآلهة،

 وبات المؤرخ مسجلاً لأعمال الملك، والشاعر مغنياً لأناشيد كانت في الأصل مقدسة، ومعبراً و حافظاً لأساطير البطولة، وموسيقيَّا صاغ أقاصيصه صياغة الألحان ليعلّم بها الشعب وملوكه جميعاً؛ وهكذا كان لأهل فيجي

 وتاهيتي وكالدونيا

 

الجديدة خطباء ومؤرخون رسميون، عليهم أن يخطبوا الناس في المحافل العامة، وأن يثيروا حماسة المقاتلين في القبيلة بذكر أعمال أجدادهم والإشادة بمجد أمتهم التليد الذي لا تضارعها فيه أمة أخرى؛ وكان للصومال 

شعراء

 محترفون يطوفون من قرية إلى قرية ينشدون الأناشيد مثل الشعراء المنشدين والشعراء الطوافين الذين عرفتهم العصور الوسطى، ولم تكن أشعارهم التي يتغنون بها عن الحب إلا في حالات نادرة، وأما في أكثر الحالات فقد 

كانت تقال عن البطولة البدنية أو حومة القتال أو علاقة الآباء بأبنائهم، وهاك مثلاً من الشعر مأخوذاً عن أحد الآثار القديمة في جزيرة إيستَر، وهو رثاء والد لابنته أبعدتها تصاريف الحروب عنه:

 

إن ركوب ابنتي لمتون البحار

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: