قصة الحضارة التراث الشرقي نشأة الحضارة (15)العناصر العقلية في المدنية الفن

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

 

والحركات التي تذكر بما لها من تناسق ورشاقة؛ أو قد يكون الشكل الممتع هو صورة الذكر المطلوب؛ ومن الجاذبية التي تجذب ضعف الإنسان نحو عبادة القوة يأتي إحساسنا بروعة الفخامة - فتطمئن نفوسنا في حضرة القوة - وهو إحساس يخلق أرفع آيات الفن جميعاً؛ وأخيراً قد تصبح الطبيعة نفسها - بمعونة منا - فخمة وجميلة في آن معاً، لا لأنها تشبه وتوحي برقة المرأة كلها وقوة الرجل كلها فحسب، بل لأننا نخلع عليها مشاعرنا وما أصبناه من حظوظ، وحبنا لأنفسنا ولغيرنا - فنحن نستمتع فيها بمدارج صبانا، ونستمتع فيها بالعزلة الهادئة لأنها مهرب من عاصفة الحياة؛ ونحيا معها في تقلّب فصولها الذي يكاد أن يكون إنساني المراحل: فيفاعة نضيرة، ونضج متّقد، وإثمار يانع، ثم انحلال بارد؛ ونرى فيها على نحو غامض أما وهبتنا الحياة، وستتقبلنا عند الموت.

الفن هو إبداع الجمال، هو التعبير عن الفكر أو الشعور في صورة تبدو جميلة أو فخمة، فتثير فينا هزة هي هزة الفرح الفطريّ التي تثيرها المرأة في الرجل، أو الرجل في المرأة؛ وقد يكون الفكر إدراكا لمعنى من معاني الحياة كائناً ما كان، وقد يكون الشعور إثارة أو استرخاء لوتر مشدود من أوتار الحياة كائناً ما كان؛ وقد تبعث الصورة الفنية في أنفسنا الرضى لما فيها من تناسق دَورِىّ يسرنا لأنه يتجاوب في طبائعنا مع نوبات الأنفاس، ونبضات الدم؛ وتداول الشتاء والصيف على نحو يبعث على الإجلال، وتعاقب الجزر والمد والليل والنهار؛ أو قد تبعث الصورة الفنية في أنفسنا الرضى لما فيها من تماثل هو بمثابة الوزن في الشعر قد تمجد، يمثّل القوة أمام أبصارنا، ويصوّر لنا التناسب المنتظم في النبات والحيوان، وفي النساء والرجال؛ أو قد تحدث الصورة الفنية في أنفسنا الرضى لألوانها التي تضيء الروح بضيائها أو تعمق بالحياة من السطح إلى الغزير؛ وأخيراً قد تبعث الصورة الفنية في أنفسنا الرضى لما فيها من صدق، إذ ترى فيها محاكاة واضحة ناصعة للطبيعة أو للواقع الخارجي، حين تلقف لمحة من جمال النبات أو الحيوان كان

 

 

 

قمينا أن يزول، أو تلمح معنى عابراً لظرف قائم لكنه وشيك الزوال، ثم تعرضه ساكناً ثابتاً أمام حسّ يتلكأ في استمتاعه بما يرى، أو أمام عقل يحبُّ أن يتأمل على مهل؛ من هذه المصادر الكثيرة يأتي ما في الحياة من ألوان الكماليات السامية - الغناء والرقص، الموسيقى والمسرحية، الخزف والتصوير، النحت والعمارة، الأدب والفلسفة؛ فما الفلسفة إن لم تكن فنا؟ ما الفلسفة إن لم تكن محاولة أخرى تضاف إلى محاولات سائر الفنون في أن تُفيض على فوضى ما يقع لنا في دنيا التجربة "صورة لها معنى"؟.

فإذا كان الإحساس بالجمال ضعيفاً في الجماعة البدائية فقد يكون ذلك بسبب انعدام الفارق الزمني بين الشعور بالشهوة الجنسية وبين تحقيقها، لأن ذلك لا يتيح الفرصة للخيال أن يضفي على موضوع الشهوة ألواناً من عنده، تزيد من جماله زيادة كبيرة؛ إن الإنسان البدائي قلما يفكر في اختيار النساء على أساس ما نسميه نحن فيهن بالجمال، بل هو أدنى إلى التفكير فيهن على أساس نفعي، ويستحيل أن يدور في خلده أن يرفض عروساً مفتولة العضلات بسبب قبحها؛ فرئيس القبيلة من الهنود حين سئل أيّ زوجاته أروع جمالا، اعتذر عن عدم الجواب لأنه لم يفكر قط في هذا الموضوع، وقال في حكمة ناضجة تشبه حكمة فرانكلين: "قد تكون الوجوه أكثر جمالا أو أقل جمالا؛ لكن النساء في جوانبهن الأخرى لا يختلف بعضهن عن بعض في شيء"؛ وحتى إن كان للإنسان البدائي إحساس بالجمال، فهو أحياناً يُفلت منا فلا نراه، لشدة اختلافه عن إحساسنا نحن بالجمال؛ يقول "رتشارد": "كل مَن أعرف من أجناس الزنوج، يعدُّون المرأة جميلة إذا لم تكن نحيلة عند خصرها، وإذا ما كان جذعها من الإبطين إلى الردفين ذا عَرض واحد - حتى يقول عنها زنجي الساحل: إنها كالسُّلم" والآذان المطروقة كآذان الفيل، والبطن المتثنّى هما من مفاتن المرأة عند الرجال في إفريقية وفي أرجاء إفريقية كلها، أجمل النساء هي المرأة السمينة؛ فيقول "منجوبارك"

 

Mango Park عن نيجيريا: "يظهر أن لفظتي السَّمنة والجمال تكادان تكونان مترادفتين؛ فالمرأة التي تزعم لنفسها ولو قليلا من جمال، لا بد أن تكون ممن يتعذر عليهن المشي إلا إذا سار إلى جانبيها عَبدَان، يسير كل منهما تحت ذراع ليكون لها دعامة؛ والجمال الكامل تبلغه المرأة إن ساوت بوزنها حِمل الجمل" ويقول "بريفو" Briffault : "إن معظم الهمج يؤثرون ما نظنه نحن من أقبح ما تتصف به المرأة، وأعني به الأثداء الطويلة المتدلية" (35)؛ ويقول "دارون": "إنه من المعلوم لنا جميعاً أن العَجز عند كثيرات من نساء الهوتنتوت يبرز بروزاً عجيباً ولا يشك "سير أندرو سمث" أبداً في أن هذه الخصيصة للعجيبة موضع إعجاب من الرجال، فلقد رأى ذات يوم امرأة هي عندهم من ربات الجمال، كانت من الضخامة في أردافها بحيث إذا ما أجلسوها على أرض منبسطة استحال عليها الوقوف إلا إذا زحفت زحفاً حتى دَنَت من سفح مائل.... ويروي لنا "بيرتُن" Burton عن أهل الصومال أن الرجال إذا ما أرادوا اختيار الزوجات، صفّوا النساء صفاً واختاروا من بينهن أكثرهن بروزاً في العجز؛ وليس أقبح في عيني الزنجي من المرأة النحيلة" (36).

لكن الرجل الطبيعي في أرجح الظن - يقيس الجمال بمقياس نفسه هو أكثر مما يقيسه بمعيار شكل المرأة، "فالأقربون - في الفن - أولى بالمعروف"؛ وقد لا يُصَدّقُ النساء ما نزعمه لهن من أن الرجال البدائيين والمحدثين يأخذهم العُجبُ بأنفسهم سواء بسواء؛ فالذكر لا الأنثى في الشعوب الساذجة - كما هو الحال في الحيوان - هو الذي يتزين ويُنزل بجسده الجروح؛ سعياً وراء الجمال، فيقول "بُنوِك" Bonwick: "إن التَزين في استراليا يكاد يكون كله احتكاراً للرجل" وهكذا قُل في مالنيزيا وغينا الجديدة وكالدونيا الجديدة وبريطانيا الجديدة، وهانوفر الجديدة وهنود أمريكا الشمالية(37) وفي بعض القبائل يستنفذ تجميل الجسم وقتاً أكثر مما تستهلكه أية مهمة أخرى من

 

مهام النهار(38) وواضح أن أول صورة للفن هي صبغ الجسم صبغة صناعية وهم يصبغون الجسم ليجذبوا النساء حيناً وليخيفوا الأعداء حيناً آخر؛ والرجل من أهل استراليا الوطنيين - كأحدث فاتنة من فاتنات أمريكا اليوم - كان دائماً يحمل معه مقداراً من الصبغة البيضاء والحمراء والصفراء، ليُصلح من جماله حيناً بعد حين، فإذا ما أوشكت أصباغه على النفاذ، قام برحلات بعيدة خطرة ليزود نفسه منها بمقدار جديد؛ وهو يكتفي في الأيام العادية ببقع من اللون على خديه وكتفيه وصدره، ولكن كان في مناسبات الأعياد، يُحِسُّ ما يحسّه العُريان من خجل إذا لم يصبغ جسده كله من أعلاه إلى أسفله(39).

في بعض القبائل يحتكر الرجال لأنفسهم حق صبغ الجسم، وفي قبائل أخرى يحَّرم على النساء المتزوجات أن يصبغن أعناقهن(40)؛ لكن ما لبث النساء أن ظفرن لأنفسهن بفن التجمل بالأصباغ، وهو أقدم الفنون جميعاً؛ فلما وقف "كابتن كوك" Captain Cook في زيلندة الجديدة حيناً، لاحظ أن بحارته حين عادوا إليه من جولاتهم على الشاطئ، كانوا حُمرَ الأنوف أو صُفرها بأصباغ صناعية، ذلك لأن أنوفهم قد لصقت بها الأصباغ التي كانت الجميلات من أهل ذلك الإقليم قد طلين بها أجسادهن(41)؛ ونساء "الفَلاّتة" Fellatah في إفريقية الوسطى ينفقن عدة ساعات كل يوم في تجميل أنفسهن: فهن يصبغن أصابع أيديهن وأرجلهن صبغة أرجوانية بأن يلففنها طوال الليل في أوراق الحناء، ويصبغن أسنانهن بالأزرق والأصفر والأرجواني على هذا التوالي؛ ويطلين شعرهِن طلاء أزرق، ويخططن جفونهن بالكحل(42) وكل سيدة من قبيلة "بُنجو" تحمل في حقيبة أدوات التجميل، ملقطاً تنزع به الرموش والحواجب، ومشابك شعر على هيئة الرماح، وخواتم وأجراساً، وأزراراً ومشابك(43).

لكن السُّذج الأولين - مثل الإغريق أيام بركليز - ضاقوا صدراً لسرعة زوال هذه الأصباغ، فابتكروا الوشم والوصم والثيابَ أدواتٍ للتزين أدوم بقاء،

 

ففي كثير من القبائل أسلم الرجال والنساء معاً أنفسهم للإبرة الصابغة وتحملوا في غير تململ حتى وشم الشفاه؛ ففي جريلنده تَشِمُ الأمهات بناتهن في سن مبكرة ليمهدن لهن الزواج عاجلا(44)؛ لكن الوشم في أغلب الحالات لم يكن له ما أراده الناس من وضوح وتأثير؛ لذلك طفق عدد من القبائل في كل قارة يَصِمُ الجسمَ بوصمات عميقة ليكونوا أجمل منظراً في أعين زملائهم، أو أبشع هيئة في أعين أعدائهم؛ فكما قال عنهم "ثيوفيل جوتييه" Theophil Gautier : "إنهم لما عزت عليهم الثياب ووسائل الزينة، زينوا جلودهم" (45)، فكانوا يجرحون أجسامهم بحجر الصوّان أو بقواقع المحار، ثم كثيراً ما يضعون في الجرح كرةً من الطين لتوسع من الوصمة؛ فأهالي "مضيق تورس" كانوا يجعلون بصماتهم شبيهة بشكل الضب أو التمساح أو السلحفاة(46)، ويقول "جيورج" Georg: "لست تجد من أجزاء الجسم جزءاً لم يجملوه أو يزينوه أو يشوهوه أو يصبغوه أو يحرقوه أو يشموه أو يصلحوه أو يبسطوه أو يقبضوه، مدفوعين إلى ذلك بالعجب بأنفسهم والرغبة في التجميل(47) فقبيلة "بوتوكودو" Butocudos استمدت اسمها هذا من خابور يغرزونه في الشفة السفلى وفي الأذنين حينما يكون الناشئ في سنته الثامنة، ثم ما ينفكون يستبدلون به خابوراً أكبر حتى تبلغ الفتحة اتساعاً طول قطره أربع بوصات(48)؛ والنساء الهوتنتوت يعملن على إطالة الشفرتين الصغيرتين حتى تبلغا طولا عظيما، بحيث يتكون منها ما يسمّى بـ "فوطة الهوتنتوت" التي تلقى عند رجالهم إعجاباً عظيما(49)، وكانت أقراط الآذان وأقراط الأنوف ضرورات لا غنى عنها؛ حتى لقد ذهب سكان "جبِسلندة" Gippsland إلى أن من يموت بغير قرط في أنفه سيلاقي في الآخرة عذاباً أليماً(50)؛ وكأني بالسيدة العصرية تقول عن ذلك كله إنه وحشية فظيعة، تقول هذا إذ هي تثقب أذنيها للأقراط، وتصبغ شفتيها وخديها، وتلقط شعرات حاجبيها، وتقيم أهداب جفنيها

 

 

و "تُبَدرُ" وجهها وعنقها وذراعها وتضغط قدميها؛ إن بَحّارنا الموشوم ليتحدث عن "الهمج" الذين رآهم في رحلاته حديث الرجل الرفيع يعطف على هؤلاء الأذنين؛ والطالب من أهل أوربا، يفزعه ما يحدثه البدائيون في أجسامهم من تشويه، لكنه مع ذلك يزهى بما عليه هو من وصمات يعدها علائم الشرف.

والغالب أن تكون الثياب في بدايتها ضرباً من الزينة، فهي عامل يعوق الاتصال الجنسي أو يشجع عليه، أكثر منها وقاية نافعة من البرد أو ستراً للعورة(51)؛ فقد كانت العادة عند قبيلة "كمبري" Cimbri أن يزحفوا على الثلج بأجسامهم عارية(52)، ولما أشفق "دارِون" على الفويجيين من عُريهم، أعطى أحدهم قطعة من القماش الأحمر ليتقي بها البرد لكن الرجل مزقها أشرطة، ووزعها على زملائه، فاستعملوها للزينة؛ فهم كما قال عنهم "كوك" إنهم منذ الأزل "قد رضوا لأنفسهم العُرى لكنهم ما زالوا يطمعون في الجمال" (53)، وكذلك حدث أن مزق نساء أورينوكو ما أعطاهن إياه الآباء الجزويت من ثياب، ولبستها أشرطة حول أعناقهن، قائلات في غير تردد "إنهن يستحين أن يلبسن الملابس" (54) ويصف كاتب قديم أهل البرازيل الأصليين بأنهم عراة الأجسام عادة، ثم يضيف إلى ذلك قوله: "وبعضهم الآن يلبس الثياب، لكنهم لا يقدرونها كثيراً حتى إنهم ليرتدونها على سبيل البدع أكثر مما يرتدونها التزاماً للاحتشام، أو يلبسونها لأنهم مأمورون بذلك... وإنك لتشهد ذلك فيمن يخرجون أحياناً من ديارهم، لا يرتدون من الثياب ما يغطي أجسامهم أبعد من سُرَّة البطن، أو هم يضيفون إلى ذلك طاقية على رءوسهم، مخلفين سائر الثياب في دُورهم" (55)؛ فلما زادت الثياب على كونها أداة للزينة، أصبحت علامة تدل على أن المرأة متزوجة ومخلصة لزوجها، أو استخدمت لإبراز قوام المرأة وجمالها؛ وفي معظم الحالات، ترى النساء البدائيات يتطلبن من الثياب ما تتطلبه النساء في العصور التي تَلَت، وهو ألا تكون الغاية تغطية العُرى، بل أن تزيد من فتنة

 

 

أجسامهن أو توحي بها؛ إن كل شيء في تغير إلا المرأة والرجل.

وكلا الجنسين منذ البداية آثرا الزينة على الثياب؛ فالتجارة البدائية قلما تعنى بالضرورات، إنما هي تحصر نفسها عادة في مواد الزينة واللعب(56)؛ والأحجار الكريمة هي من أقدم عناصر المدنيَّة؛ فلقد وُجدت أصداف القواقع والأسنان معقودة في عقود للزينة، وُجدت في مقابر لبثت على وجه الدهر عشرين ألف عام"(57) ثم من البدايات الساذجة، سرعان ما تتطور أمثال هذه الحلي حتى تبلغ من ضخامة الحجم حداً بعيداً، وتلعب في الحياة دورا عظيما؛ فنساء قبيلة "غالا" كن يلبس خواتم بلغ وزنها ستة أرطال للمرأة الواحدة، وبعض نساء "الدنكا" يحملن نصف قنطار من الزينة؛ وحدث لجميلة من جميلات إفريقية أن لبست خواتم نحاسية حميت في حرارة الشمس بحيث اضطرت أن تستخدم خادماً خاصاً يظللها أو يُروّح عليها؛ وكانت ملكة "الوابونيا" Wabunias على نهر الكونغو تلبس حول عنقها إطار نحاسيا يزن عشرين رطلا؛ فكان لزاماً عليها إن ترقد حينا بعد حين لتستريح؛ أما النساء الفقيرات اللائى لم يسعفهن الحظ إلا بمقدار خفيف من المعادن الكريمة، فقد كن يحاكين في دقة مشية أولئك اللائى يحملن من تلك الزينة البشعة حملا ثقيلاً(58).

إذن فأول مصادر الفن قريب الشبه بزهو الحيوان الذكر بألوانه وريشه أيام التزاوج؛ والدافع إليها هو الرغبة في تجميل الجسم وتزيينه؛ وكما أن حب الإنسان لنفسه وحبه لعشيره من الجنس الآخر؛ إذا فاض عن القدر المطلوب، صَبَّ فيضه من الحب على الطبيعة، فكذلك الدوافع إلى التجميل ينتقل من العالم الخاص إلى الدنيا الخارجية؛ فتحاول النفس أن تعبر عن نفسها في أشياء موضوعية؛ متخذة في ذلك وسيلتي اللون والشكل؛ ولذا فالفن يبدأ حقيقة حين يبدأ الناس في تجميل الأشياء؛ ولعل أول ما تعلق به فن التجميل هو الخزف، فعجلة الخزَّاف - مثل الكتابة ومثل الدولة - هي وليدة العصور التاريخية؛ لكن البدائيين

 

 

- أو على الأصح النساء البدائيات - حتى قبل هذه العجلة التي يستعملها الخزَّاف، استطعن أن يرتفعن بهذه الصناعة القديمة إلى مرحلة الفن، وأخرجن من الطين والماء وأصابعهن الماهرة صوراً لها اتساق يبعث على الدهشة؛ وإن أردت شاهدا فانظر إلى الخزف الذي صنعته قبيلة "بارونجا" Baronga في إفريقية الجنوبية(59) أو الذي صنعته قبيلة "بُويبلُو" من الهنود(60) Pueblo Indians.

والخزَّاف حين يزخرف سطح الآنية التي صنعها بزخارف ملونة، إنما هو بذلك يخلق فن التصوير، فالتصوير في أيدي البدائيين لم يكن بعد قد أصبح فنا مستقلا، بل كان وجوده متوقفاً على فن الخزف وصناعة التماثيل؛ والفطريون إنما يصنعون ألوانهم من الطين، وأهل "أندامان" Andamanes يصنعون الألوان بخلط المغرة "تراب حديدي" بالزيوت أو الشحوم(61)؛ واستخدموا مثل هذه الألوان في زخرفة الأسلحة والآلات والآنية والمباني؛ وكثير من القبائل الصائدة في إفريقية وأوقيانوسيا، كانت تصوّر على جدران كهوفها أو على الصخور المجاورة لها، تصاوير ناصعة لصنوف الحيوان التي أرادت صيدها(62).

ويجوز كذلك أن يكون الخزف وصناعته أصل النحت كما كان أصل التصوير؛ فتبيّن للخَّزاف أنه لا يستطيع فقط أن يصنع الأواني النافعة، بل في مقدوره كذلك أن يصور الأشخاص في تماثيل يستفاد منها تمائم للسحر، ثم بعدئذ أراد أن يصنع هذه الأشياء لتكون جمَالا في ذاتها؛ لقد نَحَتَ الإسكيمو قرون الوعل وعاج فيلة البحر تماثيل صغيرة للحيوان والإنسان(63)؛ وكذلك أراد البدائي أن يميز كوخه بعلامة، أو يميّز عمود الطوطم أو قبراً من القبور بتمثال صغير يدل على معبوده أو على مَيّته؛ فكان أول ما نحت من ذلك وجه على عمود، ثم نحت رأسا، ثم نحت العمود كله؛ ومن هذا التميز لقبور الآباء بتماثيل تصور الموتى، أصبح النحت فنا(64)؛ وعلى هذا النحو أقام سكان جزيرة إيستر القدامى تماثيل هائلة على قبور موتاهم، كل تمثال من حجر واحد، ولقد وجدنا عشرات من هذه

 

التماثيل يبلغ كثير منها عشرين قدماً في ارتفاعه، وبعضها تراه الآن سطيح الأرض مهشما، كان ارتفاعه لا يقل عن ستين قدماً.

لكن كيف بدأ فن العمارة؟ إننا لا نكاد نستطيع إطلاق هذا الاسم الضخم على بناء الكوخ البدائي، لأن العمارة ليست مجرد بناء، لكنها بناء جميل؛ وإنما بدأت العمارة فناً حين فكّر رجل أو فكّرت امرأة لأول مرة أن تقيم بناء للمظهر وللنفع معاً: وربما اتجه الإنسان بهذه الرغبة في خلع الجمال والفخامة على البناء، إلى المقابر قبل أن يتجه بها إلى الدُّور؛ وبينما تطور العمود التذكاري الذي أقيم عند المقبرة إلى فن التماثيل، فقد تطور القبر نفسه إلى المعبد، ذلك لأن الموتى عند البدائيين كانوا أهم وأقوى من الأحياء، هذا فضلاً عن أن الموتى مستقرون في مكان واحد، بينما الأحياء يتجولون هنا وهناك بحيث لا تنفعهم الدُّور الدائمة.

ولقد وجد الإنسان لذة في الإيقاع منذ زمان بعيد، وربما كان ذلك قبل أن يفكر في نحت الأشياء أو بناء المقابر بزمن طويل؛ وأخذ يُطَوّرُ صياح الحيوان وتغريده؛ وقفزه ونَقرَه، حتى جعل منه غناء ورقصاً؛ وربما أنشد - مثل الحيوان - قبل أن يتعلم الكلام(65) ورقص حين أنشد الغناء؛ والواقع أنك لن تجد فنا يميز البدائيين ويعبر عن نفوسهم كما يميزهم الرقص ويعبّر، ولقد طَوَّرَه من سذاجة أولّية إلى تركيب وتعقيد أين منهما رقص المتحضرين؛ ونَوَّعَهُ صوراً شتى تُعَدُّ بالمئات؛ فالأعياد الكبرى عند القبائل، كانت تحتفل أولاً بالرقص في صورتيه: الجمعي والفردي؛ وكذلك كانت الحروب الكبرى تبدأ بخطوات وأناشيد عسكرية؛ والمحافل الكبرى في الدين كانت مزيجاً من غناء ومسرحية ورقص؛ إنما يبدو لنا ضرباً من اللعب، قد كان على الأرجح أموراً جدية للإنسان الأول؛ فهم حين كانوا يرقصون، لم يريدوا بذلك أن يعبروا عن أنفسهم وكفى بل قصدوا إلى الإيحاء إلى الطبيعة وإلى الآلهة، مثال ذلك استحثاث

 

الطبيعة على وفرة النسل كانوا يؤدونه أساساً بالتنويم الذي ينتج عن الرقص؛ ويرى "سبنسر" أن الرقص يرجع في أصله إلى ترحيب ذي طقوس برئيس عاد من الحروب ظافراً؛ أما "فرويد" فرأيه أن الرقص أصله التعبير الطبيعي عن الشهوة الحسية، وفن الجماعة في إثارة الرغبة الجنسية؛ فلو كان لنا أن نقول - غير متجاوزين هذه الآراء من حيث ضيق النظر - بأن الرقص إنما نشأ من الطقوس المقدسة وألوان العربدة، ثم جمعنا النظريات الثلاث التي أسلفنا ذكرها في نظرية واحدة؛ كان لنا بذلك فكرة عن أصل الرقص هي أدق ما يمكننا الوصول إليه اليوم.

ولنا أن نقول بأنه عن الرقص نشأ العزف الموسيقي على الآلات كما نشأت المسرحية؛ فالعزف الموسيقي - فيما يبدو - قد نشأ عن رغبة الإنسان في توقيع الرقص توقيعاً له فواصل تحدده، وتصاحبه أصوات تقويّة؛ وعن رغبته كذلك في زيادة التهيج اللازم للشعور الوطني أو الجنسي بفعل صرخات أو نغمات موزونة؛ وكانت آلات العزف محدودة المدى والأداء، ولكنها من حيث الأنواع لا تكاد تقع تحت الحصر؛ فقد بذل الإنسان كل ما وهبته الطبيعة من نبوغ في صناعة الأبواق بأنواعها والطبول والشخاشيخ والمصفقات والنايات وغيرها من آلات الموسيقى، صنعها من قرون الحيوان وجلودها وأصدافها وعاجها، ومن النحاس والخيزران والخشب؛ ثم زخرف الإنسان هذه الآلات بالألوان والنقوش الدقيقة؛ ومن وتر القوس قديماً نشأت عشرات الآلات، ومن القيثارة البدائية إلى الكمان والبِيان الحديثين؛ ونشأ بين القبائل منشدون محترفون كما نشأ بينهم الراقصون المحترفون، وتطور السُّلَّم الموسيقي من غموض وخفوت حتى أصبح على ما هو عليه الآن(66).

ومن الموسيقى والغناء والرقص مجتمعة، خَلَقَ لنا "الهمجي" المسرحية والأوبرا، ذلك لأن الرقص البدائي كان في كثير من الأحيان يختص بالمحاكاة،

 

فقد كان يحاكي حركات الحيوان والإنسان ولا يجاوز هذه المرحلة، ثم انتقل إلى أداء يحاكي به الأفعال والحوادث؛ فمثلا بعض القبائل الأسترالية كانت تقوم برقصة جنسية حول فجوة في الأرض يوشّون حوافيها بالشجيرات ليمثلوا بها فرج المرأة وبعد أن يحركوا أجسامهم حركات نشوانة غَزِلَة، يطعنون برماحهم طعنات رمزية في الفجوة؛ وقبائل استراليا الشمالية الغربية، كانت تمثل مسرحية الموت والبعث لا تختلف إلا في درجة البساطة عن مسرحية اللغز في القرون الوسطى والمسرحية العاطفية في العصر الحديث؛ فكنت ترى الراقصين يهبطون إلى الأرض في حركة بطيئة، ثم يغطون وجوههم بغصون يحملونها، تمثيلاً للموت؛ حتى إذا ما أشار لهم الرئيس، نهضوا نهوضاً مباغتاً وهم يرقصون ويغنون رقصا وغناء عنيفين يَدُلون بهما على فوزهم الذي أحرزوه، ويعلنون بعث الروح(67) وعلى هذا النحو أو ما يشبهه، كانوا يقومون بمئات الأوضاع في التمثيل الصامت، ليصفوا بها أهم الأحداث في تاريخ القبيلة، أو أهم الأفعال في حياة الفرد؛ فلما اختفى التوقيع من هذا التمثيل، تحول الرقص إلى مسرحية، وبهذا وُلدَت لنا صورة من أعظم صور الفنون.

بهذه الوسائل خلق لنا البدائيون السابقون لعصر الحضارة صور الحضارة وأسسها؛ فإذا ما نظرنا إلى الوراء نستعرض هذا الوصف الموجز للثقافة البدائية، وجدنا هناك كل عنصر من عناصر المدنية إلا عنصرين: هما الكتابة والدولة، فكل أوضاع الحياة الاقتصادية وُضعت لنا أصولهُا في هذه المرحلة: الصيد والسّماكة، الرعي والزراعة، النقل والبناء، الصناعة والتجارة وشئون المال؛ وكذلك كل الأنظمة السياسية البسيطة نبتت جذورها في هذه المرحلة: العشيرة والأسرة، القرية والجماعة والقبيلة؛ وكذلك ترى الحرية والنظام - هذان المحوران المتضادان اللذان تدور حولهما المدنيَّة كلها - قد تلاءما وتوافقا لأول مرة في هذه المرحلة، فبدأ حينئذ القانون وبدأت العدالة؛ وقامت أسس الأخلاق:

 

 

تدريب الأطفال وتنظيم الجنسين: وتلقين الشرف والحشمة وقواعد السلوك والولاء؛ وكذلك وضعت أسس الدين؛ واستخدمت آماله ومخاوفه في تأييد الأخلاق وتدعيم المجتمع؛ وتطور الكلام إلى لغات معقدة، وظهرت الجراحة وظهر الطب، وبَدَت بوادر متواضعة للعلم والأدب والفن؛ وفوق هذا كله كانت هذه المرحلة صورة لعهد تم فيه إبداع عجيب، فنظام يُخلق من فوضى، وطريق بعد طريق يُشَقُّ من حياة الحيوان لينتهي إلى الإنسان الحكيم؛ فبغير هؤلاء "الهمج" وما أنفقوه من مائة ألف عام في تجريب وتحسُّس، لما كتُب للمدنيَّة النهوض؛ فنحن مَدِينون لهم بكل شيء تقريباً - كما يرث اليافع المحظوظ، أو إن شئت فقل كذلك إنه اليافع المتحلّل، كما يرث هذا اليافع سبيله إلى الثقافة والأمن والدّعة، من أسلاف أمّيّين وَرَّثوه ما ورَّثوه بكدحهم الطويل.

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: