التاريخ كما يجب ان يكون

الكاتب / زهير كمال
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

بقلم: زهير كمال استغرق تسليم السلطة الى رئيس المحكمة الدستورية في مصر قرابة 30 شهراً بعد انتصار ثورة 25 يناير المجيدة . في مقال لي بعنوان (نداء الى رئيس المحكمة الدستورية) بتاريخ 11 فبراير 2011 ، مباشرة بعد تنحي مبارك قلت: ليس هناك سوى فرد واحد يستطيع بدء المرحلة الجديدة في تاريخ مصر الحديث ولا بد له من قرع الجرس قبل فوات الأوان. إن رئيس المحكمة الدستورية بصفته يستطيع أن يملأ الفراغ الحالي بصفة مؤقتة حتى يستطيع وضع القطار على سكته. فلا مجال للجيش أن يتولى السلطة وأن يُعطى الثقة في تنفيذ الوعود التي يقطعها على نفسه. وتسليم السلطة لرجل مدني ضمانة لقدوم حكم ديمقراطي شفاف ونظيف. لقد دُفع في هذه الثورة الكثير من الدم والعرق والدموع وأعضاء المجلس الأعلى لا يتمتعون بأي خيال ولا يعرفون ما يفعلون وسيحرفون الثورة عن مسارها لأنها ليست ثورتهم. وقد حدث ما توقعته فقد حرف المجلس العسكري الثورة عن مسارها وسلم السلطة الى الإخوان المسلمين مقابل صفقة مريبة، استلام السلطة مقابل السكوت عن جرائم المجلس وغض النظر عن الثروات الطائلة التي جمعوها أيام مبارك. وبالطبع فإن رئيس المحكمة الدستورية في ذلك الوقت لم يكن مستعداً لخيانة صديقه مبارك، ولي نعمته السابق. كان اليوم التاسع عشر للثورة هو اليوم الذي خرجت فيه جماهير مصر احتجاجاً على نتائج المحاكمات الهزيلة للنظام القديم وخروج كل أركانه أبرياء لعدم كفاية الأدلة. وكان اليوم العشرين للثورة هو يوم 30 يونيو حين خرجت الجماهير لتصحيح مسارها بفضل الشباب المصممين على استكمال أهدافها . في هذه الاستمرارية ، يتجلى الفرق بين شعب مصر والشعوب الأخرى، فالثورات الشعبية تستمر فترة فعلها العنيف لفترة قصيرة وبعد ذلك يتم التغيير ببطء عبر الصراع بين الاتجاهات والتيارات المختلفة. في الحالة المصرية فإن قيام 30 مليوناً بالتظاهر يعبر عن رغبة ومزاج أكبر عائلة في التاريخ، لم تؤثر في نفسيتها هجرة أعداد كبيرة من أبناءها طلباً للرزق واحتكاكهم بالشعوب الأخرى كما أن وسائل الاتصالات الحديثة وتحوّل العالم كله الى قرية صغيرة لم تفتت هذه العائلة وتشتت شملها بل نجدها قد زادت أواصر العلاقة بين أفرادها وبخاصة فئة الشباب. جرت مياه كثيرة في نهر النيل وانحرف التاريخ عن مساره قليلاً ولكنه انحراف مقبول فقد تكشّفت للشعب المصري فئة صغيرة من العائلة تدعي أنها ظل الله على الأرض وتتاجر باسم الدين. والعائلة تستغرب تكفير أفرادها وتقسيمهم على أساس إيماني، فهي عائلة متدينة وتفهم الدين على أنه دين وسطي لا إكراه فيه ولا إجبار. وما يؤسف له أن قيادات هذه الفئة لم تفهم طبيعة العصر ولا طبيعة الشعب المصري وكذلك نسيان حقيقة هامة أن هناك ثورة ما زالت قائمة بل إنها لم تفكر بعمق في منهج الدين ومقاصده. وبدلاً من الاعتراف بالحقيقة، وهي رفض الأغلبية من الشعب لأفكارهم خدعوا أنفسهم أن أعداد الجماهير ما هي إلا حِيلاً تلفزيونية وتمسكوا بشرعية صندوق الانتخابات التي لم تعكس فعلاً نبض الشعب الحقيقي من حيث المبدأ كما زاد من رفض الأغلبية لهذه الفئة أداؤها السيء خلال فترة عام كامل. كان يمكن للإخوان المسلمين امتصاص الصدمة التي حدثت بإزاحة مرسي عن السلطة وتحويلها الى انتصار كاسح واسترجاع ما فقدوه خلال الفترة القصيرة التي تم تحديدها بستة أشهر، وذلك بتصوير أنفسهم أنهم الضحية التي لم تتح لها فرصة الحكم وهم أصحاب الشرعية، ولكنهم آثروا المواجهة فوحدوا خصومهم ضدهم وبدلاً من الاستفادة من قوة التنظيم التي يمتلكونها مقابل ضعف باقي الأحزاب ، وضعوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه ، ووضعوا بتصرفاتهم الحالية مصر والمنطقة على كف عفريت. أي عاقل سيحسب موازين القوى قبل الدخول في المواجهة التي يقومون بها الآن، فرفض جموع الشعب المصري لهم واضح، كما أن الجيش المصري ليس معهم وحتى الدعم المعنوي المتمثل في الأزهر وقف ضدهم، أما الآلة الإعلامية الضخمة المتمثلة في العديد من المحطات التلفزيونية فقد تم إغلاقها. فما هي نقاط قوتهم مقابل ذلك؟ تنظيم جيد وجزء من البسطاء في الشارع المصري المستعدين للتضحية ولكنهم غير قادرين على تحويل النزاع لصالحهم . وما يؤسف له أيضاً وقوعهم في فخ الغرب المنافق، مدّعي الدفاع عن الديمقراطية والشرعية، هذا الغرب الذي يهمه جداً أن لا تقوم لمصر والعالم العربي قائمة وأن تقع المنطقة كلها في فخ القلاقل والاضطرابات، مقابل إسرائيل القوية المتماسكة والآمنة. إن الجهل بأبسط حساب للقوى وعدم الدراية بالعمل السياسي وعدم ووجود استراتيجية وبرامج واضحة يؤدي الى خسارة هذا التنظيم لمواقعه، إضافة الى تحميلهم مسؤولية الدم المراق من أبناء مصر المغرر بهم. لن يتوقف الأمر على ذلك بل إن دخولهم هذه المواجهة الخاسرة سيقوي من موقف جنرالات الجيش المتعطشين للسلطة، فقد لوحظ التأييد الكبير للجنرال السيسي بصفته مخلّص البلاد من الإرهاب. ولمن يذكر التاريخ القريب فإن السلام العسكري الذي أداه المتحدث باسم المجلس العسكري قد سلم الثورة له على طبق من ذهب وضيّع على مصر عشرين شهراً من حالة التخبط وعدم الاتزان، أما اليوم فقد تخطى السيسي رئيس الجمهورية المؤقت ورئيس الوزراء وطلب تفويضاً وأمراً من الشعب لمحاربة الإرهاب. وستكلف هذه الكلمة شعب مصر الكثير فهي تلميع للرجل تمهيداً لترشحه لرئاسة الجمهورية مما يعني عودة مصر لحكم العسكر وما جره ذلك من ويلات ومصائب ليس على مصر فحسب بل على المنطقة كلها. ولو جرت انتخابات في مصر اليوم فسيكتسح السيسي نتائجها. وليس هناك من مخرج لذلك سوى أن يتوحد أصحاب الثورة الحقيقيون، الإسلام المنفتح المتمثل في الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح مع التيار الناصري المتمثل في حمدين صباحي في مرشح واحد منهما، مع دعم جبهة الإنقاذ لهم. وعلى شباب مصر وبخاصة حركة تمرد عدم الوقوع في فخ العسكر وعليهم دعم مرشح مدني للرئاسة. لن يكون الرئيس مرسي هو آخر رئيس يعزله الشعب المصري بعد أن عرف الطريق أنه بالعمل الجماعي يستطيع فرض إرادته، وما لم تتحقق شعارات الثورة المتمثلة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، فلن يستطيع رئيس تقليدي البقاء في السلطة طويلاً.

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: