قصة الحضارة (25)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

2- الصناعة

 

المعدنون - الصناع - العمال - المهندسون -

 

النقل - البريد - التجارة وشئون المال - الكتبة

 

وازداد الفائض من الثروة شيئاً فشيئاً نتيجة عمل الزراع، وادخر الطعام لمن يعملونه في التجارة والصناعة. وكانت مصر تستورد المعادن من بلاد العرب والنوبة لقلتها فيها. وكان بُعد مراكز التعدين مما لا يغري الأهالي باستغلالها لحسابهم الخاص، ولذلك ظلت صناعة التعدين قروناً كثيرة محتكرة للحكومة(58). وكانت مناجم النحاس تغل مقادير قليلة منه(59)، أما الحديد فكان يستورد من بلاد الحيثيين، وكانت مناجم الذهب منتشرة على طول الضفة الشرقية للنيل وفي

 

بلاد النوبة، كما كان يؤتى به من خزائن جميع الولايات الخاضعة لسلطان مصر. ويصف ديودور الصقلي (56 ق.م) المعدنين المصريين وهم يتبعون بالمصباح والمعول عروق الذهب في الأرض، والأطفال وهم يحملون المعدن الخام، والمهارس الحجرية وهي تطحنه، والشيوخ والعجائز وهم يغسلونه. ولسنا نعرف بالضبط ما في هذه الفقرة الشهيرة من تزييف مبعثه النعرة القومية العارمة:

"إن ملوك مصر يجمعون السجناء الذين أدانهم القضاء، وأسرى الحرب وغيرهم ممن وجهت إليهم التهم الباطلة وزجوا في السجون في سورة من الغضب، وهؤلاء كلهم يرسلون إلى مناجم الذهب تارة وحدهم وتارة مع جميع أسرهم، ليقتص منهم عن جرائم ارتكبها المجرمون منهم، أو ليستخدموا في الحصول على دخل كبير نتيجة كدهم... وإذا كان هؤلاء العمال عاجزين عن العناية بأجسامهم، ليس لهم ثياب تستر عريهم، فإن كل من يرى هؤلاء البائسين المنكودي الحظ تأخذه الرحمة بهم لفرط شقائهم. ذلك أنه لا يرى أحداً يرحم المرضى والمشوهين والعجزة والضعاف من النساء، أو يخفف العمل عنهم. ولكن هؤلاء كلهم يُلزمون بالدأب على العمل حتى تخور قواهم، فيموتوا في ذل الأسر. ولهذا فإن هؤلاء البائسين المساكين يرون مستقبلهم أتعس من ماضيهم لقسوة العقاب الذي يوقع عليهم، وهم من أجل ذلك يفضلون الموت على الحياة"(60).

وعرفت مصر في عهد الأسرات الأولى كيف تصنع البرنز بمزج النحاس بالقصدير، وصنعت منه أو الأمر أسلحة برنزية كالسيوف، والخوذات والدروع؛ ثم صنعت منه بعدئذ أدوات برنزية كالعجلات، والهراسات، والرافعات، والبكرات، وآلات رفع الأثقال، والأوتاد، والمخارط، واللوالب، والمثاقب التي تثقب أقسى أحجار الديوريت، والمناشر التي تقطع ألواح الحجارة الضخمة لصنع التوابيت. وكان العمال المصريون يصنعون الآجر والأسمنت والمصيص، ويطلون الفخار بطبقة زجاجية، ويصنعون الزجاج وينقشونه هو والفخار بمختلف

 

الألوان. وقد برعوا في حفر الخشب يصنعون منه كل ما يصلح لصنعه من قوارب وعربات وكراسي، وأسرة، وتوابيت جميلة تكاد تغري الأحياء بالموت. واتخذوا من جلود الأنعام ملابس وكنانات، ودروعاً، ومقاعد. وقد صورت على جدران المقابر كل الفنون المتصلة بدبغ الجلود، ولا يزال الأساكفة إلى الآن يستخدمون السكاكين المقوسة المصقولة على تلك الجدران في أيدي دابغي الجلود(61). وصنع المصريون من نبات البردي الحبال والحصر والأخفاف والورق. وابتدعوا فن الطلاء بالميناء والورنيش واستخدموا الكيمياء في الصناعة. ومن الصناع من كان يعمل في نسج القماش من أدق الخيوط المعروفة في تاريخ النسج كله. وقد عثر المنقبون على نماذج من الكتان منسوجة من أربعة آلاف عام، وعلى الرغم من عوادي الأيام فإن " خيوطها قد بلغت من الدقة حداً لا يستطيع الإنسان معه أن يميزها من خيوط الحرير إلا بمجهر. وإن أحسن ما أخرجته المناسج الآلية في هذه الأيام ليعد خشنا إذا قيس إلى هذا النسيج الذي كان يصنعه المصريون الأقدمون بأنوالهم اليدوية(62). وفي هذا يقول بسكل: "إذا فاضلنا بين قدرة المصريين الفنية وقدرتنا نحن، تبين لنا أننا كنا قبل اختراع الآلة البخارية لا نكاد نفوقهم في شيء"(63).

وكانت الكثرة الغالبة من الصناع من الأحرار، وقلتهم من الرقيق. وكان العاملون في كل صناعة من الصناعات يؤلفون طبقة خاصة كما هو الحال في الهند اليوم. وكان يطلب إلى الأبناء أن يتخذوا صناعات آبائهم . وقد جاءتهم الحروب بآلاف من الأسرى فكانوا عونا على إنشاء الضياع الواسعة وعلى رقي فن الهندسة. وقد أهدى رمسيس الثالث في أثناء حكمه 000ر113 أسير إلى الهياكل". وكان النظام المألوف للصناع الأحرار أن تؤلف منهم فرق تتبع

 

رئيساً منهم أو مشرفاً عليهم يؤجر على عملها جملة ويؤدي هو لأفرادها أجورهم. وفي المتحف البريطاني لوحة طباشيرية سجل فيها أحد رؤساء العمال أسماء ثلاثة وأربعين عاملا ودّون أمام أسمائهم أيام غيابهم وأسباب هذا الغياب من "مرض" أو "تضحية للإله" أو مجرد "الكسل". وكان الإضراب كثير الحدوث؛ وقد حدث مرة أن تأخر صرف الأجور للعمال زمناً طويلاً فحاصروا رئيسهم وأنذروه بقولهم له : "لقد ساقنا إلى هذا المكان الجوع والعطش، وليست لنا ثياب، وليس عندنا زيت ولا طعام؛ فاكتب إلى سيدنا الملك في هذا الأمر، واكتب إلى الحاكم (حاكم المقاطعة) الذي يشرف على شؤوننا حتى يعطيانا ما نقتات به"(67) . وتروي إحدى القصص اليونانية المتواترة خبر فتنة صماء اندلع لهيبها في مصر واستولى فيها العبيد على إحدى المديريات، وظلت في أيديهم زمنا طويلاً كانت نتيجته أن الزمن، الذي يجيز كل شيء، أقر امتلاكهم إياها. لكن النقوش المصرية لا تذكر شيئاً قط عن هذه الفتنة(68). ومن أغرب الأشياء أن حضارة كانت تستغل العمال هذا الاستغلال القاسي لم تعرف أو لم تسجل إلا عددا ضئيلاً من الثورات.

وكان فن الهندسة عند المصريين أرقى من كل ما عرفه منه اليونان أو الرومان، أو عرفته أوربا قبل الانقلاب الصناعي؛ ولم يتفوق عليهم فيه إلا عصرنا الحاضر، وحتى في هذا القول الأخير قد نكون مخطئين. مثال ذلك أن سنوسريت الثالث شاد سوراً حول بحيرة موريس طوله سبعة وعشرين ميلاً ليجمع فيها ماء منخفض الفيوم، وأصلح بعمله هذا 000ر25 فدان كانت من قبل مناقع، فأصبحت صالحة للزراعة، هذا إلى أنه اتخذ من هذه البحيرة خزاناً واسعاً لماء الري(69). واحتفرت قنوات عظيمة منها ما يصل إلى النيل بالبحر الأحمر، واستخدمت الصناديق الغاطسة للحفر تحت الماء(70)، ونقلت المسلات التي تزن ألف طن من

 

أماكن قاصية. وإذا جاز لنا أن نصدق ما ينقله لنا هيرودوت، أو نحكم على أعمال السابقين بما نشاهده من صورها في النقوش البارزة التي خلفتها الأسرة الثامنة عشرة، قلنا أن هذه الحجارة الضخمة كان يجرها آلاف من العبيد على عروق من الخشب مطلية بالشحم، ثم ترفع إلى أماكنها في البناء على طرق طويلة تبدأ من أماكن بعيدة(71). ولقد كانت الآلات نادرة لأن الجهد العضلي كان رخيصاً، وليس أدل على هذا الرخص من نقش بارز صور فيه ثمانمائة من المجدفين يدفعون سبعة وعشرين قارباً تجر وراءها صندلاً للنقل يحمل مسلتين(72). هذا هو العصر الذهبي الذي يريد من ينادون بتحطيم الآلات أن يعودوا إليه. وكانت سفن يبلغ طول الواحدة منها مائة قدم وعرضها خمسين قدماً تمخر عباب النيل والبحر الأحمر، ثم انتقلت آخر الأمر إلى البحر الأبيض المتوسط. أما في البر فقد كانت البضائع ينقلها الحمالون، ثم استخدمت في نقلها الحمير ثم الخيل، وأكبر الظن أن الهكسوس هم الذين جاءوا بالخيل إلى مصر. ولم يظهر الجمل في مصر إلا في عهد البطالمة(73). وكان الفقراء من أهل البلاد يتنقلون مشياً على الأقدام أو يستخدمون قواربهم البسيطة، أما الأغنياء فكانوا يركبون رجازات يحملها العبيد ثم صاروا فيما بعد يركبون عربات غير أنيقة الصنع يقع ثقلها كله أمام محور العجل(74).

وكان لدى المصريين بريد منتظم؛ فقد جاء في بردية قديمة : "اكتب إلىّ مع حامل الرسائل" (75). إلا أن وسائل الاتصال لم تكن مع ذلك ميسرة، فقد كانت الطرق قليلة غير معبدة ما عدا الطريق الحربي الممتد من نهر الفرات ماراً بغزة (76). وكان التواء النيل- وهو أهم وسائل الانتقال وقتئذ- مما ضاعف البعد بين المدن المختلفة. وكانت التجارة الداخلية بدائية نسبياً، يتم معظمها بطريق المقايضة في أسواق القرى، ونمت التجارة الخارجية نمواً بطيئاً،

 

وعاقها ما كان يفرض عليها من قيود شديدة أشبه ما تكون بأحدث الحواجز الجمركية المفروضة على التجارة الخارجية في هذه الأيام. ذلك أن ممالك الشرق الأدنى كانت قوية الإيمان بمبدأ " الحماية التجارية " لأن الضرائب الجمركية كانت مورداً للخزائن الملكية. على أن مصر مع هذا قد أثرت بما كانت تستورده من المواد الغفل وتصدره من المصنوعات. وكانت أسواق مصر غاصة بالتجار السوريين والكريتيين والقبرصيين، كما كانت السفن الفينيقية تجري في النيل من مصبه في الشمال إلى أرصفة طيبة الكثيرة الحركة في الجنوب(77).

ولم تكن النقود قد بدأت تستعمل في البيع والشراء، ولذلك كان كل شيء، حتى مرتبات أكبر الموظفين، يؤدى، سلعاً، حَّبا أو خبزاً، أو خميرة، أو بيرة أو نحوها. وكانت الضرائب تجبى عيناً، ولم تكن خزائن الملك غاصة بالنقد بل كانت مخازن تكدس فيها آلاف السلع من منتجات الحقول وبضائع الحوانيت. ولما أخذت المعادن الثمينة تتدفق على مصر بعد فتوح تحتمس الثالث شرع التجار يؤدون ثمن ما يبتاعونه من البضائع حلقات أو سبائك من الذهب، تقدر قيمتها بالوزن في كل عملية تجارية؛ ولم تضرب نقود ذات قيمة محددة تضمنها الدولة لتسهيل هذه العمليات. على أن نظام الائتمان قد نشأ بينهم وارتقى، وكثيرا ما كانت التحاويل والصكوك المكتوبة تحل محل المقايضة أو الدفع فورا؛ ووجد الكتبة في كل مكان يعجلون الأعمال بوثائق المبادلة القانونية، وأعمال المحاسبة والأعمال المالية.

وما من أحد زار متحف اللوفر إلا شاهد تمثال الكاتب المصري الجالس مطوي الساقين، وجسمه كله يكاد يكون عارياً، ومن خلف أذنه قلم احتياطي غير القلم الذي يمسكه بيده، وهو يدون ما يقوم به ويسجل ما يؤدى من العمل، وما يسلم من البضائع، وأثمانها وأكلافها، ومكسبها وخسارتها. يحصي الماشية الذاهبة إلى المذبح، والحبوب وهي تكال للبيع، ويكتب العقود والوصايا، ويقدر ما يجب على سيده أن يؤديه من ضريبة الدخل. والحق أنه لا جديد تحت الشمس.

 

وهو حريص معني بعمله مجد فيه نشيط نشاطا آلياً؛ وأوتي قسطاً من الذكاء ولكنه ذكاء يقف عند الحد الذي يمنعه أن يكون خطراً؛ حياته رتيبة مملة، ولكنه يواسي نفسه بكتابة المقالات عما يكتنف حياة العامل اليدوي من صعاب،

 

وما يحيط بأولئك الذين طعامهم الورق ودمائهم المداد من عزة وكرامة لا تقلان عن عزة الأمراء وكرامتهم.

 

3- نظام الحكم

 

الموظفون - الشرائع - الوزير - الملك

 

 

وكان الملك وأعيان الأقاليم يستعينون بهؤلاء الكتبة للمحافظة على نظام وسلطان القانون في الدولة. وتصور بعض الألواح القديمة الكتبة يقومون بعملية الإحصاء، ويحسبون ما دخل الخزانة من ضريبة الدخل. ويستعينون بالمقاييس النيلية التي تسجل ارتفاع ماء النهر على معرفة ما سيكون عليه موسم الحصاد، فيقدرون منه إيراد الحكومة في العام المقبل، ويخصصون لكل مصلحة من المصالح ما سيكون لها من نصيب في هذا الإيراد؛ وكان عليهم فوق ذلك أن يشرفوا على شئون الصناعة والتجارة. ولقد أفلحوا من بداية التاريخ تقريباً في وضع نظام اقتصادي تشرف الدولة عليه(78).

وكانت القوانين المدنية والجنائية غاية في الرقي، كما كانت القوانين الملكية والميراث من أيام الأسرة الخامسة قوانين مفصلة دقيقة(79). وكان الناس جميعاً متساوين مساواة تامة أمام القانون كما هم متساوون أمامه في هذه الأيام- أي متى كان الطرفان المتنازعان متساوين في الموارد وفي النقود. وأقدم وثيقة قانونية في العالم كله عريضة دعوى محفوظة الآن في المتحف البريطاني تعرض على المحكمة قضية من قضايا الميراث المعقدة. وكان القضاة يطلبون أن يُترافع في القضايا، وأن يرد على حجج المترافعين، وأن يناقش أصحابها ويحاجون، على ألا يكون ذلك كله خطبا تلقى بل مذكرات مكتوبة تقدم للقضاة- وهو نظام لا يقل في شأنه عن نظام التقاضي المعقد في هذه الأيام. وكان الحانث في يمينه يعاقب بالإعدام(80).وكان للمصريين محاكم منظمة مختلفة الدرجات تبدأ من

 

مجالس الحكم المحلية في المقاطعات وتنتهي بالمحاكم العليا في منف أو طيبة أو عين شمس(81). وكانوا يلجئون إلى التعذيب في بعض الأحيان لحمل المجرم على الاعتراف بالحق(82). وكان الضرب بالعصا من أنواع العقاب الشائعة، وكانوا يلجئون في بعض الأحيان إلى عقاب المذنب بجدع أنفه أو قطع يده أو لسانه(83)، أو نفيه إلى أقاليم المناجم، أو إعدامه بالشنق أو بالمخزق، أو بقطع رأسه أو بإحراقه مصلوباً. وكان أشد ضروب العقاب هو تحنيط المعاقب حياً، أو إحاطته بطبقة من النطرون القارض تأكل جسمه أكلاً بطيئاً(84). وكان المجرمون من علية القوم يجنبون عار الإعدام علنا بأن يسمح لهم بقتل أنفسهم بأيديهم كما تفعل طبقة الساموراي في اليابان(85). ولم يُعثر على شواهد يستدل منها على وجود نظام للشرطة، وحتى الجيش العامل- وقد كان على الدوام صغير الحجم لأن في عزلة مصر وموقعها بين الصحراء والبحر ما يرد عنها المغيرين- قلما كان يستخدم لحفظ النظام في داخل البلاد.

ذلك أن الحياة والملكية، والاطمئنان إلى سلطان القانون والحكومة تكاد تعتمد كل الاعتماد على هيبة الملك، وكانت المدارس والهياكل دعامة هذه الهيبة وليس في العالم كله أمة غير مصر- إذا استثنينا الأمة الصينية- جرؤت على أن تعتمد كل هذا الاعتماد على العوامل النفسية لحفظ الأمن في البلاد.

لقد كانت الحكومة المصرية من أحسن الحكومات نظاماً، وكانت أطول حياة من أية حكومة أخرى في التاريخ. وكان الوزير على رأس الإدارة كلها، يشغل منصب رئيس الوزراء، وقاضي القضاة، ورئيس بيت المال، وكان الملجأ الأخير للمتقاضين لا يعلو عليه في هذا إلا الملك نفسه. وترى الوزير في نقش على أحد القبور يخرج من بيته في الصباح الباكر "ليستمع إلى مظالم الفقراء ويصغي " كما هو وارد في النقش " إلى ما يقول الناس في مطالبهم، لا يميز فيها بين الحقير والعظيم" (86). وقد وصلت إلينا بردية مدهشة من عهد الإمبراطورية

 

 

تحتوى كما تقول هي نفسها على صورة الخطاب الذي كان يلقيه الملك حين يعين الوزير في منصبه (ولربما كان هذا الخطاب قطعة أدبية من وضع كاتبها نفسه):

"اجعل عينك على مكتب الوزير؛وراقب كل ما يحدث فيه. واعلم أنه هو الدعامة التي تستند إليها جميع البلاد... ليست الوزارة حلوة، بل هي مرة. واعلم أنها ليست إظهار الاحترام الشخصي للأمراء والمستشارين؛ وليست وسيلة لاتخاذ الناس أيا كانوا عبيدا. انظر، إذا جاءك مستنصف من مصر العليا أو السفلى، فاحرص على أن يجري القانون مجراه في كل شيء، وأن يتبع في كل شيء العرف السائد في بلده، وأن (يعطي كل إنسان) حقه... واعلم أن المحاباة بغيضة إلى الإله... فانظر إلى من تعرفه نظرتك إلى من لا تعرفه، وإلى المقربين إلى الملك نظرتك إلى البعيدين عن (بيته). انظر، إن الأمير الذي يفعل هذا سيبقى هنا في هذا المكان. وليكن ما يخافه الناس من الأمير أنه يعدل في حكمه. ارع القواعد المفروضة عليك"(87).

وكان الملك نفسه هو المحكمة العليا، يستطاع رفع كل قضية إليه في أحوال معينة، إذا لم يعبأ المدعى بما يطلبه رفعها إليه من النفقات. وتمثل بعض النقوش القديمة " البيت الأعظم " الذي يجلس فيه للحكم والذي تتجمع فيه دواوين الحكومة. وقد اشتقت من اسم هذا البيت الأعظم الذي كان المصريون يطلقون عليه لفظ "بيرو" والذي ترجمه اليهود إلى فرعوه، اشتق من اسمه هذا لقب الملك نفسه. وفي هذا البيت كان الملك يضطلع بواجبة الشاق الرتيب من الأعمال التنفيذية، التي كانت في بعض الأحيان لا تقل في كثرتها وفيما تتطلبه من جهود عن أعمال شندرا جويتا أو لويس الرابع عشر أو نابليون(88). وكان الملك إذا سافر قابله أمراء الإقطاع عند حدود إقطاعاتهم، وساورا في ركابه، وأولموا له

 

الولائم، وقدموا له من الهدايا ما يتناسب مع ما ينتظرونه منه. وقد جاء في أحد النقوش أن نبيلا من النبلاء أهدى أمنحوتب الثاني " عربات من الفضة والذهب وتماثيل من العاج والأبنوس، وجواهر، وأسلحة وتحفا فنية " و 680 درعاً، و 140 خنجراً من البرنز ومزهريات كثيرة من المعادن الثمينة(89). وجازاه الملك على هذا بأن أخذ ابنه معه ليعيش في قصره- وهي طريقة ماكرة لاتخاذه رهينة يضمن بها ولاء هذا الشريف. وكان يتألف من أكبر رجال البلاط سناً مجلس شيوخ يسمى سارو أي مجلس العظماء مهمته أن يكون مجلساً استشارياً للملك(90). على أن هذه الاستشارة لم تكن في الواقع ضرورية لأن الملك ومن ورائه الكهنة كان يدعى أنه من سلالة الآلهة وأن الآلهة نفسها قد وهبته السلطة والحكمة. وكان اتصاله بالآلهة على هذا النحو مصدر نفوذه وهيبته. ومن أجل هذا كانت تخلع عليه إذا خوطب صفات من الإجلال يدهش لها الإنسان أحيانا. من ذلك ما جاء في قصة سنوحى إذ يحييه مواطن صالح بقوله : "أيها الملك الطويل العمر أرجو أن تهب الواحدة الذهبية (أي الإلهة حتحور) الحياة لأنفك" (91).

وكان يقف على خدمة الملك- كما يليق بشخص هذه عظمته- عدد كبير من مختلف الأعوان منهم القوّاد، وغاسِلو الملابس، وقُصّارها، وحراس خزائنها، وغيرهم من ذوي المراتب الرفيعة. وكان عشرون من الموظفين يشتركون في تزيينه، منهم حلّاقون لا يسمح لهم إلا بقص شعره وحلْق لحيته، وآخرون لإلباسه قلنسوته وتاج رأسه، ومدرمون يقصون أظافره ويدرمونها، ومعطرون يعطرون جسمه ويكحلون جفون عينيه، ويحمرون خديه وشفتيه بالصبغة الحمراء(92). وجاء في نقش على أحد القبور أن صاحب القبر كان "المشرف على صندوق دهان الشعر والوجه، المسيطر على الدهان، حامل ُخفي الملك، والذي يعني بخفيه العناية التي يرضاها القانون"(93). وكان الانحلال والضعف عاقبة هذا التنعم المفرط، وكان الملك يلجأ في بعض الأحيان إلى الترويح عن نفسه وإزالة ما يعتريه من ملل

 

وسآمة بحشد طائفة من الفتيات في قاربه الملكي وليس عليهن من الثياب إلا نوع من الشباك ذات الثقوب الواسعة. وكان الترف الذي انغمس فيه أمنحوتب الثالث هو الذي مهد السبيل لثورة إخناتون.

 

4- القانون الأخلاقي

 

مضاجعة الملك لأقاربه - الحريم - الزواج - مركز المرأة - سلطان

 

 

الأم في مصر - القوانين الأخلاقية الخاصة بعلاقة الرجال والنساء

 

 

لقد كانت حكومة مصر شبيهة بحكومة نابليون حتى في مضاجعة الملك لأقاربه، وكثيراً ما كان الملك يتزوج أخته، بل كان يحدث أحيانا أن يتزوج ابنته، ليحتفظ بالدم الملكي نقيا خالصا من الشوائب. وليس من اليسير أن نحكم هل أضعفت هذه العادة قوة نسل الملوك أو لم تضعفه ؟ لكننا لا نشك في أن مصر لم تكن تعتقد هذا بعد أن ظلت تسير عليه عدة آلاف من السنين، وانتقلت عادة الزواج بالأخوات من الملوك إلى عامة الشعب حتى وجد في القرن الثاني بعد الميلاد أن ثلثي سكان أرسينوئي يسيرون على هذه السُنّة(94). وكان معنى لفظي أخ وأخت في الشعر المصري القديم كمعنى حبيب وحبيبة في أيامنا هذه(95). وكان للملك فضلا عن أخواته عدد كبير من النساء من أسيرات الحروب وبعضهن من بنات الأعيان أو ممن أهداهن إليه الأقيال الأجانب. من ذلك أن أحد أمراء بلاد "نهرينا" أهدى إلى أمنحوتب الثالث ابنته الكبرى وثلاثمائة من صفوة الفتيات(96). وقد حذا بعض النبلاء حذو الملوك في هذا الإسراف وإن لم يبلغوا فيه مبلغهم، فقد كان عليهم أن يوفقوا في هذه الناحية بين مبادئهم الخلقية ومواردهم المالية.

أما عامة الشعب فكان شأنهم شأن ذوي الدخل المتوسط في سائر الأمم، يقنعون بزوجة واحدة. ويلوح أن الحياة العائلية كانت منظمة، ذات مستوى

 

الأخلاقي

 

 

رفيع من الوجهة الأخلاقية ومن حيث سلطان الأبوين، ولا تقلّ في هذا عنها في أرقى الحضارات في هذه الأيام. وكان الطلاق نادراً إلا في عهد الاضمحلال. وكان في مقدور الزوج أن يخرج زوجته من داره دون أن يعوضها بشيء إذا زَنَت؛ أما إذا طلقها لغير هذا السبب فكان عليه أن يخصص لها جزءاً كبيرا من أملاك الأسرة.

كذلك كان الأزواج يبذلون قصارى جهدهم في الإخلاص لزوجاتهم- على قدر ما يستطيع الإنسان أن يحكم في هذه الأمور الخفية. ولم يكن مستواهم في هذا أقل منه في المدنيات اللاحقة، وكان مركز المرأة عندهم أرقى من مركزها عند كثير من الأمم في هذه الأيام. وفي ذلك يقول ماكس ملر : "ليس ثمة شعب قديم أو حديث قد رفع منزلة المرأة مثل ما رفعها سكان وادي النيل" (97) . فالنقوش تصور النساء يأكلن ويشربن بين الناس، ويقضين ما يحتجنه من المهام في الشوارع من غير رقيب عليهن ولا سلاح بأيديهن، ويمارسن الأعمال الصناعية والتجارية بكامل حريتهن. ولشد ما دهش الرحالة اليوناني- وقد اعتادوا أن يضيقوا على نسائهم السليطات- من هذه الحرية، وأخذوا يسخرون من الأزواج المصريين الذين تتحكم فيهم زوجاتهم. ويقول ديودور الصقلي- ولعله يهدف بقوله هذا إلى السخرية من المصريين- إن طاعة الزوج لزوجته في وادي النيل كانت من الشروط التي تنص عليها عقود الزواج(98)، وهو شرط لا ضرورة للنص عليه في أمريكا ! وكان النساء يمتلكن ويورثن، كما تشهد بذلك وثيقة من أقدم الوثائق في التاريخ، وهي وصية من عهد الأسرة الثالثة توصي فيها السيدة نب- سنت بأرضها لأبنائها(99). وقد ارتقت حتشبسوت وكليوبطرة عرش مصر، وحكمتا وخربتا كما يحكم الملوك ويخربون.

على أننا نجد أحيانا نغمة ساخرة في الآداب المصرية. من ذلك ما كتبه رجل من رجال الأخلاق الأقدمين يحذر قراءه منهن:

 

"احذر المرأة التي تأتيك من الخارج، والتي لا يعرفها أهل مدينتها. فلا ترفع بصرك إليها إذا أتت، ولا تعرفها، فهي كالدُّردور في الماء العميق، لا تستطيع أن تسبر غورها. وأن المرأة التي غاب زوجها لتكتب إليك في كل يوم، وإذا لم يكن معها شاهد عليها قامت ونشرت حولك شباكها. وما أشنعها من جريمة إذا أصغي إليها الإنسان"(100)!.

أما النغمة المصرية الخالصة فهي التي نسمعها في نصيحة بتاح حوريب لابنه والتي يقول فيها:

"إذا كنت ناجحا، وأَثثت بيتك، وكنت تحب زوجة قلبك، فاملأ بطنها واكس ظهرها... وادخل السرور على قلبها طوال الوقت الذي تكون فيه لك، ذلك أنها حرث نافع لمن يملكه... وإذا عارضتها كان في ذلك خرابك"(101).

وتحذر بردية بولاق الطفل تحذيرا يشهد بالحكمة البالغة فتقول:

"ينبغي لك ألا تنسى أمك فقد حملتك طويلا في حنايا صدرها وكنت فيها حملا ثقيلاً؛ وبعد أن أتممتَ شهورك ولدتك. ثم حملتك على كتفها ثلاث سنين طوالا وأرضعتك ثديها في فمك، وغذتك، ولم تشمئز من قذارتك. ولما دخلت المدرسة وتعلمت الكتابة كانت تقف في كل يوم إلى جانب معلمك ومعها الخبز والجعة جاءت بهما من البيت"(102).

ويرجح أن هذه المكانة السامية التي كانت للمرأة إنما نشأت من أن المجتمع المصري كان أميل إلى تغليب سلطان الزوجة على سلطان الزوج بعض الشيء. وشاهد ذلك أن المرأة لم تكن لها السيادة الكاملة في بيتها وكفى، بل إن الأملاك الزراعية كلها كانت تنتقل إلى الإناث؛ وفي ذلك يقول بيترى : "لقد كان الزوج حتى في العهود المتأخرة ينزل لزوجته في عقد زواجه عن جميع أملاكه ومكاسبه المستقبلة"(103) ولم يكن سبب زواج الأخ بأخته أن وجودها معه قد ملأ بحبها قلبه، بل كان سببه أن الرجال كانوا يبغون أن يستمتعوا بميراث الأسرة الذي كان ينحدر

 

من الأم إلى البيت، ولا يريدون أن ينعم الغرباء بهذه الثروة(104). على أن سلطان المرأة قد نقص قليلا على مر الزمن، ولعل سبب هذا النقص هو أثر التقاليد الأبوية التي أدخلها الهكسوس، وأثر انتقال البلاد من عزلتها الزراعية ومن حال السلم إلى طور الاستعمار والحرب. وزاد نفوذ اليونان في أيام البطالمة زيادة أصبحت معها حرية الطلاق، وهي التي كانت تطالب بها المرأة في الأزمنة السابقة، حقا خالصا للزوج لا ينازعه فيه منازع. بيد أنه حتى في ذلك الوقت لم يقبل هذا التطور إلا الطبقات العليا من أهل البلاد، أما عامة الشعب فقد ظلت مستمسكة بالتقاليد القديمة(105). ولعل سيطرة المرأة على شئونها الخاصة هي التي جعلت قتل الأطفال أمرا نادر الحدوث. ويرى ديودور الصقلي أن من خواص المصريين أن كل طفل يولد لهم يلقى حظه الكامل من التربية والرعاية، ويقول أن القانون كان يقضي على الأب الذي يرتكب جريمة قتل طفله بأن يحتضن الطفل القتيل ثلاثة أيام وثلاث ليال كاملة(106). وكانت الأسرة الكبيرة، والأطفال تغص بهم الأكواخ والقصور على السواء، وكان الأثرياء منهم يلقون صعابا جمة في إحصاء نسلهم(107).

وحتى في مسائل الخطبة كانت المرأة هي البادئة. وشاهد ذلك أن ما وصل إلينا من قصائد الغزل ورسائل الحب أغلبه موجه من المرأة إلى الرجل، فهي التي تطلب تحديد مواعيد اللقاء، وهي التي تتقدم بالخطبة إلى الرجل مباشرة، وهي التي تعرض عليه الزواج صراحة(108). وقد جاء في إحدى هذه الرسائل : " أي صديقي الجميل؛ إني أرغب في أن أكون، بوصفي زوجتك، صاحبة كل أملاكك" (109) . ومن ثم نرى أن الحياء- وهو أمر يختلف عن الوفاء- لم يكن من صفات المصريين البارزة، فقد كانوا يتحدثون عن الشئون الجنسية بصراحة لم نعهدها في التقاليد الأخلاقية المتأخرة عن عهدهم، وكانوا يزينون هياكلهم بصور ونقوش غائرة تظهر فيها أجزاء الجسم كلها واضحة أتم الوضوح، وكانوا يقدمون لموتاهم من الأدب الفاحش ما يسليهم في قبورهم(110). لقد كان

 

الدم الذي يجري في عروق سكان وادي النيل دما حارا، ومن أجل ذلك كانت البنات يصلحن للزواج في سن العاشرة، وكان اتصال الفتيان والفتيات قبل الزواج حراً ميسراً؛ ويقال أن أحد السراري في أيام البطالمة استطاعت أن تدخر من الأموال ما بنت به هرما. وحتى اللواط لم يكن معدوما في مصر(111). وكانت الفتيات الراقصات الشبيهات بأمثالهن في اليابان يُقبَلن في أرقى مجتمعات الرجال ليقدمن للمجتمعين ضروب التسلية والمتعة الجسمية. وكن يرتدين ملابس شفافة أو يكتفين أحيانا بالتزين بالخلاخل والأساور والأقراط(112). ولدينا شواهد على الفسوق الديني في نطاق ضيق. وكان من العادات المتبعة التي ظلت باقية إلى عهد الفتح الروماني أن تختار أجمل بنات الأسر الشريفة في طيبة وتنذر لآمون. فإذا أضحت لكبر سنها عاجزة عن إرضاء الإله أخرجت من خدمته بمظاهر التشريف والتعظيم، وتزوجت ولقيت الترحيب والإجلال في أرقى الأوساط (113). لقد كانت لهذه الحضارة آراؤها ونزواتها التي تختلف عن آرائنا نحن

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy