قصة الحضارة (26)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

 

5- العادات

الأخلاقية الشخصية - الألعاب - المظهر

الخارجي - الأصباغ والأدهان - الملابس - الحلي

إذا شئنا أن نستعيد في مخيلتنا صورة من الأخلاق الشخصية للمصريين الأقدمين، وجدنا أن ليس من السهل أن نفرق بين هذه الأخلاق كما نقرأ عنها في آدابهم وبين ما كان يحدث في الحياة الواقعية. فما أكثر ما نقرا عنه من العواطف النبيلة في كتاباتهم. من ذلك ما كتبه أحد الشعراء ينصح مواطنيه:

أطعم الخبز لمن لا حقل له.

واترك ورائك ذكراً طيبا يبقى أبد الدهر. 

وكثيراً ما يسدي بعض الكبار إلى أبنائهم نصائح حميدة، ففي المتحف 

البريطاني بردية تعرف باسم : "حكمة أمنحوتب" (حوالي 950 ق.م) وهي تُعِد أحد الطلاب لتولي منصب عام بطائفة من النواهي لا يبعد قط أن كان لها أثر في واضع "أمثال سليمان" أو واضعيها:

لا تطمع في ذراع من الأرض،

ولا تعتد على حدود أرملة...،

واحرث الحقل حتى تجد حاجاتك،

وخذ خبزك من بيدرك،

وإن قدحا من الحب يعطيكه الله

لخير من خمسة آلاف تنالها بالعدوان...،

وإن الفقر بيد الله

لخير من الغنى في المخازن؛

وإن الرغيف والقلب مبتهج

لخير من الغنى مع الشقاء 

على أن ما تحويه هذه الآداب من دلائل التقوى والصلاح لم يحل دون المطامع البشرية. ولم يكن المصريون الأقدمون إلا خلقاً، لهم ما لسائر الخلق من مطامح. لقد وصف أفلاطون الآثينيين بأنهم محبون للمعرفة، والمصريين بأنهم محبون للثروة. ولعل في هذا الوصف كثيراً من المغالاة دفعته إليها النعرة الوطنية، ولكنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا أن المصريين هم أمريكيو العالم القديم. فهو قوم مولعون بضخامة الحجم، يحبون المباني الفخمة الكبيرة، وهم مجدون نشيطون جماعون للثروة، عمليون حتى في خرافاتهم الكثيرة عن الدار الآخرة. وهم أشد الأمم الماضية استمساكا بالقيم، لم تتبدل حالهم رغم ما طرأ عليهم من أحداث؛ وظل فنانوهم يقلدون ما جرى به العرف القديم تقليدا كأنه أمر من أوامر الدين، إذا نظرنا إلى آثارهم بدا أنهم قوم واقعيون لا يعنون بالسخافات التي لا صلة لها

بالأمور الدينية. ولا يقدرون الحياة تقديرا أساسه العاطفة، يقتلون وضميرهم مستريح لأنهم لم يفعلوا ما يخالف الطبيعة البشرية. ولقد كان الجندي المصري يقطع يمين العدو والمقتول أو عورته ويأتي بها إلى الكاتب المختص ليسجل له عمله هذا في صحيفة حسناته(116). وفقد الناس في عهد الأسر المتأخرة عاداتهم وصفاتهم الحربية لطول ما أخلدوا إلى الأمن في الداخل وإلى السلام فيما عدا الحروب البعيدة عن ديارهم؛ وكانت نتيجة هذا أن فئة قليلة من جنود الرومان استطاعت أن تسيطر على مصر كلها(117).

ولما كان أكثر ما نعرفه عن المصريين مستمدا من الآثار التي كشفت في مقابرهم أو النقوش التي على جدران هياكلهم، فقد خدعتنا هذه المصادفة المحضة فبالغنا فيما كانوا يتصفون به من جد ووقار. والحق أن بعض ما خلفوه من تماثيل ونقوش، ومن قصص هزلية عن آلهتهم(118)، ليشهد بأنهم كانوا على جانب غير قليل من المرح والفكاهة، وقد كان لهم كثير من الألعاب والمباريات العامة والخاصة "كالداما" والنرد(119)، وكانوا يقدمون اللعب والدمى لأطفالهم كالبلى والكرة والنطاطة والخذروف، وكانوا يعقدون مباريات في المصارعة والملاكمة وصراع الثيران(120)، وكان خدمهم يمسحون لهم في أعيادهم ونزهتهم أجسامهم بالزيوت. وكانوا يضعون على رؤوسهم أكاليل الزهر ويسقون الخمور تقدم لهم الهدايا، ونستطيع استنادا إلى ما لدينا من رسومهم الملونة وتماثيلهم أن نصورهم خلقا أقوياء الأجسام، مفتولي العضلات، عريضي المناكب، مستدقي الخصور، ممتلئي الشفاه، منبسطي الأقدام لاعتيادهم الحفاء. وهذه الرسوم والتماثيل تمثل الطبقات العليا النحيفة القوام، طويلة في هيبة، ذات وجوه بيضاء وجباه منحدرة منتظمة، وأنوف طويلة مصفحة، وعيون نجل، وكانت بشرتهم بيضاء وقت مولدهم (تشهد بأنهم من أصل آسيوي لا إفريقي)، ولكنها سرعان ما تلفحها شمس مصر فتسمر(121). وقد جرى

 

العرف بين الفنانين المصريين على أن يرسموا الرجال حمرا والنساء صفروات؛ ولربما كان هذان اللونان مجرد طرازين من الزينة للرجال والنساء. هذا شأن الطبقات العليا، أما الرجال من عامة الشعب فكان يمثل بالصورة التي نراها في تمثال شيخ البلد، قصير القامة، ممتلئ الجسم، كاسي القصب، وذلك لطول كده وطعامه غير المتزن. وكانت ملامحه خشنة، وكان أفطس الأنف أخشمه، ذكيا ولكنه خشن الطباع. ولربما كان الشعب وحكمه من سلالتين مختلفتين، شأنهم في هذا شأن كثير من الشعوب: فلعل الحكام كانوا من أصل آسيوي وعامة الشعب من أصل إفريقي. وكان شعرهم أسود، أحجن في بعض الأحيان، وقلما كان قَطَطاً. وكان النساء يقصصن شعورهن كأحسن ما يقصصنه في هذه الأيام؛ وكان الرجال يحلقون لحاهم ويخفون شواربهم ويزينون أنفسهم بشعور مستعارة فخمة. وكثيرا ما كانوا يقصون شعر رأسهم ليسهل عليهم لبس هذه الشعور المستعارة. وحتى زوجة الملك نفسها كانت تقص شعرها كله ليسهل عليها لبس التاج والشعر الملكي المستعار (كما ترى هذا في صورة تي أم إخناتون). وكان من المراسم التي لا يستطيع الملك الخروج عليها أن يلبس أكبر ضفيرة مستعارة(122).

وكانوا يستعينون بفنون التجميل على إصلاح عيوب أجسامهم كل منهم حسب موارده. فكانوا يحمرون أوجههم وشفاههم، ويلونون أظافرهم، ويدهنون أعضاء أجسامهم بالزيت، وحتى تماثيل المصريات كانت تكحل عيونها. وكان ذوو اليسار منهم يضعون في قبور موتاهم سبعة أنواع من الأدهان ونوعين من الصبغة الحمراء. وقد وجدت بين آثارهم كميات كبيرة من أدوات الزينة، والمرايا، والمواسي، وأدوات تجعيد الشعر، ودبابيسه، والأمشاط، وصناديق الأدهان، والصحاف والملاعق- مصنوعة من الخشب، أو العاج، أو المرمر، أو البرنز، ذات أشكال جميلة تتفق والأغراض التي تستخدم فيها. ولا تزال بعض أصباغ العيون باقية في أنابيبها إلى يومنا هذا، وليس الكحل الذي تستعمله النساء في هذه الأيام لتزيين حواجبهن ووجوههن إلا صورة أخرى من الزيت الذي كان المصريون

يستخدمونه في غابر الأيام. وقد وصلت إلينا هذه العادة عن طريق العرب، واشتق من اسمه العربي "الكحل" لفظ "الكحول" الذي نستخدمه الآن. وكانت العطور على اختلاف أنواعها تستخدم لتعطير الجسم والثياب، كما كانت المنازل تبخر بالبخور والمر(123).

وسارت ملابسهم في جميع مراحل التطور من عرى البدائيين إلى أفخم ملابس عصر الإمبراطورية. ففي أول الأمر كان الأطفال ذكورا وإناثا يظلون حتى الثالثة عشرة من عمرهم عراة الأجسام إلا من الأقراط والقلائد. غير أن البنات كن يظهرن شيئاً من الخفر الخليق بهن فيتمنطقن بمنطقة من الخرز في أوساطهن(124). وكان الخدم والزراع يقتصرون على قطعة من القماش تستر عوراتهم. فلما كان عهد الدولة القديمة كان الأحرار من الرجال والنساء يسيرون وأجسامهم عارية من فوق السرة، مغطى ما تحتها إلى الركبة بإزار قصير ضيق من الكتان الأبيض(125). ولما كان الحياء وليد العادة لا الطبيعة فإن هذه الثياب البسيطة كانت ترضي ضمير هؤلاء القوم، كما كان الإنجليز في العصر الفكتوري يرتضون النُّقبة (الجونيلا) والخصار أو ثياب السهرة التي يلبسها الرجال من الأمريكيين في هذه الأيام. وما أصدق القول المأثور : "ليست فضائلنا إلا معاني تخلعها الأيام على الأفعال والعادات". وحتى القساوسة أنفسهم في عصر الأسر المصرية الأولى كانوا يكتفون بستر عوراتهم كما نشاهد ذلك في تمثال رنوفر(126). فلما زادت الثروة كثرت الملابس، فأضافت الدولة الوسطى إزارا ثانيا فوق الإزار الأول وأكبر منه، وأضافت الدولة الحديثة غطاء للصدر ودثارا للكتفين كان يلبس من حين إلى حين. وكان سائقو المركبات وسائسو الخيل يرتدون حللاً فخمة كاملة ويعدون في الشوارع بحللهم هذه ليفسحوا الطريق لمركبات أسيادهم. ونبذت النساء المئزر الضيق في عصور الرخاء المتأخرة واستبدلن به ثوباً فضفاضاً 

ينزل من الكتفين ويربط بمشبك تحت الثدي الأيمن. وظهرت الأثواب المطرزة ذات الأهداب المختلفة التي لا يحصى عديدها، وتسربت الأنماط والطرز الحديثة إلى البيوت تسرب الأفاعي لتفسد على أصحابها جنة العري البدائية(127).

وكان الرجال والنساء سواء في الشغف بالحلي والزينة، فكانوا يحلون بالجواهر أعناقهم، وصدورهم، وأذرعهم، ومعاصمهم، وأرساغهم. ولما عم الرخاء البلاد وزاد ثراء أهلها بما جاءها من خراج أملاكها في آسية، ومن مكاسب تجارة بلاد البحر الأبيض المتوسط، وأصبح التحلي بالجواهر مطلباً يهواه جميع المصريين، ولم يعد ميزة للطبقات الموسرة؛ فكان لكل كاتب وتاجر خاتمه المصنوع من الفضة أو الذهب، ولكل رجل خاتم في إصبعه، ولكل امرأة قلادة تزينها. وكانت هذه القلائد من أنماط لا حصر لها كما يدل على ذلك ما نراه منها اليوم في المتاحف؛ فمنها ما لا يزيد طوله على بوصتين أو ثلاث بوصات، ومنها ما يبلغ طوله خمسة أقدام؛ ومنها ما هو سميك ثقيل، ومنها ما يضارع "أجمل مخرمات مدينة البندقية خفة وليناً"(128). وأضحت الأقراط في عهد الأسرة الثامنة عشرة حلية لا غنى عنها. فكان لا بد لكل شخص أن تخرق أذنه لتحلى بقرط، ولم تختص بالأقراط النساء والبنات بل كان يتحلى بها أيضا الأولاد والرجال(129). وكان الرجال والنساء على السواء يزينون أجسامهم بالأساور والخواتم والأنواط والقلائد من الخرز والحجارة الثمينة. وملاك القول أن نساء مصر القديمة لن يتعلمن منا شيئا عن أدهان الشعر والوجه والجواهر لو أنهن بعثن بيننا في هذه الأيام.

6- القراءة والكتابة والتعليم 

التعليم - مدارس الحكومة - الورق والحبر -

مراحل تطور الكتابة - أشكال الكتابة المصرية

كان الكهنة يلقنون أبناء الأسر الغنية مبادئ العلوم في مدارس ملحقة بالهياكل كما هو الحال في أبرشيات طوائف الكاثوليك الرومان في هذه الأيام(130).

ويطلق أحد الكهنة- وقد كان يشغل المنصب الذي يصح أن نسميه في هذه الأيام وزير المعارف- على نفسه اسم "رئيس الإسطبل الملكي للتعليم" (131). وقد عثر في خرائب إحدى المدارس التي يبدو أنها كانت جزءاً من بناء الرمسيوم على عدد كبير من المحار لا تزال دروس المعلم القديم ظاهرة عليها. وكان عمل المدرس في تلك الأيام هو تخريج الكتبة للقيام بأعمال الدولة، وكان المدرسون يستحثون تلاميذهم على الإقبال على التعليم بتدبيج المقالات البليغة يشرحون فيها مزاياه. من ذلك ما جاء في إحدى البرديات : " أفرغ قلبك للعلم وأحبه كما تحب أمك، فلا شيء في العالم يعدل العلم في قيمته " . وتقول بردية أخرى : "ليس ثمة وظيفة إلا لها من يسيطر عليها، لكن العالم وحده هو الذي يحكم نفسه". وكتب أحد المولعين بمطالعة الكتب يقول : "إن من سوء الحظ أن يكون الإنسان جندياً، وإن حرث الأرض لعمل ممل، أما السعادة فلا تكون إلا في توجيه القلب إلى الكتب في النهار والقراءة في الليل"(132).

وقد وصلت إلينا كراسات من عهد الدولة الحديثة وفيها إصلاح المدرسين لأخطاء التلاميذ يزين هوامشها؛ وهذه الأخطاء تبلغ من الكثرة حداً يجد فيه تلميذ اليوم كثيراً من السلوى(133). وكان الإملاء ونقل النصوص أهم طرق التعليم، وكانت هذه الدروس تكتب على الشقف أو على رقائق من حجر الجير(134). وكان أكثر ما يعلم هو الموضوعات التجارية، وذلك لأن المصريين كانوا أول الأقوام النفعيين، وأعظمهم استمساكاً بالنظرية النفعية؛ وكانت الفضيلة أهم الموضوعات التي يكتب فيها المعلمون، وكانت مشكلة النظام أهم المشاكل التعليمية في تلك الأيام، كما هي أهم مشاكله في الوقت الحاضر. وقد جاء في إحدى الكراسات : " لا تضع وقتك في التمني، وإلا ساءت عاقبتك. اقرأ بفمك الكتاب الذي بيدك؛ وخذ النصيحة ممن هو أعلم منك ". ولعل هذه العبارة الأخيرة من أقدم ما عرف من الحكم في أية لغة من اللغات. وكان

النظام صارماً يقوم على أبسط المبادئ. وقد جاءت تلك العبارة المنمقة اللفظ في إحدى المخطوطات : "إن للشباب ظهرا، وهو يلتفت للدرس إذا ضرب... لأن أذني الشاب في ظهره". وكتب تلميذ إلى مدرس سابق يقول : "لقد ضربت ظهري، فوصل تعليمك إلى أذني". ومما يدل على أن هذا التدريب الحيواني لم يفلح على الدوام ما جاء في إحدى البرديات التي يأسف فيها مدرس لأن تلاميذه السابقين لا يحبون الكتب بقدر ما يحبون الخمر(135).

لكن عدداً كبيراً من طلبة الهياكل تخرجوا رغم هذا على أيدي الكهنة ودخلوا المدارس العليا الملحقة بمكاتب خزانة الدولة. وفي هذه المدارس، وهي أقدم ما عرف من المدارس التي تعلم نظم الحكم، كان الكتبة يدرسون نظم الإدارة العامة، حتى إذا ما أتموا دراستهم قضوا مدة التمرين عند بعض الموظفين يعلمونهم بكثرة ما يعهدون إليهم من الأعمال. ولعل هذه الطريقة في الحصول على الموظفين العموميين وتدريبهم أفضل من الطريقة التي نتبعها نحن في هذه الأيام طريقة اختيار الموظفين على أساس أقوال الناس فيهم، واستعدادهم للطاعة والخضوع، وما يثار حولهم من دعاوى. وعلى هذا النمط أنشأت مصر وبابل في عصر واحد تقريبا أقدم ما عرف من النظم المدرسية في التاريخ(136). ولم يرق نظام التعليم العام للشبان فيما بعد إلى هذا المستوى الذي بلغه في أيام المصريين الأقدمين إلا في القرن التاسع عشر.

وكان يسمح للطالب في الفرق الراقية أن يستعمل الورق- وهو من أهم السلع في التجارة المصرية ومن أعظم النعم الخالدة التي أنعم بها المصريون على العالم. وكانت طريقة صنعه أن تقطع سوق نبات البردي شرائح وتوضع متقاطعة بعضها فوق بعض ثم تضغط ويصنع منها الورق عماد المدنية(137)، (وأعظمها سخفا). وحسبنا دليلا على حسن صنعه أن ما كتب عليه من المخطوطات منذ خمسة آلاف عام لا يزال حتى الآن باقيا متماسكا سهل القراءة. وكانت الكتب تصنع

من الأوراق بضمها إلى بعض وإلصاق الطرف الأيمن من واحدة بالطرف الأيسر من التي تليها، فتكون منها ملفات ما يبلغ طول الواحد منها أحيانا نحو أربعين ياردة؛ وقلما كانت تزيد على هذا في الطول لأن مصر لم يكن فيها مؤرخون مولعون بالحشو واللغو. وكانوا يصنعون حبرا أسود لا يتلاشى بمزج الصناج والصمغ النباتي بالماء على لوحة من الخشب. أما القلم فكان قطعة بسيطة من الغاب يعالج طرفها ليكون كقلم الرسام(138).

وبهذه الأدوات الحديثة الطراز كان المصريون يكتبون أقدم الآداب؛ وبهذه الأدوات الحديثة الطراز كان المصريون يكتبون أقدم الآداب؛ ويرجح أن لغتهم قد جاءت من آسية؛ وشاهد ذلك أن أقدم نماذج منها بينها وبين اللغات السامية شبه كبير(129). ويبدو أن أقدم الكتابات المصرية كانت تصويرية- تعبر عن الشيء برسم صورة له. فكانت كلمة بيت مثلا (وهي في اللغة المصرية بر) يرمز لها بشكل مستطيل بفتحة في أحد طوليه. ولما كانت بعض المعاني مجردة إلى حد يصعب معها تصويرها تصويرا حرفيا فقد استعيض عن التصوير بوضع رموز للمعاني، فكانت بعض الصور تتخذ بحكم العادة والعرف للتعبير عن الفكرة التي توحي بها لا عن الشيء المصوّر نفسه، فكان مقدم الأسد يعبر عن السيادة (كما هو في تمثال أبي الهول) وكان الزنبور يعبر عن الملكية، وفرخ الضفدع عن الآلاف. ثم تطورت هذه الطريقة تطوراً جديداً في هذا الطريق نفسه، فأصبحت المعاني المجردة التي عجزوا في بادئ الأمر عن تصويرها يعبر عنها برسم صور لأشياء تشبه أسماؤها مصادفة الألفاظ التي تعبر عن هذه المعاني. من ذلك أن صورة المِزْهِر لم تكن تعني المزهر نفسه فحسب بل كان معناها أيضا طيّب أو صالح لأن منطق اسم المزهر في اللغة المصرية- نِفِر- شبيه بمنطق اللفظ الذي يعبر عن معنى طيب أو صالح- نُفِر. ونشأت من هذا الجناس اللفظي أي من الألفاظ المتفقة في اللفظ والمختلفة المعنى- تراكيب غاية في الغرابة. من ذلك أن فعل الكينونة كان يعبر عنه في لغة الكلام بلفظ خوبيرو. وقد عجز الكاتب

المصري في أول الأمر عن إيجاد صورة يمثل بها هذا المعنى الشديد التجريد، حتى اهتدى أخيرا إلى تقطيع الكلمة إلى ثلاثة مقاطع خو- بي- رو. ثم عبرّ عن هذه المقاطع الثلاثة بصور الغربال "الذي يعبر عنه في لغة الكلام بلفظ خو" وبالحصيرة "بي" وبالفم "رو". وسرعان ما جعل العرف والعادة، اللذان يخلعان القدسية على كثير من السخافات، هذا الخليط العجيب من الحروف يوحي بفكرة الكينونة. وعلى هذا النحو عرف الكاتب المصري مقاطع الكلمة، والصورة التي ترمز لكل مقطع، ويبحثون عن الألفاظ المشابهة لهذه المقاطع نفسها في المنطق والمغايرة لها في المعنى، ويرسمون مجموعة الأشياء المادية التي توحي بها أصواتها، حتى استطاعوا في آخر الأمر أن يعبروا بالعلامات الهيروغليفية عن كل ما يريدون، فلا يكاد يوجد معنى من المعاني لا يستطيعون التعبير عنه بعلامة أو بمجموعة من العلامات.

ولم يكن بين هذا وبين اختراع الحروف الهجائية إلا خطوة واحدة. وقد كانت العلامة الدالة على البيت تعني أولاً كلمة البيت- بِرْ. ثم أصبحت رمزاً للصوت بِرْ، ثم لهذين الحرفين أياً كانت حركاتهما وفي أية كلمة جاءتا. ثم اختصرت الصورة واستخدمت للدلالة على الباء أيا كانت حركتها وفي أية كلمة كانت. ولما كانت الحركات لا تكتب عقب الحروف بل تهمل كلية فإن هذه الصورة أصبحت تمثل حرف الباء. وعلى هذا النمط عينه أصبحت العلامة الدالة على اليد (وتنطق اللغة المصرية دُتْ) تعني دُ ، دَ ثم أصبحت هي حرف د ، وكذلك صارت العلامة الدالة على الفم (رُ ، رَ) ثم أصبحت حرف ر، والعلامة الدالة على الثعبان هي حرف ز، وعلامة البحيرة (شي) وهي حرف ش- الخ، وكانت نتيجة هذا التطور أن وجدت حروف هجائية عدتها أربعة وعشرون حرفاً انتقلت مع التجارة المصرية الفينيقية إلى جميع البلاد الواقعة حول البحر

المتوسط، ثم انتشرت عن طريق اليونان وروما حتى صارت أثمن ما ورثته الحضارة من بلاد الشرق(140). والكتابة الهيروغليفية قديمة قدم الأسر المصرية الأولى، أما الحروف الهجائية فكان أول ظهورها في النقوش التي خلفها المصريون في مناجم سيناء التي يرجعها بعض المؤرخين إلى عام 2500 ق.م وبعضهم إلى عام 1500 ق.م .

ولم يتخذ المصريون لهم كتابة قائمة كلها على الحروف الهجائية وحدها لحكمة في ذلك أو لغير حكمة، بل ظلوا إلى آخر عهود حضارتهم يخلطون بين حروفهم وبين الصور الدالة على الرموز وعلى الأفكار وعلى مقاطع الكلمات. ومن أجل هذا صعب على العلماء أن يقرءوا الكتابة المصرية، ولكن من السهل علينا أن نتصور أن هذا الخلط بين الكتابة بالطريقة المعتادة وبطريقة الاختزال قد سهل عملية الكتابة للمصريين الذين كانوا يجدون فسحة من الوقت لتعلمها. وإذ كانت أصوات الكلمات الإنجليزية لا تعد مرشداً أميناً لهجائها، فإن الشاب الذي يريد أن يتعلم أساليب الهجاء الإنجليزية يجد فيها من الصعوبة ما كان يجده الكاتب المصري في حفظ الخمسمائة رمز هيروغليفي، ومعانيها المقطعية، واستعمالاتها حروفا هجائية. ومن أجل هذا نشأ شكل سريع سهل من أشكال الكتابة استخدم في الكتابات العادية، واحتفظ بالطراز الأول منها ليستخدم فيه "النقوش المقدسة" على الآثار. وإذا كان الكهنة وكتبة الهياكل هم أول من مسخ الكتابة الهيروغليفية على هذا النحو فقد أطلق اليونان عليها اسم الكتابة الهيراطية (المقدسة)، ولكنها سرعان ما عم استخدامها في الوثائق العامة والتجارية والخصوصية. ثم نشأ على يد الشعب نفسه نمط آخر من الكتابة أكثر من النمط الثاني اختصارا

وأقل منه عناية؛ ولذلك سمي بالكتابة الديموطية (الشعبية) لكن المصريين كانوا يصرون على ألا ينقشوا على آثارهم إلا الرموز الهيروغليفية الفاخرة الجميلة

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy