لوم الضحية ( نقد دراسة الإصلاح والتغيير)

الكاتب / زهير كمال
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

في دراسة طويلة ومعمّقة رصد الكاتب المبدع سعد رجب صادق أحوال مصر في الوقت الراهن ، ونشرت مصرنا مشكورة هذه المقالات مجمّعة تحت عنوان الإصلاح والتغيير. لاحظت الجهد الكبير الذي قام به الأستاذ صادق، كان قلمه مثل مبضع الجراح يبحث عن الظواهر فيحللها ويستخلص منها العلة ويحاول وضع علاج لها، وبدا واضحاً ثقافة واطلاع الكاتب فقد حفلت الدراسة بمراجع عديدة سواء كانت كتباً أم مقالات أم مجلات سياسية متخصصة. لما كان الشأن المصري يهمنا جميعاً فهو مرآة للشأن العربي ومؤثر أساس في ساحته، فإن مرضت مصر مرض العالم العربي معها وإن نهضت وترعرعت فالوطن الكبير بخير. ولهذا فدراسات جادة كهذه ضرورة هامة لمعرفة أوضاعنا بدقة، وتمكن المخلصين من وضع الحلول السليمة لها. تستنتج الدراسة، باختصار شديد، أن مصر في الوقت الراهن مريضة على كل الصعد وفي كل المجالات ، وهذا المقال يحتوي على بعض الملاحظات على الدراسة، بعضها ما هو استكمال وتوضيح وبعضها نقد لبعض نقاطها الهامة وخاصة موقف الكاتب من الناصرية والإخوان المسلمين ثم ما الذي ينبغي عمله من أجل المستقبل. بداية يتميز المجتمع المصري بخاصة والمجتمع العربي بعامة بصفة الأبوية وتعني الاعتماد على الأب وتوكيل الأمر إليه في كافة الشؤون الحياتية ، وبالطبع فهو محل الثقة والعارف بمصلحة العائلة وتحديد اتجاه حياتها ومستقبلها. وهذه صفة المجتمعات الفلاحية في العالم والتي سرعان ما تتلاشى أو تضمحل مع التطور. وهذه الصفة متأصلة منذ قديم الزمن في جينات شعب مصر وهي مدخل هام لفهم الشخصية المصرية ، ففي الحكم نشأت ظاهرة الفرعونية التي خصص لها الكاتب مقالاً كاملاً وشاملاً ، ولكن لو أردنا تطبيق ذلك على نشاط الطبقة الوسطى لوجدناه يسري عليها أيضاً. فعندما يشكّل فرد من هذه الطبقة حزباً ذا أهداف معينة ، نجد أن الحزب يموت بوفاة مؤسسه ، ولا أعني هنا بكلمة الموت الانتهاء فقط بل الاضمحلال والبَهَتان ، مثال ذلك حزب الوفد بعد وفاة سعد زغلول والحزب الوطني بعد وفاة مصطفى كامل. وعندما يرث الأولاد أحزاباً أسسها الأباء فاننا نجد تجلي البهَتان كما في حالة الصادق المهدي مع حزب الأمة ووليد جنبلاط مع الحزب التقدمي الاشتراكي، وحتى الأحزاب التي رفعت شعارات الماركسية اللينينة بهتت كما حالة جورج حبش مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ولن نخوض في عدد الجمعيات والشركات وغير ذلك من النشاطات الإنسانية التي تنتهي بوفاة مؤسسها. عودة بسيطة لتاريخ مصر الحديث، سواءً كنا مع عبدالناصر أم كنا ضده ، فلا يمكننا إغفال أن عبدالناصر قد وضع مصر على طريق التقدم والحداثة بعد سبات طويل، فلأول مرة منذ زمن طويل استطاع أحد أن يمس الريف المصري ويحدث تغييراً جوهرياً فيه بقوانين الإصلاح الزراعي، كما أن سياسة التصنيع على نطاق واسع هدفت الى تكوين طبقة أكبر من العمال، ما يمثل خطوة هامة في تغيير بنية المجتمع المصري. ولعل من أهم الخطوات التي اتخذها عبدالناصر هي مجانية التعليم والقضاء على الأمية ، وكنت اتمنى على الكاتب أن لا يضع عسكر مصر في سلة واحدة. في تلك المرحلة أدرك المجتمع أنه سائر في الطريق الصحيح نحو التقدم فقد شهد زخماً في الحركة الثقافية والفنية، وشهد عدداً كبيراً من المبدعين وبلغت كمية الكتب المطبوعة نسبة غير مسبوقة، فالعباقرة والمبدعون يحتاجون عادة الى بيئة حاضنة. ولم تشهد مصر مثل ذلك في كامل تاريخها، فقد كان لمصر موقعها العالمي وكلمتها المسموعة وكانت القاهرة قبلة الأحرار والمعذبين. ولو افترضنا أن خلفاء عبدالناصر قد ساروا على نفس دربه واستمروا في وضع الخطط الخمسية في التنمية وكهربة الريف لما كان هناك ثورة الخامس والعشرين من يناير تطالب بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية بل ربما ستكون ثورة ذات أهداف أخرى تطالب بالحريات والديمقراطية وإلغاء الاستبداد وربما على غرار مظاهرات الشباب في فرنسا عام 1968 . هل كنا - على سبيل المثال - نجد دولة تضع قانون العلاقة الإيجارية بين المالك والمستهلك للعام 1992 والذي أدى الى طرد وتشريد قرابة مليون فلاح من أراضيهم. وهل كنا سنجد أكثر من نصف عدد السكان يعيش تحت خط الفقر. هذا السؤال متروك لضمير الكاتب رغم أن المسألة لا تخضع لذلك، وليس دفاعاً عن الناصرية أو صاحبها. بالإضافة الى الأبوية فإن النقطة الأخرى الهامة التي أدت الى الأوضاع الحالية كوننا لا نعيش بمعزل عن الآخرين ، فقد كنا نعيش في خضم معركة كبرى على الأرض لتقاسم النفوذ بين قطبين هما الاتحاد السوفييتي وأمريكا. كان هدف كل طرف الحصول على أكبر عدد ممكن من القطع ( أو الدول) وضمها الى فلكه. وقد عملت المخابرات الأمريكية بعد نشأتها مباشرة على تجنيد ضباط الجيوش في العالم الثالث، والجيش لا يزال في معظم دولها هو المؤسسة الوحيدة الدائمة التي تملك أدوات القتل بعكس الأحزاب المدنية ، ضعيفة البنية والتي لا تملك سوى لسانها. بعد دراسة الشخصية العربية ونقاط ضعفها، استغلت المخابرات الامريكية صفة الأبوية في مجتمعاتنا( من يسيطر على الرأس يسيطر على الجسد). قد لا يصدق بعض مثقفي مصر أن اثنين من عتاة فراعنتها ، أنور السادات وحسني مبارك، إنما كانا موظفيْن يتقاضيان راتباً من المخابرات الأمريكية، أي عميلان تمت ترقيتهما الى درجة رئيس . ( لي مقالات عديدة قبل الثورة في هذا المجال من بينها هو والشيطان) ، وضمن من كشف في مرحلة لاحقة من التاريخ كذلك الجنرال نورييغا في بنما وسوهارتو في أندونيسا والملك حسين في الأردن، ولا زال المخفي أعظم! قام العميلان المصريان بما هو مطلوب منهما، أنور السادات عكس نهج النظام وكسر الحاجز النفسي مع العدو الإسرائيلي وترك الثاني الأمور على غاربها وترك الدولة تتحلل والمجتمع يتحطّم فتحولت مصر الى عشوائية كبيرة كما أبدع في وصفها الكاتب. عاش حسني مبارك معظم سنيّ رئاسته في شرم الشيخ ( لا عين ترى ولا قلب يحزن) وسُمح له ولعدد محدود من زبانيته بسرقة مصر تحت حماية مليون ونصف المليون من الأمن المركزي. ومع التخلص من القادة المخلصين في الجيش ورشوة الباقين رشوة سنوية دائمة عبر المعونة العسكرية الأمريكية، كان المفترض أن يستمر الوضع الى ما شاء الله. وسيكون الوريث المتوقع خاضعاً مثل أبيه، إن لم يكن بالعقلية والتفكير فَبالابتزاز لحماية سر أبيه. وصفتُ هذه المرحلة في مقال سابق بأنها مرحلة التسطيح والتجهيل والعجز وأنها الحقبة السعودية في تاريخ المنطقة العربية، والتي بدأتْ بتوقيع اتفاقية كامب دافيد ولا تزال مستمرة، كان الهدف تدمير المجتمعات العربية وتدمير كياناتها الهشة وجعل الجميع يدورون حول أنفسهم لا يعرفون من أين يتلقون الضربات. ولما وصلنا الى الأوضاع المأساوية الحالية كان لا بد من الثورة فالشعوب الحية لا تموت ، فإحدى طبائع الإنسان أنه عند وصوله الى القناعة التامة أنه لا يستطيع حل مشاكله المتفاقمة بنفسه فإنه يوحّد جهوده مع المجموع من أجل حلها ، ويقيناً أن الديمقراطية ليست إحدى هذه المشاكل. ولو قرأ الاخوان المسلمين دراسات مثل دراسة الإصلاح والتغيير لعرفوا سبب الثورة. في احدى خطب الرئيس مرسي ذكر صراحة أن شعب مصر ثار في 25 يناير من أجل الديمقراطية. يومها تذكرت المرحومة ماري انطوانيت صاحبة البسكويت. مجريات الثورة المصرية تظهر أن الإخوان كانوا يلحقون بها، لم يكونوا أصحابها الأصليين ولكن حاولوا الاستفادة منها حسبما ظهر لاحقاً. ومما يؤسف له أن تنظيماً كبيراً مثل هذا لم يتوقف ويحلل ماذا جرى ولماذا، من أجل وضع الخطط العلمية والبرامج للاستمرار وقيادة الثورة. وأظهر العام الذي تولوا فيه مقاليد الحكم أنهم ظلوا على برنامجهم القديم مرحلة أسلمة المجتمع ولكن على نطاق واسع هذه المرة من خلال أسلمة الدولة. أعماهم الغرور عن رؤية الواقع السياسي وظهر بوضوح أن التداول السلمي للسلطة قد انتهى الى الأبد. وبدلاً من تحول النظرة الى الفقراء ( وهم مجمل الشعب المصري) من أنهم )يستحقون الصدقة( الى أن ) لهم حق في هذا الفيء( ، فقد ظلت النظرة كما هي، وإنْ تغيرت وجوه المستغلين، فقد سقط أحمد عز ولمع خيرت الشاطر، وكما يقال بالإنجليزية Business as usual. ومن يعتقد أن الديمقراطية غاية في ذاتها إنما هو واهم. وفي حالة مزاج ثوري ملتهب، بعد نجاح الجماهير في إسقاط آخر فرعون، فإن كل تصرف وكل كلمة قام بها مرسي كانت تحت عدسات مكبرة. وكانت غلطاته فادحة دلت على قصور في النظر إضافة الى غباء في العمل السياسي. نسي المفكر الكبير نعوم تشومسكي والصحفي اللامع روبرت فيسك حالة الجماهير ومزاجها والمرحلة التي تمر بها، وما هو غير مقبول في الحالة العادية( الانقلاب على نتائج صندوق الانتخابات) يصبح كذلك في حالة الثورة. ووصل الإنكار بأحد قادة الإخوان(عصام العريان) أنه اعتبر مظاهرات 30 يونيو 2013 بأنها فوتوشوب بدلاً من التفكير في أسبابها واستخلاص العبر منها. إحدى حقائق العمل الإنساني الجماعي أن التنظيم الجامد الذي لا يتفاعل مع الأحداث يزول مهما كان قوياً وعقائدياً. وصلنا اليوم الى مرحلة دقيقة من التاريخ. إما أن يكون حسني مبارك آخر الفراعنة في الحكم وبهذا تكون مصر قد تخلصت من الأبوية التي عطلت مسيرتها الصحيحة ، وإما أن ترتد الى الخلف من خلال حاكم عسكري يستغل الأوضاع السيئة لتصب في مصلحته، فيعمل على خنق الحريات ويصوغ المستقبل على هواه مع بعض الإصلاحات الشكلية التي سيضخمها الإعلام المنافق، متجاهلاً الحلول الجذرية لمشاكلنا مثل تغيير الثقافة والسلوك كما وصف ذلك الأستاذ صادق. ولعلنا نرجع الى التاريخ فنعتبر منه. لقد كان وضع الصين بعد حروب الأفيون من أسوأ الأوضاع التي تمر بها أمة من الأمم فقد استطاع الغرب السيطرة على دولة تعداد سكانها أربعمائة مليون نسمة بعدد بسيط من الجنود والقطع الحربية وكان أثر ذلك أن أصبح أكثر من ربع السكان(120 مليون) مخدراً ، وإذا لم نحسب الأطفال فإن النسبة تصل الى النصف. مما يعني انهيار المجتمع بأكمله. في تلك الأيام كان الاستعمار القديم واضحاً ومباشراً ، فقد فرض على حكومة الصين السماح بتجارة الأفيون وتداوله مما يعني تدمير المجتمع وتمكين الاستعمار من استمرار السيطرة. مثال آخر: تقسيم الوطن العربي نظراً لوجود خلخلة سكانية بين مناطقه وإنشاء دويلات صغيرة سمحت للمستعمر بالسيطرة على هذه المنطقة الحيوية من العالم واستمرار تدفق النفط الرخيص الى عروقه الباردة. أما الإمبريالية فتستعمل أساليب أشد تعقيداً بحيث لا تدرك أغلبية المجتمع من هو عدوها الحقيقي، ففي الحالة المصرية مثلاً، ستصب جام غضبها على الفرعون الفاسد. وعودة الى الدرس الصيني، لم يكن الخلاص من الوضع القاتم والوقوف على القدمين سهلاً ولا بسيطاً، وكانت مسيرة شاقة مليئة بالدماء والعذاب والدموع للتخلص من آخر حاكم عسكري ( الجنرال تشان كاي تشك) ولكن ستكون الصين هي القطب الأول في العالم بعد فترة قصيرة. وانهيار الصين في القرنين التاسع عشر والى منتصف القرن العشرين لا يعني موتها، فهي منطقة كبرى من العالم تتنوع فيها التضاريس الجغرافية، ولكن استمرار انهيار مصر، للأسف الشديد، يعني كذلك، فلأول مرة في التاريخ تبدأ دول المنبع بالتعدي على حقوق مصر في مياه النيل، مصدر حياتها. والحقيقة أن المسألة أكبر بكثير من حصص مائية يتم توزيعها، بل هي مسألة وجود. ولننظر مثلاً الى تعامل الغرب مع الملف النووي الإيراني، لا يريدون أي تهديد لمستقبل أولادهم برؤية إيران تمتلك قنابل نووية فيقومون بتحجيمها ومراقبتها وسيعقدون اتفاقات ملزمة لها. فالمسألة هنا فيها وجهة نظر فعندما تنتقل الدول الى المرحلة النووية فإنها تصبح أكثر تعقلاً كما ثبت في حالة الهند والباكستان. ولكن ماذا سيقول الجيل الحالي من المصريين لأبنائهم عندما تكون رقبتهم في الحبل مهددين بقطع المياه كل لحظة؟ دعونا لا نكون متشائمين ولكن الحل الحالي لمشاكل مصر وإنقاذها من الانهيار لن يأتي بمعزل عن العالم العربي بمجمله، ولهذا أتمنى أنه: يوماً ما في المستقبل ستكون القاهرة عاصمة لدولة تمتد من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي، وفي ذلك الخلاص للجميع من مشاكل الانهيار الحالي. ويومها في دولة كبرى كهذه لن تستطيع دول صغيرة التفكير في الاعتداء أو التسبب بالأذى لهذه الدولة العملاقة. فلم يعد للدول الإقليمية الصغيرة أية قيمة في عالم الكبار حتى لو كانت هذه الدولة في حجم مصر الآن. وحتى نصل الى مرحلة كهذه تترتب على مثقفي مصر الوطنيين اليوم مهمة كبيرة هي الوقوف بحزم ضد عودة حكم العسكر مهما كانوا محبوبين أو يتم تلميعهم كما يجري الآن، لقد أضاعت مصر الكثير من الوقت وهي تبحث عن الطريق وستضيع وقتاً أطول إنْ حكمها العسكر من جديد. مهمة في غاية الصعوبة، ولكن لا مناص منها.

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: