قصة الحضارة (28)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 


من المصريين أخصائيون في التوليد وفي أمراض النساء؛ ومنهم من لم يكن يعالج إلا اضطرابات المعدة، ومنهم أطباء العيون. وقد بلغ من شهرة هؤلاء أن قورش استدعى واحداً منهم إلى بلاد الفرس(179). أولئك هم الأخصائيون، أما غير الأخصائيين منهم فقد ترك لهم جمع الفتات بعد هؤلاء وعلاج الفقراء من الناس؛ وكان من عملهم فوق هذا أن يحضروا أدهان الوجه، وصبغات الشعر، وتجميل الجلد، وأعضاء الجسم، ومبيدات البراغيث(180).

وقد وصلت إلينا عدة برديات تبحث في الشئون الطبية. وأعظمها قيمة بردية أدون اسمث، وسميت كذلك نسبة إلى مستكشفها وهي ملف طوله خمسة عشر قدماً، ويرجع تاريخها إلى عام 1600 ق. م تقريباً وتعتمد على مراجع أقدم منها كثيراً. وحتى لو ضربنا صفحاً عن هذه المراجع الأولى لظلت هذه البردية نفسها أقدم وثيقة علمية معروفة في التاريخ وهي تصف ثماني وأربعين حالة من حالات الجراحة التطبيقية تختلف من كسر في الجمجمة إلى إصابة النخاع الشوكي. وكل حالة من الحالات الواردة فيها مبحوثة بحثاً دقيقاً في نظام منطقي في عناوين مرتبة من تشخيص ابتدائي مؤقت، وفحص، وبحث في الأعراض المشتركة بين أمراض مختلفة، وتشخيص العلة، والاستدلال بأعراضها على عواقبها وطريقة علاجها، ثم تعليقات على سطح المصطلحات العلمية الواردة فيها وشروح لها. ويشير المؤلف في وضوح لا نجد له مثيلا قبل القرن الثامن عشر الميلادي إلى أن المركز المسيطر على الطرفين السفليين من أطراف الجسم كائن في المخ. "وتلك أول مرة يظهر فيها هذا اللفظ في عالم الأدب(181).

وكان المصريون يستمتعون بطائفة كبيرة من الأمراض المتنوعة، وإن كانوا قد قضى عليهم أن يموتوا بها من غير أن يعرفوا أسمائها اليونانية. وتحدثنا بردياتهم وأجسامهم المحنطة عن تدرن النخاع الشوكي وتصلب الشرايين، والحصوات الصفراوية، والجدري وشلل الأطفال، وفقر الدم، والتهاب المفاصل، والصرع



والنقرس، والتهاب النتوء الحلمي. والتهاب الزائدة الدودية، وبعض الأمراض العجيبة. كالالتهاب الفقري الأشوه، وما يعتري نمو كراديس العظام الطويلة من نقص. وليست لدينا دلائل تثبت إصابتهم بالزهري أو السرطان، ولكن تقيح اللثة وتسوس الأسنان وهما اللذان لا أثر لهما في أقدم الجثث المحنطة القديمة يظهران بكثرة في الجثث المحنطة الباقية من العهود المتأخرة، وذلك دليل على تقدم الحضارة في هذه العهود. وكان ضمور عظم الإصبع الصغرى من أصابع القدم وانعدامها- وهي حالة كثيراً ما يعزى سببها إلى الأحذية الحديثة- من الحالات المنتشرة في مصر القديمة، حيث كان الأهلون على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم يسيرون كلهم تقريبا حفاة(182).

وكان لدى الأطباء المصريين عدة وافية من القراباذينات (دساتير الأدوية) لمقاومة هذه الأمراض كلها. ففي بردية إيبرز ثبت بأسماء سبعمائة دواء لكل الأدواء المعروفة، من عضة الأفعى إلى حمى النفاس. وتصف بردية كاهون (ويرجع عهدها إلى حوالي عام 1850 ق.م) أقماع اللبوس ولعلها كانت تستخدم لمنع الحمل(182). وقد عثر في قبر إحدى ملكات الأسرة الحادية عشرة على صندوق للأدوية يحتوي على مزهريات، وملاعق، وعقاقير جافة، وجذور. وكانت الوصفات الطبية تتذبذب بين الطب والسحر. وكان مفعول الخليط في رأيهم يتناسب مع اشمئزاز النفس منه ومما تصفه تذاكر الأطباء دم العظاية (السحلية) وأذن الخنزير وأسنانه، واللحم والدهن النتن، ومخ السلحفاة، وكتاب قديم مقلي في الزيت، ولبن النفساء، وماء المرأة الطاهرة، وبراز الرجال والحمير والكلاب والآساد والقطط والقمل- كل هذه واردة في تذاكر الأطباء. وكان الصلع يعالج بتدليك الرأس بدهن الحيوان. وقد انتقلت بعض هذه الوسائل العلاجية من المصريين إلى اليونان، ثم انتقلت من اليونان إلى الرومان، ومن الرومان إلينا ولا نزال إلى اليوم نتجرع في ثقة واطمئنان كثيراً من الأدوية التي خلطها



وجهزها لنا المصريون على شاطئ النيل في أقدم الأزمان(183).

ولقد حاول مصريون أن يحافظوا على صحة أجسامهم باتباع الوسائل الصحية العامة، وبختان الذكور وبتعويد الناس أن يكثروا من استخدام الحقن الشرجية. ويقول ديودور الصقلي في هذا المعنى:

وهم يتقون الأمراض بالمحافظة على صحة أجسامهم وذلك باستخدام الملينات وبالصوم وبالمقيئات، كل يوم في بعض الأحيان وكل ثلاثة أيام أو أربعة في البعض الآخر. وذلك لأنهم يقولون أن الجزء الأكبر مما يخل في الجسم من طعام يزيد على حاجته، وإن الأمراض إنما تنشأ من هذا القدر الزائد .

ويعتقد بلنى أن المصريين قد تعلموا عادة استخدام الحقن الشرجية من الطائر المعروف "بأبي منجل" وهو طائر يقاوم الإمساك الناشئ من طبيعة ما يتناوله من الطعام بإدخال منقاره الطويل في دبره واستخدامه كالمحقن(188). ويروي هيرودوت أن المصريين كانوا "يطهرون أجسامهم مرة في كل أشهر ثلاثة أيام متوالية، ويعملون على حفظ صحتهم بالمقيئات والحقن الشرجية، لأنهم يظنون أن جميع ما يصيب الناس من الأمراض إنما ينشأ مما يأكلون من الطعام". وهذا المؤرخ- وهو أول مؤرخ للحضارة- يصف المصريين بأنهم بعد اللوبيين أصح شعوب العالم أجساماً(189).





العمارة - النحت في الدولة القديمة والدولة





الوسطى والإمبراطورية وفي عهد الملوك الساويين - النقوش





الغائرة - التصوير - الفنون الصغرى - الموسيقى - الفنون



كان الفن أعظم عناصر هذه الحضارة؛ فنحن نجد في هذه البلاد، وفي عهد يكاد يكون عهد بداية الحضارات، فناً قوياً ناضجاً أرقى من فن أية دولة حديثة، ولا يضارعه إلا فن اليونان. لقد كان ما امتازت به مصر في أول عهودها من عزلة وسلم، ثم ما تدفق فيها بعدئذ من مغانم الظلم والحرب في عهد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني، مما أتاح لها الفرصة المواتية والوسائل الكفيلة بتشييد المباني الضخمة، ونحت التماثيل المتينة، والبراعة في عدة فنون أخرى صغيرة، كادت تبلغ حد الكمال في هذا العهد السحيق. وإن المرء ليقف حائراً مشدوها لا يكاد يصدق ما وضعه الباحثون من نظريات لتطور الرقي البشري إذا نظر إلى منتجات الفن المصري القديم.

وكانت العمارة أفخم الفنون المصرية على الإطلاق، وذلك لما تجمع فيها من روعة وضخامة وصلابة وجمال ومنفعة. وقد بدأ هذا الفن بداية متواضعة بتزيين المقابر ونقش الوجهة الخارجية لجدران المنازل. وكانت كثرة المساكن تبنى من الطين تتخللها في بعض الأحيان أعمال بسيطة من الخشب (كالنوافذ الشبكية اليابانية أو الأبواب الجميلة الحفر)، والسقف المقامة على جذوع النخل السهلة العلاج. وكان يحيط بالدار عادة سور يضم فناء، تصعد منه درج إلى سطح البيت؛ ومنه ينزل السكان إلى الحجرات. وكان للموسرين من الأهلين حدائق خاصة يعنون بتنسيقها؛ وكان في الحواضر حدائق عامة للفقراء، ولا يكاد يخلو بيت من أزهار



الزينة. وكانت جدران المنزل تزين من الداخل بحُصر ملوّنة، وتفرش أرضه بالطنافس، إذا كان رب الدار ذا سعة. وكان السكان يفضلون الجلوس على هذه الطنافس عن الجلوس على الكراسي وكان المصريون في عهد الدولة القديمة يتناولون الطعام وهم جالسون مرتبعون وأمامهم موائد لا يزيد ارتفاعها على ست بوصات كما يفعل اليابانيون في هذه الأيام، وكانوا يأكلون بأيديهم على طريقة شكسبير؛ فلما كان عهد الإمبراطورية وقل ثمن العبيد أصبح أفراد الطبقات العليا يجلسون على كراسي عالية ذات وسائد، ويقدم لهم خدمهم أصناف الطعام صنفاً بعد صنف(190).

وكانت أحجار البناء أغلى من أن تستخدم في تشييد المنازل؛ ولهذا كانت من مواد الترف الخاصة بالكهنة والملوك. وحتى النبلاء أنفسهم- وهم الطائفة الكثيرة الطموح- آثروا المعابد بأكبر قسط من الثروة وبأحسن مواد البناء؛ ومن أجل هذا فإن القصور كانت تطل على النيل والتي لم يكد يخلو ميل من واحد منها في أيام أمنحوتب الثالث قد تهدمت كلها وعفت آثارها على حين أن أضرحة الآلهة ومقابر الموتى قد بقيت إلى أيامنا هذه. ولما جاءت الأسرة الثانية عشرة لم يعد الهرم الطراز المحبب لمدافن الأموات، ولهذا اختار ختوم حوتب (حوالي 1180 ق.م) لمدفنه عند بني حسن شكلاً أهدأ من أشكال الهرم وهو قبر ذو عمد في أحضان الجبل؛ وما كادت هذه الفكرة تثبت وتستقر حتى اتخذت آلاف الأشكال المختلفة بين التلال الممتدة على جانب النيل الغربي. وهكذا خرجت من رمال مصر ما بين عهد الأهرام والعهد الذي شيد فيه هيكل حتحور عند دندرة- أي في خلال ثلاثة الآلاف عام أو نحوها- ضروب من العمائر المختلفة لم تفقها قط عمائر أية حضارة من الحضارات الأخرى.

ففي الكرنك والأقصر أيكة من الأعمدة أقامها تحتمس الأول والثالث، وأمنحوتب الثالث، وسيتي الأول، ورمسيس الثاني وغيرهم من الملوك ما بين



الأسرة الثانية عشرة والأسرة الثانية والعشرين؛ وفي مدينة حبو (حوالي 1300 ق.م) صرح متسع الأرجاء، وإن كان لا يضارع الصروح السالفة الذكر في فخامتها، قامت عليه فيما بعد قرية عربية وظلت جاثمة على صدره عدة قرون. وفي أبيدوس (العرابة) شيد هيكل سيتي الأول الذي لم يبق منه إلا خرائب ضخمة قاتمة كئيبة؛ وفي إلفنتين معبد صغير وهو معبد ختوم (حوالي 1400 ق.م) "اليوناني في دقة بنائه ورشاقته"(191)؛ وفي الدير البحري بهو الأعمدة الذي شادته الملكة حتشبسوت، وبالقرب منه الرمسيوم وهي أيكة أخرى من العمد والتماثيل الضخام شادها المهندسون والعبيد الذين سخرهم رمسيس الثاني، وفي جزيرة فيلة هيكل إيزيس الجميل (حوالي 240 ق.م) المهجور الموحش في هذه الأيام لأن خزان أسوان قد غمر قواعد عمده التي بلغت في عمارتها حد الكمال- وهذه البقايا القليلة المتفرقة إن هي إلا نماذج من الآثار القديمة التي لا تزال تجمل وادي النيل وتنطق خرائبها نفسها بما كان عليه الشعب الذي شادها من قوة وبسالة. ولعل في هذه الصروح إفراطاً في الأعمدة وتقاربها بعضها من بعض لاتقاء حر الشمس اللافح، ولعل فيها بعدا عن التناسب هو من خصائص الشرق الأقصى، وافتقاراً إلى الوحدة، وهياماً همجياً بالضخامة كهيام أهل هذه الأيام. فإن كان ذلك كذلك فإن فيها أيضاً عظمة وسمواً وجلالاً وقوة؛ فيها الأقواس والعقود(192) وهي إن قلت فما ذلك إلا لقلة الحاجة إليها، ولكنها من حيث المبادئ التي شيدت عليها تسير في طريق الانتقال إلى المبادئ التي شيدت عليها العمد والأقواس في بلاد اليونان والرومان وفي أوربا الحديثة، وفيها نقوش للزينة لا يفوقها غيرها من النقوش في تاريخ العالم كله(193)، وفيها عمد على صورة أعواد البردي والأزورد (اللوطس)، وعمد من الطراز الدوري الأول(194) وعمد في صورة نساء(195)، وتيجان للعمد منها ما هو في صورة حتحور



ومنها ما هو على صورة النخيل؛ وفيها قصور ذات نوافذ قرب السقوف؛ وفيها عتبات فخمة تمتاز بالقوة والثبات اللذين هما روح الجاذبية القوية في فن العمارة. لعمري إن المصريين لهم أعظم البنائين في التاريخ كله بلا جدال.

ومن الناس من يضيف إلى هذا أنهم أيضا أعظم المثالين، فلقد أنشأوا في بداية تاريخهم تمثال أبي الهول ذلك التمثال الذي يرمز إلى الصفات الأدبية التي اتصف بها أحد الفراعنة الأقوياء؛ ولعل هذا الفرعون هو خفرع. والتمثال لا ينم عن القوة فحسب بل يفصح كذلك عن الصفات الخلقية. ولقد حطمت طلقة من مدافع المماليك أنف التمثال وحلقة لحيته، ولكن ملامحه القوية الضخمة تعبر أحسن تعبير وأقواه عما اتصف به ذلك الملك من قوة ومهابة وهدوء ونضوج، وكلها صفات يجب ألا تفارق الملك. وقد علت هذه الملامح الساكنة ابتسامة خفيفة لم تفارقها منذ خمسة آلاف من السنين، كأنما الفنان المجهول الذي صاغه أو الملك المجهول الذي يرمز التمثال له، كان يفهم كل ما يريد الخلق أن يفهموه عن الخلق. والحق أنه هو " موناليزة " من الصخر الأصم.

وما من شيء في تاريخ النحت أجمل من تمثال خفرع المصنوع من حجر الديوريت والذي يقوم الآن في متحف القاهرة. لقد كان هذا التمثال قديماً في أيام هركستليز، قدم هركستليز نفسه بالنسبة إلينا؛ مع هذا فقد اجتاز حقبة من الزمان طولها خمسون قرنا، ثم وصل إلينا ولم تكد تؤثر فيه عوادي الدهر ونوائبه. لقد صنع هذا التمثال من أصلب الحجارة وأشدها استعصاء على الإنسان، ولكنه ينقل إلينا أكمل ما يكون النقل قوة الملك (أو الفنان) البدنية، وسلطانه وعناده وصلابة رأيه وبسالته وذكائه. ويجلس بالقرب منه تمثال عابس متجهم لملك أقدم من صاحب التمثال الأول عهدا وهو تمثال الملك زوسر المصنوع من حجر الجير. ومن بعده يكشف لك الدليل بعود الثقاب عن شفافية تمثال رائع من المرمر هو تمثال منقورع.

ويضارع تمثالا شيخ البلد والكاتب تماثيل الملوك من ناحية الإبداع



والإتقان الفني الذي ليس بعده إتقان. ولقد وصل إلينا تمثال الكاتب في عدة أشكال، وكلها من عهود لا نعلمها علم اليقين، ولكن أشهرها كلها تمثال الكاتب المتربع المحفوظ في متحف اللوفر . وليس تمثال شيخ البلد لشيخ بحق ولكنه تمثال مُشرفٍ على الفعلة بيده عصا السلطة، يخطو إلى الأمام كأنه يلاحظ عماله أو يصدر إليهم أوامره. ويبدو أن اسمه هو "كعبيرو" ولكن العمال المصريين الذين أخرجوه من قبره في سقارة قد أدهشهم ما رأوه من تشابه بينه وبين شيخ البلد الذي يسكنونه، فأوحت إليهم فكاهتهم بهذا اللقب الذي اشتهر به والذي لا يزال إلى اليوم ملازما له. وهذا التمثال المصنوع من الخشب المعرض للبلى ولكن الزمان لم يقو على تشويه جسمه المليء، أو ساقيه الغليظتين؛ وينم وسط جسمه على ما يتمتع به الملاك في جميع الحضارات من سعة في الرزق وقلة في الكدح، وينطق وجهه المستدير بقناعة الرجل الذي يعرف مكانته ويفخر بها. ويشعرنا رأسه الأصلع وثوبه المتهدل على واقعية الفن الذي كان في ذلك الوقت قد بلغ من القدم درجة أجازت له أن يثور على التقاليد التي جعلت من الفن القديم مثلاً أعلى يحتذى؛ ولكن فيه أيضا بساطة جميلة وإنسانية كاملة عبر عنها المثال بلا حقد ولا مرارة، وعبر عنها في يسر ورشاقة، تمتاز بهما اليد الواثقة الصَّنَاع. وفي ذلك يقول مسبيرو: "لو أن معرضا أنشئ لروائع الفن في العالم كله لاخترت هذا التمثال ليمثل فيه عظمة الفن المصري" (196)- أو هل أصدق من هذا أن نختص بهذا الشرف تمثال خفرع؟

هذه هي الروائع الفنية من تماثيل الدولة القديمة. ولكن هناك آيات فنية أخرى كثيرة أقل منها روعة، منها تمثال رع حوتب وزوجته الجالسان، ومنها التمثال القوي للكاهن رنوفو، ومنها تمثالا الملك فيوبس وولده المصبوبان من




النحاس، ومنها رأس باشق من الذهب، ومنها الصورتان الهزليتان لعاصر الخمر وللقزم كنمحوتب، وكلها إلا واحداً منها في المتحف المصري بالقاهرة، وكلها بلا استثناء صور ناطقة بأخلاق أصحابها. ولسنا ننكر أن القطع المكبرة منها خشنة غير مصقولة الصنع، وأن التماثيل قد صنعت وأجسامها وعيونها متجهة إلى الأمام، على حين أن الأيدي والأقدام قد رسمت من أحد الجانبين، وذلك جريا وراء عرف غريب متبع في جميع ضروب الفن المصري ، وأن الجسم لم يلق من الفنان عناية كبيرة، وأنه مثل في معظم الأحيان في صورة راسخة مقننة لا تتفق مع الواقع- فكانت أجسام تماثيل النساء كلها تصورهن فتيات في شرخ الشباب وتماثيل الملوك تظهرهم كلهم أقوياء، وأن الفردية وإن كانت قد بلغت في فنهم درجة عالية قد احتفظ بها عادة الرءوس دون الأجسام. ولكن مهما يكن من الجمود والتماثل اللذين لحقا فنون النحت والتصوير والنقش البارز وما فرضه عليها الكهنة من قيود العرف، ومن سلطان لهم شديد، بالرغم من هذا كله فإن هذا النقص قد عوضه عمق في التفكير، وقوة ودقة في التنفيذ، وما تمتاز به الصناعة من طابع خاص واتجاه وصقل. والحق أن فن النحت لم يكن في بلد من البلاد أكثر حيوية مما كان في مصر. إن تمثال الشيخ ليخرج على كل سلطان، وإن المرأة التي تطحن الحب لتقبل عليه بكل ما في نفسها من أحاسيس وما في جسمها من عضلات، وإن الكاتب ليهم بالكتابة، وإن آلاف الدمى الصغيرة التي وضعت في المقابر لتقوم بالواجبات الضرورية للموتى قد صيغت كلها بحيث يبدو عليها من مظاهر النشاط والجسد ما نكاد معه أن نعتقد، كما كان يعتقد المصريون الأتقياء، أن الموتى لا يمكن أن يشقوا ما دام هؤلاء الخدم من حولهم.



ولم تصل منتجات فن النحت المصري بعد عهد الأسر الأولى إلى ما كانت عليه في عهدها إلا بعد أن مضت عليها قرون كثيرة. وإذ كان معظم التماثيل إنما صنع للهياكل أو المقابر فقد كان الكهنة هم الذين يقررون إلى حد كبير الأنماط التي يلتزمها الفنان. ومن هذا السبيل تسربت إلى الفن النزعة الدينية المحافظة، فجثم على قلب الفن بسببها كابوس التقاليد، وكان سببا في تدهوره. فلما أن تولى الحكم ملوك الأسرة الثانية عشرة الأقوياء عادت الروح الدنيوية غير الدينية إلى الظهور وأثبتت وجودها، واستعاد الفن شيئاً من قوته القديمة، وفاق الفنانون ما كان عليه أسلافهم الأولون من براعة. ويوحي رأس أمنمحيت الثالث المنحوت من حجر الديوريت(197) ببعث جديد للفن وبعث للأخلاق. ذلك أن الناظر إلى هذا الرأس يستف منه صلابة هذا المليك القدير، ويدرك أن الذي نحته فنان قدير أيضا. وثمة تمثال ضخم لسنوسريت الثالث يزينه رأس ووجه لا تقل الفكرة التي أوحت به، ولا القدرة التي أخرجته، عما أوحت به وأخرجته



أية صورة أخرى في تاريخ فن النحت كله. وإن الجذع الباقي من تمثال سنوسريت الأول في متحف القاهرة ليضارع جذع تمثال هرقول في متحف اللوفر. وتكثر تماثيل الحيوانات في كل عصر من عصور التاريخ المصري، وهي كلها تفيض بالحياة، فهنا نجد فأرا يمضغ بندقة، وهناك ترى قرداً يضرب على وتر ويكشف عن كل ما لديه من مهارة في هذا الضرب، أو قنفذاً ليس في أشواكه كلها شوكة فير منتفشة. ثم جاء ملوك الهكسوس وانعدم الفن المصري إلا قليلا وبعث الفن بعثاً ثانياً على ضفاف النيل في حكم حتشبسوت وتحتمس

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy