قصة الحضارة (30)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

 

10- الفلسفة

"تعاليم بتاح حوتب" - "تحذيرات إبوور" -

"محاورات كاره المجتمع" - أسفار الحكمة المصرية

لقد اعتاد مؤرخو الفلسفة أن يبدأوا قصتهم باليونان، وأن الهنود الذين يعتقدون أنهم مخترعو الفلسفة، والصينيين الذين يعتقدون أنهم بلغوا بها حد الكمال، وأن هؤلاء وأولئك يسخرون من ضيق عقولنا وتعصبنا. ولعلنا كلنا مخطئون في ظننا، لأننا نجد بين أقدم القطع المتناثرة التي خلفها لنا المصريون الأقدمون كتابات تمت بصلة بعيدة إلى الفلسفة الأخلاقية. ولقد كانت حكمة المصريين مضرب المثل عند اليونان الذين كانوا يعتقدون أنهم أطفال بالقياس إلى هذا الشعب القديم(222). وأقدم ما لدينا من المؤلفات الفلسفية "تعاليم بتاح حوتب" وتاريخه يرجع على ما يبدو لنا إلى عام 2800 ق.م أي إلى ما قبل كنفوشيوس وسقراط وبوذا بألفي عام وثلاثمائة(223). وكان بتاح حوتب هذا حاكماً على منف وكبير وزراء الملك في أيام الأسرة الخامسة. فلما اعتزل منصبه قرر أن يترك لولده كتاباً يحتوي على الحكمة الخالدة. ثم نقل بعض العلماء المصريين قبل عهد الأسرة الثامنة عشرة هذا الكتاب باعتباره من أمهات كتب القدماء. ويقول الوزير في كتابه : "أي مولاي الأمير، إن الحياة تقترب من آخرها، ولقد حل بي الضعف وعدت إلى مرحلة الطفولة الثانية؛ والمسن يلاقي البؤس في كل يوم من أيامه. فعيناه صغيرتان، وأذناه لا تستمعان؛ ونشاطه يقل، وقلبه لا يعرف الراحة... فمر خادمك إذن أن يخلع سلطاني الواسع على ولدي. واسمح لي أن أحدثه بألفاظ الذين يستمعون إلى رجال الأيام الغابرة، أولئك الذين استمعوا إلى الآلهة في يوم من الأيام. أتوسل إليك أن تسمح بأن يفعل هذا".

ويتفضل جلالة الملك فيأذن له ولكنه مع ذلك ينصحه بأن "يتحدث دون

مصر -> الفلسفة

أن يبعث الملل" في نفس سامعيه، وهي نصيحة ليست إلى الآن عديمة النفع للفلاسفة. فلما أذن له أخذ بتاح حوتب ينصح ولده بقوله:

"لا تَزهُ بنفسك لأنك عالم، بل تحدث إلى الجاهل كما تتحدث إلى الحكيم؛ لأن الحذق لا حد له، كما أن الصانع لا يبلغ حد الكمال في حذق صناعته؛ والكلام الجميل أندر من الزمرد الذي تعثر عليه بين الحصى... فعش إذا في بيت ألطف يقبل عليك الناس طائعين يقدمون إليك الهدايا... واحذر أن تخلق لنفسك الأعداء بأقوالك... ولا تتخطى الحق، ولا تكرر ما قاله إنسان غيرك، أميراً كان أو فلاحاً ليفتح به قلوب الناس، لأن ذلك بغيض إلى النفس...

"وإذا أردت أن تكون حكيما فليولد لك ولد لتسر بذلك الآلهة... فإذا سار في سبيله مقتديا بك، وإذا نظم أمورك على أحسن وجه، فقدم له كل الخير... أما إذا كان عديم المبالاة، وخالف قواعد السلوك الطيب، وكان عنيفاً؛ وإذا كان كل ما يخرج من فيه هو فحش القول، فاضربه، حتى يكون حديثه صالحاً... وفضيلة الابن من أثمن الأشياء للأب، وحسن الأخلاق شيء لا ينسى قط...

"وإذا كنت ذا سلطان فاسع لأن تنال الشرف عن طريق العلم ورقة الطباع... واحذر أن تقاطع الناس، وأن تجيب عن الأقوال بحرارة، ابعد

مصر -> الفلسفة

ويختم بتاح حوتب نصائحه بهذه العبارة المليئة بالفخر والإعجاب :

"لن يمحى من هذه البلاد إلى أبد الدهر لفظ من الألفاظ المدونة هنا، ولكنها ستتخذ نماذج وسيتحدث عنها الأمراء أحسن الحديث... إن كلماتي ستعلم الرجل كيف يتحدث؛... أجل إنه سيصبح إنساناً حاذقاً في الطاعة بارعاً في الحديث؛ سيصيبه الحظ الحسن؛... وسيكون ظريفاً إلى آخر أيام حياته، وسيكون راضياً على الدوام" (224).

ولكن هذه النغمة السارة المستبشرة لا تدوم في التفكير المصري؛ بل تسرع إليها الشيخوخة فتداهمها وتحيلها إلى نكد وكآبة. ويأتي حكيم أخر هو إبوور فيندب ما في البلاد من خلل واضطراب وعنف وقحط وانحلال يكتنف أخريات أيام الدولة القديمة، ويتحدث عن المتشككين الذين "يقربون القرابين إذا عرفوا مكان الإله"، ويعلق على ازدياد حوادث الانتحار ويقول كما قال شوبنهور من بعده : "ألا ليت الناس يقضى عليهم حتى لا يكون في الأرض حمل ولا ولادة ؛ ألا ليت الأرض ينقطع منها الضجيج ويبطل منها النزاع"- وواضح من هذه الأقوال أن إبوور كان قد شاخ ومل الحياة، وهو يحلم في آخر أيامه بملك- فيلسوف ينجي الناس من الفوضى والظلم:

" يُبَرَّد لهيب (الحريق الاجتماعي؟) ويقال إنه راعى الناس جميعاً. قلبه خال من الشر فإذا كانت قطعانه قليلة العدد قضى يومه في جمعها، لأن قلوبها محمومة. ألا ليته قد تبين أخلاقهم منذ الجيل الأول. إذن لقضى على الشر، ولمد ذراعه لمقاومته ولسحق بذرته وما يخرج منها... أين هو اليوم؟ هل هو نائم بالصدفة؟ انظروا إن قوته لا ترى"(225).

هذه هي أصوات الأنبياء في العهد القديم؛ وقد صيغت سطورها صياغة الأمثال والحكم ككتابات أنبياء اليهود؛ ويقول برستد وقوله الحق "إن هذه التحذيرات هي أقدم ما ظهر في العالم من المثل العليا الاجتماعية التي يطلق عليها

مصر -> الفلسفة

عند العبرانيين أمم المسيحية" . وثمة ملف من أيام الدولة الوسطى يندد بما في ذلك العهد من فساد بعبارات يكاد الإنسان يسمعها في كل جيل:

لمن أتحدث اليوم؟

الأخوة أشرار

 

وأصدقاء اليوم ليسوا أصدقاء حب.

 

لمن أتحدث اليوم؟

 

القلوب قلوب اللصوص

وكل رجل يغتصب ما عند جاره.

لمن أتحدث اليوم؟

 

إن الرجل اللطيف يهلك

والصفيق الوجه يسير في كل مكان...

لمن أتحدث اليوم؟

إذا ما أثار الإنسان الغضب بسوء مسلكه

فإنه يدفع كل الناس إلى الضحك، وإن كان إثمه خبيثاً...

ثم ينطق هذا الشاعر المصري الشبيه بالشاعر سونبرن الإنجليزي في مدح الموت فيقول :

الموت أمامي اليوم

كشفاء الرجل المريض،

كالخروج إلى حديقة بعد المرض.

الموت أمامي اليوم

كشذا المر؛

مصر -> الفلسفة

أو كالجلوس تحت الشراع في يوم عاصف.

الموت أمامي اليوم

كرائحة أزهار الأزورد

كالجلوس على شواطئ السُّكْر.

الموت أمامي اليوم

كتدفق السيل الجارف،

كرجوع الرجل من سفينة حربية إلى بيته...

الموت أمامي اليوم

كاشتياق الرجل إلى رؤية موطنه

بعد أن قضى السنين في الأسر.

وأشد من هذا كآبة قصيدة منقوشة على لوحة محفوظة في متحف ليدن يرجع تاريخها إلى 2200 ق.م، وهي تضرب على النغمة المألوفة نغمة تمتع بيومك :

لقد سمعت ألفاظ أمحوتب وهارديف

وهي ألفاظ ذائعة الصيت نطقا بها.

أنظر إلى مكانيهما

إن جدرانهما قد جردت

ومواضعهما قد اندثرت

كأن لم تغن بالأمس.

إن أحداً لا يأتي من هناك

ليحدثنا عما حل بهما...

حتى يرضي قلوبنا،

إلى أن يحين وقت ارتحالنا

إلى المكان الذي ذهبا إليه .

شجع قلبك على نسيانه

واجعل من أسباب سرورك أن تسير وراء رغباتك

ما دمت حيا ترزق.

وضع المر على رأسك،

والبس على جسمك نسج التيل اللطيف،

وانعم بوسائل الترف العجيبة

أشياء الآلهة الحقة.

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy