قصة الحضارة (32)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الكهنة أدعية وصلوات وصيغاً وتعاويذ من شأنها أن تهدئ من غضب أوزير، بل أن تخدعه. فإذا ما وصلت روح الميت إلى أوزير بعد أن تجتاز العدد الكبير من الصعاب والأخطار، خاطبت القاضي الأكبر بما يشبه هذه الأقوال:

أيا من يعجل سير جناح الزمان،

يا من يسكن في كل خفايا الحياة،

يا من يحصى كل كلمة أنطق بها -

انظر إنك تستحي مني، وأنا ولدك؛

وقلبك مفعم بالحزن والخجل،

لأني ارتكبت في العالم من الذنوب ما يفعم القلب حزناً،

وقد تماديت في شروري واعتدائي.

ألا فسالمني، ألا فسالمني،

وحطم الحواجز القائمة بينك وبيني!

ومر بأن تُمحى كل ذنوبي وتسقط

منسية عن يمينك وشمالك!

أجل امح كل شروري

وامح العار الذي يملأ قلبي

حتى نكون أنت وأنا من هذه اللحظة في سلام

ومن الطرق الأخرى أن تعلن الروح براءتها من الذنوب الكبرى في صورة "اعتراف سلبي". وهذا الاعتراف من أقدم وأنبل ما عبر به الإنسان عن مبادئه الأخلاقية :

"سلام عليك، أيها الإله الأعظم، رب الصدق والعدالة! لقد وقفت أمامك، يا رب؛ وجيء بي لكي أشاهد ما لديك من جمال... أحمل إليك

الصدق... إني لم أظلم الناس... لم أظلم الفقراء... لم أفرض على رجل حر عملاً أكثر مما فرضه هو على نفسه... لم أهمل، ولم أرتكب ما تبغضه الآلهة... ولم أكن سببا في أن يسيء السيد معاملة عبده؛ ولم ُأمِت إنساناً من الجوع؛ ولم أُبكِ أحداً ولم أقتل إنساناً... ولم أخن أحداً... ولم ُأنقِص شيئاً من مؤونة الهيكل، ولم أتلف خبز الآلهة... ولم أرتكب عملاً شهوانيا داخل أسوار المعبد المقدسة... ولم أكفر بالآلهة... ولم أغش في الميزان... ولم أنتزع اللبن من أفواه الرضع... ولم أصطد بالشباك طيور الآلهة... أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاه"(252) .

على أن الدين المصري لم يكن فيه ما يقوله عن الأخلاق إلا الشيء القليل؛ ذلك أن الكهنة قد صرفوا كل همهم إلى بيع الرقى، وغمغمة العزائم، وأداء المراسيم والطقوس السحرية، فلم يجدوا متسعاً من الوقت لتعليم الناس المبادئ الخلقية. بل إن كتاب قصة الموتى نفسه ليعلم المؤمنين أن الرقى التي باركها الكهنة تتغلب على جميع ما عساه أن يعترض روح الميت من صعاب في طريقها إلى دار السلام؛ وأهم ما يؤكده هذا الكتاب هو تلاوة الأدعية لا الحياة الطيبة الصالحة. وقد جاء في أحد هذه الملفات: "إذا ما عرف الميت هذا خرج في النهار" أي حيى الحياة الخالدة. ووضعت صيغ التمائم والرقى وبيعت لتخلص الناس من كثير من الذنوب، وتضمن للشيطان نفسه دخول الجنة. وكان من واجب المصري التقي أن يتلو في كل خطوة من خطواته صيغاً عجيبة يتقي بها الشر ويستنزل بها الخير. استمع مثلا إلى ما تقوله أم وآلهة تريد أن تبعد "الشياطين" عن طفلها:

"أخرج يا من تأتي في الظلام، وتدخل خلسة... هل أتيت لتقبل هذا الطفل؟ لن أسمح لك بتقبيله... هل أتيت لتأخذه؟ لن أسمح لك بأخذه مني. لقد حصنته منك بعشب- إفيت الذي يؤلمك؛ وبالبصل الذي يؤذيك؛ وبالشهد الذي هو حلو المذاق للأحياء ومر في فم الأموات؛ وبالأجزاء الخبيثة من سمك الإبدو، وبالسلسلة الفقرية من سمك النهر(253).

وكانت الآلهة نفسها تستخدم السحر والرقى ليؤذي بعضها بعضاً. وأدب مصر القديم نفسه يفيض بذكر السحرة، السحرة الذين يجففون البحيرات بكلمة ينطقون بها، أو يجعلون الأطراف المقطوعة تقفز إلى أماكنها، أو يحيون الموتى(254). وكان للملك سحرة يعينونه ويرشدونه؛ وكان الاعتقاد السائد أن له هو نفسه قوة سحرية ينزل بها المطر، أو يرفع بها الماء في النهر(255). وكانت الحياة مملوءة بالطلاسم والعزائم، والرجم بالغيب؛ وكان لابد لكل باب من إله يخيف الأرواح الخبيثة، أو يطرد ما عساه يقترب منه من أسباب الشؤم؛ وكانوا يعتقدون اعتقادا ثابتاً أن الأطفال الذين يولدون في اليوم الثالث والعشرين من شهر توت سيموتون لا محالة وهم صغار، وأن الذين يولدون في اليوم العشرين من شهر شرباخ سيفقدون أبصارهم في مستقبل أيامهم(256). ويقول هيرودوت أن كل يوم وكل شهر مخصص لإله من الآلهة، وأن المصريين كانوا يعينون ما سوف يقع لكل شخص منهم في حياته حسب اليوم الذي ولد فيه، فيعرفون كيف يموت، وماذا سيكون في مستقبل أيامه(257). ونسي الناس على مر الزمان ما بين الدين والأخلاق من صلات فلم تكن الحياة الصالحة هي السبيل إلى السعادة الأبدية، بل كان السبيل إليها هو السحر والطقوس وإكرام الكهنة. وإلى القارئ ما يقوله في هذا عالم كبير من علماء الآثار المصرية:

"ومن ثم تضاعفت الأخطار التي تكتنف الدار الآخرة، وكان في وسع الكاهن أن يمد الموتى في كل موقف من المواقف الخطرة برقية قوية تنقذه منه لا محالة. وكان لديهم، فضلا عن الرقى الكثيرة التي يستطيع بها الموتى أن يصلوا إلى الدار الآخرة، رقى أخرى تمنع الميت أن يفقد فمه أو قلبه، ورقى غيرها يستطيع بها أن يذكر اسمه، وأن يتنفس، ويأكل ويشرب ويتَّقي أكل فضلاته، ومنها ما يمنع الماء الذي يشربه أن يستحيل لهبا، ومنها ما يحيل الظلام نوراً، ومنها ما يرد عنه الأفاعي وغيرها من الهولات المعادية؛ وما إلى ذلك...

وهكذا فوجئنا بانقطاع أسباب التدرج في نمو المبادئ الأخلاقية التي نستطيع تبينها في الشرق القديم أو على الأقل بوقف هذا النمو إلى حين. ويرجع هذا إلى الأساليب البغيضة التي لجأت إليها طائفة فاسدة من الكهنة حريصة كل الحرص على الكسب من أهون سبيل" (258).

تلك كانت حالة الدين في مصر حين ارتقى العرش إخناتون الشاعر المارق وأجج نار الثورة الدينية التي قضت على الإمبراطورية المصرية.

الفصل الرابع

الملك المارق

أخلاق إخناتون - الدين الجديد - ترنيمة الشمس - التوحيد -

العقيدة الجديدة - الفن الجديد - الارتكاس - نفرتيتي -

تفكك الإمبراطورية - موت إخناتون

في عام 1380 ق.م مات أمنحوتب الثالث الذي خلف تحتمس الثالث على عرش مصر بعد حياة حافلة بالعظمة والنعيم الدنيوي، وخلفه ابنه أمنحوتب الرابع الذي شاءت الأقدار أن يعرف باسم إخناتون. ولدينا تمثال نصفي لهذا الملك واضح المعارف، عثر عليه في تل العمارنة، ومنه نحكم بأنه كان شخصاً نحيل الجسم إلى حد لا يكاد يصدقه العقل، ذا وجه نسائي في رقته، شاعري في أحاسيسه. وكانت له جفون كبيرة كجفون الحالمين الخياليين، وجمجمة طويلة شوهاء، وجسم نحيل ضعيف. وملاك القول أنه كان شاعراً شاءت الأقدار أن تجعل منه ملكاً.

ولم يكد يتولى الملك حتى ثار على دين آمون وعلى الأساليب التي يتبعها كهنته. فقد كان الهيكل العظيم بالكرنك طائفة كبيرة من النساء يتخذن سراري لآمون في الظاهر، وليستمتع بهن الكهنة في الحقيقة(258).

وكان الملك الشاب في حياته الخاصة مثالاً للطهر والأمانة، فلم يرضه هذا العهر المقدس؛ وكانت رائحة دم الكبش الذي يقدم قرباناً لآمون كريهة نتنة في خياشيمه كما كان اتجار الكهنة في السحر والرقى، واستخدامهم نبوءات آمون للضغط على الأفكار باسم الدين، ولنشر الفساد السياسي(259)، مما تعافه نفسه، فثار على ذلك كله ثورة عنيفة، وقال في هذا: "إن أقوال الكهنة لأشد إثماً من

كل ما سمعت حتى السنة الرابعة (من حكمه)؛ وهي أشد إثماً مما سمعه الملك أمنحوتب الثالث"(260)، وثارت روحه الفتية على الفساد الذي تدهور إليه دين شعبه، وكره المال الحرام والمراسم المترفة التي كانت تملأ الهياكل، وأحفظه ما كان لطائفة الكهنة المرتزقة من سيطرة على حياة الأمة. ثار الرجل على هذا كله ثورة الشعراء، فلم يقبل تراضياً ولم يقنع بأنصاف الحلول، وأعلن في شجاعة أن هاتيك الآلهة وجميع ما في الدين من احتفالات وطقوس كلها وثنية منحطة، وأن ليس للعالم إلا إله واحد هو- آتون.

ورأى إخناتون- كما رأى أكبر في الهند من بعده بثلاثين قرناً- أن الألوهية أكبر ما تكون في الشمس مصدر الضوء وكل ما على الأرض من حياة.

ولسنا نعلم هل أخذ نظريته هذه عن بلاد الشام، أو ابتدعها من عنده وهل كان آتون مجرد صورة أخرى لأدنيس. وأياً كان أصل هذا الإله فقد ملأ نفس الملك بهجة وسروراً ، فاستبدل باسمه الأول أمنحوتب المحتوي على لفظ آمون اسم إخناتون ومعناه "آتون راض" ، واستعان ببعض الترانيم القديمة، وبعض قصائد في التوحيد- نشرت في أيام سلفه - فألف أغاني حماسية في مدح آتون، أحسنها وأطولها جميعاً القصيدة الآتية . وهي أجمل ما بقى لدينا من الأدب المصري القديم:

ما أجمل مطلعك في أفق السماء!

أي آتون الحي، مبدأ الحياة؛

فإذا ما أشرقت في الأفق الشرقي

ملأت الأرض كلها بجمالك.

إنك جميل، عظيم، براق، عال فوق كل الرؤوس،

أشعتك تحيط بالأرض، بل بكل ما صنعت،

إنك أنت رِى، وأنت تسوقها كلها أسيرة؛

وإنك لتربطها جميعاً برباط حبك.

ومهما بعدت فإن أشعتك تغمر الأرض؛

ومهما علوت، فإن آثار قدميك هي النهار،

وإذا ما غربت في أفق السماء الغربي

خيم على الأرض ظلام كالموت،

ونام الناس في حجراتهم،

وعصبت رؤوسهم،

وسدت خياشيمهم،

ولم ير واحد منهم الآخر،

وسرق كل متاعهم،

الذي تحت رؤوسهم،

ولم يعرفوا هم هذا.

وخرج كل أسد من عرينه

ولدغت الأفاعي كلها...

وسكن العالم بأجمعه

لأن الذي صنعها يستريح في أفق سمائه.

ما أبهى الأرض حيت تشرق في الأفق،

وحين تضيء يا آتون بالنهار

تدفع أمامك الظلام.

وإذا ما أرسلت أشعتك

أضحت الأرضان في أعياد يومية،

واستيقظ كل من عليهما ووقفوا على أقدامهم

حين رفعتهم.

فإذا غسلوا أجسامهم، لبسوا ملابسهم،

ورفعوا أيديهم يمجدون طلوعك،

وأخذوا في جميع أنحاء العالم يؤدون أعمالهم،

واستراحت الأنعام كلها في مراعيها،

وازدهر الشجر والنبات،

ورفرفت الطيور في مناطقها،

وأجنحتها مرفوعة تسبح بحمدك.

ورقصت كل الأغنام وهي واقفة على أرجلك،

وطار كل ذي جناحين،

كلها تحيا إذا ما أشرقت عليها،

وأقلعت السفائن صاعدة ونازلة،

وتفتحت كل الطرق لأنك قد طلعت.

وإن المسك في النهر ليقفز أمامك،

وإن أشعتك لفي وسط البحر العظيم الأخضر،

يا خالق الجرثومة في المرأة،

ويا صانع النطفة في الرجل،

ويا واهب الحياة للابن في جسم أمه،

ويا من يهدئه فلا يبكي،

يا من يغذيه حتى وهو في الرحم،

يا واهب الأنفاس يا من ينعش كل من يصنعه!

وحين يخرج من الجسم... في يوم مولده

تفتح أنت فاه لينطق،

وتمده بحاجاته،

والفرخ حين يزقزق في البيضة

تهبه النفس فيها لتحفظ له حياته

فإذا ما وصلت به،

إلى النقطة التي عندها تكسر البيضة

خرج من البيضة، ليغرد بكل ما فيه من قوة

ويمشي على قدميه

ساعة يخرج منها.

ألا ما أكثر أعمالك

الخافية عليا.

أيها الإله الأوحد الذي ليس لغيره سلطان كسلطانه،

يا من خلقت الأرض كما يهوى قلبك

حين كنت وحيداً.

إن الناس والأنعام كبيرها وصغيرها،

وكل ما على الأرض من دابة،

وكل ما يمشي على قدمين،

وكل ما هو في العلا

ويطير بجناحيه،

والبلاد الأجنبية من سوريا إلى كوش

وأرض مصر،

إنك تضع كل إنسان في موضعه

وتمدهم بحاجاتهم...

أنت موجد النيل في العالم السفلي،

وأنت تأتي به كما تحب

لتحفظ حياة الناس...

ألا ما أعظم تدبيرك

يا رب الأبدية!

إن في السماء نيلاً للغرباء

ولما يمشي على قدميه من أنعام كل البلاد.

إن أشعتك تغذي كل الحدائق،

فإذا ما أشرقت سرت فيها الحياة،

فأنت الذي تنميها.

أنت موجد الفصول

لكي تخلق كل أعمالك

خلقت الشتاء لتأتي إليها بالبرد،

وخلقت الحرارة لكي تتذوقك.

وأنشأت السماء البعيدة، وأشرقت فيها

لتبصر كل ما صنعت،

أنت وحدك تسطع في صورة آتون الحي.

تطلع، وتسطع، وتبتعد، وتعود،

إنك تصنع آلاف الأشكال

منك أنت وحدك؛

من مدائن، وبلاد، وقبائل؛

وطرق كبرى وأنهار،

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy