قصة الحضارة (36)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

موت حمورابي إلا ثمان سنين حتى اجتاحت رجالها دولته، وعاثوا في أرضها فساداً يسلبون وينهبون، ثم ارتدوا عنها، ثم شنوا عليها الغارة تلو الغارة، واستقروا آخر الأمر فيها فاتحين حاكمين، وهذه هي الطريقة التي تنشأ بها عادة طبقة السراة في البلاد. ولم يكن هؤلاء الفاتحون من نسل الساميين ولعلهم كانوا من نسل جماعة المهاجرين الأوربيين جاءوا إلى موطنهم الأول في العصر الحجري الحديث، ولم تكن غلبتهم على أهل بابل الساميين إلا حركة أخرى من حركات الهجوم والارتداد التي طالما حدثت في غرب آسية. وظلت بلاد بابل بعد هذا الغزو عدة قرون

مسرحاً للاضطراب العنصري والفوضى السياسية اللذين وقفا في سبيل كل تقدم في العلوم والفنون(11). ولدينا صورة واضحة من هذا الاضطراب الخانق في رسائل تل العمارنة التي يستغيث فيها أقيال بابل وسوريا بمصر التي كانوا يؤدون إليها خراجا متواضعاً بعد انتصارات تحتمس الثالث، ويتوسلون إليها أن تمد إليهم يدها لتعينهم على الثوار والغزاة. وفيها أيضاً يتجادلون في قيمة ما يتبادلونه من الهدايا مع أمنحوتب الثالث الذي يترفع عليهم، ومع إخناتون الذي أهملهم وانهمك في غير شؤون الحكم .

وأُخرج الكاشيون من أرض بابل بعد أن حكموها ما يقرب من ستة قرون اضطربت فيها أحوال البلاد وتمزقت، كما اضطربت أحوال مصر وتمزقت في عهد الهكسوس. ودام الاضطراب بعد خروجهم أربعمائة عام أخرى حكم بابل في أثنائها حكام خاملون ليس في أسمائهم الطويلة اسم واحد جدير بالذكر . ودام عهدهم حتى قامت دولة أشور في الشمال فبسطت سيادتها على بابل وأخضعتها لملوك نينوى. ولما ثارت بابل على هذا الحكم دمرها سنحريب تدميراً لم يكد يبقى منها على شيء. ولكن عصر هدون، المستبد الرحيم أعاد إليها رخائها وثقافتها. ولما قامت دولة الميديين وضعف الآشوريون استعان نبوبولصر بالدولة الناشئة على تحرير

بابل من حكم الآشوريين، وأقام فيها أسرة حاكمة مستقلة. ولما مات خلفه في حكم الدولة البابلية الثانية ابنه نبوخد نصر الثاني الذي يسميه كتاب دانيال(13) بالرجل الوغد حقداً عليه وانتقاماً منه. وفي وسع المرء أن يستشف من خطبة نبوخد نصر الافتتاحية لمردك كبير آلهة بابل مرامي الملك الشرقي وأخلاقه:

"إني أحب طلعتك السامية كما أحب حياتي الثمينة! إني لم أختر لنفسي بيتا في المواطن كلها الواقعة خارج مدينة بابل... ليت البيت الذي شدته يدوم إلى الأبد بأمرك أيها الإله الرحيم. ولعلي أشبع ببهائه وجلاله، وأبلغ فيه الشيخوخة، ويكثر ولدي، وتأتي إليَّ فيه الجزية من ملوك الأرض كلها ومن بني الإنسان أجمعين" (14).

وعاش هذا الملك حتى كاد يبلغ السن التي يطمع فيها؛ وكان أقوى ملوك الشرق الأدنى في زمانه وأعظم المحاربين والبنائين والحكام السياسيين من ملوك بابل كلهم لا نستثني منهم إلا حمورابي نفسه. هذا مع أنه كان أمياً، ومع أن عقله لم يكن يخلو من خبال. ولما تآمرت مصر مع أشور لكي تخضع الثانية بابل إلى حكمها مرة أخرى، التقى نبوخد نصر بالجيوش المصرية عند قرقميش (على نهر الفرات الأعلى) وكاد يبيدها عن آخرها. وسرعان ما وقعت فلسطين وسوريا في قبضته، وسيطر التجار البابليون على جميع مسالك التجارة التي كانت تعبر غرب آسية من الخليج الفارسي إلى البحر الأبيض المتوسط.

وأنفق نبوخد نصر ما كان يفرضه على هذه التجارة من مكوس وما كان يجبيه من خراج البلاد الخاضعة لحكمه، وما كان يدخل خزائنه من الضرائب المفروضة على شعبه- أنفق هذا كله في تجميل عاصمته وفي تخفيف نهم الكهنة : "أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها؟" (15) وقاوم ما كان عساه أن تنزع إليه نفسه من أن يكون فاتحاً عظيماً فحسب. نعم إنه كان يخرج بين الفينة والفينة ليلقي على رعاياه درساً في فضائل الطاعة والخضوع، ولكنه كان يصرف جل وقته في

 


قصبة ملكه حتى جعل بابل عاصمة الشرق الأدنى كله بلا منازع، وأكبر عواصم العالم القديم وأعظمها أبهة وفخامة(16). وكان نبوبولصر قد وضع الخطط لإعادة بناء المدينة، فلما جاء نبوخد نصر صرف سني حكمه الطويل التي بلغت ثلاثاً وأربعين في إتمام ما شرع فيه سلفه. وقد وصف هيرودوت بابل، وكان قد زارها بعد قرن ونصف من ذلك الوقت، بأنها "مقامة في سهل فسيح، يحيط بها سور طوله ستة وخمسون ميلاً(17) ويبلغ عرضه حداً تستطيع معه عربة تجرها أربعة جياد أن تجري في أعلاه، ويضم مساحة تقرب من مائتي ميل مربع" . وكان يجري في وسط المدينة نهر الفرات يحف بشاطئيه النخيل وتنتقل فيه المتاجر رائحة غادية بلا انقطاع، ويصل شطريها جسر جميل . وكانت المباني الكبيرة كلها تقريبا من الآجر، وذلك لندرة الحجر في أرض الجزيرة، ولكن هذا الآجر كان يغطى في كثير من الأحيان بالقرميد المنقوش البرَّاق ذي اللون الأزرق أو الأصفر أو الأبيض المزيّن بصور الحيوان أو غيره من الصور البارزة المصقولة اللامعة، ولا تزال تلك الصور حتى هذه الأيام من أحسن ما أخرجته الصناعة من نوعها. وكل آجرة من الآجر الذي استخرج من موقع بابل القديم تحمل هذا النقش الذي يتباهى به الملك الفخور: "أنا نبوخد نصر ملك بابل"(21).

وكان أولَ ما يشاهده القادم إلى المدينة- صرح شامخ كالجبل يعلوه برج عظيم مدرج من سبع طبقات، جدرانه من القرميد المنقوش البرَّاق، يبلغ ارتفاعه 650 قدماً، فوق ضريح يحتوي على مائدة كبيرة من الذهب المصمت

وعلى سرير مزخرف تنام عليه كل ليلة إحدى النساء في انتظار مشيئة الإله(22). وأكبر الظن أن هذا الصرح الشامخ الذي كان أعلى من أهرام مصر، وأعلى من جميع مباني العالم في كل العصور إلا أحدثها عهداً، هو "برج بابل" الذي ورد ذكره في القصص العبري، والذي أراد به أهل الأرض ممن لا يعرفون يهوه أن يظهروا به كبرياءهم، فبلبل رب الجيوش ألسنتهم . وكان في أسفل الصرح هيكل عظيم لمردُك رب بابل وحاميها. ومن أسفل هذا المعبد تمتد المدينة نفسها من حوله يخترقها عدد قليل من الطرق الواسعة النيرة، وكثير من القنوات والشوارع الضيقة الملتوية التي كانت بلا ريب تعج بالأسواق والحركة التجارية وبالغادين والرائحين. وكان يمتد بين الهياكل القائمة في المدينة طريق واسع مرصوف بالآجر المغطى بالأسفلت يعلوه بلاط من حجر الجير ومجمعات من الحجارة الحمراء تستطيع الآلهة أن تسير فيه دون أن تتلوث أقدامها. وكان على جانبي هذا الطريق الواسع جدران من القرميد الملوّن تبرز منها تماثيل لمائة وعشرين أسداً مطلية بالألوان الزاهية تزمجر لترهب الكفرة فلا يقتربوا من هذا الطريق. وكان في أحد طرفيه مدخل فخم هو باب إستير، ذو فتحتين من القرميد الزاهي المتألق، وتزينه نقوش تمثل أزهارا وحيوانات جميلة الشكل زاهية اللون، يخيل إلى الناظر أنها تسري فيها الحياة .

وكان على بعد ستمائة ياردة من برج بابل وإلى شماله ربوة تسمى القصر شاد عليها نبوخد نصر أروع بيت من بيوته. ويقوم في وسط هذا البناء مسكنه الرئيسي ذو الجدران الجميلة المشيدة من الآجر الأصفر، والأرض المفروشة بالخرسان الأبيض والمبرقش، تزين سطوحها نقوش بارزة واضحة زرقاء

اللون، مصقولة براقة، وتحرس مدخله آساد ضخمة من حجر البازلت. وكان بالقرب من هذه الربوة حدائق بابل المعلقة الذائعة الصيت التي كان يعدها اليونان إحدى عجائب العالم السبع، مقامة على أساطين مستديرة متتالية كل طبقة منها فوق طبقة. وكان سبب إنشائها أن نبوخد نصر تزوج بابنة سياخر (سيكسارس) ملك الميديين، ولم تكن هذه الأميرة قد اعتادت على شمس بابل الحارة وثراها، فعاودها الحنين إلى خضرة بلادها الجبلية، ودفعت الشهامة والمروءة نبوخد نصر فأنشأ لها هذه الحدائق العجيبة، وغطى سطحها الأعلى بطبقة من الغرين الخصيب يبلغ سمكها جملة أقدام، لا تتسع للأزهار والنباتات المختلفة ولا تسمح بتغذيتها فحسب، بل تتسع أيضاً لأكبر الأشجار وأطولها جذوراً وتكفي تربتها لغذائها. وكانت المياه ترفع من نهر الفرات إلى أعلى طبقة في الحديقة بآلات مائية مخبأة في الأساطين تتناوب إدارتها طوائف من الرقيق(24). وفوق هذا السطح الأعلى الذي يرتفع عن الأرض خمساً وسبعين قدماً كان نساء القصر يمشين غير محجبات آمنات من أعين السوقة، تحيط بهن النباتات الغريبة والأزهار العطرة، ومن تحتهن في السهول وفي الشوارع كان السوقة من رجال ونساء يحرثون وينسجون، ويبنون، ويحملون الأثقال، ويلدون أبناء وبنات يخلفونهم في عملهم بعدم موتهم.

الفصل الثاني

الكادحون

الصيد - الحرث - الطعام - الصناعة -

النقل - أخطار التجارة - المرابون - الرقيق

كان بعض أجزاء البلاد لا يزال على حاله البرية الموحشة الخطرة؛ فكانت الأفاعي تهيم في العشب الكثيف، وكان ملوك بابل وأشور يلهون بصيد الآساد التي تجول في الغابات والتي تقف هادئة للمصورين، ولكنها تفر إذا اقترب منها الصائدون. حقاً إن المدنية ليست إلا فترة عارضة موقوتة تتخلل وحشية الغابات.

وكانت أكثر الأراضي الزراعية يفلحها المستأجرون أو الرقيق وأقلها يحرثها ملاكها الفلاحون(25). وكانت كلها في العهود الأولى تفتتها معازق من الحجر كما كان يفعل المزارعون في العصر الحجري الحديث. وأقدم صورة لدينا تمثل المحراث في بابل هي الصورة المنقوشة على خاتم يرجع عهده إلى حوالي عام 1400 ق. م ؛ ولعل هذه الآلة الكريمة النافعة كان وراءها في ذلك الوقت تاريخ طويل في أرض النهرين، ومع هذا فإنها كانت من طراز حديث إلى حد ما. فقد كانت تجرها الثيران كما كان يفعل آباؤنا، ولكنها كانت كمحراث السومريين ذات أنبوبة متصلة بها يخرج منها الحب إلى الأرض كمحاريث أبنائنا(26). ولم يكن أهل بابل يتركون الماء يفيض على الأرض كما كان يتركه أهل مصر، بل كانت كل مزرعة تحميها من الفيضان جسور من التراب لا يزال بعضها باقياً إلى اليوم. وكان الماء الزائد على حاجة الأرض ينصرف إلى شبكة من المصارف أو يخزن في خزانات لها فتحات يخرج منها إلى الحقول وقت الحاجة أو يرفع فوق الحواجز بشواديف. وقد امتاز حكم نبوخد نصر بحفر عدد كبير من

الكادحون

قنوات الري وبتخزين الزائد من الماء في خزان كبير يبلغ محيطه مائة وأربعين ميلاً، تخرج منه قنوات تروى مساحات واسعة من الأرض(27). ولا تزال بقايا هذه القنوات في أرض الجزيرة إلى اليوم. وكأنما أرادت الأقدار أن تربط الأحياء والأموات برباط آخر، فأبقت إلى الآن على الشادوف البدائي في وادي نهري الفرات واللوار(28(.

وكانت الأرض التي تروى على هذا النحو تنبت أنواعاً مختلفة من الحبوب والبقول، كما كانت بها بساتين واسعة تنتج الفاكهة والنُّقل، وكانت أكثر ما تنتجه البلح. وكان البابليون يستثمرون ما أنعمت عليهم به الطبيعة من شمس ساطعة وأرض خصبة في صنع الخبز وجمع العسل وعمل الكعك وغيره من أطايب الطعام. وكانوا يصنعون من مزيج العسل والدقيق كثيراً من أشهى الأطعمة وكانوا يلقحون النخل بحمل الطلع من ذكورها إلى إناثها(29) . وانتقل الكرم والزيتون من أرض الجزيرة إلى بلاد اليونان والرومان، ثم انتقل منهما إلى غرب أوربا. أما الخوخ فقد انتقل إلى أوربا من بلاد الفرس القريبة من أرض الجزيرة؛ وجاء لوكلس بشجر الكرز من شواطئ البحر الأسود إلى رومة، وأصبح اللبن، وهو الذي كان نادراً في بلاد الشرق، من

 

 

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy