قصة الحضارة (37)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الأطعمة الرئيسية في بلاد الشرق الأدنى. وكان اللحم قليلاً غالي الثمن، ولكن السمك كان يصاد من المجاري المائية العظيمة، ويصل إلى بطون أفقر


الطبقات. فإذا أقبل المساء وخشي الفلاح أن يقلق باله التفكير في الحياة والموت، عمد إلى تهدئة هذه الأفكار بالنبيذ المعصور من البلح أو بالجعة


المتخذة من الحَبْ.

وكان غير الفلاحين من الأهلين يحفرون الأرض، ويعثرون فيها على الزيت، ويستخرجون من باطنها النحاس والرصاص والحديد والفضة والذهب.


ويصف لنا استرابون كيف كان ما يسميه "النفط أو الأسفلت السائل" يستخرج من

أرض الجزيرة كما كان يستخرج منها اليوم، ويقولون إن الإسكندر حين سمع بأن السائل العجيب ماء يحترق أراد أن يتثبت من هذا القول الذي لم يكد


يصدقه، فطلى به جسد غلام وأوقد فيه النار بمشعل(30). وفي مستهل الألف السنة الأولى قبل ميلاد المسيح بدأ الأهلون يصنعون الآلات من البرنز ثم


من الحديد، وكانت لا تزال تصنع من الحجر في أيام حمورابي، كما بدأت أيضاً صناعة صهر المعادن وسبكها. وكانوا ينسجون القطن والصوف،


وكانت الأقمشة تصبغ وتطرز بمهارة جعلتها من أثمن السلع التي تصدرها بابل إلى خارج بلادها. والتي وصفها كتاب اليونان والرومان أحسن وصف


وأثنوا عليها أجمل الثناء(31).كذلك نجد نول النّساج وعجلة الفخراني في أقدم عهود التاريخ البابلي، ويكاد النول والعجلة أن يكونا الآلتين الوحيدتين


عند البابليين. وكانت مبانيهم تقام من الطين المخلوط بالقش أو من اللبنات التي كانت توضع بعضها فوق بعض وهي طريقة رطبة تترك حتى تجف


وتتماسك بفعل الشمس. ولما رأى القوم أن اللبنات إذا جففت في النار كانت أصلب وأبقى على الزمن منها إذا جففت في الشمس عمدوا إلى حرقها في


قماش، ومن ثم انتشرت صناعة الآجر بفضل هذا التطور الطبيعي انتشاراً سريعاً. وكانت الصناعات والحرف كثيرة متباينة، وكثر المهرة من الصناع،


وتألفت منهم من عهد حمورابي نقابات كانت (تسمى القبائل) يشترك فيها الصبيان والمعلمون(32).

 

وكانت تستخدم في النقل عربات تجري على عجل تجرها الحمير(33)، وأول ما ذكر الحصان في السجلات البابلية كان في عام 2100 ق.م ، وورد


ذكره باسم "الحمار القادم من الشرق"، ويظهر أنه جاء من هضاب آسية الوسطى وأنه غزا بابل مع الكاشيين، كما وصل إلى مصر من الهكسوس(34

 

). ولما استخدمت هذه الوسيلة من وسائل الانتقال والحمل انتشرت التجارة وامتدت من داخل البلاد إلى خارجها، وأثرت بفضلها بابل وأضحت مركز


تجارة الشرق الأدنى، وكان انتشارها سبباً في ارتباط أمم البحر المتوسط القديمة ارتباطا

 

جنت من وراءه الخير والشر على السواء. وسهل نبوخد نصر التجارة بإصلاح الطرق الرئيسية؛ وقال في هذا يُذَكّر المؤرخين بأعماله:



" لقد جعلت من الممرات الوعرة غير المطروقة طرقاً ممهدة صالحة(35). وكانت القوافل التجارية الكثيرة تحمل إلى أسواق بابل وحوانيتها غلات


نصف العالم المعروف، فكانت تأتيها من الهند مارة بكابول وهيرات وإكبتانا؛ ومن مصر مارة ببلوزيم وفلسطين؛ ومن آسية الصغرى عن طريق


صور وصيدا وسارديس إلى قرقميش، ثم تنحدر جنوباً مع نهر الفرات. وكان لهذه التجارة كلها أثر كبير في عظمة مدينة بابل، فأضحت في أيام نبوخد


نصر سوقاً عظيماً يعج بالبضائع والتجار، فخرج منها الأثرياء ينشدون الراحة في مساكن أقاموها في الضواحي. وجدير بالقارئ أن يلاحظ تلك النغمة


الحديثة المكتوبة بها الرسالة التي بعث بها أحد سكان الضواحي إلى قورش ملك الفرس (حوالي عام 539 ق.م): "لقد بدت لي ضيعتنا أجمل ضياع


العالم؛ ذلك أنها كانت قريبة من بابل قرباً يمكننا أن نستمتع بمزايا المدن العظمى، وكان في وسعنا مع هذا أن نعود إلى بيتنا وننجو مما فيها من تزاحم


وقلق"(36).

ولم تفلح الحكومة في إقامة نظام اقتصادي في أرض الجزيرة كالذي أقامه الفراعنة في مصر. فقد كانت التجارة تصادف كثيراً من الأخطار وتفرض


عليها شتى الإتاوات. ولم يكن التجار يعرفون أي الأمرين يخشونه أشد من الآخر _ أيخشون اللصوص الذين قد يهاجمونهم في طريقهم، أم يخشون


المدن والإقطاعيات التي تفرض عليهم الإتاوات نظير السماح لهم باستخدام طرقها. وكان آمن لهم أن يسيروا كلما استطاعوا في الطريق القومي


العام، طريق نهر الفرات نفسه، وقد جعله نبوخد نصر صالحا للملاحة من مصبه في الخليج الفارسي إلى ثبساكس(37(. وفتحت حروبه في بلاد


العرب وغلبته على صور بحار الهند والبحر الأبيض المتوسط إلى التجارة البابلية، ولكن التجار البابليين لم ينتهزوا هذه الفرص السانحة

لارتياد هذه البحار إلا ارتياداً جزئياً، لأن التاجر كانت تكتنفه الأخطاء في كل ساعة من ساعات النهار والليل أينما سار في البحار الواسعة وفي ممرات


الجبال وفيافي الصحراء. نعم إن السفائن كانت كبيرة تغالب الأمواج، ولكن الحواجز والصخور كانت كثيرة في البحار، ولم يكن فن الملاحة قد أصبح


بعد علماً ذا قواعد وأصول؛ هذا إلى أن لصوص البحار، وسكان الشواطئ الطامعين قد َيغِيُرون على السفن في أية ساعة، وينهبون المتاجر ويأسرون


بحارتها أو يقتلونهم(38). وكان التجار يستعيضون عن هذه الخسائر بأن يقصروا أمانتهم على ما تفرضه عليهم الضرورات في كل حالة من الحالات.

لكن هذه الصعاب التجارية قد يسرها بعض التيسير ما كان في البلاد من نظام مالي راق محكم. نعم إن البابليين لم يسكوا النقود، ولكنهم حتى قبل أيام


حمورابي كانوا يستخدمون في المقايضة- فضلا عن الشعير والقمح- سبائك الذهب والفضة وسيلة للتبادل ومعياراً لتقدير قيم الأشياء. ولم تكن


السبائك المعدنية مختومة أو مطبوعة بل كانت توزن في كل مرة. وكانت أصغر وحدة في العملة هي الشاقل وهو نصف أوقية من الفضة تترواح


قيمته بين ريالين ونصف وخمسة ريالات من نقود هذه الأيام. وكانت ستون شاقلاً تكون ميناً وستون ميناً تكون تالنتا وقيمته من 000ر10 إلى 000


ر20 ريال(38). وكانت القروض تتخذ صورة بضائع أو عملة، وكانت فوائدها عالية تحددها الحكومة بعشرين في المائة سنوياً إذا كانت نقوداً،


وبثلاثة وثلاثين في المائة إن كانت بضاعة. على أن التجار كانوا يتجاوزن هذين السعرين الرسميين، ويستأجرون مهرة الكتاب ليخادعوا الموكلين


بتنفيذ القانون(39) . ولم يكن في البلاد مصارف مالية،


ولكن بعض الأسر القوية كانت تقوم طيلة أجيال متعددة بعملية إقراض النقود، كما كانت تتجر في العقارات وتمول المشروعات الصناعية(40).وكان


في وسع من لهم أموال مودعة بين هؤلاء أن يؤدوا التزاماتهم بتحاويل مالية مكتوبة(41). وكان الكهنة أيضاً يقرضون، وأخص ما كانوا يقرضون له


من الأغراض هو الزرع والحصاد. وكانت الشرائع في بعض الأحيان تنصر المدين على الدائن. من ذلك أنه إذا رهن فلاح مزرعته، ولم يجن من كدحه


محصولاً بسبب العواصف أو الشرَق أو غيرهما من "أفعال الله"، فانه لا يؤدي فوائد على دينه في السنة التي يعجز فيها المحصول(42). ولكن


القانون كان في معظم الأحيان يحرص على حماية الملك وتجنيب صاحبه الخسائر، وكان من المبادئ التي تقوم عليها الشرائع البابلية أن ليس من


حق إنسان ما أن يقترض مالا إلا إذا رغب في أن يكون مسئولاً مسئولية كاملة عن رده إلى صاحبه؛ ومن أجل هذا كان في وسع الدائن أن يقبض على


عبد المدين أو ابنه يتخذه رهينة للدَّين الذي لم يؤده، على ألا يبقى في حوزته أكثر من ثلاث سنين. وكان الربا هو الكارثة التي رزئت بها بلاد بابل


والثمن الذي أدته تجارتها، كما تؤديه الآن تجارتنا نحن، نظير ما كان يبعثه نظام الائتمان الواسع من نشاط تجاري عظيم(43).

 

لقد كانت حضارة البابليين حضارة تجارية بجوهرها، وأكثر ما وصل إلينا من وثائقهم ذو صبغة تجارية- تتصل بالبيوع، والقروض، والعقود،


والمشاركة، والسمسرة، والتبادل، والوصايا، والاتفاقات والسفاتج، وما إليها.

 

ونجد في هذه الألواح شواهد كثيرة تنطق بما كان عليه القوم من ثراء عظيم، وبما كان يسري في نفوسهم من روح مادية استطاعت كما استطاعت


في حضارات أخرى غير حضارتهم أن تفوق بين التقوى والشره. فنحن نرى في آدابهم دلائل كثيرة على الحياة النشيطة الراضية المرضية، ولكننا


نجد أيضاً في كل ناحية من نواحيها ما يذكرنا بما كان يسري في الثقافات جميعها من استرقاق. وأكثر ما تلذ

لنا قراءته من عقود البيع التي وصلت إلينا من عهد نبوخد نصر، العقود المتصلة بالعبيد(44). وكان مصدر هؤلاء العبيد أسرى الحروب، والغارات


التي يشنها البدو الرُّحّل على الولايات الأجنبية، ونشاط العبيد أنفسهم في التناسل. وكان ثمن الأرقاء يختلف من عشرين ريالا إلى خمسة وستين


للمرأة، ومن خمسين ريالاً إلى مائة ريال للرجل(45). وكان هؤلاء العبيد هم الذين يؤدون معظم الأعمال العضلية في المدن، وتدخل في هذه الأعمال


الخدمات الشخصية.

وكانت الجواري ملكا خالصاً لمن يبتاعهن، وكان ينتظر منهن أن يمهدن له فراشه ويهيئن له طعامه، وكان المعروف أنه سيستولدهن عدداً كبيراً من


الأبناء، فإذا رأت بعضهن أنهن لم يعاملن هذه المعاملة يشعرن بالإهمال والإهانة(46). وكان العبد وكل ما ملكت يداه ملكاً لسيدة: من حقه أن يبيعه أو


يرهنه وفاء لدين؛ ومن حقه أن يقتله إذا ظن أن موته أعود عليه بالفائدة من حياته. وإذا أبق العبد فان القانون لا يبيح لأحد أن يحميه، وكانت تقدّر


جائزة لمن يقبض عليه. وكان من حق الدولة أن تجنده كما تجند الفلاح الحر للخدمة العسكرية أو تسخره للقيام ببعض الأعمال العامة كشق الطرق،


وحفر القنوات. لكنه كان له على سيده أن يؤدي عنه أجر الطبيب، وأن يقدم له كفايته من الطعام إذا مرض أو تعطل عن العمل أو بلغ سن الشيخوخة.


وكان من حقه أن يتزوج بحرّة فإذا رزق منها أبناء كانوا أحراراً، فإذا مات مَن هذا شأنه كان نصف أملاكه من حق أسرته. وكان سيده أحياناً يكل إليه


أعمالاً من الأعمال التجارية، وكان من حقه في هذه الحال أن يحتفظ ببعض أرباح العمل وأن يبتاع بها حريته، وكان سيده يعتقه أحيانا إذا أدى له


خدمة ممتازة، أو خدمه زمناً طويلاً بأمانة وإخلاص. ولكن هذا النوع الأخير من الحرية لم ينله إلا القليلون من العبيد. أما كثرتهم فكانوا يقنعون من


حياتهم بكثرة الأبناء، حتى صاروا أكثر عدداً من الأحرار. فكانت طبقة الأرقاء الكبيرة تتحرك كأنها نهر تحتي جيّاش يجري تحت قواعد الدولة


البابلية.

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy