قصة الحضارة (39)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

يكن له شأن كبير في حياة البابليين، تفيض به ترانيمهم، وتسري فيها كلها نغمة لا تزال باقية في الطقوس السامية وما اشتق منها من ترانيم غير الساميين. وإلى القارئ مثلاً من هذه الترانيم: " رب إن ذنوبي عظيمة، وأفعالي السيئة كثيرة!... إني أرزح تحت أثقال العذاب، ولم يعد في وسعي أن أرفع رأسي، إني أتوجه إلى إلهي الرحيم أناديه، وأنا أتوجع وأتألم!... رب لا ترد عنك خادمك!"(96).

وكانت فكرة الخطيئة عند البابليين مما جعل هذه التضرعات تصدر عن إخلاص حق شديد. ذلك أن الخطيئة لم تكن مجرد حالة معنوية من حالات النفس؛ بل كانت كالمرض تنشأ من سيطرة شيطان على الجسم في مقدوره أن يهلكه. وكانت الصلاة عندهم بمثابة رقية تخرج العفريت الذي أقبل عليه من طوائف القوى السحرية التي كان الشرق القديم يعيش فيها ويخوض عبابها. وكان البابليون يعتقدون أن هذه الشياطين المعادية للناس تترصده في كل مكان. فقد كانت تعيش في شقوق عجيبة وتتسلل إلى البيوت من خلال أبوابها، أو من فتحات مزالجها أو أوقابها، وتنقض على فريستها في صورة مرض أو جنة إذا ما ارتكب خطيئة أبعدت عنه إلى حين حماية الآلهة الخيرين. وكان للمردة، والأقزام، والمقعدين، وللنساء بنوع خاص، كان لهؤلاء كلهم في بعض الأحيان القدرة على إدخال الشياطين في أجسام من لا يحبون وذلك بنظرة من "عين حاسدة" . وكان من المستطاع اتقاء شر هؤلاء الشياطين إلى حد ما باستعمال التمائم والطلاسم وما إليها من الرقى والأحاجي. وكانت صور الآلهة إذا حملها الشخص معه تكفي في الغالب لإخافة الشيطان وإبعاده. وكان من أقوى التمائم أثراً قلادة من حجارة صغيرة تسلك في خيط أو سلك وتعلق في العنق؛ على أن يراعى في الحجارة أن تكون من النوع الذي تربط الأقوال المأثورة بينه وبين الحظ الحسن، وفي الخيط أن يكون أسود أو أبيض أو أحمر حسب الغرض الذي يريده منه صاحبه. وكان

من أشد الخيوط أثراً الخيط الذي يغزل من عنزة لم يقربها تيس(97). وكان من الحكمة أن يستعان فضلاً عن هذه الوسائل بالرقى الحارة والطقوس السحرية لإخراج الشيطان من الجسم، كرشه بالماء المحمول من أحد المجاري المقدسة كدجلة والفرات. وكان من المستطاع عمل صورة للشيطان، ووضعها في قارب، وإلقاؤها في الماء بعد أن تتلى عليها صيغة خاصة. وإذا أمكن صنع القارب بحيث ينكفئ كان ذلك أفضل. وكان من المستطاع إقناع الشيطان بالرقية الصحيحة بترك ضحيته البشرية وتقمص جسم الحيوان- كجسم طير أو خنزير أو حمل، والأخير أكثر شيوعاً(98).

وكانت أكثر الكتابات البابلية التي وجدت في مكتبة أشور بانيبال هي الكتابات المحتوية على صيغ سحرية لطرد الشياطين واتقاء أذاها، والتنبؤ بالغيب. ومن الألواح التي وجدت كتب في التنجيم، ومنها ما هو قوائم في الفأل السماوي منه والأرضي، وإلى جانبها إرشادات عديدة تهدي إلى طريقة قراءتها؛ ومنها بحوث في تفسير الأحلام لا تقل براعة وبعداً عن المعقول عن أرقى ما أخرجته بحوث علم النفس الحديث. ومنها إرشادات في التنبؤ بالغيب ببحث أحشاء الحيوانات أو بملاحظة مكان نقطة من الزيت وشكلها إذا سقطت في إبريق ما(99) . وكان من أساليب التنبؤ الشائعة عند البابليين ملاحظة كبد الحيوان، وقد أخذ ذلك عنهم ما جاء بعدهم من الأمم القديمة. ذلك أن الاعتقاد السائد عند هذه الأمم هو أن الكبد مركز العقل في الحيوان والإنسان على السواء. ولم يكن ملك يجرؤ على شن حرب أو الاشتباك في واقعة، ولم يكن بابلي يجرؤ على البت في أمر من الأمور، أو الإقدام على مشروع خطير، إلا إذا استعان بكاهن أو عراف ليقرأ له طالعه بطريقة من الطرق الخفية السالفة الذكر.

وليس في الحضارات كلها حضارة أغنى في الخرافات من الحضارة البابلية، فكل حالة من الحالات وفاة كانت أو مولوداً، كان لها عند الشعب

شرح وتأويل. وكثيراً ما كان لها تفسير رسمي وديني يصاغ في عبارات سحرية أو خارجة عن السنن الطبيعية. وكان في كل حركة من حركات النهرين، وكل منظر من مناظر الهجوم، وكل حلم، وكل عمل غير مألوف يأتيه إنسان أو حيوان، شاهد يكشف عن المستقبل البابلي الخبير العارف ببواطن الأمور. فمصير الملك يمكن التنبؤ به بملاحظة حركات كلب(100)، كما نتنبأ نحن بطول الشتاء بالتجسس على المرموط . وقد تبدو خرافات البابليين سخيفة في نظرنا، لأنها تختلف في ظاهرها عن خرافاتنا نحن؛ والحق أنه لا توجد سخافة في الماضي إلا وهي منتشرة في مكان ما في الوقت الحاضر. وما من شك في أن تحت كل حضارة بحراً من السحر والتخريف والشعوذة، ولعل هذه كلها ستظل باقية بعد أن يزول من العالم نتاج عقولنا وتفكيرنا.

الفصل الخامس

أخلاق البابليين

انفصال الدين عن الأخلاق - العهر المقدس - الحب

الحر - الزواج - الزنا - الطلاق - مركز المرأة - انحلال الأخلاق

لعل هذا الدين رغم ما فيه من عيوب، قد رقق من طباع البابلي العادي وجعله إنساناً مؤدباً سلس القياد إلى حد ما؛ وإلا فكيف تفسر إكرام الملوك للكهنة. ولكن يلوح أنه لم يكن له في تاريخ البلاد المتأخر أثر ما في الطبقات العليا من الشعبين وذلك لأن "بابل العاهرة" كما كان يراها ويصفها أعداؤها غير العدول كانت "مباءة للظلم"، ومثلاً سيئاً في الانحراف والترف للعالم القديم بأجمعه. وحتى الإسكندر نفسه وهو الذي لم يكن يتورع عن الشراب حتى الموت قد هاله ما رأى من أخلاق البابليين(101).

وأهم ما يلفت نظر المراقب الأجنبي في حياة البابليين تلك العادة التي تعرفها من وصف لها في إحدى صفحات هيرودوت الذائعة الصيت: "ينبغي لكل امرأة بابلية أن تجلس في هيكل الزهرة مرة في حياتها، وأن تضاجع رجلاً غريباً. ومنهن كثيرات يرتفعن عن الاختلاط بسائر النساء، لكبريائهن الناشئ من ثرائهن، وهؤلاء يأتين في عربات مقفلة ويجلسن في الهيكل ومن حولهن عدد كبير من الحاشية والخدم. أما الكثرة الغالبة منهن فيتبعن الطريقة الآتية: تجلس الكثيرات منهن في هيكل الزهرة وعلى رؤوسهن تيجان من الحبال، بين الغاديات والرائحات اللاتي لا ينقطع دخولهن وخروجهن. وتخترق جميع النساء ممرات مستقيمة متجهة في كل الجهات، ثم يمر فيها الغرباء ليختاروا من النساء ممن يرتضون. فإذا جلست امرأة هذه الجلسة كان عليها ألا تعود إلى منزلها حتى يلقي أحد الغرباء قطعة من الفضة

في حجرها ويضاجعها في خارج المعبد. وعلى من يلقي القطعة الفضية أن يقول: أضرع إلى الإلهة ميلتا أن ترعاك؛ ذلك بأن الآشوريين يطلقون على الزهرة اسم ميلتا . ومهما يكن من صغر القطعة الفضية فإن المرأة لا يجوز لها أن ترفضها، فهذا الرفض يحرمه القانون لما لها في نظرهم من قداسة. وتسير المرأة وراء أول رجل يلقيها إليها، وليس من حقها أن ترفضه أيا كان. فإذا ما ضاجعته وتحللت مما عليها من واجب للآلهة، عادت إلى منزلها. ومهما بذلت لها من المال بعدئذ لم يكن في وسعك أن تنالها. ومن كانت من النساء ذات جمال وتناسب في الأعضاء، لا تلبث أن تعود إلى دارها، أما المشوهات فيبقين في الهيكل زمناً طويلاً، وذلك لعجزهن عن الوفاء بما يفرضه القانون عليهن؛ ومنهن من ينتظرن ثلاث سنين أو أربعاً"(102).

ترى ماذا كان منشأ هذه السنة العجيبة؟ فهل كانت بقية من بقايا الشيوعية الجنسية، أي رخصة يمنح بها عريس المستقبل "حق الليلة الأولى" للمجتمع الممثل في المواطن العارض غير المعروف(103)؟ أو هل كان منشؤها خوف العريس من ارتكاب جريمة سفك الدماء التي تحرمها الشرائع(104)؟ أو هل كانت استعداداً ضمنياً للزواج شبيهاً بالسُنَّة التي لا يزال يسير عليها بعض القبائل في استراليا إلى هذه الأيام (105)؟ أو أنها لم تكن أكثر من قربان يقرب للآلهة- فتقدم لها باكورة الفاكهة(106)؟ من يدري؟

ولم تكن هذه النساء عاهرات بطبيعة الحال. لكن عاهرات من أصناف مختلفة كن يسكن في أرباض الهيكل ويمارسن حرفتهن فيها، ومنهن من كن يجمعن من عملهن الأموال الطائلة. وكانت عاهرات الهياكل كثيرات في غرب آسية: نجدهن عند بني إسرائيل(107)، وفي فريجيا، وفينيقية، وسوريا

وغيرها من الأقطار. وكانت البنات في ليديا وقبرص يحصلن على بائنة زواجهن بهذه الطريقة نفسها109). وظلت "الدعارة المقدسة" عادة متبعة في بلاد بابل حتى ألغاها قسطنطين (حوالي عام 325 ق.م)(109). وكان إلى جانبها عهر مدني منتشر في حانات الشراب التي تديرها النساء(110).

وكان يسمح للبابليين في العادة بقسط كبير من العلاقات الجنسية قبل الزواج، ولم يكن يظن على الرجال والنساء أن يتصلوا اتصالاً غير مرخص به "بزيجات تجريبية" تنتهي متى شاء أحد الطرفين أن ينهيها؛ ولكن المرأة في هذه الحالات كان من واجبها أن تلبس زيتونة ـ من حجر أو طين محروق ـ دلالة على أنها محظية(111).وتدل بعض الألواح على أن البابليين كانوا ينشئون القصائد الغزلية ويغنون الأغاني الغرامية؛ ولكن هذه القصائد والأغاني لم يبق منها إلا سطر هنا وسطر هناك، كانت تستهل به القصيدة أو الأغنية كقولهم: "إن حبيبي من نور" أو "إن قلبي مليء بالمرح والغناء"(112).ولدينا خطاب يرجع تاريخه إلى عام 2100 ق.م، وتشبه نغمته رسائل نابليون الأولى إلى جوزفين : "إلى بيبيا... لعل شمش ومردك يهبانك صحة أبدية...لقد أرسلت (أستفسر) عن صحتك، فخبريني كيف حالك؛ لقد وصلت إلى بابل، ولكني لا أراك؛ إني في أشد الحزن"(113).

وكان الآباء هم الذين يهيئون الزواج الشرعي لأبنائهم، وكان الطرفان يقرانه بتبادل الهدايا، ولعل هذه العادة كانت أثراً من نظام قديم هو نظام الزواج بالبيع والشراء. فكان الخطيب يتقدم إلى والد العروس بهدية قيمة؛ ولكن الوالد كان ينتظر منه أن يهب ابنته بائنة أعظم قدراً من الهدية(114)، حتى لقد كان يصعب على المرء أن يقول أيهما المشترى المرأة أم الرجل؟ على أن بعض

الزيجات كانت بيعاً صريحاً، من ذلك إن شمشتريز حصل على عشرة شواقل (50 ريالا) ثمناً لابنته(115).وإذا جاز لنا أن نصدق أبا التاريخ "فإن من كانت لهم بنات في سن الزواج يأتون بهن مرة في كل عام إلى مكان يجتمع فيه حولهن عدد كبير من الرجال، ثم يصفهن دلاّل عام ويبيعهن جميعاً واحدة في إثر واحدة، فينادي أولاً على أجملهن، وبعد أن يقبض فيها ثمناً عالياً ينادي على من تليها في الجمال. ولكنه لم يكن يبيعهن إلا بشرط أن يتزوجهن المشترون... وهذه العادة المستحبة لم يعد لها الآن بقاء"(116).

ويلوح أن الزواج في بابل، رغم هذه الأساليب الغريبة، لم يكن يقل إخلاصاً واقتصارا على واحدة عنه في العالم المسيحي في هذه الأيام. وكانت الحرية المباحة للأفراد قبل الزواج يتبعها إرغام شديد على الاستمساك بالوفاء الزوجي بعده، وكان القانون ينص على إغراق الزوج الزاني ومن زنت معه إلا إذا أشفق الزوج على زوجته فآثر أن يستبدل بهذه العقوبة إخراجها إلى الطريق عارية إلا من القليل الذي لا يكاد يستر شيئا من جسمها(117). وقد بز حمورابي قيصر من هذه الناحية فقال في إحدى مواد قانونه: "إذا أشار الناس بإصبعهم إلى زوجة رحل لعلاقتها برجل غيره، ولم تضبط وهي تضاجعه، وجب أن تلقي بنفسها في النهر لشرف زوجها(118). ولعل الذي كان يهدف إليه القانون بهذه العقوبة هو منع أحاديث الإفك. وكان في وسع الرجل أن يطلق زوجته، ولا يتطلب منه هذا أكثر من رد بائنتها إليها وقوله لها: "لستِ زوجتي" ، أما إذا قالت هي له: "لستَ زوجي" ، فقد وجب قتلها غرقاً(119). وكان عقم الزوجة، وزناها، وعدم اتفاقها مع زوجها، وسوء تدبيرها لمنزلها، كانت هذه في حكم القانون مما يجيز طلاقها(120). وفي ذلك يقول القانون: "إذا لم تكن سيدة حريصة على أداء واجبها، بل كانت دوارة غير مستقلة في منزلها، مهملة لشئون بيتها، مستخفة بأطفالها، وجب أن تلقى في الماء(121). وفي مقابل هذه

القسوة غير المعقولة المنصوص عليها في القانون، كان للمرأة من الوجهة العملية أن تفارق زوجها، وإن لم يكن من حقها أن تطلقه، إذا أثبتت قسوته عليها مع إخلاصها له؛ وكان في وسعها في هذه الحال وأمثالها أن تعود إلى أهلها وأن تأخذ معها بائنتها وما عسى أن تكون قد حصلت عليه بعدئذ من المتاع(122). (ولم تستمتع نساء إنجلترا نفسها بهذه الحقوق إلا في أواخر القرن التاسع عشر). وإذا غاب الزوج عن زوجته في عمل أو حرب زمناً ما، ولم يترك لها ما تعيش منه كان لها أن تعيش مع رجل آخر، دون أن يحول ذلك من الوجهة القانونية بينها وبين انضمامها مرة أخرى إلى زوجها بعد عودته من غيبته(123).

وفي وسعنا أن نقول بوجه عام إن مركز المرأة في بابل كان أقل منه في مصر وفي روما، ولكنه مع ذلك لم يكن أقل من مركزها عند اليونان الأقدمين أو عند الأوربيين في العصور الوسطى. وكان لابد لها لكي تؤدي أعمالها الكثيرة- من ولادة الأبناء وتربيتهم، ونقل الماء من النهر أو الآبار العامة، وطحن الحبوب، والطهي، وغزل الخيوط ونسجها، وتنظيف دارها- كان لابد لها لكي تؤدي هذه الأعمال أن تكون حرة في غدوها ورواحها بين الناس لا تكاد تفترق من هذه الناحية عن الرجل في شيء(124). وكان من حقها أن تمتلك الثروة وتستمتع بدخلها وتتصرف فيها بالبيع والشراء، وأن ترث وتُوَرّثْ(125). ومن النساء من كانت لهن حوانيت، يتجرن فيها، بل إن منهن من كن كاتبات، وفي هذا دليل على أن البنات كن يتعلمن كالصبيان(126). غير أن التقاليد السامية التي تمنح أكبر ذكور الأسرة سلطة لا تكاد تقف عند حد كانت تحول دون ما عساه أن يكون باقياً في أرض الجزيرة من أزمنة ما قبل التاريخ من نزعة لتغليب سلطان الأم. وكان من العادات المتبعة عند الطبقات العليا عادة- ولعلها هي التي أدت إلى عادة الحجاب عند المسلمين والهنود- أن يكون للنساء جناح خاص أو أجنحة خاصة في المنزل؛ وكن إذا

خرجن صحبهن رقباء من الخصيان والخدم(127). أما الطبقات السفلى فلم تكن نساؤها أكثر من آلات لصنع الأطفال، وإذا لم تكن لهن بائنات كانت مكانتهن لا تكاد تفترق عن مكانة الإماء(128). وتشير عبادة عشتار إلى أن المرأة والأمومة كان لهما قسط من التبجيل في بلاد بابل، كانت تشير عبادة مريم العذراء في العصور الوسطى إلى ما كان لها من التبجيل وقتذاك؛ ولكننا إذا أخذنا بقول هيرودوت إن البابليين إذا حوصروا " كانوا يخنقون زوجاتهم لكيلا يستهلكن ما عندهم من الطعام " (129)، لا نرى أن البابليين كانت لديهم كثير من صفات الشهامة والفروسية التي كانت لدى الأوربيين في تلك العصور.

لذلك ترانا نجد بعض العذر للمصريين إذا وصفوا البابليين بأنهم قوم لم يصلوا إلى درجة كبيرة في الحضارة. والحق أننا لا نجد عندهم ما تشهد به آداب المصريين وفنونهم من رقة أخلاقهم ومشاعرهم. ولما أن وصلت هذه الرقة إلى البابليين وصلت إليهم تحت ستار الانحلال المخنث.. فكان الشبان يصبغون شعرهم ويقصونه، ويعطرون أجسامهم، ويحمرون خدودهم، ويزينون أنفسهم بالعقود والأساور، والأقراط، والقلائد. ولما فتح الفرس بلادهم وقضوا بذلك على عزتهم النفسية، تحرروا أيضاً من جميع القيود الخلقية، وسرت عادات العاهرات إلى جميع الأوساط وأضحت نساء الأسر الكبيرة يرين أن إظهار محاسنهن أياً كانت ليستمتع بها أعظم استمتاع أكبر عدد مستطاع، أصبحن لا يرين في هذا شيء أكثر من مجاملة عادية(130). وإذا جاز لنا أن نصدق هيرودوت فإن "كل رجل من عامة الشعب إذا عضه الفقر، عرض بناته للدعارة طلباً للمال"(131). وكتب كوتنس كورتيس عام 42 ب.م يقول: "ليس ثمة أغرب من أخلاق هذه المدينة. فلسنا نجد في أي مكان آخر ما نجده فيها من تهيئة كل شيء على خير وجه لإشباع الملذات الشهوانية" . لقد فسدت الأخلاق وانحلت حين أثرت الهياكل، وانهمك أهل بابل في ملذاتهم فرضوا أن تخضع مدينتهم للكاشيين والأشوريين والفرس واليونان.

الفصل السادس

الكتابة والأدب

الكتابة المسمارية - حل رموزها - اللغة - الأدب - ملحمة جلجميش

ترى هل خلدت هذه الحياة، حياة الشهوات والتقوى والتجارة، في الأدب أو الفن، تخليداً رائعاً نبيلاً؟ لعل هذا قد كان لأننا لا نستطيع أن نحكم على مدينة ما من شذرات متفرقة من حطام بابل قذف بها بحر الزمان. إن هذه الشذرات تتصل معظمها بشئون الصلات والسحر والتجار؛ وليس ما خلفته من تراث أدبي بالشيء الكثير إذا قيس إلى ما تركته مصر وفلسطين، كانت هذه القلة شبيهة بأشور وفارس، ولسنا ندري أكان هذا من أثر الظروف والمصادفات أم كان من أثر فقرها الثقافي. أما فضلها على العالم في ميدان التجارة وفي القانون.

لكن الكتبة رغم هذا كانوا في مدينة بابل التي كان يسكنها خليط من جميع الأجناس لا يقلون عنهم في منف أو طيبة. ذلك أن فن الكتابة كان لا يزال في بداية عهده فناً ينال به من يجيده مركزاً عظيماً في المجتمع، فقد كان الطريق الموصل إلى المناصب الحكومية والكهنوتية؛ ولم يكن صاحبه يغفل قط عن الإشادة بفضله فيما يرويه من أعماله، وكان من عادة الكاتب أن ينقش ما يفيد هذا على خاتمه الأسطواني(133) كما كان العلماء والمتعلمون في العالم المسيحي من وقت قريب يذكرون مؤهلاتهم العلمية على بطاقاتهم. وكان البابليون يكتبون بالخط المسماري على ألواح من الطين الرطب بقلم ذي طرف شبيه بالمنشور الثلاثي أو الإسفين. فإذا امتلأ اللوح كتابة جففوه أو حرقوه، فكان بذلك مخطوطاً غريباً طويل البقاء. وإذا كان المكتوب رسالة نثر عليها التراب الناعم، ووضعت في مظروف

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: