قصة الحضارة (41)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

ويقوم إلى جوار المعبد في أغلب الحالات برج عال يسمى بلغتهم زاجورات (ومعناها "مكان عال") يتكون من طبقات مكعبة الشكل بعضها فوق بعض، وتتناقص كلما علت، ويحيط بها سلم من خارجها. وكانت تستخدم إما في الأغراض الدينية- فقد كان مزاراً عالياً للإله صاحب الهيكل- وإما في أغراض فلكية بأن تكون مرصداً يرقب منه الكهنة الكواكب التي تكشف عن كل شيء في حياة الناس.

وكان الزاجورات العظيم الذي في برسبا يسمى "مراحل الأفلاك السبع"، وكانت كل طبقة من طبقاته مخصصة لكوكب من الكواكب السبعة المعروفة عند البابليين، وملونة بلون يرمز إلى هذا الكوكب. فكانت الطبقة السفلى سوداء اللون كلون زحل، والتي تليها بيضاء كلون الزهرة، والتي فوقها أرجوانية للمشتري؛ والرابعة زرقاء لعطارد؛ والخامسة قرمزية للمريخ؛ والسادسة فضية للقمر؛ والسابعة ذهبية للشمس. وكانت هذه الأفلاك والكواكب تشير إلى أيام الأسبوع السبعة مبتدئة من أعلاها(147).

ولم يكن في هذه المباني- على قدر ما نستطيع أن نتبين من منظرها- شيء كثير من الذوق الفني، فقد كانت كلها كتلاً ضخمة من خطوط مستقيمة لا تتطاول إلى شيء أكثر من مجد الضخامة، وقد نجد في بقاع متفرقة بين الخرائب القديمة عقوداً وأقواساً، وهي أشكال أخذت عن سومر واستخدمت في غير عناية ومن غير علم بمصيرها. وكان ما في المباني من زينات في داخلها وخارجها يكاد يقتصر على طلاء بعض أوجه الآجر، بعد صقلها، بالألوان الصفراء، والزرقاء، والبيضاء، والحمراء، وإقامة صور من القرميد للحيوان والنبات في مواضع قليلة من الجدران. وهذا "التزجيج" ، الذي لم يكن يقصد به تجميل البناء فحسب بل كان يقصد به أيضاً وقاية المباني من الشمس والمطر، قديم يرجع على الأقل إلى عهد نارام- سِنْ، وقد ظل شائعاً في أرض النهرين إلى أيام

الفتح الإسلامي. ولهذا السبب أضحت صناعة الخزف أخص فنون الشرق الأدنى القديم، وإن لم تنتج من الأواني الخزفية ما هو جدير بالذكر. لكن فن العمارة البابلي ظل على الرغم من هذا العون فناً ثقيلاً خالياً من الجمال والأناقة، قضت عليه المواد التي استخدمت فيه ألا يرقى إلى ما فوق الدرجة الوسطى. وما أسرع ما كانت الهياكل تقوم من الطين الذي حوَّله العمال المسخرون إلى لبنات وملاط، ولم تكن ثمة حاجة إلى قرون طوال كل تمتلئ بها البلاد كما اجتاحت المباني الكبيرة الباقية في مصر وفي أوربا العصور الوسطى، ولكنها تهدمت بنفس السرعة التي شيدت بها أو بما يقرب منها، ولم يمض عليها إلا خمسون عاماً حتى عادت كما بدأت ترابا(148). وكان رخص اللبن والآجر في حد ذاته سبباً في فساد الهندسة البابلية. لقد كان يسهل أن تقام من هذه المواد المباني الضخمة، أما الجمال فكان من الصعب أن ُينال باستخدامها. ذلك أن الآجر لا يعين على السمو والجلال، والسمو والجلال هما روح العمارة.

الفصل الثامن

علوم البابليين

الرياضة - الفلك - التقويم - الجغرافية - الطب

كان البابليون تجاراً، ومن أجل هذا كان نجاحهم في العلم أيسر من نجاحهم في الفن. لقد أوجدت التجارة علوم الرياضة، وتعاونت مع الدين على إيجاد الفلك. وكانت الأعمال المتعددة التي يقوم بها كهنة أرض الجزيرة، من قضاء بين الناس، وهيمنة على المصالح الحكومية، وزراعة وصناعة، وعرافة وخبرة بالنظر في النجوم وفي أحشاء الحيوانات- كانت الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الكهنة حافزاً لهم على أن يضعوا على غير علم منهم، أسس العلوم التي كانت في أيدي اليونان الملحدين سبباً في إنزال الدين من مركز الزعامة والسيطرة على العالم.

كانت علوم البابليين الرياضية تستند إلى تقسيم الدائرة إلى 360 درجة، وتقسيم السنة إلى 360 يوم. وعلى هذا الأساس وضعوا نظاماً ستينياً للعد والحساب بالسنين. وهو النظام الذي نشأت منه فيما بعد النظم الاثنى عشرية التي تعد بالاثنى عشرات. وكانوا لا يستخدمون في العد إلا ثلاثة أرقام- منها علامة للواحد تتكرر حتى تكون تسع علامات متماثلة للرقم 9، وعلامة ثانية للرقم 10 تتكرر حتى تصل إلى 50، وعلامة للرقم 100؛ وكان مما سهل لهم عملية العد والحساب أن وضعوا جداول لا تقتصر على ضرب الأعداد الصحيحة وقسمتها بل تشمل أيضاً أنصاف الأعداد الرئيسية وأثلاثها ومربعاتها ومكعباتها. وتقدم علم الهندسة حتى كان في وسعهم ان يقدروا المساحات المعقدة ومساحات الأشكال غير المنتظمة. وكانوا يقدرون النسبة التقريبية (النسبة بين محيط الدائرة وقطرها) بثلاثة وهو عدد تقريبي لا يليق بأمة من الفلكيين.

البابليين

وكان الفلك هو العلم الذي امتاز به البابليون، وهو الذي اشتهروا به في العالم القديم كله. وهنا أيضاً كان السحر منشأ العلم، فلم يدرس البابليون النجوم ليرسموا الخرائط التي تعين على مسير القوافل والسفن، بل درسوها أكثر ما درسوها لتعينهم على التنبؤ بمستقبل الناس ومصائرهم، وبذلك كانوا منجمين أكثر منهم فلكيين. وكان كل كوكب من الكواكب إلهاً تهمه شئون الناس ولا غنى عنه في تدبيرها. فكان المشتري مردك، وعطارد نابو، والمريخ نرجال، والشمس شمش، والقمر سِنْ، وزحل نبيب، والزهرة إشتار. وكانت كل حركة من حركات كل نجم أو كوكب تدل على أن حادثاً وقع على الأرض أو تتنبأ بوقوعه. فإذا كان القمر منخفضاً مثلاً، كان معنى ذلك أن أمة بعيدة ستخضع للملك، وإذا كان هلالاً كان معناه أن الملك سيظفر بأعدائه. وأضحت الجهود التي تبذل لاستخلاص العلم بالمستقبل من حركات النجوم شهوة من شهوات البابليين، استطاع بها الكهنة الخبيرون بالتنجيم أن يجنوا أطيب الثمرات من الملوك والشعب على السواء. وكان من هؤلاء الكهنة من هو مخلص لعلمه مؤمن به، ينقب بغيرة وحماسة في المجلدات التي تبحث في التنجيم، والتي وضعت، حسب رواياتهم المأثورة، في عهد سرجون ملك أكد. وكانوا يشكون من الدجالين الذين يسيرون بين الناس يقرءون لهم طوالعهم أو يتنبئون بما سيكون عليه الجو بعد عام شأن تقويمنا في هذه الأيام، كل هذا نظير أجور يتقاضونها وهم لم يدرسوا من التنجيم شيئاً(149).

ونشأ علم الفلك نشأة بطيئة من هذه الأرصاد ومن خرائط النجوم التي كانت تهدف إلى التنجيم والتنبؤ بالغيب. وقد استطاعوا منذ عام 2000 ق.م أن يسجلوا بدقة شروق الزهرة وغروبها بالنسبة إلى الشمس، وحددوا مواضع عدة نجوم، وأخذوا يصورون السماء على مهل(150). فلما فتح الكاشيون بلاد بابل توقف هذا التقدم نحو ألف عام. ثم واصلوه من جديد في عهد نبوخد نصر، فصور العلماء الكهنة مسارات الشمس والقمر، ولاحظوا اقترانهما كما لاحظوا

الخسوف والكسوف، وعينوا مسارات الكواكب، وكانوا أول من ميز النجوم الثوابت من الكواكب السيارة تمييزاً دقيقاً ، وحددوا تاريخ الانقلابين الشتائي والصيفي، وتاريخي الاعتدالين الربيعي والخريفي؛ وساروا على النهج الذي سبقهم إليه السومريون فقسموا دائرة فلك البروج (أي مسار الأرض حول الشمس) إلى الأبراج الاثنى عشر. وبعد أن قسموا الدائرة إلى 360 درجة عادوا فقسموا الدرجة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية(152). وكانوا يقدرون الزمن بالساعة المائية والمزولة، واكبر الظن أنهم لم يعملوا على ترقية هاتين الآلتين فحسب بل إنهم اخترعوهما اختراعاً(153).

وقسموا السنة إلى اثني عشر شهراً قمرياً، منها ستة في كل منها ثلاثون يوماً والستة الأخرى في كل منها تسعة وعشرون. ولما كان مجموع أيامهما على هذا الحساب لا يبلغ إلا 354 يوماً فإنهم كانوا يضيفون في بعض السنين شهراً آخر لكي يتفق تقويمهم مع الفصول. وقسموا الشهر إلى أربعة أسابيع تتفق مع أوجه القمر الأربعة. وحاولوا أن يتخذوا لهم تقويماً أسهل من هذا بأن قسموا الشهر إلى ستة أسابيع كل منها خمسة أيام؛ ولكن ثبت بعد إذ أن ُوجد القمر أقوى أثراً من رغبات الناس، وبقي التقسيم الأول كما كان. ولم يكونوا يحسبون اليوم من منتصف الليلة إلى منتصف الليلة التي تليها، بل كان عندهم من شروق القمر إلى شروقه التالي(154)، وقسموا هذه المدة إلى اثنتي عشرة ساعة، في كل ساعة منها ثلاثون دقيقة، وبذلك كان طول الدقيقة البابلية أربعة أضعاف ما قد يوحي إلينا اسمها. إذن فتقسيم الشهر عندنا إلى أربعة أسابيع، وتقسيم أوجه ساعاتنا

إلى اثنتي عشرة ساعة (لا إلى أربع وعشرين) وتقسيم الساعة إلى ستين دقيقة، والدقيقة إلى ستين ثانية، كل هذه آثار بابلية لا شك فيها باقية من أيامهم إلى عهدنا الحاضر ، وإن كان هذا لا يخطر لنا على بال.

وكان اعتماد العلوم البابلية على الدين وارتباطها به أقوى أثراً في ركود الطب منه في ركود الفلك. على أن أساليب الكهنة الخفية لم تحل دون تقدم العلوم بقدر ما حال دونه تخريف الشعب. ذلك أن علاج المرضى قد خرج إلى حد ما عن اختصاص الكهنة وسيطرتهم من أيام حمورابي، ونشأت مهنة منتظمة للأطباء ذات أجور وعقوبات يحددها القانون، فكان المريض الذي يستدعي طبيباً لزيارته يعرف مقدماً كم من المال يجب عليه أن يؤديه نظير هذا العلاج أو ذاك ونظير هذه الجراحة أو تلك؛ وإذا كان هذا المريض من الطبقات الفقيرة نقص الأجر لكي يتناسب مع فقره(157). وإذا اخطأ الطبيب أو أساء العمل كان عليه أن يؤدي للمريض تعويضاً. لقد بلغ الأمر في بعض الحالات التي يكون فيها الخطأ شنيعاً أن تقطع أصابع الطبيب كما سبق القول، حتى لا يمارس صناعته عقب هذا الخطأ مباشرة(158).

ولكن هذا العلم الذي تحرر من سلطان الدين تحرراً يكاد يكون تاماً كان عاجزاً بسبب حرص الشعب على التشخيص القائم على الخرافات والأوهام، وعلى العلاج بالأساليب السحرية. ومن أجل هذا كان السحرة

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: