صناعة فرعون

الكاتب / زهير كمال
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

 

 

 

بقلم: زهير كمال

التاريخ في العادة لا يعيد نفسه ولكن قد تتشابه بعض التفاصيل الصغيرة التي تكمن أهميتها فقط في المقارنة بين صانعي الأحداث.

سنة 1952 قامت الثورة المصرية وتم تعيين رجل ذو منصب كبير في الجيش هو اللواء محمد نجيب ليكون رئيساً للجمهورية، اعتبره من يعرف بواطن الامور واجهة،

فهناك ضباط صغار قاموا بالإنقلاب على الشرعية أمثال البكباشي جمال عبد الناصر، كانوا مجهولين ولا يصلحون لمهمة تمثيل مصر ويحتاجون وقتاً للإنتقال من

الثكنات الى القصر الجمهوري.

في 30 يونيو 2013 طلب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي من الشعب المصري أن يعطيه تفويضاً وأمراً بالانقلاب على الشرعية وإصلاح مسار ثورة 25 يناير، وكان

له ما أراد.

تم تعيين القاضي عدلي منصور كرئيس للبلاد او واجهة للدولة حتى إجراء الإنتخابات الرئاسية وإكمال خارطة الطريق.

خلال الفترة منذ قيام الثورة وحتى إستلام السلطة سنة 1954، كان عبد الناصر يجوب مصر طولاً وعرضاً يبشر بالثورة ويقول للمصري إرفع رأسك يا أخي فقد مضى

عهد الإستعباد.

لم يكن التلفزيون قد دخل مصر بعد.

أما اليوم، فالمشير السيسي لم يغادر القاهرة وبعض الخطب التي نقلها التلفزيون تتحدث عن التضامن وعن تماسك الجيش وأنه في خدمة الشعب.

في إستعراض مختصر لما حدث، قامت الجماهير المصرية بناء على طلب السيسي بالنزول الى الميادين بأعداد تعتبر سبقاً تاريخياً، كانت هذه الأعداد بمثابة استفتاء

على فشل حكم الإخوان المسلمين، تم إقصاء الإخوان وعمل خارطة طريق لعمل دستور جديد وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية خلال فترة محددة.

الى هنا تبدو الأمور طبيعية.

قام النظام السعودي والإماراتي بالتأييد الفوري لما حدث في مصر وضخت الدولتان كميات كبيرة من الأموال في النظام المصرفي المصري.

كان طبيعياً للإمارات أن تقف هذا الموقف ضد الإخوان الذين يتآمرون ضدها ويشكلون خلايا لقلب نظام الحكم.

ولكن الموقف السعودي كان محيراً فعلاً، فإخوان مصر حليف طبيعي للنظام السعودي، فقد آواهم من خوف وأطعمهم من جوع. وكانت الجزيرة العربية ملاذهم الآمن من

بطش النظام الناصري، وعندما استلموا السلطة في مصر لم يظهر لهم اي تميز عن طروحات آل سعود، لم تكن هناك قضية واحدة يختلفون عليها.

والنظام السعودي حتى الآن يؤيد إخوان سوريا ويمدهم بالدعم المعنوي والمال والسلاح.

كان سؤالاً محيراً فعلاً، وقد قيل أن السبب هو المنافسة بين قطر والنظام السعودي على تقاسم النفوذ، ولكن العائلتين حتى هذا التاريخ يدعمان معاً إخوان سوريا.

والعائلة القطرية قد تنافس او تناكف عائلة الإمارات وعائلة البحرين ولكنها لن تفكر أبداً في إزعاج العائلة السعودية.

بعد تشكل هيكل الدولة الجديد المؤقت في مصر، إستلم السيسي وزارة الدفاع .

لم يشهد تاريخ الإعلام في العالم حملة تجميل ودعاية تقوم بها القنوات التلفزيونية مثلما شاهدناها في تلميع الرجل والحملة لا تزال مستمرة، وتم تصوير ما حدث في 30

يونيو 2013 وكأنها من صنعه هو فقط، وبرزت من العدم حملة سمّت نفسها ( كمّل جميلك) ويقال انها جمعت 15 مليون توقيع لتأييد حملة ترشيح السيسي للرئاسة.

طبعاً هناك مغالطة كبيرة فالجماهير هي التي صنعت 30 يونيو وليس السيسي.

كمفهوم عام ليس للأفراد جميل على شعوبهم فهم يقومون بواجبهم وقد تقدر الشعوب أعمال أفرادها فتكافئهم.

وللمقارنة، منذ توليه السلطة احتاج عبد الناصر الى عامين حتى يصبح محبوباً، فماذا فعل خلال هذه الفترة القصيرة حتى يكتسب شعبيته الكاسحة؟

جلاء القوات البريطانية عن مصر وإغلاق كافة قواعدها ، كسر إحتكار السلاح، توزيع الأراضي على الفلاحين، تأميم قناة السويس، الإنتصار على العدوان الثلاثي.

فماذا فعل السيسي حتى الآن؟

زيارة الى روسيا ويقال أن هناك صفقة أسلحة بقيمة 3 مليار دولار ممولة من النظام السعودي.

جن جنون القنوات التلفزيونية وشبهوا هذا العمل بأعمال عبد الناصر الكبيرة، وهللت من غضب أمريكا على بوتين ولامته على ترشيحه للسيسي، وبالطبع فإن العداء

لأمريكا مما يدغدغ عواطف الجماهير العربية التي اكتوت بالمواقف الامريكية المناهضة للحقوق العربية.

ولكن ها نحن نرى الإصبع السعودي مرة ثانية. ومن يعتقد أن للأمر علاقة بالتضامن العربي فهو واهم، منذ متى يبحث آل سعود عن آمر كهذا؟

في منتصف شهر فبراير 2014 قام السيد سعد الحريري بزيارة الى مصر قابل فيها المشير عبد الفتاح السيسي.

للوهلة الاولى يبدو الأمر طبيعياً فالحريري شخصية عامة ليس لها منصب في بلده لبنان، ويحق له أن يزور السيسي للمجاملة.

ولكن إذا علمنا أن الحريري هو أحد المقيمين الدائمين في قصر الملك عبدالله في الرياض، مما لاشك فيه أنه يحمل رسالة خاصة من عبدالله الى السيسي.

رسالة لا تمر عبر القنوات الدبلوماسية ولا تتعلق باختصاص السيسي في وزارة الدفاع.

رسالة لا يحملها إلا أحد المقربين من الملك الذي لا يطلع على أسراره سوى عدد محدود من المخلصين.

عند البحث في تاريخ عبد الفتاح السيسي تبين أنه عمل ملحقاُ عسكرياً في الرياض.

هل يعلم أحد حجم الهدايا العينية والمالية التي يغدقها النظام السعودي على أعضاء السفارات الأجنبية وبخاصة الملحقين العسكريين؟

في تحليل الموقف السعودي المحير من تأييد ثورة شعبية ، وهي ثورة 30 يونيو،

يمكن القول أنه كان هناك إجماع عند الدارسين على أن سقوط الإخوان المسلمين كان حتمياً، كان وشيكاً بفعل تصرفاتهم الحمقاء، انتهازيتهم وغرورهم.

كان لابد من انتهاز الفرصة والدفع بعبد الفتاح السيسي الى الواجهة وتلميعه تمهيداً لتوليه الرئاسة، وهكذا يستطيع النظام السعودي وضع الورقة المصرية في جيبه،

ويمكنه بذلك معادلة التقارب الأمريكي الإيراني .

هنا يرتكب النظام السعودي غلطة عمره ، انتهت مع ثورة يناير 2011 قاعدة:

من يسيطر على الرأس في مصر يسيطر على الجسد، فقد كان حسني مبارك أخر الفراعنة فعلاً.

وحسب المزاج الجديد عند شعبها، لن يستطيع أحد خداعه مرة ثانية يحميه دستور يحدد المدة الرئاسية ومجلس نيابي منتخب بنزاهة مفروضة.

مزاج تشكل من القهر والعذاب والمعاناة والصبر الطويل على حاكمهم أن ينظر الى مآسيهم ، لم يفعل، ففعلوا ، بعد إدراك أنهم هم القوة الحقيقية الوحيدة على أرضهم

وأنه ما حك جلدك الا ظفرك.

ما حدث في غمرة 30 يونيو وفي محاولة لإرجاع عقارب الساعة الى الوراء قيام النظام المصري الحالي بإعتقال قيادات شباب الثورة المصرية، ومن بينهم قيادات حركة 6

ابريل، بحجج مختلفة، هذا بالإضافة الى تصفية الإخوان واعتبارهم تنظيماً إرهابياً.

لا يظهر في مصر اليوم سوى وجوه جديدة خدمت مبارك ولكنها استمرار لنظامه .

ولكن هيهات، فأوضاع الشعب المصري بلغت حافة الإنهيار والإضرابات العمالية المختلفة وإنتشارها على مختلف الأصعدة إنما خير دليل على ذلك. وهذا هو سبب

إستقالة حكومة الببلاوي وتشكيل حكومة جديدة كسباً لبعض الوقت.

ما هي الخيارات المتاحة أمام السيسي؟

هما خياران لا ثالث لهما:

الخيار الأول: أن لا يرشح نفسه للرئاسة ويستمر كوزير دفاع وقد أعطاه الدستور المصري بعض الحصانة هو ومجلسه العسكري، كان هذا أغرب بند في دستور دولة

تحترم نفسها فكيف بالأمر بعد ثورة عظيمة مثل 25 يناير. ولكن هذه النقطة ليست بذات أهمية في الوقت الحاضر.

يستطيع السيسي القول أنه في منصبه هذا سيحافظ على مكتسبات الشعب المصري وثورته وأن الديمقراطية تتطلب حكماً مدنياً وتداول سلمي للسلطة.

مثل هذ الخيار سيكون أسوة برشيد عمار قائد الجيش التونسي الذي وقف على الحياد وها هي تونس تتتعلم اللعبة الديمقراطية وتسير في الإتجاه الصحيح، بعد ان

أدرك الجميع أنه من غير الممكن إلغاء الآخر.

بهذا الخيار يقدم السيسي أعظم خدمة لمصر التي يحبها.

الخيار الثاني: أن يقدم استقالته ويرشح نفسه للإنتخابات الرئاسية أمام باقي المرشحين.

من المرجح أن المرشح المدني عبد الفتاح السيسي سينجح ويصبح رئيساً لمصر فهو يمتلك المال والإعلام ويقف خلفه القوة الوحيدة المنظمة وهي الجيش.

كنت ذكرت في مقال سابق العبارة التالية:

أغرب ما يحدث الآن في مصر أن مثقفيها ومنهم الأستاذ محمد حسنين هيكل يحاولون تقزيم مصر لتتناسب مع حجم وهامة السيسي، وهذا ما يؤسف له فعلاً.

كقاعدة عامة لا يستطيع العسكر إدارة دولة فهم لا يتمتعون بالخيال اللازم لذلك.

فهل يمتلك السيسي المواهب والقدرة على إدارة مصر وحل مشاكلها المتراكمة منذ عقود طويلة؟

فالحل الأمني لا يفيد وإسكات الناس بالقوة لا ينفع، وضخ الأموال من النظام السعودي سيضيع هباء بين المنتفعين والفاسدين الذين يعششون في كل ركن من أركان الدولة.

وفي تقديري، سيضيع على مصر وقتاً آخر حتى تضع قدمها على الطريق ثانية.

وفي تقديري أيضاً ان خياراً كهذا يعكس منطق الأشياء. يعكس منطق التاريخ والجغرافيا والحجم والثقافة والفن والتقدم.

وآن الأوان لأن يضع النظام المصري النظام السعودي في جيبه.

ملاحظات على مواقف بعض الشخصيات العامة:

يعتقد ثعلب الصحافة والسياسة محمد حسنين هيكل أن ضخ المال السعودي كفيل بحل مشاكل مصر. ولهذا فهو يؤيد السيسي.

يعتقد بوتين وهو العارف ببواطن الأمور، فوراءه جهاز ال (كي جي بي)، انه قد يستطيع كسب موطئ قدم في الجزيرة العربية بتأييد السيسي وقد استطاع حتى الآن

كسب صفقة أسلحة ضخمة.

لا يعرف بوتين ان الولاء الأول والأخير للنظام السعودي هو لأمريكا ولهذا فالملك عبدالله ينتظر قدوم اوباما لحل القضايا المعلقة ومن أهم القضايا ترشيح السيسي.

وأتوقع ان الرسالة التي حملها الحريري للسيسي تطلب منه التمهل حتى معرفة ما ستتمخض عنه زيارة اوباما.

اكتشف محمد البرادعي اللعبة في بدايتها فآثر الإنسحاب واستقال من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية.

في حالة انتخاب السيسي ستتوقف الجزيرة القطرية عن حملتها المؤيدة للإخوان فقد تحقق للنظام السعودي ما يريده.

ما العمل؟

ليس هناك أمام القوى الثورية والإسلامية المنفتحة وشباب مصر في تمرد و6 ابريل توحيد جهودهم وخوض معركة بمرشح واحد لمواجهة السيسي، ربما ينبغي على

حمدين صباحي تعيين عبدالمنعم فتوح كنائب له من الآن وخوض المعركة الإنتخابية موحدين.

أليس الأولى أن المشتركين في تفجير ثورة 25 يناير هم من سيصيغ مستقبلها ويحقق شعاراتها في العيش والحرية والعدالة الإجتماعية؟

ستصل كلمة الثورة الى الناس رغم كل ما يقوم به الإعلام المصري الآن والذي يرقى الى مستوى الجريمة في حق مصر، فأنا لا أشك للحظة في وطنية الرجل ولكن

تضخيمه بهذه الطريقة التي تتناسب أبداً مع حجمه إنما ظلم له وللشعب.

حمى الله مصر من كل سوء.

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: