قصة الحضارة (47)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

ويستنزفون مواردها في سلسلة لا آخر لها من الحروب للدفاع عن تخومها غير الطبيعية.

ومات أشور بانيبال في عام 626 ق.م، وبعد أربعة عشر عاما من موته اجتاح البلاد جيش من البابليين بقيادة نبوخذ نصر ومعه جيش من الميديين بقيادة

سياخار وجحافل أخرى غير نظامية من السكوذيين أهل القفقاز. وسرعان ما استولت هذه الجيوش على القلاع الشمالية بسهولة عجيبة. وخربت نينوى تخريب

ا لا يقل في قسوته وشموله عما فعله ملوكها من قبل بالسوس وبابل، وأشعلت النار في المدينة، وذبح أهلها أو سيقوا أسرى، ونهب القصر الذي شاده أشور

بانيبال من عهد قيصر ثم دُمّر أشنع تدمير. وهكذا اختفت أشور من التاريخ، ولم يبق منها إلا بعض أفانين الحرب وأسلحتها وتيجان لولبيّة لبعض عمدها النصف

(الأيونية)، وبعض النظم الإدارية لحكم الولايات التي انتقلت منها إلى الفُرْس ومقدونية ورومة. وظل الشرق الأدنى بعض الوقت يذكر لها قسوتها في توحيد نحو

اثنتي عشرة دولة صغيرة تحت سلطانها؛ وتحدّث اليهود عن نينوى حديثا ينطوي على الحقد والضغينة ووصفوها بأنها: "المدينة الدموية، التي تفيض بالكذب

واللصوصية" (80). وما هي إلا فترة قصيرة حتى نسى الناس أسماء ملوكها العظام ما عدا أعظمهم قوّة وبطشا، وأصبحت قصورهم خربات دارسة تحت الرمال

السافية. وبعد مائتي عام من الاستيلاء على نينوى وطأت جيوش زتوفون التي تبلغ عدتها عشرة آلاف مقاتل الأكوام التي كانت من قبل نينوى، ولم يدر

بخلدها قط أن هذه الأكوام بعينها هي موضع الحاضرة القديمة التي كانت تحكم نصف العالم. ولم تقع أعين هذه الجيوش على حجر واحد من حجارة الهياكل

التي حاول جنود أشور الأتقياء أن يجملوا بها أعظم عواصمهم. وحتى أشور نفسه إلهها الخالد أمسى في عداد الموتى .

الباب الحادي عشر

خليط من الأمم

الفصل الأول

الشعوب الهندوربية

مسرح الأجناس - ميتانيون - الحيثيون - الأرمن

السكوذيون - الفريجيون - الأم المقدسة - الليديون-

كروسس - العملة - صولون وقورش

يبدو للعين البعيدة الفاحصة كأنه بحر خضم يتلاطم فيه خليط من الآدميين، يأتلفون ثم يتفرقون، يستعبدون ثم يُستعبدون، يأكلون ويُؤكلون، ويَقتلُون

ويُقتلَون إلى غير نهاية وكان من وراء الإمبراطوريات الكبرى ومن حولها- مصر وبابل وأشور والفرس يضطرب هذا الخليط من الشعوب نصف

البدوية نصف المستقرة: الكمريين، والقليقيين، والكيدوكيين، والبثونيين، والأشكانيين، والميزيين، والميونيين، والكرييين، والبمفيليين، والبزيديين

، واللوكوانيين، والفلسطينيين، والعموريين، والكنعانيين، والإدميين، والعمونيين، والمؤابيين، وعشرات العشرات من الشعوب الأخرى التي كان كل شعب

منها يظن نفسه مركز الأرض ومحور التاريخ، ويعجب من جهل المؤرخين وتحيزهم إذ لم يخصوه إلا بفقرة أو فقرتين في كتبهم.

وكان هؤلاء البدو طوال تاريخ الشرق الأدنى خطراً يهدد الممالك التي كانت

أكثر منهم استقراراً، والتي كانوا يحيطون بها من كل الجهات تقريباً. وكان الجدب يدفع بهم من حين إلى حين إلى هذه الأصقاع الغنية فتشب بينها وبينهم

الحرب، أو يتطلب منها ذلك الاستعداد الدائم للحرب(1). وكان الذي يحدث عادة أن تموت المملكة المستقرة وتحيا من بعدها القبيلة البدوية التي اجتاحت

أراضيها في آخر الأمر. والعالم مليء بالأصقاع التي ازدهرت فيها الحضارة في يوم من الأيام والتي عاد البدو يجوسون خلالها من جديد.

وفي بحر الأجناس المتلاطم أخذت بعض الدول الصغرى تتشكل، ويكون لها نصيب صغير في تراث الجنس البشري، وإن لم يزد نصيبها هذا على أن تكون

ناقلة وموصلة. ويهمنا من هذه الشعوب الميتانيون وليس ذلك لأنهم أعداء مصر الأقدمون في الشرق الأدنى بل لأنهم أول الشعوب الهندوروبية التي

عرفناها في آسية، ولأنهم أول عبدة الآلهة- مثرا، وإندرا، وفرونا- التي انتقلت منهم إلى فارس والهند، فأعانتنا بانتقالها على تتبع حركات الجنس

الذي كان يطلق عليه من قبيل التيسير الجنس "الآرى" .

وكان الحيثيون من أقوى الشعوب الهندوروبية القديمة ومن أكثرها حضارة؛ وأكبر الظن أنهم جاءوا عن طريق بسفور والهسبنت (الدردنيل) وبحر إيجه،

أو عن طريق القفقاز، واستقروا طبقة عسكرية حاكمة تسيطر على الزراع سكان البلاد الأصليين في شبه الجزيرة الجبلية الواقعة جنوبي البحر الأسود

والمعروفة الآن باسم آسية الصغرى. ونراهم حوالي عام 1800 ق.م مستقرين قرب منابع دجلة والفرات، ثم نشروا بعدئذ جيوشهم وبسطوا

نفوذهم في سوريا، وأقلقوا بال

مصر القوية حيناً من الزمان. ولقد رأينا كيف اضطر رمسيس الثاني أن يعقد الصلح معهم وأن يقروا لملك الحيثيين بأنه نده. واتخذ الحيثيون عاصمتهم

عند بوغاز كوي وجعلوا أساس حضارتهم في أول الأمر الحديد الذي استخرجوه من الجبال المتاخمة لأرمينية، ثم الشرائع التي تأثرت كثيراً بشرائع حمورابي

، ثم ما طبعوا عليه من إدراك ساذج للجمال حفزهم إلى نحت تماثيل مجسمة ضخمة سمجة أو نقرها في صخور الجبال . وكانت لغتهم تنتمي في أكثر

ألفاظها إلى أسرة اللغات الهندوروبية؛ وقد حل رنزني رموزها من عهد قريب بدراسة الاثني عشر ألف لوح التي عثر عليها هيوجو ونكلر في بوغاز كوي

، وهي في اشتقاقها وتصريفها شديدة الشبه باللغتين اللاتينية واليونانية، ومن كلماتها البسيطة ما هو ظاهر القرابة للكلمات الإنكليزية وكان للحيثيين خط

تصويري يكتبونه بطريقتهم الخاصة العجيبة. إذ كانوا يكتبون سطراً من الشمال إلى اليمين، ثم يكتبون السطر الذي يليه من اليمين إلى الشمال، ثم من الشمال

إلى اليمين وهكذا دواليك. وأخذوا الخط المسماري عن البابليين، وعلموا أهل كريت صنع الألواح الطينية ليكتبوا عليها؛ ويظهر

أنهم اختلطوا بالعبرانيين الأقدمين اختلاطا شديد أكسب هؤلاء أنفهم الأقني الشديد القنا. ومن ثم فإن من واجبنا أن نعد هذه الخاصة العبرية "آرية" حقة(4).

ومن الألواح التي بقيت إلى هذه الأيام ما يحتوي على مفردات حيثية وما يقابلها باللغتين السومرية والبابلية؛ ومنها ما هو أوامر إدارية تكشف عن دولة

عسكرية ملكية متماسكة؛ ومنها حطام ألواح تبلغ عدتها مائتين تحوى على طائفة من القوانين من بينها قواعد لتحديد أثمان السلع(5). ولقد اختفى الحيثيون

من صفحة التاريخ اختفاء يكاد يشبه في غرابته وغموضه ظهورهم فيها، فقد اندثرت عواصمهم واحدة بعد واحدة- ولعل سبب اندثارها أن ميزتهم العظيمة

التي فاقوا بها غيرهم من الشعوب، وهي معرفة الحديد، أضحت في متناول منافسيهم. وسقطت قرقميش آخر عواصمهم في يد الآشوريين عام 717 ق.م.

وكان إلى شمال بلاد أشور أمة مستقرة إذا قيست إلى غيرها من الأمم، يعرفها الآشوريون باسم أرارتو، والعبرانيون باسم أرارات، ومن جاء بعدهم من الأمم

باسم الأرمن. واحتفظ الأرمن بحكومتهم المستقلة، وعاداتهم وفنونهم الخاصة، قروناً كثيرة تبدأ قبل فجر التاريخ المدون، وتستمر إلى أن بسط الفرس سلطانهم

على آسية الغربية بأجمعها. وأثروا في أيام أرجستس الثاني أعظم ملوكهم (708 ق.م) من تعدين الحديد وبيعه في بلاد آسية واليونان، وبلغوا درجة عظيمة

من الرخاء وسهولة العيش والحضارة والآداب العامة، وشادوا المباني العظيمة من الحجارة، وصنعوا المزهريات والتماثيل الصغيرة الجميلة الدقيقة. ولكنهم

أضاعوا ثروتهم في الحروب الهجومية الكثيرة النفقات، وفي صد غارات الآشوريين عن بلادهم. ثم بسط عليهم الفرس سلطانهم في أيام قورش الفاتح.

وإلى شمال الأرمن وعلى ضفاف البحر الأسود، كان يتجوّل السكوذيون وهم عشائر حربية تتألف من خليط من المغول والأوربيين، جبابرة متوحّشون ملتحون،

يقيمون في عربات، ويبقون نسائهم في عزلة شديدة(6)، ويركبون

الخيل البرية عارية، يحاربون ليعيشوا، ويعيشون ليحاربوا ويشربون دماء أعاديهم، ويتخذون جلود رؤوس هؤلاء الأعداء قطائل لهم(7). اضعفوا أشور

بغاراتهم الدائمة عليها، واجتاحوا غرب آسية (حوالي عام 630- 610 ق.م) وأخذوا يدمرون في طريقهم كل شيء ويقتلون كل إنسان، وتقدموا إلى مدن

دال النيل نفسها، ثم فشا فيهم وباء غريب مجهول قضى على عدد كبير منهم، وغلبهم آخر الأمر الميديون، وردوهم على أعقابهم إلى مساكنهم في الشمال

. وإنا لنلمح في هذه القصة ومضة أخرى من المأساة التي تتكرر على الدوام في جميع العصور، وهي ما تفعله القبائل الهمجية الرابضة وراء الأمم القديمة

جميعها والمحيطة بها.

وظهرت في أواخر القرن التاسع قبل الميلاد قوة جديدة في آسية الصغرى، ورثت بقايا الحضارة الحيثية، وكانت حلقة اتصال بينها وبين ليديا وبلاد اليونان.

وكانت الأساطير التي حاول بها الفريجيون أن يفسروا للمؤرخين المتشوفين قيام دولتهم قصة رمزية لقيام الأمم وسقوطها. فهم يقولون أن جورديوس أول

ملوكهم كان فلاحاً بسيطاً لم يرث من أبويه إلا ثورين اثنين ، وأن ابنه ميداس ثاني أولئك الملوك كان رجلاً متلافاً أضعف الدولة بشراهته وإسرافه

اللذين مثلهما الخلف بالأسطورة المأثورة التي تقول إنه طلب إلى الآلهة أن تهبه القدرة على تحويل كل ما يمسه إلى ذهب. وأجابت الآلهة طلبه فكان كل

ما يمس جسمه يستحيل ذهباً حتى الطعام الذي تلمسه شفتاه. وأوشك الرجل أن يموت جوعاً، لكن الآلهة سمحت له أن يطهر نفسه من هذه النقمة بأن

يغتسل في نهر بكتولس- وهو النهر الذي ظل بعدئذ يخرج حبوباً من الذهب.

واتخذ الفريجيون طريقهم من آسية إلى أوربا وشادوا لهم عاصمة في أنقورة، وظلوا وقتاً ما ينازعون أشور ومصر السيادة على الشرق الأدنى، واتخذوا

لهم إلهة- أُمَّا ُتدعى ما، ثم عادوا فسموها سيبيل، واشتقوا هذا الاسم من الجبال (سيبيلا) التي كانت تعيش فيها، وعبدوها على أنها روح الأرض غير

المنزرعة، ورمز جميع قوى الطبيعة المنتجة. وأخذوا عن أهل البلاد الأصليين طريقة خدمة الإلهة بالدعارة المقدسة، ورضوا بأن يضموا إلى

أساطيرهم الشعبية القصة التي تقول إن سيبيل أحبت الإله الشاب أرتيس وأرغمته على أن يخصي نفسه تكريماً لها. ومن ثم كان كهنة الأمم العظيمة

يضحون لها برجولتهم حين يدخلون في خدمة هياكلها(11). وقد سحرت هذه الخرافات الوحشية لب اليونان وتغلغلت في أساطيرهم وأدبهم. وأدخل الرومان

الإلهة سيبيل رسمياً في دينهم، وكانت بعض الطقوس الخليعة التي تحدث في حفلات المساخر الرومانية مأخوذة عن الطقوس الوحشية التي كان الفريجيون

يتبعونها في احتفالهم بموت أرتيس الجميل وبعثه(12).

وانتهى سلطان الفريجيين في آسية الصغرى بقيام مملكة ليديا الجديدة التي أسسها الملك جيجيس واتخذ سرديس عاصمة لها. ثم حكمها أليتيس أربعين سنة

بلغت في خلالها درجة عظيمة من الرخاء والقوة ثم ورثها كروسس (570- 546 ق.م) واستمتع بها أيما استمتاع، ووسع رقعتها بما فتحه من أقاليم

جديدة شملت آسية الصغرى جميعها تقريباً، ثم أسلمها آخر الأمر إلى الفرس واستطاع بفضل الرشى السخية التي كان يقدمها للساسة المحليين أن يخضع

إلى ليديا الدويلات التي كانت تحيط بأملاكه واحدة بعد واحدة، كما استطاع بضحاياه المنقطعة النظير والتي كان يقدمها قربانا إلى الآلهة المحلية أن يهدئ

من غضب شعوب تلك الدويلات، وأن يقنعها بأنه حبيب آلهتهم. وامتاز كروسس عن غيره من الملوك بسك نقود ذهبية وفضية ذات شكل بديع تضربها

الدولة وتضمن قيمتها الاسمية. وليست هذه هي أولى المسكوكات الرسمية التاريخية كما اعتقد المؤرخون زمناً طويلاً؛ وليست هي بلا جدال بداية

اختراع المسكوكات

، ولكنها مع هذا كانت مثالا ُيحتذى ساعد على انتشار التجارة في بلاد البحر الأبيض المتوسط. لقد ظل الناس قروناً طويلة يستخدمون معادن مختلفة لتقدير

قيم البضائع وتسهيل تبادلها، ولكنها سواء كانت من النحاس أو البرنز أو الحديد أو الفضة أو الذهب كانت في أغلب البلاد تقدر قيمتها في كل عمل تجاري

حسب وزنها أو حسب غيره من الاعتبارات. لهذا كان استبدال عملة قومية معترف بها رسمياً بهذه الوسائل المتبعة إصلاحاً عظيم القيمة في عالم التجارة

؛ فقد يسرت هذه الوسيلة الجديدة انتقال السلع ممن يحسنون إنتاجها إلى من هم في أشد الحاجة إليها، فزاد ذلك من ثروة العالم، ومهد السبيل لقيام

المدنيات التجارية كمدنيات الأيونيين واليونان، حيث استخدمت الثروة التي جاءت من طريق التجارة لتمويل الأعمال الأدبية والفنية.

ولم يصل إلينا شيء من الأدب الليدي؛ كذلك لم يبق قط شيء من المزهريات الجميلة القيمة المصنوعة من الذهب والحديد والفضة والتي تقرب بها

كروسس للآلهة التي غلبها. وتدل المزهريات التي وجدت في مقابر الليديين والتي

فقد شاد أشورناصربال الثاني في كلخ قصرا عظيما من الآجر المبطن بالحجارة، وزينه بالنقوش التي تمتدح التقوى والحروب. وقد كشف راسام عند

بلاوات بالقرب من هذا الموضع عن بقايا بناء آخر عثر فيه على بابين كبيرين عظيمين من البرنز دقيقي الصنع(72). وخلد سرجون الثاني ذكره بأن

أقام قصرا فسيحا عند دور- شروكين "أي حصن سرجون" في موضع خراساباد الحالية. وكان على جانبي مدخله أثوار مجنحة، وعلى جدرانه نقوش

وقرميد براق، وكانت حجراته الواسعة ذات آثار بديعة النقش والصنع، كما كانت تزينها تماثيل تبعث في النفس الروعة والمهابة. وكان سرجون كلما انتصر

في واقعة جاء بالأسرى ليعملوا في هذا الصرح العظيم، وجاء بالرخام واللازورد، والبرنز، والفضة، والذهب ليجمله بها. وشاد حوله طائفة من الهياكل،

وأقام من خلفه زجورات من سبع طبقات غطيت قمة أعلاها بالفضة والذهب. وشاد سنحريب في نينوى قصرا ملكيا سماه "المنقطع النظير" يفوق في

ضخامته كل القصور القديمة(73). وكانت جدرانه وأرضه تتلألأ فيها نفائس المعادن والأخشاب والحجارة، وكانت قراميده تنافس في بريقها آيتي النهار

والليل؛ وصب له صناع المعادن آسادا وأثوارا ضخمة من النحاس، ونحت له المثالون أثوارا مجنحة من حجر الجير والمرمر، ونقشوا على جدرانه

الأغاني الريفية. وواصل عسرهدن توسيع نينوى وإعادة ما تهدم من عمائرها، وفاقت مبانيه مباني من سبقوه جميعهم في روعتها وفي أثاثها وأدواتها

المترفة الثمينة. فقد كانت اثنتا عشرة ولاية تقدم إليه حاجته من الموارد والرجال؛ ونقل إلى بلاده آراء جديدة عن العمد والنقوش عرفها أثناء إقامته

في مصر؛ ولما أتم بناء قصوره وهياكله ملأها بالتحف التي غنمها من جميع بلاد الشرق الأدنى وبما رآه فيها من روائع الفن(74).

وأسوأ ما يمكن أن يقال عن فن العمارة الآشورية أن قصر عسرهدن قد

انهار كله وأصبح أطلالاً بعد ستين سنة من بنائه(75). ويحدثنا أشور بانيبال أنه أعاد تشييده؛ ويخيل إلينا ونحن نقرأ نقشه أن القرون التي تفصل ما

بيننا وبين هذا العصر قد انطوت، وأننا نخترق بأبصارنا قلب ذلك الملك:

"وفي ذلك الوقت تقادم عهد الحرم، مكان الراحة في القصر... الذي شاده جدي سنحريب ليقيم فيه، وذلك لطول ما استمتع فيه من بهجة وسرور

وتداعت جدرانه. وإذ كنت أنا أشور بانيبال، الملك العظيم، الملك القادر، ملك العالم، ملك أشور،... قد نشأت في ذلك الحرم وحفظني فيه أشور،

وسن، وشمش، ورامان، وبل، ونابو، وإشتار،... وأنا وليٌّ للعهد، وبسطوا علي حمايتهم الطيبة وملاذهم الرضى؛... ولم ينفكوا يبعثون إلي فيه

أنباء سارة عن ظفرنا بأعدائنا، وإذ كانت أحلامي وأنا على سريري في الليل أحلاما سارة، كما كانت خيالاتي في الصباح مبهجة جميلة،..

. فقد مزقت خرائبه؛ وأردت أن أوسع رقعته فمزقتها جميعا. وشدت بناء مساحة أرضه خمسون تِبكى. وبنيت ربوة ولكنني وقفت خائفا أمام

مزارات أرباب الآلهة العظام، فلم أعل بهذا البناء كثيرا؛ وصببت نبيذ السمسم ونبيذ العنب على قباء مؤنه، كما صببتهما على جداره الطيني.

ولكي أشيد هذا الحرم كان أهل بلادي ينقلون اللبنات في عربات عيلام التي غنمتها منهم بأمر

الآلهة. وسخرت ملوك بلاد العرب الذين نقضوا الهدنة معي، والذين أسرتهم في الحرب بيدي وهم أحياء، يحملون الأسفاط و(يلبسون) قلانس

الفعلة ليشيدوا ذلك الحرم... وكانوا يقضون نهارهم في صنع اللبنات، ويرغمون على العمل فيه أثناء عزف الموسيقى. وشدت بناءه من قواعده

حتى سقفه وأنا مغتبط مسرور، وأنشأت فيه من الحجرات أكثر مما

كان به قبلاً؛ وجعلت العمل فيه فخما، ووضعت فوقه كتلاً طويلة من أشجار الأرز التي تنمو على سِرارا ولبنان، وغطيت الأبواب المصنوعة من

خشب الليارو ذي الرائحة الذكية بطبقة من النحاس وعلقتها في مداخله... وزرعت حوله أيكة حَوَت جميع أنواع الأشجار، والفاكهة.

.. على اختلاف أصنافها... ولما فرغت من أعمال بنائه قربت القرابين العظيمة للآلهة أربابي، ودشنته وأنا مغتبط منشرح الصدر

، ودخلته تحت ظلة فخمة(76).

الفصل الخامس

خاتمة أشور

آخر أيام ملك - أسباب انحلال أشور - سقوط نينوى

بيد أن "الملك العظيم، الملك القادر، ملك العالم، ملك أشور" أخذ في آخر أيامه يندب سوء حظه. وآخر ما خلفه لنا من الألواح يثير مرة أخرى

مسألتي سفر الجامعة وسفر أيوب:

"لقد فعلت الخير لله والناس، للموتى والأحياء؛ فلم إذن أصابني المرض وحل بي الشقاء؟ إني عاجز عن إخماد الفتن التي في بلدي، وعن

حسم النزاع القائم في أسرتي، وأن الفتائح المزعجة لتضايقني على الدوام، وأمراض العقل والجسم تطأطئ من إشرافي، وهأنذا أقضي آخر أيامي

أصرخ من شدة الويل؛ بائسا في يوم إله المدينة، ويوم العيد. إن المنيّة تنشب في أظفارها، وتنحدر بي نحو آخرتي. أندب حظي ليلا ونهارا، وأنوح

وأعول وأتوجع: "أي إلهي! هب الرحمة لإنسان وإن كان عاقا حتى يرى نورك!"

ولسنا نعرف كيف قضى أشور بانيبال نحبه. فأما القصة التي وضعها بيرُن في قالب مسرحية، والتي تقول أنه أشعل النار

في قصره فهلك وسط اللهب

، فإن مردها إلى كتسياس(79) وهو مؤرخ مولع بإيراد كل ما هو غريب، وقد لا تكون إلا أسطورة من الأساطير. ومهما تكن ميتته فقد كانت

نذيرا بما سيؤول إليه أمر بلاده ورمزا لآخرتها؛ لقد كانت هي الأخرى مقبلة على الفناء لأسباب بعضها من صنع يده. ذلك أن حياة أشور الاقتصادية

كان جل اعتمادها على ما يصل إليها من خارجها، وقد أسرف ملوكها في الجري على هذه السياسة الحمقاء، فكان مصدر حياة البلاد هو الفتوح

الخارجية التي تأتيها بالمال الوفير من الغنائم والمتاجر. وتلك سياسة تعرضها للخراب في أية لحظة إذا ما هزمت جيوشها في واقعة حاسمة

. وسرعان ما أخذت الصفات الجسمية والخلقية. التي جعلت الجيوش الآشورية رهيبة لا تقهر في ميدان القتال، تضعف بتأثير الانتصارات التي

نالها هؤلاء الجنود؛ ذلك أن كل واقعة تنتصر فيها أشور كان يهلك فيها أقوى جنودها وأبسلهم، فلا ينج من القتل إلا الضعاف والمترددون

والحذرون يعودون إلى بلادهم ليكثروا من نسلهم، وتلك خطة مآلها إضعاف النسل، ولعلها كانت من أسباب ارتقاء الحضارة لأنها انتزعت

من بلاد أشد الناس وحشية، ولكنها قوضت الأساس الحيوي الذي شادت عليه أشور قوتها. وكان اتساع فتوحها سببا آخر من أسباب ضعفها

، ولم يكن إقفار الحقول وزراعها لإطعام إله الحرب النهم هو السبب الوحيد في هذا الضعف، بل كان له سبب آخر وهو أن فتوحها جاءت إليها

بالأسرى وبملايين من الأجانب مملقين الذين تناسلوا كما يتناسل المعدمون البائسون، فلم يبقوا على شيء من الوحدة القومية في الجسم والخلق،

وكانوا لكثرتهم المطردة قوة معادية تعمل على الضعف والانحلال بين الفاتحين أنفسهم. وأخذ هؤلاء الرجال القادمون من البلاد الأجنبية يزداد

عددهم في الجيش نفسه، بينما كان الغزاة أنصاف الهمج يهاجمون البلاد من جميع أطرافها،

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: