قصة الحضارة (49)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

عليها القضاء الأخير ازدهار مدينة الإسكندرية.

وكان للفينيقيين آلهة كثيرة شأنهم في ذلك شأن كل أمة تشعر بالتيارات العالمية

المعقدة. فكان لكل مدينة بعلها (أي سيدها) أو إلهها الخاص، وهو في اعتقاد

أهلها جد ملوكها، ومخصب أرضها؛ فكانت الحبوب، والخمور، والتين والكتان

كلها من عمل بعل المقدس. وكان بعل صور يسمى ماكراث؛ وكان كهرقول -

الذي قال اليونان أنه صورة أخرى منه - إله القوة والبطولة قام بأعمال شبيهة

بأعمال منشهوزن. وكانت عشتورت (إستارتي) الاسم الفينيقي لإشتار- ومن

خصائصها أنها كانت تُعبد في بعض الأماكن على أنها إلهة الطُّهر، وفي أماكن

أخرى على أنها إلهة الفجور والحب الشهواني؛ وقد جعلها اليونان في هذه

الصفة الأخيرة صورة من إلهتهم أفروديت. وكما كانت إشتار - ميلتا تتقبل بكارى

عابداتها من البنات في بابل، كذلك كانت النساء اللاتي يعبدن عشتورت في ببلوس

يقدمن لها غدائرهن أو يستسلمن لأول غريب يعرض عليهن حبه في جوار الهياكل.

وكما أحبت إشتار تموز، كذلك أحبت عشتورت أدني (أي الرب)؛ وكان يحتفل في

ببلوس، وباثوس (في قبرص) كل عام بمقتله على أنياب خنزير بري بالنحيب

وضرب الصدور. وكان من حسن حظ أدني أنه يقوم من بين الأموات كلما فارق

الحياة، ويصعد إلى السماء على مشهد من عُبَّاده(29). وكان من آلهتهم أيضا

مولوخ (أي الملك)، وهو الإله الرهيب، وكان الفينيقيون يتقربون له بأطفالهم

ويحرقونهم أحياء أمام ضريحه. وقد حدث في قرطاجنة أثناء حصارها (307 ق.م)

أن أُحرق على مذبح هذا الإله الغاضب مائتا غلام من أبناء أرقى أسرها(30).

ولكن الفينيقيين رغم هذا جديرون بـأن تكون لهم مشكاة صغيرة في محراب الأمم

المتحضرة، ذلك أن تجارهم في أغلب الظن هم الذين علموا الأمم القديمة الحروف

الهجائية المصرية، وإن لم يكن الهيام بالأدب هو الذي وحد شعوب

البحر المتوسط بل كان سبب وحدتهم الشئون التجارية ومطالبها. ولسنا نجد خيراً

من هذه المطالب مثالاً يوضح ما بين التجارة والثقافة من رابطة منتجة ومثمرة.

كما أننا لا نعلم علم اليقين أن الفينيقيين هم الذين أدخلوا هذه الحروف الهجائية

إلى بلاد اليونان، وإن كانت الرواية اليونانية تؤكد هذا بالإجماع(31)؛ وليس ببعيد

أن تكون كريت هي التي أمدت الفينيقيين واليونان(32) كليهما بالحروف الهجائية

، ولكن المرجح أن الفينيقيين أخذوا الحروف الهجائية من حيث أخذوا البردي.

وإنا لنجدهم في عام 1100 ق.م يستوردون البردي من مصر(33). وكان هذا

النبات ذا فائدة لا تقدر للأمة التي تعنى بحفظ السجلات الحسابية ونقلها من مكان

إلى مكان. وذلك لما فيه من اليسر إذا وُوُزن بالألواح الطينية الثقيلة التي كانت

تستخدم في أرض الجزيرة. كذلك كانت الحروف الهجائية المصرية أرقى كثيراً

من المقاطع السمجة المستخدمة في غير مصر من بلاد الشرق الأدنى. وحسبنا

أن نذكر عن هذه الحروف أن حيرام ملك صور وهب أحد آلهته في عام 960 ق.م

كوباً من البرنز عليه نقش بالحروف الهجائية(34)، وأن ميشا ملك مؤاب أراد في

عام 480 ق.م أن يخلد مجده فنقش على حجر في متحف اللوفر الآن نقشا بإحدى

اللهجات السامية مكتوب من اليمين إلى اليسار بحروف شبيهة بالحروف الفينيقية.

وقد قلب اليونان اتجاه بعض الحروف لأنهم كانوا يكتبون من اليسار إلى اليمين،

ولكن حروفهم في جوهرها هي الحروف التي علمهم إياها الفينيقيون، والتي

علموها هم أوربا. وهذه الرموز العجيبة هي بلا جدال أثمن ما ورثته الحضارة

عن الأمم القديمة.

على أن أقدم ما كشف من كتابات الحروف الهجائية لم يكشف في فينيقية بل في

سيناء. فقد عثر سيروليم فلندرز بيترى في سراية الخادم - وهي قرية صغيرة في

موضع كان المصريون الأقدمون يستخرجون منه الفيروز - على نقوش بلغة عجيبة

يرجع عهدها إلى تاريخ غير معروف على وجه التحقيق، ولعله يرجع إلى

عام 2500 ق.م ولم تحل رموز هذه النقوش بعد، ولكن من الجلي أنها ليست مكتوبة

بالخط الهيروغليفي ولا بالكتابة المسمارية المقطعية، بل مكتوبة بحروف هجائية(35).

كذلك وجد علماء الآثار الفرنسيون في زابونا بسوريا مكتبة كاملة من الألواح

الطينية بعضها مكتوب بالهيروغليفية وبعضها بحروف هجائية سامية. ولما كانت

زابونا قد دمرت حوالي عام 1200 ق.م قبل أن تستكمل نموها، فأكبر الظن أن هذه

الألواح يرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد(36)، وهي توحي إلينا مرة

أخرى بما كانت عليه الحضارة من القدم في القرون التي يحملنا فرط جهلنا على أن

نعزو إليها بدايتها.

وكانت سوريا تمتد خلف فينيقية في حِجْر تلال لبنان، وتتجمع فيها قبائلها تحت حكم

تلك الحاضرة التي لا تزال تفخر على العالم بأنها أقدم مدنه، والتي لا تزال تأوي

السوريين المتعطشين إلى الحرية. وظل ملوك دمشق زمناً ما يسيطرون على

اثنتي عشرة أمة صغيرة من حولهم، وأفلحوا في مقاومة ما كان يبذله الآشوريون

من جهود لإخضاع سوريا لحكمهم. وكان أهل هذه المدينة من التجار الساميين

الذين استطاعوا أن يجمعوا ثروة طائلة من تجارة القوافل التي كانت تجتاز

جبال سوريا وسهولها. وكانوا يستخدمون في أعمالهم الصناع والعبيد، ولم يكن

هؤلاء سعداء أو راضين.

فنحن نسمع أن البنائين نظموا لهم اتحادات عظيمة، وتحدثنا النقوش عن إضراب

الخبازين في مجنيزيا؛ ونشعر من خلال القرون الطوال بما كان في إحدى المدن

السورية القديمة من نزاع، وما كانت تضطرب به من حركة تجارية كبيرة(37).

وقد حذق هؤلاء الصناع تشكيل الفخار الجميل، ونحت العاج والخشب، وصقل

الحجارة الكريمة، ونسج الأقمشة ذات الألوان الزاهية لتتزين بها نساؤهم(38).

وكانت أزياء الأهلين في دمشق وعاداتهم وأخلاقهم شديدة الشبه بنظائرها في بابل،

باريس الشرق القديم المتحكمة في أذواقه، وكانت الدعارة الدينية منتشرة

في البلاد، فكان خصب التربة يرمز له في سوريا كما كان يرمز له في بلاد آسية

الغربية كلها بأم عظيمة أو إلهة اتصالها الجنسي بعشيقها هو الذي يوحي إلى جميع

جهود الطبيعة وعملياتها الإنتاجية. ولم تكن التضحية بالبكارة في الهياكل عملاً

يتقرب به إلى عشتورت وحسب، بل كان فوق ذلك مشاركة لها في التهتك الذي

يرجى منه أن يوحي إلى الأرض إيحاء قوياً لا تستطيع مقاومته، وأن يضمن تكاثر

النبات والحيوان والإنسان(39). وكان عيد عشتورت السورية كعيد سيبيل في

أفريجيا يحتفل به في هيرابوليس حوالي الاعتدال الربيعي بحرارة تكاد تبلغ حد الجنون

. فكانت نغمات الناي ودق الطبول تمتزج بعويل النساء على أدني سيد عشتورت

الميت. وكان الكهنة الخصيان يرقصون رقصاً عاصفاً عجاجاً ويضربون أجسامهم

بالسكاكين. وفي آخر الأمر كانت الحماسة تغلب الكثيرين من الرجال الذين لم يأتوا

إلى الحفل إلا ليشاهدوه، فيخلعون ثيابهم ويخصون أنفسهم ليهبوا أنفسهم طول

حياتهم لخدمة الإلهة، فإذا جن الليل جاء الكهنة إلى المكان بنور خفي مجهول،

وفتحوا قبر الإله الشاب ونادوا نداء الظافرين أن أدني - الإله - قد قام من بين

الأموات، ثم مسوا شفاه عُبَّاده ببلسم في أيديهم وأسروا إليهم وعدهم بأنهم

هم أيضا سيقومون من قبورهم في يوم من الأيام(40).

ولم يكن آلهة سوريا الآخرون أقل تعطشاً للدماء من عشتورت. نعم إن الكهنة كانوا

يعترفون بإله عام يضم في شخصه جميع الآلهة ويسمونه إِليِ أو إِلو كإلوهيم اليهود،

ولكن الشعب لم يكن يلقي بالاً إلى هذا التجريد المعنوي الهادئ، وكان معبوده بعلاً. وقد

جرت عادتهم على أن يوحدوا بين إله المدينة هذا وبين الشمس، كما كانوا يوحدون بين

عشتورت والقمر؛ وكانوا إذا حل بهم أمر جلل يضحون بأطفالهم قرباناً له،

كما كان يفعل الفينيقيون؛ فكان الآباء يأتون إلى الحفل وقد أخذوا زينتهم

كأنهم في يوم عيد، وكانت دقات الطبول

وأصوات المزامير تغطي على صراخ أطفالهم وهم يحترقون في حجر الإله.

على أنهم كانوا عادة يكتفون بتضحيات أقل من هذه وحشية، فكان القساوسة

يضربون أنفسهم حتى تلطخ المذبح دماؤهم؛ أو تفتدي حياة الطفل بغلفته؛ أو ينزل القساوسة من عليائهم فيقبلون مبلغاً من المال يقدمونه للإله بدل الغلفة. لقد كان من الواجب أن يسترضي

الإله بطريقة ما حتى يرضى؛ لأن عباده قد جعلوه صورة من أنفسهم، وحلماً من

أحلامهم، ولم يكن يعنى بحياة البشر أو يأبه بعويل النساء(41).

وكانت القبائل السامية الضاربة في جنوب سوريا والتي كانت تملأ الأرض

باضطرابها ولغاتها، تمارس عادات شبيهة بهذه العادات نفسها، ولا تختلف

عنها إلا في أسمائها وتفاصيلها. ولقد حرم على اليهود أن "يجعلوا أطفالهم

يمرون من خلال النار"، ولكنهم كانوا رغم هذا يفعلون هذه الفعلة(42)،

ولم يكن إبراهيم وهو يوشك أن يضحي بإسحق أو أجمنون وهو يضحي بإفجينيا

إلا متبعين سنة قديمة كان أصحابها يحاولون بها أن يسترضوا الآلهة بالدماء البشرية

. وقد ضحى ميشا ملك مؤاب بابنه الأكبر فحرقه بالنار ليفك عن مدينته الحصار؛

ولما أجاب ربه دعاءه وقبل دماء ابنه، ذبح سبعة آلا ف من بني إسرائيل شكراً لله

على نعمته(43). وظل وادي نهر الأردن الذي يخترق هذا الإقليم مذ كان العموريون

في عهد السومريين يجوبون سهول أمرو (حوالي عام 2800 ق.م) إلى أيام اليهود

حين صبوا جام غضبهم المقدس على الكنعانيين، وحين استولى سرجون ملك أشور

على السامرة، ونبوخد نصر على أورشليم (في عام 597 ق.م)، نقول ظل وادي

نهر الأردن ترويه دماء الضحايا البشرية التي لها قلوب كثيرين من الأرباب.

وليس من اليسير أن ندخل هؤلاء المؤابيين، والكنعانيين، والعموريين، والإدميين،

والفلسطينيين، والآراميين في سجل البشرية الثقافي.

لسنا ننكر أن الآراميين الكثيري النسل قد انتشروا في كل مكان، وجعلوا لغتهم

اللهجة العامية التي يتخاطب بها أهل الشرق الأدنى، كما أن حروفهم الهجائية

التي أخذوها عن المصريين أو الفينيقيين قد حلت محل كتابة أرض الجزيرة

المسمارية المقطعية، فكانت أولاً واسطة التبادل التجاري ثم أضحت وسيلة

نقل الآداب، وأمست آخر الأمر لغة المسيح وحروف العرب الهجائية في

هذه الأيام(44). ولكن الدهر لا يحتفظ بأسماء هذه الشعوب لما قامت به

هي نفسها من الأعمال الجليلة بقدر ما يحتفظ بها لأن أصحابها مثلوا دوراً

ما على مسرح فلسطين الفاجع. وعلينا الآن أن ندرس شعبا آخر بتفصيل أوفى وأدق من دراستنا لجيرانه، ونعني به اليهود وهم قوم إذا نظرنا إلى قلة عددهم وضيق بلادهم لا نكاد

نراهم جديرين بهذه الدراسة، ولكنهم أورثوا العالم أدبا من أعظم آدابه،

ودينين من أقوى أديانه، وعدداً عظيماً من أذكى رجاله وأعمقهم تفكيراً.

الباب الثاني عشر

اليهود

الفصل الأول

الأرض الموعودة

فلسطين - مناخها - عهد ما قبل التاريخ - شعب

إبراهيم - اليهود في مصر - الخروج - فتح كنعان

في وسع كاتب مثل بُكَل Buckle أو مونتسكيو يريد أن يفسر تاريخ الأمة

بالرجوع إلى موقع بلادها أن يجد ما يؤيد أقواله في فلسطين. إن بلاداً يبلغ

طولها من دَاْن في الشمال إلى بير سبع في الجنوب نحو مائة وخمسين ميلاً،

ويتراوح عرضها من مساكن الفلسطينيين في الغرب ومساكن السوريين

والآراميين والعمونيين، والموآبيين والإدميين في الشرق خمسة وعشرين

وثمانين ميلاً- إن بلاداً ضيقة الرقعة إلى هذا الحد لا يتوقع الإنسان أن يكون

لها شأن في التاريخ أو أن تخلف وراءها أثراً أعظم مما خلفته بلاد بابل أو أشور

أو فارس، بل لعله أعظم مما خلفته مصر أو بلاد اليونان. ولكن كان من حسن

حظ فلسطين أو من سوء حظها أن تقع بين عواصم النيل وعواصم دجلة والفرات

. وهذا الموقع قد جاء إلى بلاد اليهود بالتجارة كما جاءها بالحرب؛ وكم من مرة

ضيق على اليهود فلم يجدوا مخرجاً لهم من ضيقهم إلا بالانضمام إلى أحد الطرفين

في الصراع القائم بين الإمبراطوريات الكبرى، أو بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون

؛ وكم من مرة اجتاح المصطرعون بلادهم، وكان من وراء التوراة، ومن وراء

صراخ أصحاب المزامير والأنبياء وعويلهم وطلبهم الغوث من

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: