قصة الحضارة (50)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

رب السماء، كان من وراء هذا كله موقع اليهود الذي تتهدده الأخطار،

بين شقي الرحى، من فوقهم دول أرض الجزيرة ومن تحتهم مصر.

ويحدثنا تاريخ الأرض المناخي مرة أخرى أن صرح الحضارة صرح مزعزع،

وأن عدويها الألدين- الهمجية والجدب- يترصدانها ليقضيا عليها.

لقد كانت فلسطين في يوم من الأيام " أرضاً تفيض لبناً وعسلاً "

كما تصفها كثير من الفقرات في أسفار موسى الخمسة(1)؛

وكان بوسفوس في القرن الأول بعد المسيح لا يزال يقول عن فلسطين

وأهلها أن بها من "الأمطار ما يكفي حاجة الزراعة، وأنها جميلة، وأن بها كثيراً

من الأشجار، وأنها مملوءة بفاكهة الخريف البري منها والمنزرع...، وأن

هذه الأشجار لا ترويها الأنهار رياً طبيعياً، ولكنها تنال معظم ما تحتاج إليه

من الرطوبة من ماء المطر الذي لا ينقطع عنها قط"(2). وكانت أمطار

الربيع التي تسقي الأرض تخزن في الأيام الخالية في صهاريج أو ترفع

إلى سطح الأرض مرة أخرى من آبار كثيرة العدد، وتوزع في أنحاء البلاد

في شبكة من القنوات؛ وكان ذلك هو الأساس المادي للحضارة اليهودية.

وكانت الأرض التي تروى بهذه الطريقة تنتج الشعير والقمح والذرة،

وتجود فيها الكروم، وتثمر أشجارها الزيتون والتين والبلح وغيرها

من الفواكه على منحدرات الجبال جميعها؛ فإذا داهمتها الحروب وخربت

حقولها التي أخصبتها الصناعة، أو جاءها فاتح فأخرج منها إلى بلاد

نائية الأسر التي كانت تعنى بهذه الحقول، زحفت الصحراء عليها فأفسدت في

بضع سنين ما أصلحته الأي

دي العاملة في أجيال. وليس لنا أن نحكم على جدب أرض فلسطين

بما نشاهده فيها الآن من فياف مقفرة، وواحات قليلة ضئيلة، تواجه اليهود الذين

عادوا الآن إلى تلك البلاد بعد ثمانية عشر قرناً من النفي والعذاب والتشريد.

والتاريخ في فلسطين أقدم مما كان يظنه الأسقف أسشر Ussher، فقد

كشفت بقايا نيندرتالية قرب بحر الجليل، كما كشفت خمسة هياكل عظيمة

نيندرتالية في كهف قرب حيفا. وليس ببعيد أن تكون الثقافة المُسْتِيرية

التي ازدهرت في أوربا حوالي عام 000ر40 ق.م قد امتدت إلى فلسطين.

فقد كشفت في أريحا أرض حجرات ومواقد من مخلفات العصر الحجري

الجديد، وهي ترجع بتاريخ هذا الإقليم إلى عصر برنزي متوسط

(2000- 1600 ق.م) جمعت في مدن فلسطين وسوريا من الثروة ما

أغرى مصر بفتحها. وكانت أريحا في إبان القرن العشرين قبل الميلاد مدينة مسورة يحكمها ملوك يعترفون بسيادة مصر عليها. وقد وجدت في قبور هؤلاء الملوك التي كشفتها

بعثة جارستانج Garstang مئات من المزهريات والهدايا الجنازية

وغيرها من الأدوات التي تدل على وجود حياة مستقرة في تلك المدينة

وقت سيطرة الهكسوس على مصر، وعلى وجود حضارة لا بأس بها في

أيام حتشبسوت وتحتمس الثالث(3). ويبدو من هذا الكشف وأمثاله أن

الأزمنة المختلفة التي تبدأ بها تواريخ الشعوب في ظننا إن دلت على

شيء فإنما تدل على جهلنا؛ وتدل ألواح تل العمارنة على أن الحياة

في فلسطين وسوريا بالصورة التي تطالعنا في بداية تاريخ اليهود

ترجع إلى قرب دخولهم في وادي النيل. ومن المرجح- وإن لم يكن

من المؤكد- أن "الخبيرو" الذين تتحدث عنهم هذه الألواح كانوا عبرانيين .

ويعتقد اليهود أن شعب إبراهيم (أو أبراهام) جاءوا من أور في بلاد سومر

(5) واستقروا في فلسطين (حوالي 2200 ق.م) أي قبل موسى بنحو ألف

عام أو أكثر؛ وأن انتصارهم على الكنعانيين لم يكن إلا استيلاء العبرانيين

على الأرض التي وعدهم بها الله. والراجح أن أمرافَل الذي يقول عنه

سفر التكوين (14 : 1) أنه "ملك شنعار في تلك الأيام" كان هو أمربال

والد حمورابي الذي كان يجلس قبله على عرش بابل(6). ولم تصل إلينا

من مصادر معاصرة إشارات مباشرة إلى خروج بني إسرائيل من مصر أو إلى

هزيمة الكنعانيين(7). وكل ما و

صلنا من إشارات غير مباشرة هو ما كتب على اللوحة التي أقامها منفتاح

(حوالي 1225 ق.م) والتي وردت

فيها هذه العبارة:

لقد غُلب الملوك وقالوا "سلاما!"

وخربت تحينو.

وهدئت أرض الحيثيين،

وانتهبت كنعان، وحلت بها كل الشرور،...

وخربت إسرائيل، ولم يعد لأبنائها وجود؛

وأضحت فلسطين أرملة لمصر،

وضمت كل البلاد. وهدئت؛

وكل من كان ثائراً قيَّده الملك منفتاح

وليس في هذه الأقوال ما يدل على أن منفتاح هو فرعون الذي خرج بنو

إسرائيل من مصر في عهده؛ وكل ما تثبته أن الجيوش المصرية اجتاحت

فلسطين مرة أخرى. ولسنا ندري م

تى دخل اليهود مصر، وهل دخلوها أحراراً أو عبيداً . ولربما كان من

حقنا أن نرجح أن من هاجروا منهم إلى مصر

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

Newer news items:
Older news items: