قصة الحضارة (51)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

كانوا في بداية الأمر قليلي العدد(11)، وأن وجود الآلاف المؤلفة منهم في

مصر أيام موسى كان نتيجة لكثرة تناسلهم، وأن شأنهم في ذلك الوقت كان

كشأنهم في جميع العصور، فقد كان

"عددهم يتضاعف وينمو كلما زاد اضطهادهم وتعذيبهم"(12). وأن قصة

"استعباد" اليهود في مصر، وتسخيرهم في أعمال البناء الضخمة، وتمردهم،

وهربهم- أو هجرتهم- إلى آسية لتحمل في ثناياها أدلة كثيرة على صدقها،

وإن اختلط بها بطبيعة الحال كثير من الأقوال الغريبة وخوارق العادات كما

يحدث عادة في جميع الكتابات التاريخية في الشرق القديم.

وحتى قصة موسى نفسها يجب ألا نتعجل فنرفضها من غير بحث وتحقيق،

وإن كان من العجيب حقا أنه لم يرد له ذكر على لسان عاموس أو إشعيا،

وهما اللذان سبقت خطبهما تأليف أسفار موسى الخمسة بنحو قرن من الزمان .

ولما سار موسى باليهود إلى جبل سيناء، لم يكن في سيره هذا إلا متبعاً نفس

الطريق الذي كانت تسلكه البعثات المصرية التي تبحث عن الفيروز منذ ألف

عام. وتبدو الآن قصة الأربعين عاماً التي تاهوا فيها في الصحراء، والتي كان

يظن من قبل أنها قصة غير معقولة، تبدو الآن من الأمور التي يقبلها العقل،

لأنها تصف مسير قوم من البدو الذين كانوا طوال عهدهم قوماً رحلاً،

كما أن هزيمتهم للكنعانيين ليست إلا مثلاً آخر لانقضاض جموع جياع

على جماعة مستقرين آمنين. وقتل المهاجمون من الكنعانيين أكثر من

استطاعوا قتلهم منهم وسبوا من بقي من نسائهم، وجرت دماء القتلى

أنهاراً، وكان هذا القتل كما تقول نصو

ص الكتاب المقدس "فريضة الشريعة التي أمر بها الرب موسى".

و"زكاة للرب"(19). ولما استولوا على مدينتين من المدن قتلوا من أهلهما

000ر12 رجل. ولسنا نعرف في تاريخ الحروب مثل هذا الإسراف في

القتل والاستمتاع به، ومثل هذه السهولة في تعداد القتلى إلا في تاريخ

الآشوريين. ويقال لنا أن "الأرض استراحت من الحروب أحياناً" (20)

فقد كان موسى من رجال السياسة المتصفين بالصبر والأناة، أما يشوع

فلم يكن إلا جندياً فظاً؛ وقد حكم موسى حكماً سلمياً لم تسفك فيه دماء

وذلك بما كان يفضي به من أحاديث جرت بينه وبين الإله، أما يشوع

فقد أقام حكمه على قانون الطبيعة الثاني، وهو أن أكثر الناس قتلاً هو

الذي يبقى حياً. وبهذه الطريقة الواقعية التي لا أثر فيها للعواطف

استولى اليهود على الأرض الموعودة.

الفصل الثاني

سليمان في ذروة مجده

أصل اليهود - مظهرهم - لغتهم - نظامهم - القضاة

والملوك - شاؤل - داود - سليمان - ثروته -

الهيكل - نشأة المشكلة الاجتماعية في إسرائيل

كل ما نستطيع أن نقوله عن أصل اليهود من ناحية جنسهم هو ذلك القول

الغامض، وهو أنهم ساميون لا يتميزون تميزاً واضحاً ولا يختلفون اختلافاً

كبيراً عن غيرهم من الساميين

سكان آسية الغربية، وأنهم لم يوجدوا تاريخهم، بل إن تاريخهم هو الذي

أوجدهم, وإنا لنراهم من بداية ظهورهم خليطاً من سلالات كثيرة- والحق أن

وجود جنس "نقي" في الشرق الأوسط بين الآلاف من تياراته الجنسية

التي تتلاطم فيه أمر يتطلب مستوى

من الفضيلة لا يعقله العاقل. على أن اليهود كانوا أنقى أجناس الشرق الأدنى

غير النقية، لأنهم لم يتزوجوا بغيرهم من الأجناس إلا كارهين. ومن أجل

هذا حافظوا على جنسهم، واستمسكوا به استمساكاً عجيباً. فالأسرى

العبرانيون الذين نرى صورهم في النقوش المصرية والآشورية يشبهون كل

الشبه يه

ود هذه الأيام رغم

تحامل الفنانين وتحيفهم. ففي هذه النقوش نرى الأنف الحيثي الطويل الأقنى

، والوجنتين البارزتين، وشعر الرأس واللحية المتلوى، وإن كنا لا نرى

في الرسوم المصرية الهزلية الأجسام الضامرة القوية، والأرواح الخبيثة

العنيدة التي امتاز بها الساميون من عهد أتباع موسى "صلب الرقاب"

إلى بدو هذه الأيام وتجارها الذين لا يسبر لهم غور. وكانوا في أيام

فتوحهم الأولى يرتدون جلابيب بسيطة، وقبعات وطيئة

أو قلانس شبيهة بالعمائم، ويحتذون أخفافا سهلة الخلع. ولما أن زادت

ثروتهم استبدلوا بالأخفاف أحذية من الجلد وارتدوا فوق الجلابيب قفاطين

ذات أهداب. أما نساؤهم- وهن من أجمل نساء الأمم القديمة- فكن يصبغن

خدودهن ويكتحلن ويتحلين بكل ما يجدن من الحلي، ويلبسن أحسن الأزياء

وأحدثها في بابل ونينوى ودمشق وصور(21).

وكانت اللغة العبرية أعظم اللغات الرنانة على ظهر الأرض، ألفاظها مليئة

بالأنغام الموسيقية القوية رغم ما فيها من حروف حلقية. وقد وصفها رينان

بقوله: أنها" كنانة مليئة بالسهام

، وأبواق نحاسية تدوي في الهواء " (22). ولم تكن تختلف كثيراً

عن لغة الفينيقيين أو الموآبيين. وكان اليهود يكتبون بحروف هجائية

وثيقة الصلة بالحروف الفينيقية(23)، ويعتقد بعض العلماء أنها أقدم ما

عرف من الحروف(23)أ. ولم يشغلوا أنفسهم بإضافة الحركات إلى الحروف

، بل تركوها للقارئ يستخرجها من معنى العبارة، ولا تزال الحركات العبرية

إلى اليوم مجرد علامات تزدان بها الحروف.

ولم تتألف من الغزاة في يوم من الأيام أمة موحدة متماسكة، بل ظلوا زمناً

طويلاً يؤلفون اثنا عشر سبطا مستقلين استقلالاً واسعا أو ضيقا، ونظامهم

وحكمهم لا يقومان على أساس الدولة، بل على أساس الحكم الأبوي في الأسرة.

فكان شيوخ العشائر يجتمعون في مجلس من الكبراء هو الحكم الفصل في

شئون القبيلة، وهو الذي يتعاون

مع زعماء القبائل الأخرى إذا ألجأتهم إلى هذا التعاون الظروف القاهرة التي

لا مفر من التعاون فيها. وكانت الأسرة هي الوحدة الاقتصادية التي يقوم عليها

زرع الأرض ورعي قطعان ال

ضأن. وكانت مكانتها هذه مصدر قوتها ونفاذ كلمتها، وسلطانها السياسي. وكان في

الأسرة قسط من الشيوعية يخفف بعض الشيء من صرامة النظام الأبوي،

وهو الذي أوحى إلى الشعب بذكريات كان الأنبياء يرجعون إليها وهم محزونون

حين غلبت على البلاد النزعة الفردية.

وذلك أنه حين دخلت الصناعة مدن اليهود وجعلت الفرد هو الوحدة الاقتصادية

في الإنتاج، ضعف سلطان الأسرة كما ضعف في هذه الأيام، واضمحل النظام الفطري

الذي كانت تقوم عليه

الحياة اليهودية.

ولم يكن"القضاة" وهم الذين كانت القبائل جمعاء تطيعهم في بعض الحالات،

موظفين عموميين، بل كانوا زعماء عشائر أو رجال حرب- حتى إذا كانوا من

الكهنة(24). "ولم يكن في إسرائيل ملوك في تلك الأيام، بل كان كل إنسان يفعل

ما يراه هو حقا" (25). غير أن هذا النظام "الجفرسوني" غير المعقول- إن

صح أنه كان قائماً بالفعل- قد انهار أمام مطالب الحرب الملحة، وكان خطر سيطرة الفلسطين

يين على اليهود

عاملاً هاماً في جمع الأسباط كلهم في وحدة شاملة مؤقتة، وحملهم على تعيين

ملك ذي سلطان دائم عليهم. وقد حذرهم النبي صمويل من بعض الأضرار التي

تنجم عن خضوعهم لحكم رجل واحد فقال:

"وقال هذا يكون قضاء الملك الذي يحكم عليكم يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه

لمراكبه وفرسانه، فيركضون أمام مراكبه؛ ويجعل لنفسه رؤساء ألوف

ورؤساء خماسين فيحرثون حراثته ويحصدون حصاده ويعملون عدة

حربه وأدوات مراكبه، ويأخذ بناتكم

عطارات وطباخات وخبازات، ويأخذ حقولكم وكرومكم وزيوتكم أجودها

ويعطيها لعبيده، ويعشر زرعكم وكرومكم ويعطي لخصيانه وعبيده. ويأخذ

عبيدكم وجواريكم وشياتكم الحسان وحميركم ويستعملها لشغله، ويعشر

غنمكم وأنتم تكونون له عبيداً. فتصرخون في ذلك اليوم من وجه ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يستجيب لكم الرب في ذلك اليوم. فأبى الشعب أن يسمعوا لصوت صمويل وقالوا

لا بل يكون علينا ملك، فنكون نحن

وهو الذي قد يكون من الطالبين في العرش، ويعفو عن ابنه العاق أبشالوم

بعد أن قبض عليه في ثورة مسلحة، ويحزن أشد الحزن على موت ابنه هذا

في واقعة حربية حارب فيها جيوش أبيه: "يا ابني أبشالوم، يا ابني أبشالوم

، يا ليتني مت عوضاً عنك يا أبشالوم ابني، يا ابني"(31). لذلك وصف رجل

حقيقي لا رجل خيالي، اكتملت فيه عناصر الرجولة المختلفة، ينطوي على

جميع بقايا الهمجية، وعلى كل مقومات الحضارة.

ولما ورث سليمان العرش قتل جميع منافسيه في الملك ليستريح من متاعبهم،

ولكن عمله هذا لم يغضب يهوه الذي أحب الملك الشاب فوهبه حكمة لم يهبها

أحداً من قبله ولا من بعده(32). ولعل سليمان خليق بما نال من شهرة؛ ذلك

أنه لم يكفه أن يستمتع في حياته

بكل نعيم ولذة وأن يقوم بجميع ما يفرضه عليه الملك من واجبات، بل إنه

علم شعبه فضل القانون والنظام ، وما زال بهم حتى أقنعهم بنبذ الشقاق

والحرب والالتفات إلى الصناعة والسلم. وكان عهد سليمان عهد سلام

بحق ففي حكمه الطويل أفادت أورش

ليم، التي اتخذها داود عاصمة له، من هذا السلم الذي لم تألفه من قبل،

فزادت ثروتها وضاعفتها. وكانت المدينة قد أقيمت في بادئ الأمر حول بئر،

ثم حولت إلى حصن لأنها كانت على ربوة فوق السهل. أصبحت في أيام

سليمان من أنشط الأسواق التجارية في الشرق الأدنى، وإن لم تكن على

الطرق التجارية الكبرى. وحافظ سليمان على ما أنشأه داود من صلات

ودية مع حيرام ملك صور، وشجع

التجار الفينيقيين على أن يسيروا قوافلهم التجارية داخل أرض فلسطين،

وازدهرت في أيامه تجارة رابحة قوامها استبدال مصنوعات صور وصيدا

بغلات إسرائيل الزراعية. وأنشأ أسطولاً تجارياً في البحر

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy