قصة الحضارة (52)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الأحمر، وأغرى حيرام على أن يستخدم هذا الطريق الجديد بدل طريق مصر في تجارته مع بلاد العرب وإفريقية(34). والراجح أن جزيرة العرب هي

التي استخرج سليمان منها الذهب وحجارة " أوفير" الكريمة(35)، ومن بلاد العرب جاءت إليه ملكة "سبأ" تخطب وده، ولعلها جاءت أيضا لتطلب معونته(36).

وكان "وزن الذهب الذي أتى سليمان في سنة واحدة ستمائة وستاً وستين وزنة ذهباً" (37) ومع أنه لا وجه للموازنة بين هذا القدر وبين موارد بابل أو نينوى

أو صور فإنه جعل سليمان من أغنى ملوك زمانه . واستخدم بعض هذه الثروة في ملاذه الشخصية، وأخص ما استخدمها في إشباع شهوته في جمع السراري-

وإن كان المؤرخون ينقصون "زوجاته السبعمائة وسراريه الثلاثمائة إلى ستين وثمانين على التوالي"(29). ولعله أراد ببعض هذه الزيجات أن يوطد صلاته بمصر

وفينيقية، أو لعل الباعث له عليها هو نفس الباعث الذي حمل رمسيس الثاني على هذا العمل بعينه، وهو رغبته في أن يترك وراءه طائفة من الأبناء لهم من القوة

الجنسية العظيمة ما كان له هو. على أن سليمان قد استخدم معظم موارده في تقوية دعائم حكومته وتجميل عاصمته. ومن أعماله فيها ترميم الحصن الذي أقيمت

حوله. وقد أقام فيها كثيراً من الحصون، ووضع حاميات في المواضع ذات الأهمية العسكرية في مملكته، ليرهب بها الغازين والثائرين على السواء.

وقسم بلاده إلى اثني عشر قسماً إدارياً، وتعمد أن تكون

حدودها متفقة مع حدود منازل الأسباط الاثني عشر، وكان يرجو من وراء هذا أن يضعف النزعة الانفصالية بينهم، وأن يؤلف منهم شعباً واحداً. ولكنه أفلس في هذا

وأفلست بلاد اليهود معه. ومن الوسائل التي استخدمها لتمويل حكومته أعداد البعثات لاستخراج المعادن الثمينة، ولاستيراد مواد الترف والسلع القيمة النادرة،

ومن بينها "العاج والقردة والطواويس"(40)- وهذه كان يمكن بيعها للأثرياء المحدَثين بأثمان غالية. وكان يفرض الإتاوات على جميع القوافل المارة بفلسطين.

وقد فرض جزية الرؤوس على جميع رعاياه، وطالب كل قسم من أقسام دولته ما عدا قسمه الخاص بقدر من المال، أعاد للدولة احتكارها القديم لتجارة الخيوط

والخيل والمركبات(41). ويؤكد لنا يوسفوس أن سليمان جعل الفضة في أورشليم كحجارة الشوارع في كثرتها(42)، واعتزم أخيراً أن يزين المدينة

بمعبد جديد ليهوه، وبقصر جديد له هو نفسه.

وفي وسعنا أن نستشف ما كان في الحياة اليهودية من اضطراب حين نذكر أن بلاد اليهود كلها حتى أورشليم نفسها لم يكن فيها قبل أيام سليمان هيكل كبير واحد على

ما يظهر. وكان الأهلون يقربون القرابين ليهوه في هياكل محلية أو في هياكل ساذجة فوق التلال(43). ثم جمع سليمان ذوي الثراء من أهل المدن وأعلن إليهم عزمه

على تشييد هيكل وخصه بكميات كبيرة من الذهب والفضة والشبَّة والحديد والخشب والحجارة الكريمة من مخازنه الخاصة، وأوحى إلى الناس في رفق أن الهيكل

يرحب بتبرعات المواطنين. وإذا جاز لنا أن نصدق أقوال ناقل الرواية فإنهم تبرعوا له بخمسة آلاف وزنة من الذهب، وبضعفيها من الفضة، وبكل ما يحتاج إليه

من الحديد والشبَّة. ومن وجد عنده حجارة أعطاها لخزينة بيت الرب"(44). واختبر لتشييده مكان فوق ربوة، وقامت جدران الهيكل كأنها امتداد للمنحدرات الصخرية . وكان طرازه هو الطراز

الذي أخذه الفينيقيون عن مصر، وأضافوا إليه ما أخذوه عن الآشوريين والبابليين من ضروب التزيين. ولم يكن هذا الهيكل كنيسة بالمعنى الصحيح، بل كان سياجاً

مربعاً يضم عدة أجنحة. ولم يكن بناؤه الرئيسي كبير الحجم- فقد كان طوله حوالي مائة وأربعة وعشرين قدماً، وعرضه حوالي خمسة وخمسين، وارتفاعه

اثنتين وخمسين، أي أنه كان في نصف طول البارثنون(46).

وكان العبرانيون الذين أقبلوا من جميع أنحاء البلاد اليهودية ليعملوا في إقامة الهيكل، وليتعبدوا بعدئذ فيه- كان هؤلاء العبرانيون يعتقدون أنه إحدى عجائب العالم.

ومن حقهم علينا إلا نلومهم على هذا الاعتقاد، لأنهم لم يروا هياكل طيبة وبابل ونينوى التي لا يعد هيكلهم إلى جانبها شيئاً مذكوراً.

وكان في صدر البناء الرئيسي "مدخل" كبير يبلغ ارتفاعه مائة وثمانين قدماً، مرصعاً بالذهب، وكان الذهب فضلاً عن هذا يغشي كثيراً من أجزاء الهيكل- إذا جاز لنا أن

نصدق المصدر الوحيد الذي نعتمد عليه في هذا الوصف- : على سقف البناء الرئيسي، والعُمُد، والأبواب والجدران، والثريات، والمصابيح، ومقصات الفتائل، والملاعق

، والمباخر؛ وكان فيه "مائة حوض من الذهب". وكانت الحجارة الكريمة ترصع أجزاء متفرقة منه، كما كان ملكان مغطيان بصفائح الذهب يحرسان تابوت العهد(48).

وشيدت الجدران من حجارة كبيرة مربعة، أما السقف والأعمدة والأبواب فكانت من خشب الأرز والزيتون المنقوش. وجيء بمعظم مواد البناء من فينيقية، وكان يقوم

بمعظم الأعمال الفنية صناع من صيدا وصور(48). أما الأعمال التي لا تحتاج إلى شيء من المهارة فقد حشد لها 000ر150 عامل سخروا فيها تسخيراً بلا شفقة

ولا رحمة، كما كانت العادة المألوفة في تلك الأيام(49).

ومضت سبع سنين والعمل في تشييد البناء قائم على قدم وساق، ليكون مقراً فخماً ليهوه مدى أربعة قرون. ثم واصل مهرة الصناع والفعلة العمل ثلاثة عشر عاماً أخرى

ليشيدوا صرحاً أكبر من الهيكل يسكن فيه سليمان ونساؤه. وكان جناح واحد من أجنحته وهو- " بيت وعمر لبنان " أربعة أضعاف مساحة الهيكل كله(50)

. وكانت جدران البناء الرئيسي في القصر مقامة من كتل من الحجارة الضخمة طول الواحدة منها خمسة عشر قدماً وكانت تزينه التماثيل المنحوتة، والنقوش

المحفورة، والصور المرسومة على الطراز الآشوري. وكان القصر يحتوي على أبهاء يستقبل فيها الملك كبار زائريه، وعلى أجنحة للملك نفسه، ومساكن

للمحظوظات من زوجاته، ومستودع للسلاح كان هو العماد الأخير لحكومته. على أن هذا الصرح الضخم لم يبق منه حجر واحد، بل إن موضعه

نفسه لا يعرفه أحد على وجه التحقيق(51).

ولما فرغ سليمان من إقامة ملكه شرع يستمتع به، وأخذت عنايته بالدين تقل على مر الأيام، كما أخذ يتردد على حريمه أكثر مما يتردد على الهيكل. ولشد ما يلومه

كتاب أسفار التوراة على شهامته إذ أقام مذابح للآلهة الخارجية التي كانت تعبدها زوجاته الأجنبيات، ولا تطاوعهم أنفسهم على أن يصفحوا عنه لعدله الفلسفي-

أو لعلمه السياسي- بين مختلف الآلهة. وأعجب الشعب بحكمته، ولكنه شعر بما في حُكمه من مركزية شديدة. وكان بناء الهيكل والقصر قد كلف الناس كثيراً من الذهب

والدماء، ولم يكن حبهم لهما أكثر من حب عمال مصر لأهرامها. هذا إلى أن الإنفاق على الهيكل والقصر كان يتطلب فرض ضرائب باهظة، ولم نعهد قط أن حكومة

من الحكومات استطاعت أن تجعل الضرائب من الواجبات المحببة إلى الشعب. فلما مات سليمان كانت موارد إسرائيل قد نضبت، ونشأت فيها طائفة من العمال الصعاليك

لا يجدون عملاً دائماً يرتزقون منه، فكان ما قاسوه من العذاب هو الذي حول دين يهوه الحربي إلى دين أنبيائهم الذي لا يكاد يفترق عن الاشتراكية في كثير أو قليل.

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy