قصة الحضارة (53)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الفصل الثالث

رب الجنود

تعدد الآلهة - يهوه - عقيدة الإله الأعظم - خصائص الدين

اليهودي - فكرة الخطيئة - القربان - الختان - الكهنوت - آلهة عجيبة

كان بناء الهيكل أهم الحادثات الكبرى في ملحمة اليهود، بعد نشر كتاب القانون؛ ذلك أن هذا الهيكل لم يكن بيتاً ليهوه فحسب بل كان أيضاً مركزاً روحياً لليهود،

وعاصمة لملكهم، ووسيلة لنقل تراثهم، وذكرى لهم، كأنه علم من نار يتراءى لهم طوال تجوالهم الطويل المدى على ظهر الأرض. ولقد كان له فوق ذلك شأن

في رفع الدين اليهودي من جيل بدائي متعدد الآلهة إلى عقيدة راسخة غير متسامحة، ولكنها مع ذلك إحدى العقائد المبدعة في تاريخ البشر.

وكان اليهود في أول ظهورهم على مسرح التاريخ بدواً رحلاً يخافون شياطين الهواء، ويعبدون الصخور والماشية والضأن وأرواح الكهوف والجبال(52).

ولم يتخلوا قط عن عبادة العجل والكبش والحمل؛ ذلك أن موسى لم يستطع منع قطيعه من عبادة العجل الذهبي لأن عبادة العجول كانت لا تزال حية في ذاكرتهم

منذ كانوا في مصر، وظلوا زمناً طويلاً يتخذون هذا الحيوان القوي آكل العشب رمزاً لإلههم. وإنا لنقرأ في سفر الخروج (الأصحاح 32 الآيات 25- 28) كيف

أخذ اليهود يرقصون وهم عراة أمام العجل الذهبي، وكيف أعدم موسى واللاويون ثلاثة آلاف منهم عقاباً لهم على عبادة هذا الوثن . وفي تاريخ اليهود

الباكر شواهد كثيرة تدل على أنهم عبدوا الأفعى. ومن هذه الشواهد صورة الأفعى التي وجدت في أقدم آثارهم(54). ومنها الأفعى النحاسية التي صنعها موسى

والتي عبدها اليهود في الهيكل إلى أيام حزقيا (حوالي 720 ق.م)(55). وكانت الأفعى تبدو حيواناً مقدساً لليهود كما كانت تبدو لشعوب كثيرة عداهم، وذلك لأنها

رمز للذكورة المخصبة من جهة، ولأنها من جهة أخرى تمثل الحكمة والدهاء والخلود- فضلاً عن أنها تستطيع أن تجعل طرفيها يلتقيان(56).

وكان بعض اليهود يعظمون بعل، الذي كان يرمز إليه بحجارة مخروطية قائمة كثيرة الشبه بلنجا إله الهندوس، وذلك لأنه في رأيهم الجوهر

الذكر في التناسل، وزوج الأرض الذي يخصبها(57).

وكما أن آثار عبادة الآلهة الكثيرة البدائية قد بقيت في عبادة الملائكة والقديسين، وفي الأصنام الصغيرة المتنقلة التي كانوا يتخذونها آلهة لبيوتهم(58)، كذلك ظلت

المعتقدات السحرية التي كانت منتشرة في العبادات القديمة، باقية عند اليهود إلى عهود متأخرة رغم احتجاج الأنبياء والكهنة. ويبدو أن الناس كانوا ينظرون

إلى موسى وهرون على أنهما ساحران، وأنهم كانوا يناصرون السحرة والعرافين. وكان استطلاع المستقبل يحدث أحيانا برمي النرد (أريم وتميم) من صندوق (إفود)

- وهي طريقة لا تزال تستخدم لمعرفة ما يريده الآلهة. ومما يذكر بالحمد لكهنة اليهود أنهم قاوموا هذه العادات، ودعوا الناس ألا يعتمدوا إلا على قوة

سحرية واحدة هي قوة القربان والصلوات والتبرعات.

وما لبثت فكرة اتخاذ يهوه إله اليهود القومي الأوحد أن تبلورت وأكسبت الديانة اليهودية وحدة وبساطة كانتا سبباً في انتشالها من فوضى الشرك التي كانت تسود

أرض الجزيرة. ويبدو أن اليهود الفاتحين عمدوا إلى أحد آلهة

كنعان%=@من بين الآثار التي وجدت في كنعان (عام 1931م) قطع من الخزف من بقايا عصر البرنز (3000 ق.م) عليها اسم إله كنعاني يسمى ياه أو ياهو.@

فصاغوه في الصورة التي كانوا هم عليها، وجعلوا منه إلهاً، صارماً، ذا نزعة حربية، صعب المراس، ثم جعلوا لهذه الصفات حدوداً تكاد تبعث الحب في القلوب.

ذلك أن هذا الإله لا يطالب الناس بأن يعتقدوا أنه عالم بكل شيء؛ وشاهد ذلك أنه يطلب من اليهود أن يميزوا بيوتهم بأن يرشوها بدماء الكباش المضحاة لئلا يهلك

أبناءهم على غير علم منه مع من يهلكهم من أبناء المصريين(61). كذلك لا يرى أنه معصوم من الخطأ، ويرى أن أشنع ما وقع فيه من الأخطاء هو خلق الإنسان؛

ولذلك تراه يندم بعد فوات الفرصة على خلق آدم وعلى ارتضائه أن يكون شاؤل ملكاً. وتراه من حين إلى حين شرهاً، غضوباً، متعطشاً للدماء، متقلب الأطوار، نزقاً نكداً

: "أتراءف على من أترأف، وأرحم من أرحم"(62). وهو يرضى عما استخدمه يعقوب من ختل وخداع في الانتقام من لابان(63)؛ وضميره لا يقل مرونة عن ضمير

الأسقف الذي يندفع في تيار السياسة. وهو كثير الكلام، يحب إلقاء الخطب الطوال، وهو حي لا يسمح للناس أن يروا منه إلا ظهره(64). وقصارى القول أنه

لم يكن للأمم القديمة إله آدمي في كل شيء كإله اليهود هذا.

ويلوح أنه كان في بداية الأمر إلهاً للرعد يسكن الجبال(65)، ويعبده الناس للسبب الذي كان جوركي الشاب يؤمن من أجله بالله إذا أرعدت السماء. وحوّل كاتبو

أسفار موسى الخمسة، وهم الذين كانوا يتخذون الدين أداة للسياسة، إله الرعد هذا إلى إله الحرب، فأصبح يهوه في أيديهم القوية إلهاً للجيوش يدعو للفتح والاستعمار،

يحارب من أجل شعبه بنفس القوة التي كان يحارب بها آلهةُ الإلياذة. وفي ذلك يقول موسى: "الرب رجل حرب"(66). ويردد داود صدى هذا القول نفسه فيقول:

"الذي يعلّم يدي القتال"(67). ويعِد يهوه أن

"يطرد الحويين والكنعانيين والحيثيين" يطردهم: "قليلاً، قليلاً"(68)، ويزعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم، وأعطيك جميع أعدائك مدبرين"، ويقول إن الأرض التي

فتحها اليهود ملك له وحده(69). وهو لا يقطع معهم ولا مع أعدائهم عهداً سخيفاً؛ ويعرف أن الأرض، حتى الأرض الموعودة نفسها، لا تنال إلا بحد السيف

ولا يحتفظ بها إلا بالسيف؛ وهو إله حرب لأنه لابد أن يكون إله حرب؛ وتمر عدة قرون من الهزائم العسكرية والخضوع السياسي، والتطور الأخلاقي، حتى يستحيل

هذا الإله إلى والد هلل وإلى المسيح. وهو فخور معجب بنفسه كالجندي؛ يتقبل الثناء ويشتهيه، ويحرص على أن يتباهى بقدرته على إغراق المصريين في البحر:

"فيعرف المصريون أني أنا الرب حين أتمجد بفرعون ومركباته وفرسانه" (70). وهو يرتكب في سبيل انتصار شعبه من ضروب الوحشية ما تشمئز منه نفوسنا

اشمئزازاً لا يعادله إلا رضاء أخلاق ذلك العصر عنها، ويأمر شعبه بأن يرتكبوا هم هذه الوحشية؛ فهو يذبح أمماً بأكملها راضياً مسروراً من عمله رضاء

جلفر Gulliver وهو يقاتل من أجل لليبت Lilliput.

ولما بدأ اليهود يزنون مع بنات موآب قال لموسى: "خذ جميع رؤوس الشعب وعلقهم للرب مقابل الشمس"(71)، وتلك هي أخلاق أشوربانيبال وأشور.

وهو يعرض رحمته على الذين يحبونه ويتبعون أوامره، ولكنه يفعل ما تفعله جراثيم الأوبئة الفتاكة: "أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء

في الجيل الثالث والرابع من مبغضي"(72)؛ وهو إله جبار يفكر في إهلاك اليهود على بكرة أبيهم لأنهم عبدوا العجل الذهبي ؛ ويضطر موسى إلى أن يراجعه

حتى يتملك عواطفه فيقول الرجل لربه: "ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر بشعبك"، "فندم الرب عل

بشعبه"%=@هكذا تصور التوراة إله إسرائيل.@ . ثم يريد يهوه أن يفني اليهود أصلاً وفرعاً لأنهم عصوا موسى، ولكن موسى يستثير فيه عواطفه الطيبة،

ويأمره أن يفكر فيما يقوله الناس عنه إذا سمعوا بفعلته(74)، وهو يختبر قومه اختباراً قاسياً فيطلب إلى إبراهيم تضحية يالها من تضحية. ويعلم إبراهيم يهوه،

كما يعلمه موسى، مبادئ الأخلاق السامية وينصحه إلا يهلك سدوم وعمورة، إذا وجد فيهما من الرجال خمسون، أو أربعون، أو ثلاثون، أو عشرون،

أو عشرة صالحون(75). ولا يزال يغري إلهه بالرحمة، ويشرح له كيف يضطر الإنسان إلى أن يعيد تصوير أربابه لتتفق مع تطورات أخلاقه. وأن اللعنات

التي يهدد بها يهوه شعبه المختار إذا ما عصاه لجديرة بأن تكون نماذج في القدح والسب، ولعلها هي التي أوحت إلى الذين حرقوا الكفرة في محاكم التفتيش

الأسبانية أو حكموا على إسبنوزا بالحرمان أن يفعلوا ما فعلوا: "ملعوناً تكون في المدينة وملعوناً تكون في الحقل... ملعونة تكون ثمرة بطنك وثمرة أرضك..

. ملعوناً تكون في دخولك وملعوناً تكون في خروجك، يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك لتعمله حتى تهلك وتفنى سريعاً

من أجل سوء أفعالك إذ تركتني؛ يلصق بك الرب الوباء حتى يبيدك عن الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها. يضربك الرب بالسل والحما والبرداء والالتهاب

والجفاف واللفح والذبول فتتبعك حتى تفنيك...الخ يضربك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حتى لا تستطيع الشفاء، يضربك الرب بجنون وعمى

وحيرة قلب... أيضا كل مرض وكل ضربة لم تكتب في سفر الناموس هذا بسلطة الرب عليك حتى تهلك"(76).

ولم يكن يهوه الإله الوحيد الذي يعترف اليهود بوجوده، أو يعترف هو نفسه بوجوده، وشاهد ذلك أن كل ما يطلبه في الوصية الأولى من الوصايا العشر

هو أن يكون مقامه فوق مقام سائر الأرباب: وهو يقر بأنه "إله غيور"، ويأمر أتباعه بهدم مذابحهم، وتكسير أصنامهم(77) وإبادتهم. وقلما كان اليهود قبل

إشعيا يفكرون في أن يهوه إله الأسباط جميعاً، أو حتى إله العبرانيين جميعاً، فقد كان للموآبيين إلههم شمش، وكان نعومي يظن أن لا ضير من أن يظل راعوث

على ولائه له(78). وكان بلزبوب إله عكرون، وملكرم إله عمون : ذلك أن النزعة الانفصالية التي كانت تتملك نفوس أولئك القوم من الناحيتين الاقتصادية

والسياسية قد أدت بطبيعة الحال إلى ما تستطيع أن تسميه استقلالاً دينياً. ويقول موسى في أغنيته الشهير : "من مثلك بين الآلهة يا رب"(79).

ويقول سليمان! " إلهنا أعظم من جميع الآلهة ".

ولم يكن جميع اليهود، اللهم إلا أعظمهم علماً، يعدون تموز إلهاً حقاً فحسب، بل إن عبادته فضلاً عن هذا كانت في وقت من الأوقات منتشرة في بلاد اليهود

حتى لقد شكا حزقيال من أن البكاء حزناً على تموز كان يسمع في الهيكل(81). لقد كان ما بين اليهود من فوارق وما كان لهم من استقلال كافيين لأن تبقى لطوائفهم

آلهتهم الخاصة حتى في زمن إرميا: "على عدد مدنك صارت إلهتكِ يا يهوذا"، ثم يظهر النبي الحزين غضبه على بني وطنه لأنهم يعبدون بعلاً ومولك(82).

فلما أن نشأت الوحدة السياسية في أيام داود وسليمان، وتركزت العبادة في الهيكل بأورشليم، أخذ الدين يردد أصداء التاريخ والسياسة، وأمسى يهوه إله

اليهود الأوحد. ولم يخط اليهود نحو التوحيد خطوة غير هذه الخطوة، وهي أن لليهود إلهاً واحداً يعلو على آلهة غيرهم من البشر، حتى كان زمن الأنبياء .

على أن الديانة العبرانية حتى في هذه المرحلة اليهودية كانت أقرب

إلى التوحيد من كل دين آخر قبل عصر الأنبياء إذا استثنينا عبادة الشمس القصيرة الأجل في عهد إخناتون. لقد كانت اليهودية تسمو كثيراً على غيرها من أديان

ذلك الوقت في عظمتها وسلطانها، وفي وحدتها الفلسفية، وفيما تنطوي عليه من حماسة أخلاقية ومن أثر في نفوس أهلها، وكانت تضارع في عواطفها

وشعريتها شرك البابليين واليونان إن لم تفقه من هاتين الناحيتين.

وهذا الدين القاسي المكتئب لم يتخذ له شيئاً من الطقوس المنمقة والاحتفالات المرحة التي كانت شائعة في عبادة الآلهة المصرية والبابلية. وكان يغشي التفكير

اليهودي بأجمعه شعور بضآلة شأن الإنسان أمام رب قادر يسيره طوع أمره. وبقيت عبادة يهوه قروناً كثيرة ديناً قوامه الخوف لا الحب، والرهبة لا الرغبة،

رغم ما بذله سليمان من جهود لكي يجمل باللون والنغم عبادة هذا الإله الرهيب. ولسنا ندري، إذا رجعنا بذاكرتنا إلى هذا الدين وأمثاله، هل عادت هذه الأديان

على الإنسانية بالسلوى بقدر ما عادت عليها بالفزع. إن الأديان التي تبعث في النفوس الأمل والدب لا تكون إلا متعة من متع الأمن والنظام، ولم يكن الأمن

والنظام من الصفات التي سادت طويلاً بلاد اليهود. أما الحاجة إلى قذف الرعب في قلوب الشعب، أو الثائرين من الأجانب الخاضعين لسلطانه،

فقد جعلت معظم الأديان البدائية عبادات قوامها الخفاء والرعب.

ولقد كان تابوت العهد المحتوي على ملفات السنن والذي لم يكن يسمح لأحد أن يمسه، كان هذا التابوت رمزاً لطبيعة العقائد اليهودية. ولما مد عَزَّة الصالح يديه

إلى التابوت ليمنعه أن يسقط على الأرض وأمسكه لحظة قصيرة "حمى غضب الرب على عزة وضربه الرب هناك لأجل أنه مد يده إلى التابوت فمات هناك أمام الله"(84).

وكانت الخطيئة هي الفكرة الأساسية في الدين اليهودي. ولم ير العالم شعباً آخر أولع بالفضيلة ولع اليهود- إلا إذا استثنينا طائفة المتطهرين الذين يخيل إلينا أنهم

خرجوا من بين أسفار العهد القديم دون أن تمسهم الكثلكة الطويلة العهد بسوء. ولما كانت الطبيعة البشرية ضعيفة و "السنن" معقدة صعبة فلم يكن ثمة مفر

من الوقوع في الخطيئة، وكثيراً ما كانت الروح اليهودية تتلبد بالغيوم لما ينجم عن الخطيئة من سيئ العواقب، كحبس المطر أو تدمير إسرائيل بقضها وقضيضها.

ولم يكن في هذا الدين جحيم يخصص لعقاب المذنبين، ولكن شيول أو "أرض الظلام" التي تحت الأرض لم تكن تقل هولاً عن هذا الجحيم. وكان يلقى فيها الموتى

جميعهم الطيب منهم والخبيث، لا يستثنى منهم إلا المقربون إلى الله كموسى وأخنوخ وإيليا. على أن اليهود قلما كانوا يشيرون إلى حياة أخرى بعد الموت

، ولم يرد في دينهم شيء عن الخلود؛ وكان ثوابهم وعقابهم مقصورين على الحياة الدنيا. ولم تدر فكرة البعث في خلد اليهود إلا بعد أن فقدوا الرجاء في أن يكون

لهم سلطان في هذه الأرض، ولعلهم أخذوا هذه الفكرة عن الفرس، أو لعلهم أخذوا شيئاً منها عن المصريين. ومن هذه الخاتمة الروحية ولدت المسيحية.

وكان يمكن اتقاء الخطيئة ونتائجها بالصلاة والتضحية. وبدأت التضحية عند الساميين كما بدأت عند "الآريين" بالضحايا البشرية(85) ثم حل الحيوان

محل الإنسان فصار يضحي "بأولى ثمرات القطعان" وباكورة الطعام الذي تنتجه الحقول؛ ثم انتهى الأمر أخيراً بالاكتفاء بالتسبيح والثناء على الله. وكان الاعتقاد

السائد في أول الأمر ألا يؤكل لحم حيوان إلا إذا ذبحه كاهن وباركه، وعُرِض وقتاً ما على الإله(86). وكانت عملية الختان نفسها من أعمال التضحية، ولربما كانت

فدية لتضحية أخرى أشد منها قسوة يكتفي فيها الإله