قصة الحضارة (55)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

يقبض على زمام الحكم، ويعيد إلى اليهود سلطانهم الدنيوي، ويجعل الصعاليك المملقين الحاكمين بأمرهم في العالم كله. وكان إشعيا وعاموس هما اللذين بدآ

في عصر الحروب يمجدان فضائل البساطة والرحمة والتعاون بين الناس والإخاء، وهي الفضائل التي جعلها عيسى أساساً جوهرياً لدينه. وكانا أول من اضطلع بذلك

العبء الثقيل عبء تحويل رب الجنود إلى إله حب وهما اللذان جندا يهوه واستعاناه على نشر المبادئ الإنسانية، كما جند المسيح متطرفو الاشتراكيين في القرن التاسع

عشر ليستعيناه على نشر المبادئ الاشتراكية. وهما اللذين بثا في عقول الألمان- بعد أن طبعت التوراة في أوربا- الإيمان بمسيحية جديدة وأوقدا شعلة الإصلاح الديني،

وكانت فضائلهم القوية غير المتسامحة هي التي أخرجت طائفة المتطهرين المسيحيين. وكانت فلسفتهم الأخلاقية تقوم على نظرية أجدر من غيرها بالتسجيل- وهي أن

الطيب سوف يوفق وينجح، وأن الخبيث سوف يصرع؛ وقد تكون هذه نظرية مخادعة، ولكن ما فيها من خداع- إن كان فيها خداع- هو خداع العقل النبيل. ولئن كان هؤلاء

الأنبياء لا يتصورون الحرية أو يفكرون فيها، فإنهم كانوا يحبون العدالة ويدعون إلى القضاء على ما كان يضعه الأسباط من قيود على الأخلاق الطيبة. ولقد أقاموا أمام

البائسين في العالم أملاً في التآخي، كان تراثاً غالياً، ظلوا يتوارثونه على مدى الأجيال .

الفصل الخامس

موت أورشليم وبعثها

مولد التوراة - تدمير أورشليم - الأسر البابلي - إرميا -

حزقيال - إشعيا الثاني - تحرير اليهود - الهيكل الثاني

كان أهم أثر للأنبياء في معاصريهم هو كتابة التوراة. وكان سبب كتابتها أن الشعب شرع يرتد عن عبادة يهوه إلى عبادة الآلهة الأجنبية، فأخذ الكهنة يتساءلون ألم يَأْنِ

لهم أن يقفوا وقفة قوية يمنعون بها تدهور العقيدة القومية. ورأوا الأنبياء يعزون إلى يهوه ما يجيش في صدورهم من عواطف يؤمنون بها ويعتقدونها، فاعتزموا أن يبلغوا

الناس رسالة من الله نفسه في صورة سنن إلهية تبعث النشاط والقوة في حياة الأمة الخلقية، ويضمنون بها معونة الأنبياء، وذلك بما تتضمنه من آرائهم القليلة التطرف

. وسرعان ما ضموا إلى جانبهم الملك يوشيا. فلما كانت السنة الثامنة عشرة أو نحوها من حكمه أبلغ الكاهن حلقيا الملك أنه "وجد" في سجلات الهيكل ملفاً عجيباً قضى

فيه موسى نفسه في جميع المشكلات التاريخية والخلقية التي كانت مثار الجدل العنيف بين الأنبياء والكهنة. وكان لهذا الكشف أثر عظيم في نفوس القوم، فدعا يوشيا كبارهم

إلى الهيكل وتلا عليهم فيه "سفر الشريعة" في حضرة آلاف من الشعب (حسبما تقول الرواية)، ثم أقسم ليطيعن من ذلك الوقت ما جاء في ذلك السفر "وأوقف كل الموجودين

في أورشليم وبنيامين فعمل سكان أورشليم حسب عهد الله"(115).

ولسنا نعلم علم اليقين ماذا كان "سفر الشريعة" هذا. فقد يكون سفر الخروج من الأصحاح العشرين إلى الثالث والعشرين، وقد يكون سفر تثنية الاشتراع(116). وليس

ثمة ما يضطرنا إلى أن نفترض أنه قد وضع في تلك

الساعة؛ فكل ما فيه أنه يقنن ويسجل أوامر ومطالب ونصائح نطق بها خلال عدة قرون أنبياء بني إسرائيل وكهنة المعبد. ومهما يكن مصدرها فإن الذين استمعوا لها وهي تقرأ

عليهم، أو سمعوا بها ولم يكونوا حاضرين وقت قراءتها، قد تأثروا بها أشد التأثر. واغتنم الملك يوشيا هذه الفرصة السانحة فاستعان هذه العواطف الجياشة على تحطيم مذابح

الآلهة المنافسين ليهوه في يهوذا. وأخرج "من هيكل الرب جميع الآنية المصنوعة للبعل" ، "ولا شيء كهنة الأصنام... والذين يوقدون للبعل، للشمس والقمر والمنازل ولكل أجناد السماء

" و "نَجَّس تُوفة... لكيلا يُعَبّر أحد ابنه أو ابنته في التار لِمُولَك. وحطم المذابح التي بناها سليمان لكموش، ولملكوم، ولعشتورت"(117).

ويبدو أن هذه الإصلاحات لم ترض يهوه فتحمله على أن يقدم المعونة لشعبه. نعم إن نينوى قد سقطت كما قال الأنبياء، ولكن سقوطها لم يكن له من أثر إلا أن ترك يهوذا خاضعة

لحكم مصر أولا ثم لحكم بابل فيما بعد. ولما أن حاول تخاو ملك مصر أن يمر بفلسطين في زحفه على سوريا وقف يوشيا في وجهه عند مجدو حيث كانت الواقعة القديمة الشهيرة

ظناً منه أن إلهه سيعينه على خصمه، ولكنه هزم وقتل. وبعد بضع سنين من ذلك الوقت انتصر نبوخدنصر على تخاو في قرقميش واستولى على يهوذا وجعلها ولاية لبابل. وحاول

خلفاء يوشيا بالوسائل الدبلوماسية السرية أن يلقوا عن كاهلهم نير بابل، وأرادوا أن يستعينوا في سعيهم هذا بمصر ولكن نبوخدنصر علم بالأمر، فزحف بجيوشه على فلسطين،

واستولى على أورشليم، وأسر الملك يهوياقيم، ورفع صدقيا على عرش يهوذا، ثم عاد إلى بلاده ومعه عشرة آلاف أسير من اليهود. ولكن صدقيا كان أيضاً محباً للحرية أو للسطان

فخرج إلى بابل، فعاد إليه نبوخدنصر معتزماً أن يحل المشكلة اليهودية حلاً نهائياً كما يظن، فاستولى مرة أخرى على أورشليم وحرقها عن آخرها وهدم هيكل

سليمان وقتل أبناء صدقيا أمام عينيه،

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> الشرق الأدنى -> اليهود -> موت أورشليم وبعثها

ثم سمل عينيه هو نفسه وأسر جميع سكان المدينة تقريباً وساقهم أمامه إلى بابل(118). وقد خلد أحد شعراء اليهود فيما بعد ذكرى هذه القافلة البائسة

في أغنية من أروع أغاني العالم قال:

على أنهار بابل جلسنا وبكينا على ذكرى صهيون

وفي وسط الصفصاف علقنا أعوادنا

لأن من سَبونا طلبوا إلينا أن نغنيهم، والذين عذبونا

أرادوا أن نطربهم، ونادونا هلا أنشدتمونا أحد أناشيد صهيون؟

وهل نستطيع أن ننشد نشيد الله في بلد غريب؟

ولئن نسيتك يا أورشليم فلتنس يميني حذقها

وليلتصق لساني بسقف حلقي إن لم أذكرك يا أورشليم

وإن لم تكوني لدي خيراً من أفراحي(119).

وفي هذه الأزمة كلها ظل إرميا أفصح الأنبياء وأشدهم حقداً على قومه يدافع عن بابل ويعلن في الملأ أنها سوط عذاب في يد الله، ويتهم حكام يهوذا بأنهم بلهاء معاندون

وينصحهم بأن يسلموا أمرهم كله إلى نبوخدنصر؛ حتى ليكاد من يقرأ أقواله في تلك الأيام أن يظن أنه من صنائع بابل المأجورين. انظر إلى قول إرميا على لسان ربه:

"إني إن صنعت الأرض والإنسان والحيوان الذي على وجه الأرض بقوتي العظيمة وبذراعي الممدودة وأعطيتها لمن حسن في عيني، والآن قد وقعت كل هذه الأرض

ليد نبوخدنصر ملك بابل عبدي... فتخدمه كل الشعوب... ويكون أن الأمة أو المملكة التي لا تخدم نبوخدنصر ملك بابل، والتي لا تجعل عنقها تحت نير ملك بابل أني

أعاقب تلك الأمة بالسيف والجوع والوباء- يقول الرب- حتى أفنيها بيده"(120).

قد يكون هذا الرجل خائناً أو لا يكون، أما من الناحية الأدبية فإن كتاب

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy