قصة الحضارة (56)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

نبوءاته التي يقال أنه تلقاها عند تلميذه باروخ ليعد من أبلغ ما كتب في الآداب كلها

ومن أعظمها قوة؛ وذلك لما فيه من تصوير حي واضح وتأنيب شديد لا رحمة فيه

ولا هوادة. وفيه فوق ذلك إخلاص يبدأ بسؤال الرجل نفسه ثم يختتم بارتياب شريف

في خطته وحياته كلها من بدايتها إلى نهايتها: "ويل لي يا أمي لأنك ولدتني إنسان

خصام وإنسان نزاع لكل الأرض، لم أقرض ولا أقرضوني، وكل واحد يلعنني... ملعون اليوم الذي ولدت

فيه"(121).

واشتعلت في صدره نيران الغضب حين رأى ما عليه قومه وزعماؤهم من

انحطاط في الأخلاق وحمق في السياسة. ورأى فرضاً عليه أن يدعو بني إسرائيل إلى

التوبة والندم. وخيل إلى إرميا أن كل ما يشهده من انحلال قومي، وضعف سياسي،

وخضوع للأجنبي، قد أنزل

ه يهوه باليهود عقاباً لهم على ما ارتكبوا من الذنوب."طوفوا في شوارع أورشليم،

وانظروا، واعرفوا، وفتشوا في ساحاتها، هل تجدون إنسانا، أو يوجد عامل

بالعدل طالب الحق فأصفح عنها"(122). لقد ساد الظلم في كل مكان وعم الفسق

والفجور: "ولما أشبعتهم زنوا، وفي بيت زانية تزاحموا، صاروا حصنا ملعونة سائبة، صهلوا كل واحد ع

لى امرأة صاحبه"(123).

ولما حاصر البابليون أورشليم أراد سراة المدينة أن يسترضوا يهوه فأطلقوا

من كان عندهم من عبيد عبرانيين، فلما أن رفع الحصار فترة قصيرة من الوقت

وخيل إليهم أن الخطر قد زال، قبض هؤلاء السراة على عبيدهم السابقين وأرغموهم

على عبوديتهم القديمة. لقد كانت هذه فترة جمعت من تاريخ الإنسانية ما لم يستطع إرميا أن يقف أمامه صام

تاً ساكناً لا يبدي حراكاً(124)، فأخذ كغيره من الأنبياء يتوعد المنافقين الذين يجيئون

إلى الهيكل متظاهرين بالتقى والصلاح يحملون بعض ما جمعوا من كدح الفقراء وطحن

عظامهم، ويذكرهم بأن الله لا يطلب إلى الناس أن يقربوا له القرابين بل يطلب إليهم أن

يكونوا منصفين عادلين(125). وهو يرى أن الكهنة والأنبياء لا يكادون يقلون فساداً

عن التجار؛ وأنهم كالشعب نفسه في حاجة إلى أن تطهر أخلاقهم أو تصاغ من جديد،

وأن يختتنوا في أرواحهم كما يختتنون في أجسامهم كما يقول إرميا بعبارته العجيبة:

"اختتنوا للرب وانزعوا غُرَل قلوبكم"(126).

وكان هذا النبي يخطب قومه مندداً بما كان منتشراً بينهم من فساد بألفاظ من نار

لا يعادلها في شدتها إلا خطب القديسين في جنيفا واسكتلندة وإنجلترا في عهد

الإصلاح الديني. فكان يسب اليهود أقذع سباب ويصور لهم وهو جذلان ما سيحل بمن

لا يستمعون إليه من

هلاك(127). وكم من مرة تنبأ لهم بتخريب أورشليم وسبيهم على يد البابليين، و

رثى لما سيحيق بالمدينة (التي يسميها بنت صهيون) من قضاء نعتهم بعبارات

ما أشبهها بعبارات المسيح: "يا ليت رأسي ماء وعيني ينبوع دموع، فأبكي ليلاً ونهاراً قتلى بنت

شعبي"(128).

وخيل إلى الأمراء في حاشية صدقيا أن هذا كله غدر بالوطن وخيانة له وتفريق

لآراء اليهود وأرواحهم في ساعة المحنة. ولكن إرميا لم يعبأ بأقوالهم وأخذ يسخر

منهم وحمل نيراً خشبياً فوق عنقه، وأخذ يقول أن يهوذا كلها يحب أن تخضع لنير البابليين،

وأن من الخير لها

أن يكون خضوعها هذا خضوعاً سلمياً بلا حرب ولا قتال, ولما انت

زع منه ضانياً

نيره صاح قائلاً أن يهوه سيصب لكل يهودي نيراً من حديد. وحاول الكهنة أن يثنوه

عن عمله هذا بوضع رأسه في الدهق، ولكنه وهو في هذا الوضع ظل يشهر بهم،

فما كان منهم إلا أن استدعوه

إلى الهيكل وأرادوا أن يقتلوه، غير أنه استطاع أن يفلت منهم بم

عونة صديق ل

ه بين الكهنة. ثم قيض عليه الأمراء وربطوه في حبال وأنزلوه بها في بئر مملوءة بالوحل،

ولكن صدقيا خفف هذا العقاب بأن سجنه في فناء القصر وفيه وجده البابليون حين سقطت

أورشليم في أيديهم. أمر نبوخدنصر رجاله أن يحسنوا معاملته، وأن يعفوه من قرار النفي العام

. وتقول إحدى الروايات الموثوق بها أنه كتب "مراثيه" في أخر أيامه(128)!

وهذه المراثي هي أبلغ أسفار العهد القديم بأجمعها

وفيها أخذ يندب نصره الكامل وما حل بأورشليم من دمار، ورفع إلى السماء ذلك

السؤال الذي سأله أيوب ولم يجد له جواباً:

"كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب! كيف صارت كأرملة العظيمة في

الأمم! السيدة في البلدان صارت تحت الجزية!... أما إليكم يا جميع عابري الطريق،

تطلعوا وانظروا إن كان حزن مثل حزني... أنت يا رب أبر من أن أخاصمك، لكن

أكلمك من جهة أحكامك. ل

ماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن كل الغادرين غدراً"(129).

وفي هذه الأثناء كان خطيب آخر في بابل يحتمل عن إرميا عبء التنبؤ، وهذا الخطيب

هو حزقيال. وكان حزقيال هذا رجلاً من أسرة من الكهنة سيقت إلى بابل في أيام

السبي الأول من أورشليم. وبدأ خطبه كما بدأها إشعيا الأول وإرميا مندداً أشد التنديد

بما شاع في أورشليم من وثنية في الدين وانحلال في الأخلاق. وشبه أورشليم بالزانية

وأخذ يبدي في ذلك ويعيد

، لأنها باعت عبادتها للآلهة الغرباء(130)؛ وشبه السامرة وأورشليم بزانيتين توأمين.

وكانت هذه الكلمة تجري على لسانه كما كانت تجري على ألسنة الكُتَّاب المسرحيين أيام عودة آل

استيورت

إلى عرش إنجلترا. ووضع ثبتاً طويلاً بذنوب أورشليم ثم قضى عليها بالتخريب

والسقوط في أيدي الأعداء. وفعل ما فعله إشعيا، فأدان الأمم كلها من غير تمييز

بينها وشهر بخطأ موآب وصور ومصر وأشور وأنذرها بالهلاك والسقوط. وحتى

أمة ماجوج العجيبة لم تنج من هذا التشهير(131). ولكنه لم يكن في قلبه من

الحق عليها ما كان في قلب إرميا، فقد رق قلبه لها في آخر الأمر وأعلن أن الله

سينجي "بقية" من اليهود، وتنبأ بأن المدينة ستبعث حية(132). وأخذ يصف

ما يراه بعين الخيال من بناء المعبد الجديد فيها، وتصور قيام مدينة فاضلة للكهنة

فيها الكلمة العليا والمقام الأعظم، يقيم فيها يهوه مع شعبه أبد الدهر.

وكان يرجو أن يُبقي بهذه الخاتمة السعيدة على نفسية بني وطنه المنفيين ويؤخر

اندماجهم في الثقافة البابلية وفي الدم البابلي. فقد خيل إليه كما خيل إلى غيره في

هذه الأيام أن هذا الاندماج سيقضي على مجدة اليهود وعلى كيانهم أيضا؛ ذلك أنهم قد أثروا و

حسنت حالهم

في أرض الجزيرة الغنية، حيث كانوا يتمتعون بقسط موفور من الحرية في عاداتهم وفي

عبادتهم؛ وسرعان ما زاد عديدهم ونمت ثروتهم، وأيسروا فيما عاد به عليهم خضوعهم

من هدوء ووفاق لم

يتعودوهما من قبل. أخذت طائفة منهم مطردة الزيادة تعبد الآلهة البابلية، وتؤلف

الأساليب الشهوانية الشائعة في العاصمة القديمة، حتى إذا كان الجيل الثاني

من أبناء المنفيين كان ذكرى أورشليم قد محيت أو كادت تمحى من أذهانهم.

وقد رأى المؤلف المجهول، الذي أخذ على عاتقه أن يكمل سفر إشعيا،

أن يعيد ذلك الجيل المرتد إلى دين إسرائيل. وكان مما يمتاز به هذا المؤلف

وهو يعمل على إعادتهم إلى دينهم القديم أن يرقى بهذا الدين إلى مستوى رفيع لم يرق

إليه دين من الأديان التي ظهرت في الشرق الأدنى حتى ذلك الوقت ؛ فبينما ك

ان بوذا في الهند

ينادي بقمع الشهوات، وبينما كان كنفوشيوس في الصين يصوغ الحكمة لشعبه، كان "

إشعيا الثاني" هذا يعلن لليهود المنفيين في نثر جزل مشرق مبادئ التوحيد، ويعرض

عليهم إلهاً جديداً شفيقاً عليهم رحيماً بهم، يفوق في شفقته ورحمته ما كان عليه يهوه

الغضوب كما صوره إشعيا الأول نفسه. وشرع هذا النبي العظيم يعلن في الناس رسالته

بعبارات اختارها أحد الأناجيل المتأخرة ليستحث بها المسيح الشاب على أن يؤدي هو الآخر رسالته.

ولم تكن هذه

الرسالة الجديدة هي صب اللعنات على الشعب لما ارتكب من الذنوب، بل كانت

تهدف إلى بث الأمل في قلوبهم أيام استعبادهم. "روح السيد الرب علي لأن الرب

مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب مكسوري القلب، لأنادي بالمسبيين

بالعتق وللمأسورين بالإطلاق"(133 )؛ فقد وجد هذا الكاتب أن يهوه ليس إله حرب

وانتقام بل أباً محباً؛ وملأه هذا الكشف الجديد سعادة، وأوحى إليه أناشيد فخمة.

فأخذ يبشر بالإله الجديد منقذ شعبه.

"صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب، قوموا في القفر سبيلاً لإلهنا، كل وطاء يرتفع

، وكل جبل وأكمة ينخفض، ويصير المعوج مستقيماً، والعراقيب سهلا ،...

هو ذا الرب بقوة يأتي، وذراعه تحكم له... كراع يرعى قطيعه، بذراعه يجمع الحملان،

وفي حضنه يحملها، ويقود المرضعات" .

ثم يبشر هذا بالمسيح المنقذ ويرفع من شأن هذا البشرى حتى تصير من الآراء

السائدة بين شعبه ويصف "الخادم" الذي سينجي إسرائيل بالتضحية الأليمة:

"محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن... محتقر فلم نعتد به.

لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحمّلها، ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً.

وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه وبجبره شفينا.

.. والرب وضع ع

ليه إثم جميعنا" .

ويتنبأ إشعيا الثاني بأن بلاد الفرس ستكون أداة هذا التحرير. وينادى بأن قورش

رجل لا يقهر وأنه سيفتح بابل وينقذ اليهود من الأسر فيعودون إلى أورشليم ويشيدون

هيكلاً جديداً ومدينة ج

ديدة تكون جنة بحق. "الذئب والحمل يرعيان معاً، والأسد يأكل التبن كالبقر،

أما الحية فالتراب طعامها،

لا يؤذون ولا يُهلِكون، في كل جبل قدسي يقول الرب"(135). ولعل الذي أوحى

إلى هذا النبي فكرة وجود إله واحد للكون كله هو نهضة الفرس وانتشار قوتهم،

وإخضاعهم دول الشرق الأ

دنى كلها، وجمعها في وحدة إمبراطورية أوسع رقعة وأحسن حكماً من أي نظام

اجتماعي عرفه الناس من قبل. وهذا الإله لا يقول كما كان يقول يهوه:

"أنا الرب إلهك... لن تكون لك آلهة غريبة أمامي" بل يقول الآن: "أنا الرب وليس

آخر لا إله سواي"(136)، ويصف النبي الشاعر هذا الإله العالمي في فقرة من

أروع فقرات التوراة:

"من كان بكفه المياه، وقاس السموات بالشبر، وكال بالكير تراب الأرض، ووزن

الجبال بالقبان، والآكام بالميزان... هو ذا الأمم كنقطة من دلو وكغبار الميزان...

هو ذا الجزائر يرفعها كَدُقّة... كل الأمم كلا شيء قدامه من العدم والباطل تحسب

عنده. فبمن تشبهون الله؟ وأي شبه تعادلون به؟... الجالس على كرة الأرض

وسكانها كالجندب، والذي ينشر السموات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن...

ارفعوا إلى العلاء عيونكم، وانظروا من خلق هذه"(137).

وكانت ساعة من أروع الساعات في تاريخ إسرائيل حين دخل قورش بابل فاتحاً

عالمياً بعد طول انتظار، وأباح لليهود أن يعودوا إلى أورشليم بكامل حريتهم.

ولكنه خيب رجاء بعض الأنبياء

أظهر ما كان في طباعه من حضارة أرقى من حضارتهم، إذ ترك بابل وشأنها

ولم يمس أهلها بسوء، وأظهر خضوعه لآلهتها، وإن كان في الواقع خضوعاً

مشكوكاً فيه. كذلك أعاد قورش لليهود ما كان باقياً في خزائن الدولة البابلية

من الذهب والفضة اللذين اغتصبهما نبوخدنصر من الهيكل، وأمر الجماعات التي كان اليهود المنفيون يعيشون بينها أن تعينهم بالمال الذي يحتاجونه في أثناء رحلتهم الطويلة إلى وطنهم.

ولم يتحمس شباب اليهود

لهذا التحرير لأن الكثيرين منهم قد تأقلموا في التربة البابلية وامتدت أصولهم فيها،

فترددوا طويلا في ترك حقولهم الخصبة وتجارتهم الرائجة ليعودوا إلى القفار

الخربة في المدينة المقدسة. ومرت سنتان بعد مجيء قورش قبل أن تبدأ

الفصيلة الأولى من اليهود المتحمسين رحلتها الطويلة التي دامت ثلاثة شهور

إلى الأرض التي خرج منها آباؤها قبل ذلك الوقت بمائة عام(138).

ولم يجد هؤلاء العائدون ترحيباً كبيراً في وطنهم القديم، كما لا يجد العائدون إليه

في هذه الأيام. ذلك أن أقواماً آخرين من الساميين قد استقروا في تلك البلاد،

وتملكوا الأرض بحق احتلالها والعمل فيها، أخذت هذه القبائل تنظر بعين المقت

إلى أولئك الذين خالوهم مغيرين على بلادهم وحقولهم، ولولا تلك الدولة القوية

الصديقة التي كانت تحمي اليهود العائدين لما استطاعوا أن يستقروا في فلسطين.

وأذن دارا الأول ملك الفرس للأمير زرَّ بابل أن يعيد بناء الهيكل، واستطاع هو

وشيعته أن يتموا بناءه بعد ا

ثنتي عشرة سنة من عودة اليهود، رغم قلة عدد أولئك المهاجرين وضآلة مواردهم،

ورغم ما كانوا يصادفونه من عقبات في كل خطوة يخطونها بسبب هجمات الأهلين

المعادين لهم وتآمرهم عليهم، وعادات أورشليم كما كانت مدينة يهودية شيئاً فشيئاً،

وترددت في الهيكل أصداء الأناشيد التي كانت تتغنى بها بقية منهم آلت على نفسها أن تعيد

اليهودية إلى سابق قوتها. وكانت عودتهم هذه نصراً عظيماً لا يفوقه إلا ذلك النصر

الذي شهدناه في هذه الأيام .

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy