قصة الحضارة (57)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الفصل السادس

أهل الكتاب

سفر الشريعة - تأليف الأسفار الخمسة - أساطير

"التكوين" - الشريعة الموسوية - الوصايا العشر - فكرة

الله - السبت - الأسرة اليهودية قيمة الشرائع الموسوية

لم يكن في وسع اليهود بعد عودتهم أن يقيموا لهم دولة حربية؛ ذلك أنهم لم يكن لهم من العدد ومن الثروة ما يمكنهم من إقامة هذه الدولة. ولما كانوا في حاجة إلى

نوع من الإدارة يعترفون فيه بسيادة الفرس عليهم ويهيئ لهم هذا الوقت نفسه سبيل الوحدة القومية والنظام، فقد شرع الكهنة في وضع قواعد حكم ديني يقوم

حكم يوشيا على المأثور من أقوال الكهنة وتقاليدهم، وعلى أوامر الله. وفي عام 444 ق.م دعا عزرا، وهو كاهن عالم، اليهود إلى اجتماع عام خطير، وشرع يقرأ

عليهم من مطلع النهار إلى منتصفه "سفر شريعة موسى". وظل هو وزملاؤه اللاويون سبعة أيام كاملة يقرؤون عليهم ما تحتويه ملفات هذا السفر. ولما فرغوا

من قراءتها أقسم الكهنة والزعماء والشعب على أن يطيعوا هذه الشرائع ويتخذوها دستوراً لهم يتبعونه ومبادئ خلقية يسيرون على هديها ويطيعونها إلى أبد الآبدين(139).

وظلت هذه الشرائع من تلك الأيام النكدة إلى يومنا هذا المحور الذي تدور عليه حياة اليهود، ولا يزال تَقيُّدهم بها طوال تجوالهم ومحنهم من أهم الظواهر في تاريخ العالم.

تُرى ماذا كان "كتاب شريعة موسى" هذا؟ لم يكن هذا الكتاب هو بعينه "كتاب العهد" الذي قرأه يوشيا من قبل، لأن هذا العهد قد جاء فيه بصريح العبارة أنه قُرئ على

اليهود مرتين كاملتين في يوم واحد، على حين أن قراءة الكتاب الآخر قد احتاجت إلى أسبوع(140) كامل. وكل ما في وسعنا

أن نفعله هو أن نحزر أن الكتاب الكبير كان يحتوي على جزء هام من أسفار العهد القديم الخمسة التي يسميها اليهود "توراة" ويسميها غيرهم البنتاتوش أو الأسفار الخمسة .

كيف كتبت هذه الأسفار؟ ومتى كتبت؟ وأين كتبت؟ ذلك سؤال بريء لا ضير منه ولكنه سؤال كتب فيه خمسون ألف مجلد، ويجب أن نفرغ منه هنا في فقرة واحدة نتركه بعدها من غير جواب.

إن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هما القصتان المتشابهتان المنفصلة كلتاهما عن الأخرى في سفر التكوين، تتحدث إحداهما عن الخالق باسم

"يهوه" على حين تتحدث الأخرى عنه باسم إلوهيم. ويعتقد هؤلاء العلماء أن القصص الخاصة بيهوه كتبت في يهوذا، وأن القصص الخاصة بإلوهيم كتبت في إفرايم، وأن

هذه وتلك قد امتزجتا في قصة واحدة بعد سقوط السامرة. وفي هذه الشرائع عنصر ثالث يعرف بالتثنية

أكبر الظن أن كاتبه أو كتابه غير كتاب الأسفار السالفة الذكر. وثمة عنصر رابع يتألف من فصول أضافها الكهنة فيما بعد. والرأي الغالب أن هذه الفصول تكون الجزء الأكبر من

"سفر الشريعة" الذي أذاعه عزرا(142أ)، ويبدو أن هذه الأجزاء الأربعة قد اتخذت صورتها الحاضرة حوالي عام 300 ق.م(143).

وكانت أساطير الجزيرة هي المعين الغزير الذي أخذت منه قصص الخلق والغواية والطوفان التي يرجع عهدها في تلك البلاد إلى ثلاثة آلاف سنة أو نحوها قبل الميلاد. ولقد

رأينا صوراً قديمة من هذه القصص فيما مر بنا من صفحات من هذا الكتاب، ولعل اليهود قد أخذوا بعضها من الأدب البابلي في أثناء أسرهم(144). ولكن أرجح من هذا أنهم

أخذوها قبل ذلك العهد بزمن طويل من مصادر سامية وسومرية قديمة كانت منتشرة في جميع بلاد الشرق الأدنى.

وتقول القصص الفارسية وقصص التلمود الخاصة بالخلق أن الله خلق في بادئ الأمر إنساناً مكوناً من ذكر وأنثى متصلين من الخلف كالتوأمين السياميين، ثم رأى فيما

بعد أن يفصل أحدهما عن الآخر. وتحضرنا في هذه المناسبة جملة غريبة وردت في سفر التكوين (الآية الثانية من الأصحاح الخامس):

"يوم خلق الله الإنسان على شبه الله عمله ذكراً وأنثى، خلقة وباركه ودعا اسمه آدم" ؛ ومعنى هذا أن ابنا الأول كان ذكراً وأنثى معا- ويبدو أن أحد من رجال الدين إذا استثنينا

أرسطو فانيز لم يفطن إلى هذه العبارة .

أما قصة الجنة فتظهر في جميع القصص الشعبية في العالم كله- في مصر، والهند، والتبت، وبابل، وبلاد الفرس، واليونان وبولينيزيا والمكسيك

وأبعدها عن المقصود منها، ذلك أن أهميتها ليست فيما تقصه من قصص، بل فيما تعرضه من أحكام. ومع ذلك فليس من العقل في شيء ألا يستمتع الإنسان ببساطتها التي

تخلب اللب وبقصصها الواضحة وأحداثها السريعة.

وكانت الأسفار التي تليت على الشعب بأمر يوشيا وعزرا هي التي صيغت منها القوانين "الموسوية" التي قامت عليها الحياة اليهودية كلها فيما بعد. ويقول سارتن

Sarton، وهو المعروف بشدة حرصه فيما يكتب، معلقاً على هذه الشرائع: " إن أهميتها في تاريخ الأنظمة والقوانين تفوق كل تقدير"(149). لقد كانت أكبر

محاولة في التاريخ لاتخاذ الدين قاعدة لسياسة الأمم وأداة لتنظيم كل صغيرة وكبيرة في الحياة كلها. وفي ذلك يقول رينان Renan: "لقد صارت تلك الشريعة أضيق

رداء شد على جسم الحياة الإنسانية"(150)، فقد جعلت الطعام ، والدواء، والشئون الصحية الفردية، وشئون الحيض والولادة، والشئون الصحية العامة، والانحراف

الجنسي والشهوات البهيمية(152)، كل هذه جعلتها من موضوعات الفروض والهداية الإلهية. وفيها نشهد مرة أخري كيف أخذ الطبيب يفترق افتراقاً بطيئاً عن الكاهن

(153)- ليصبح فيما بعد ألد أعدائه. فترى سفر اللاويين يحرص أشد الحرص على وضع القوانين الخاصة لعلاج الأمراض التناسلية، ويعنى بها أشد العناية، فينص على

عزل المصابين وما يتطلبه علاجهم من تطهير وتبخير بل وحرق المنزل الذي فشا فيه المرض عن آخره إذا دعت الحال . وكان اليهود الأقدمون هم الذين وضعوا قواعد الوقاية من

المرض(156)، ولكن يلوح أنهم لم يكونوا يعرفون من الجراحة غير عملية الختان، ولم تكن هذه السنة الدينية- الشائعة بين المصريين الأقدمين، وبين الساميين المحدثين-

مجرد تضحية لله وفريضة يفرضها الولاء للجنس ، بل كانت فوق هذا وقاية صحية من الأقذار التي تتعرض لها الأعضاء التناسلية(158). ولعل ما في الشريعة من قواعد خاصة

بالنظافة هو الذي أبقى على اليهود خلال تجوالهم الطويل وتشتتهم ومحنتهم.

أما ما بقي من شريعة موسى فيدور كله حول الوصايا العشر (سفر الخروج الآيات 1- 17 من الأصحاح العشرين) التي قدر لها أن يرددها نصف سكان العالم . وتضع الوصية

الأولى أساس المجتمع الديني الجديد، وهو المجتمع الذي لا يقوم على أي شريعة مدنية بل على فكرة الله وهو الملك القدوس الذي لا تدركه الأبصار، والذي أنزل كل قانون،

وفرض كل عقوبة، والذي سُمّي شعبُه بعدئذ شعب إسرائيل أي المدافعين عن الله.

لقد قامت الدولة العبرية ولكن الهيكل ظل باقياً، وشرع كهنة يهوذا

يحاولون كما يحاول بابوات رومة أن يعيدوا ما عجز الكهنة عن إنقاذه. ومن ثم كان وضوح الوصية الأولى وما فيها من تكرار ونصها على أن الكفر وذكر الله بما لا يليق يعاقب

عليهما بالإعدام ولو كان الكافر أقرب أقرباء الإنسان(161). ذلك أن الكهنة الذين وضعوا القانون كانوا يعتقدون كما يعتقد رجال محاكم التفتيش الأتقياء أن الوحدة الدينية شرط

أساسي لقيام النظام والتضامن الاجتماعيين. وكان هذا التعصب الديني منضماً إلى الكبرياء الجنسي هو الذي أبقى على اليهود وأوقعهم في كثير من المشاكل.

وسمَت الوصية الثانية بفكرة الله بقدر ما حطّت من شأن الفن، إذ حرّمت أن تصور له أية صورة منحوتة. وقد افترضت هذه الوصية وجود مستوى عقلي راق لدى اليهود،

لأنها نبذت كل الخرافات كما نبذت فكرة تجسد الإله، وحاولت أن تصور الله منزهاً عن جميع الأشكال والصور بالرغم من الصورة البشرية المحضة التي ترسمها ليهوه أسفار

موسى الخمسة. وهي تخص الدين بكل ما تنطوي عليه قلوب العبرانيين من إخلاص وولاء، ولا تترك فيهما- في الأيام القديمة- مكاناً للعلم والفن. وحتى علم الفلك نفسه قد أهمل

أمره لكيلا يزداد عدد الآلهة الزائفين أو تعبد النجوم وتتخذ آلهة من دون الله. وكان في هيكل سليمان قبل ذلك العهد عدد من الصور والتماثيل يكاد يجل عن الحصر(163)؛

أما الهيكل الجديد فلم يكن فيه شيء منها. ذلك أن التماثيل والصور القديمة قد نقلت من قبل إلى بابل، ويبدو أنها لم تعد مع ما أعيد من آنية الفضة والذهب(164)

. ومن أجل هذا لا نجد نحتاً ولا تصويراً ولا نقشاً بعد الأسر البابلي، كما لا نجد إلا القليل منها قبل الأسر إذا استثنينا عهد سليمان الذي يكاد أن يكون عهداً أجنبياً عن العبرانيين.

وكل ما كان الكهنة يجيزونه من الفنون فنا العمارة والموسيقى؛ وكانت الأغاني والمراسم التي تقام في الهيكل هي التي تخفف من أكدار حياة الشعب وشقائه، فكانت

فرقة موسيقية معها مختلف الآلات تنضم

إلى جوقة المغنين في ترتيل المزامير، فتبدو "صوتاً واحداً لتسبيح الرب وحمده" وتمجيد الهيكل(165): "وداود وكل بيت إسرائيل يلعبون أمام الرب بكل أنواع الآلات من

خشب السرو بالعيدان، وبالرباب، وبالدفوف، وبالجنوك، وبالصنوج"(166).

وتنطق الوصية الثالثة بما كان يستمسك به اليهودي من تقى وتدين. فهو لا يحرم عليه أن ينطق باسم الله عبثاً فحسب، بل يحرم عليه أن ينطق باسم الله تحريماً مطلقاً، فإذا ورد

اسم يهوه في صلاته وجب عليه أن يستبدل به اسم أدنيه- الرب. ولن نجد لهذه التقوى نظيراً إلا بين الهندوس.

وقدست الوصية الرابعة يوم الراحة الأسبوعي- السبت- وصار هذا التقديس سنة من أرسخ السنن البشرية. وهذه التسمية- ولعل هذه العادة نفسها- قد جاءتهم من البابليين.

فقد كان هؤلاء يطلقون على الأيام "الحُرُم" أيام الصوم والدعاء اسم شيتو(167). وكان لديهم فضلاً عن هذه العطلة الأسبوعية أعياد أخري عظيمة منها مواسم كنعانية

قديمة للزرع والحصاد، ومنها أعياد دورية للقمر والشمس: فكان مَزُّوث في بادئ الأمر عيد بداية حصاد الشعير، وشباؤوث الذي سمي فيما بعد بنتكست عيد ختام حصاد القمح؛

وسكوث عيد الكروم، وبساتش أو عيد الفصح عيد بداية نتاج قطعان الضأن؛ وكان رش- ها- شناه عيد رأس السنة. ولم تعدل هذه الأعياد لتخلد بها حوادث هامة في تاريخ اليهود

إلا بعد ذلك الوقت(168أ). وكانوا في أول يوم من أيام عيد الفصح اليهودي يذبحون حملاً أو جدياً ويأكلونه ويرشون دمه على الأبواب إشارة على أن هذا الدم هو نصيب

الإله، ثم ربط الكهنة فيما بعد هذه العادة بعادة قتل يهوه لأبناء المصريين البكر. وكان الحمل في أول الأمر طوطماً لإحدى القبائل الكنعانية. وكان عيد الفصح

عند الكنعانيين عيد تقريب حمل لأحد الآلهة

المحليين%=@وأصبح هذا الطوطم فيما بعد حمل بسكال في الدين المسيحي، وقيل أنه هو نفسه تخليد ذكرى موت المسيح.@ ونحن حين نقرأ الآن "في الأصحاح الثاني

عشر من سفر الخروج" قصة هذا العيد، ثم نرى اليهود في هذه الأيام يحتفلون به على النحو الذي كانوا يحتفلون به قديماً، ندرك قدم هذه العبادة وقوة

استمساك هذا الشعب بطقوسه القديمة.

والوصية الخامسة تقدس الأسرة وتضعها من حيث بناء المجتمع في منزلة لا تفوقها إلا منزلة الهيكل. وظلت المثل العليا التي طبع بها نظام الأسرة باقية في أوربا طوال

تاريخها المتوسط والحديث حتى جاء الانقلاب الصناعي وأدى إلى انحلالها. لقد كانت الأسرة العبرانية الأبوية نظاماً اقتصادياً وسياسياً ضخماً يتألف من أكبر رجل متزوج فيها،

ومن أزواجه، وأبنائه غير المتزوجين، وأبنائه المتزوجين وأزواجهم وأبنائهم، ومن عبيدهم إن كان لهم عبيد. وكان الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه هذه الجماعة هو قدرتها

على زراعة الأرض؛ أما قيمتها السياسية فتنحصر في أنها كانت تهيئ للبلد نظاماً اجتماعياً بلغ من القوة حداً تكاد الدولة أن تصبح معه لا ضرورة لها إلا في زمن الحرب. وكان

للأب على أفراد أسرته سلطاناً لا يكاد يُحد؛ فكانت الأرض ملكاً له، ولم يكن في وسع أبنائه أن يبقوا على قيد الحياة إلا إذا أطاعوا أمره؛ فقد كان هو الدولة، وكان في وسعه إن

كان فقيراً أن يبيع ابنته قبل أن تبلغ الحلم لتكون جارية؛ كما كان له الحق المطلق في أن يزوجها بمن يشاء وإن كان في بعض الأحيان ينزل عن بعض حقه فيطلب إليها أن ترضى

بهذا الزواج(170). وكانت الفكرة الشائعة أن الأولاد من نتاج الخصية اليمنى، وأن البنات من نتاج الخصية اليسرى، وكانت هذه في اعتقادهم أصغر وأضعف

من اليمنى(171). وكان الزواج في أول الأمر

www.arabexpres.com

يستتبع انتقال الزوج إلى دار زوجته، فقد كان عليه أن "يترك أباه وأمه وينضم إلى زوجته في عشيرتها"؛ لكن هذه العادة أخذت تزول شيئاً فشيئاً بعد تأسيس الملكية. وكانت أوامر

يهوه إلى الزوجة هي: "ستكون رغبتك لزوجك، وسيكون له الحكم عليك".

ومع أن المرأة كانت من الوجهة الرسمية خاضعة للزوج، فإنها كانت في الواقع ذات كرامة وذات سلطان كبير؛ وقد اشتهرت في تاريخ اليهود أسماء سيدات مثل سارة، وراحيل،

ومريم، وإستر؛ وكانت دبورة إحدى قضاة إسرائيل(172). وكانت النبية خلدة هي التي استشارها يوشيا في أمر الكتاب الذي وجده الكهنة في الهيكل(173). وكانت الأم الولود

تضمن لنفسها الطمأنينة والكرامة، ذلك بأن هذه الأمة الصغيرة كانت تتوق إلى زيادة عددها، لأنها تشعر كما تشعر اليوم في فلسطين بما يتهددها من الخطر وسط الأقوام المحيطين بها.

ومن أجل هذا كانت ُتعلي من شأن الأمومة، وترى العزوبة خطيئة وجريمة، وتجعل الزواج إجبارياً بعد سن العشرين، لا تستثني من ذلك الكهنة أنفسهم، وتزدري العذارى اللاتي

في سن الزواج، والنساء العاقرات، وتنظر إلى الإجهاض وقتل الأطفال وغيرهما من وسائل تحديد النسل على أنها من أعمال الكفرة البغيضة التي تؤذي خياشيم الرب(174):

"فلما رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب غارت راحيل من أختها وقالت ليعقوب هب لي بنين وإلا فأنا أموت"(175). وكانت الزوجة الكاملة هي التي لا تنقطع عن الكد في بيتها وحوله،

ولا تفكر إلا في زوجها وأطفالها. وفي الأصحاح الأخير من سفر الأمثال وصف للمرأة المثالية كما يراها الرجل:

"امرأة فاضلة من يجدها لأن ثمنها يفوق اللآلئ، بها يثق قلب زوجها قلا يحتاج إلى غنيمة، تصنع له خيراً لا شراً كل أيام حياتها، تطلب صوفاً وكتاناً، وتشتغل بيدين راضيتين،

هي كسفن التاجر تجلب طعامها من بعيد،

وتقوم إذ الليل بعد، وتعطي أكلاً لأهل بيتها وفريضة لفتياتها، تتأمل حقلاً فتأخذه وبثمر يديها تغرس كرماً؛ تنطق حقويها بالقوة وتشدد ذراعيها، تشعر أن تجارتها جيدة، سراجها

لا ينطفئ في الليل، تمد يديها إلى المغزل وتمسك كفاها بالفلكة، تبسط كفيها للفقير وتمد يديها إلى المسكين. لا تخشى على بيتها من الثلج لأن كل أهل بيتها لابسون حللاً، تعمل

لنفسها موشيات، لبسها البز وأرجوان، زوجها معروف في الأبواب حين يجلس بين مشايخ الأرض، تصنع قمصاناً وتبيعها، وتعرض مناطق على الكنعاني، العز والبهاء لباسها،

وتضحك على الزمن الآتي، تفتح فمها بالحكمة وفي لسانها سنة المعروف، تراقب طرق أهل بيتها ولا تأكل خبز الكسل، يقوم أولادها ويطربونها، ويقوم زوجها أيضاً فيمدحها، بنات

كثيرات عملن فضلاً، أما أنتِ ففقتِ عليهن جميعاً، الحسن غش والجمال باطل؛ أما المرأة المتقية الرب فهي تمدح، أعطوها من ثمر يديها، ولتمدحها أعمالها في الأبواب" .

والوصية السادسة مبدأ مثالي صعب المنال. ذلك أننا لا نرى في كتاب ما نراه في أسفار العهد القديم من حديث عن التقتيل والتدمير، ففصوله كلها ما بين وصف لمذابح وتناسل لتعويض

آثارها. لقد كان النزاع بين الأسباط، والانقسامات الحزبية، وعادة الأخذ بالثأر المتوارثة، كل هذه كانت لا تبقي على فترات السلم المنقطعة المملة إلا قليلاً. ولم يكن أنبياء إسرائيل من

دعاة السلم رغم ما جاء في بعض أقوالهم من تمجيد للمحاريث ومناجل التشذيب. وكان الكهنة أنفسهم- إذا