قريش من القبيلة الى الدولة المركزية-2

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 
قصي بن كلاب مائة وخمسون عاماً انقضت ، بين وضع البذرة في الأرض وبين حصاد الزرع وجني الثمار ، بين الحلم والحقيقة ، بين رمي أحجار الأساس وبين استكمال البناء والانتفاع به وسكناه ، هذه المدة هي التي تفصل بين وفاة قصي بن كلاب في الحجون في مكة عام 480 م ، وبين قيام دولة قريش في يثرب على يد حفيده محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ( ص ) بدءاً من عام 622م ، فقصي هو المؤسس الأول لتلك الدولة فهو الذي وضع اللبنات الأولى في صرحها ثم تابع أولاده وأحفاده من بعده ، على الأخص هاشم وعبد المطلب تعلية البنيان حتى اكتمل بمعرفة حفيده محمد ( ص ) ويتعين أن نلم بسيرة قصي ، لنحايثه في خطواته ، وهو يؤسس دولة قريش ويحولها من قبيلة مستضعفة تسكن الجبال والشعاب وأطراف مكة إلى القبيلة الحاكمة التي تمسك بزمام السلطة والثروة في العاصمة الدينية المقدسة ، وتسكن الأبطح أكرم بقاعها وتقيم بيوتها في الحرم ذاته ، وتغدو أشرف قبائل جزيرة العرب ، ويطلق على أفرادها " أهل الحرم " ويصبح الإصهار إليهم مكانة رفيعة تتطاول إليها أعناق شيوخ القبائل الأخرى ، وكما تحيط الشعوب في مختلف بقاع الأرض ميلاد زعمائها وقادتها بحكايات عجيبة خارقة للمألوف : الهنود مع بوذا وبنو إسرائيل مع موسى والنصارى مع عيسى أحاطت قريش ميلاد قصي بأسطورة مماثلة ولكنها ساذجة تتفق مع ثقافة عرب الجزيرة آنذاك ، وسوف نرى أن الأسطورة عينها تتكرر مع حفيده عبد المطلب أحد الذين لعبوا دوراً مميزاً في قيام دولة قريش . والحق أنني لم أجد فيما قرأت عن قصي ، خيراً مما خططه الإمام محمد ابن يوسف الصالحي الشامي ، وهو من مؤرخي القرن العاشر الهجري ، وربما أتاح تأخره النسبي الاطلاع على كتب التواريخ والسير ، منذ عصر التدوين حتى زمانه ، فألف موسوعة ضخمة في سيرة النبي العربي محمد ( ص ) أطلق عليها " سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد " وهذا ما جاء بها عن قصي بن كلاب : ( قال الرشاطي ـ رحمه الله تعالى ـ : وإنما قيل له قصي لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج فاطمة بنت سعد بن سيل ، لقب باسم جبل لطوله واسمه خير ضد شر، ويقال أن سعداً هذا أول من حلى السيوف بالفضة والذهب فولدت له زهرة وقصياً ، فهلك كلاب وقصي صغير ، وقال السهيلي رضيع ، وقال الرشاطي : فتزوج فاطمة أم قصي ربيعة بن حرام بن ضبة فاحتملها ربيعة ومعها قصي ، فولدت فاطمة لربيعة رزاحاً ، وكان أخاه لأمه ، فربى في حجر ربيعة فسمي قصياً لبعده عن دار قومه ، وقال الخطابي : سمي قصياً لأنه قصا قومه أي تقصاهم بالشام ، فنقلهم إلى مكة ، وقال الرشاطي : وأن زيداً وقع بينه وبين آل ربيعة شر فقيل له : ألا تلحق بقومك ؟ وعير بالغربة ، وكان لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة ، فرجع إلى أمه وشكا إليها ما قيل له ، فقالت : يا بني أنت أكرم نفساً وأباً ، أنت ابن كلاب بن مرة ، وقومك بمكة عند البيت الحرام ، فأجمع قصي على الخروج فقالت له أمه : أقم حتى يدخل الشهر الحرام ، فتخرج في حاج العرب ، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة ، فحج وأقام فعرفت له قريش قدره وفضله وعظمته وأقرت له بالرياسة والسؤدد ، وكان أبعدها رأيا وأصدقها لهجة وأوسعها بذلاً وأبينها عفافاً ، وكان أول مال أصابه مال رجل قدم مكة بأدم ( جلود ) كثير فباعه وحضرته الوفاة ولا وارث له فوهبه لقصي ودفعه له . وكانت خزاعة مستولية على الأبطح وكانت قريش تنزل الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها ، فخطب قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حـُبـَّى ، فعرف حليل نسبه فزوجه ابنته وحليل يلي الكعبة وأمر مكة فأقام قصي معه ، وولدت له حبى أولاده ، فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه ، هلك حليل وأوصى بولاية البيت لابنته حبى ، فقالت : لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه ، فجعل ذلك إلى أبي غبشان واسمه المحترش بن حليل وكان في عقله خلل ، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقعود ، فضربت به العرب المثل فقالت : أخسر صفقة من أبي غبشان . فلما أخذ قصي مفتاح البيت إليه ، أنكرت خزاعة ذلك ، وكثر كلامها وأجمعوا على حرب قصي وقريش ، وطردهم من مكة وماوالاها . فبادر قصي فاستصرخ أخاه وزاح بن ربيعة فحضر هو واخوته ، وكانت بنوصوفة تدفع الناس بالحج من عرفة إذا نفروا من منى ، فلم يجسر أحد من الناس أن ينفر ولا يرمي حتى يرموا ، فلما كان هذا العام فعلت بنو صوفة كما كانت تفعل ، فأتاهم قصي بمن معه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة ، فقال لبني صوفة : نحن أولى بهذا منكم فقاتلوه ، فاقتتل الناس قتالاً شديداً وكثر القتل في الفريقين فانهزمت صوفة وغلبهم على ما كان بأيديهم من ذلك ، فانحازت خزاعة وبنو بكر عن قصي ، وعلموا أنه سيمنعهم كما منع من ذلك بني صوفة ، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة فاجتمع لحربهم فخرجت خزاعة وبنو بكر ، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً ثم أنهم تداعوا إلى الصبح وأن يحكموا رجلاً من العرب فحكموا يعمر بن عوف بن كعب المعروف بـ " الشداخ " فقضى بينهم بأن قصياً أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة ، وأن أي دم أصابته قريش من خزاعة ، موضوع يشدخه تحت قدميه ، وأن ما أصابته خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة ففيه الدية ، فودوا 520 دية ، و30 جريحاً وأن يخلي بين قصي وبين البيت فسعى يعمر بن عوف بـ " الشداخ " لما شدخ من الدماء ووضع . فولى قصي أمر الكعبة ومكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة ، فملكوه عليهم ، ولم تكن مكة بها بيت في الحرم ، وإنما كانوا يكونون بها ، حتى إذا أمسوا خرجوا ، لا يستحلون أن يصيبوا فيها جنابة ، ولم يكن بها بيت قديم . فلما جمع قصي قريشا ـ وكان أدهى من رئي من العرب ـ قال لهم : هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت ؟ فوالله لا يستحل العرب قتالكم ولا يستطيعون إخراجكم منه ، وتسكنونه فتسودوا العرب أبداً ، فقالوا : أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك ، فجمعهم ثم أصبح في الحرم حول الكعبة ، وكان قصي أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه ، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء ، وحاز شرف مكة كله جميعاً فسمي " مجمعاً " لجمعه قومه وفي ذلك قال الشاعر : أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً : به جمع الله القبائل من فهر . وبنى دار الندوة والندوة في اللغة : الاجتماع لأنهم كانوا يجتمعون فيها للمشورة وغير ذلك ، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش ، ولا يتشاورون في الأمر ، إلا في داره ولا يعقدون لواء حرب إلا فيها يعقدها لهم قصي ، أو بعض بنيه . قال أبو عبيدة : ولما ولى قصي أمر مكة قال : يا معشر قريش إنكم جيران الله وجيران بيته وأهل حرمه ، وإن الحجاج زوار بيت الله فهم أضياف الله وأحق الأضياف بالكرامة أضياف الله فترافدوا فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج حتى يصدروا ، ولو كان مالي يسع ذلك قمت به ، ففرض عليهم خراجاً تخرجه مرتين من أموالها فتدفعه إليه فيصنع به طعاماً وشراباً ولبناً وغير ذلك للحاج بمكة وعرفة ، فجرى ذلك من أمره حتى قام الإسلام ، قال السهيلي رحمه الله تعالى : وكان قصي يسقي الحجيج في حياض من أدم ينقل إليها من بئر ميمون وغيرها خارج مكة وذلك قبل أن يحفر - العجول ، وروى البلاذري عن معروف بن خربوذ وغيره قالوا : كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة ومن حياض ومن مصانع على رؤوس الجبال ، ومن بئر حفرها مرة بن كعب مما يلي عرفة ، فحفر قصي بئراً سماها " العجول " هي أول بئر حفرتها قريش بمكة ومنها يقول رجاز الحاج : نروي من العجول ثم ننطلق إن قصيا قد وفى وقد صدق بالشبع للناس وري مغتبق ويروي أن قصياً قد أحدث وقود النار بالمزدلفة ليراها من دفع من عرفة . وقسم قصي مكارمه بين ولده : فأعطى عبد مناف السقاية والندوة فكانت فيهم النبوة والثروة ، وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء وأعطى عبد العزى الرفادة والضيافة أيام منى ، فكانوا لا يجيزون إلا بأمره ثم مات قصي بمكة فأقام بنوه بأمر مكة بعده في قومهم ودفن بالحجون فتدافن الناس بعده بالحجون . أطلق الدكتور سيد القمني على قصي لقب " دكتاتور مكة " ولكننا نخالفه في ذلك فـ ( هو وصف نرى أنه لا ينطبق تماماً خاصة وأن الحياة القبلية في الجزيرة ـ جزيرة العرب ـ كانت لا تطيق الدكتاتورية ولعل هذا أوضح ما يكون فيما سمي بـ " أيام العرب " الذي يعد سجلاً للمعارك التي دارت بين القبائل العربية بعضها البعض ، أو بينها وبين بعض ملوك فارس ، وكان مرجعها النفور الشديد من أي ممارسة دكتاتورية ولو أن قصياً كان يتمتع بالشمائل التي امتاز بها مؤسسو الدول عادة من قوة الشكيمة ومضاء العزيمة ، بالإضافة إلى سعة الأفق ونفاذ البصيرة ) .. ولعل القارئ يلاحظ ما وصف به الإمام محمد بن يوسف الصالحي قصياً ، أنه كان أدهى من رئى من العرب - ولسنا في حاجة إلى التدليل على تلك الملكات التي تمتع بها المؤسس الأول قصي . ومنعاً للإطالة ، خاصة وأن النص الذي نقلناه من كتاب " سبيل الهدى الرشاد في سيرة خير العباد " قد استغرق حيزاً كبيراً ، نكتفي في إيجاز بالإشارة إلى الخطوات التي رسمها ونفذها قصي بدهاء شديد نحو تحول قريش من قبيلة مشتتة ومتفرقة لا مكانة لها إلا رؤوس الجبال ، إلى قبيلة قوية تسكن أحسن بقعة في مكة ، وهي " الأبطح " والاتجاه إلى تكوين أول دولة غربية في وسط شبه الجزيرة العربية : ( أ ) أول ما فعله هو أنه أصهر إلى رأس قبيلة خزاعة وسيد مكة ، صاحب ولاية الكعبة حليل بن حبشية الخزاعي في ابنته " حبى " ثم توصل إلى ولاية الكعبة ، البيت الحرام الذي تعظمه قبائل جزيرة العرب على بكرة أبيها ، وكان القسم به هو اليمين الحاسمة التي يحرم الحنث فيها : فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم ولما أدركت خزاعة خطورة هذا الأمر ، لأن الذي يمسك بولاية الكعبة يحكم مكة عزمت على قتاله فاستعان بأخيه من أمه رزاح بن ربيعة فأعانه واخوته على ذلك ، ثم انتزع من بني صوفة الوظيفة الدينية التي كانت بيدهم وهي دفع الحجاج من عرفة بعد معركة طاحنة ، وقصي ( هو أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم ) وهيمن على حجابة البيت وسقاية الحجاج والرفادة وفرض على قريش خراجاً تدفعه إليه من أموالها فيصنع به طعاماً وشراباً للحجاج في مكة وعرفة ، وهو لم يكتف بذلك بل حفر بئراً سماها " العجول " لسقي الحاج والمعتمر كما أمر بإيقاد النيران على جبال ومرتفعات المزدلفة ليراها من دفع من عرفة كل هذا يدل على أن قصياً أولى " الحج " عناية فائقة ، لأنه الملتقى السنوي لقبائل جزيرة العرب كافة ، من شتى أقطارها وفيه تروج التجارة وتنعقد عدة " أسواق " قرب مكة وما حولها مثل سوق عكاظ وذي المجنة وفيها - علاوة على التجارة - كان يتبارى الشعراء في عرض قصائدهم فالحج إذن موسم ديني تجاري ثقافي ، وكانت ممارسات قصي تلك التي ذكرناها بمثابة إعلان للعرب أن دولة مركزية قامت في مكة وإعلام أن قريشاً تحولت من قبيلة مستضعفة إلى دولة تحكم البيت الحرام ، وفي سبيلها إلى حكم الجزيرة كلها ، عن طريق جمع شمل كل القبائل تماماً مثلما للفرس دولة وللروم دولة . وثمة ملاحظة في هذا المقام وهي أن هذه الخطوة المبكرة من قبل قصي في الاهتمام بشعيرة الحج وهي من الشعائر القليلة إن لم تكن الشعيرة الوحيدة التي كانت موضع إجماع من قبائل الجزيرة حتى تلك التي كان يفشو فيها دين سماوي مثل اليهودية والنصرانية ـ هذه الخطوة المبكرة من قبل قصي كانت الالتفافة الأولى لأهمية " المقدس " واستخدمه كمدماك لشد أزر " الدولة " وهو ما سيواصل العمل به في طريقه ، أحفاده من بعده باقتدار عجيب ( يهتم علم الاجتماع الديني اهتماماً كبيراً ، بدراسة العلاقة بين الدين وبعض مجالات الحياة الاجتماعية كالعلاقة بين الدين والنظام الاقتصادي والكنيسة والدولة والدين والسياسة ، والدين والأسرة ...الخ ) وكانت وجهة نظر علماء الأنثروبولوجية هي تبيان وظيفة الدين في المجتمعات القديمة أو البدائية أو اللاكتابية أو الأمية سواء في البني التحتية أو البنى الفوقية ( لقد أوضح الأنثروبولوجيون اللاحقون أمثال مالنسكوفي وراد كليف براون في دراساتهم الحقلية ، أن الدين يمارس وظيفة هامة في المجتمعات البدائية هي تدعيم التماسك الاجتماعي وضبط سلوك الأفراد ) . هذا هو أثر الدين في الأنساق الاجتماعية القاعدية ، ولكن ما هو أثره على البني السلطوية ؟ أو بمعنى آخر ما هي العلاقة بين الدين والسلطة ؟ وما هو موقع استراتيجية المقدس من استراتيجية السلطة ؟ ( المقدس هو أحد أبعاد الحقل السياسي ويمكن أن يكون الدين أداة للسلطة ضماناً لشرعيتها ، وإحدى الوسائل المستخدمة في إطار المنافسات السياسية ) ( جورج بالاندييه في الأنثروبولوجيا السياسية ، ترجمة جورج أبي صالح ، ص 93 الطبعة الأولى 1986 ، منشورات مركز الإنماء القومي بيروت ) ، وقد أوضحت الدراسات التي أجريت على كثير من المجتمعات القديمة ( أن البنى الطقوسية والبنى السلطوية مرتبطة ارتباطا وثيقاً وأن ثمة اتصالاً بين دينامياتهما الخاصة ) ( وأن السلطة السياسية تملك السيطرة العامة على المقدس وتستطيع استخدامه لصالحها في جميع الأحوال ) . إذن بدأ قصي في السير في طريق استخدام الدين ، واستثمار المقدس في أمرين : ( أ ) نشر التماسك بين قبائل العرب عن طريق شعيرة الحج باعتبارها الشعيرة المجمع عليها من القبائل كافة بخلاف الأصنام التي كانت تتعدد فيها ، ثم الانتقال من وتيرة التماسك إلى مرحلة التوحيد تحت هيمنة قريش . ( ب ) توظيفه كرافعة شديدة الفعالية وذات أثر سحري في النفوس في يد السلطة والإلحاح على هذه الدعوى حتى ترسخت وأصبح القرشيون ذاتهم شخوصاً مقدسة أو على أقل القليل تخالطهم قداسة ملموسة ومن ثم أطلق عليهم " أهل الحرم " ومن البديهي أن شيخهم أو رئيسهم يتمتع بقدر أوفر من القداسة ولذلك ليس اعتباطاً ما قاله المؤرخون عن قصي بن كلاب " كان أمره في قريش في حياته ومن بعد موته كالدين المتبع فلا يعمل بغيره " وصار توظيف الدين سنة من بعده ، اتبعها أبناؤه وأحفاده بذكاء بالغ . ثانياً : جمع بطون أفخاذ قبيلة قريش التي كانت مستضعفة ومشتتة تسكن الشعاب ورؤوس الجبال وأطراف مكة ، وأتاح لها سكنى أشرف بقعة في البلد الحرام " الأبطح " ومن ثم سمى " مجمعاً " وبعد ذلك خطا خطوة جريئة ، وهي أنه أمرهم أن يبنوا بيوتهم في الحرم ، وحول البيت وعلله بجملة وردت على لسانه كشفت عما كان يخطط له وهي قوله " فوالله لا تستحل العرب قتالكم ولا يستطيعون إخراجكم فتسودوا العرب أبداً " فأجابوه لذلك وسيادة قريش لكل العرب كان هو الهاجس الأقوى الذي ملك على قصي لبه وعقله وكل تفكيره والهدف الذي نذر حياته له ، ومن ثم أخذ يحكم التدبير له ، ثم أكمل الخطة من بعده ، أولاده وأحفاده والسيادة على عرب الجزيرة لا تتم إلا بإنشاء دولة مركزية في مكة على غرار الروم والفرس . ثالثاً : بنى قصي دار الندوة وفيها كانت تتم المشاورات لا بين شيوخ قريش فحسب ، بل بين شيوخ القبائل الأخرى ( فكان بيته عبارة عن " ناد للعرب " بل ملجؤهم في جميع المشكلات سواء كانت هذه المشكلات قومية أو شخصية ) ولم تكن دار الندوة للشورى فقط ، بل كانت جميع الأمور الهامة تتم بين جدرانها : عقد أولوية الحرب ، خروج قوافل التجارة ، إبرام عقود النكاح ، وبذلك عدت دار الندوة مقراً للحكم المركزي الوليد ، إذ لم يحدثنا التاريخ العربي عن دار مثلها في أي بقع في جزيرة العرب وهذا كله يفسر لنا مقولة التي كررها الإخباريون كثيراً عن قصي أنه " أول من أصاب ملكاً أطاع به قومه " . وهذا ما أجمع عليه الاخباريون بلا خوف . فكان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا وأطاع له قومه فكانت له الحجابة والرفادة والسقاية والثروة واللواء والقيادة فلما جمع قصي قريشاً بمكة سمي مجمعاً . الخلائــف يواصلون المسيرة أولا : هاشم : يوضح القسمات من عادة العرب أن يختص الأب ابنه الأكبر ، بكرائم ما خلفه من منصب أو جاه أو غيره على سائر أبنائه باعتباره " ولي العهد " ، ولا زالت هذه العادات متأصلة في المجتمع العربي حتى الآن ، وهي ليست مقصورة على العرب وحدهم بل أنها موجودة في كثير من المجتمعات ويطلق عليها علماء الاجتماع " التعاقب " وهو انتقال حقوق المنصب والدرجة والجاه والوضع ، ويؤكد د . مصطفى الخشاب أن بقايا هذه الظاهرة ( ورواسبها موجودة في كثير من المجتمعات المعاصرة مثل وراثة المهنة والوضع الاجتماعي ووراثة الفرق الدينية ومشايخ الصوفية والطوائف الحرفية وما إليها ) وجرياً على هذه القاعدة جعل قصي إلى بكره عبد الدار : الحجابة والرفادة والسقاية واللواء والندوة ، ويرى الإخباريون أنه فعل ذلك حتى يسامي عبد الدار اخوته في الشرف ، إذ أنهم في حياة أبيهم ارتفعت مكانتهم الاجتماعية في قريش دونه ، ولم يستطع هؤلاء أن يعارضوا أباهم صاحب الكلمة النافذة خاصة وأن ذلك كان تقليداً عربياً مستقراً كما ذكرنا ، ولكن الجيل الذي خلفهم تمرد على هذا الوضع وثار عليه، بعد أن انتقلت تلك المآثر التي اختص بها قصي عبد الدار إلى بنيه من بعده ، ويبدو أنه ورثهم معها الخمول وعدم نباهة الذكر ، ولذلك فإن هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل بن عبد مناف أجمعوا أن يأخذوا من بني عبد الدار بن قصي ما كان قصي جعله إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والرفادة والسقاية والندوة ورأوا أنهم أحق بها منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم، وكان الذي قام بأمرهم هاشم بن عبد مناف ) . انقسمت قريش إلى ثلاثة فرقاء : أولهم انحاز إلى بني عبد الدار والآخر إلى بني عبد مناف والثالث وقف على الحياد وسمي بنو مناف ومن والاهم بـ " المطيبين " وسمي بنو عبد الدار ومن آزرهم بـ " الأحلاف أو لعقة الدم " واستعد كل فريق لحرب الآخر ، ولكنهم أخيراً تداعوا إلى الصلح واتفقوا على أن يأخذ بنو مناف السقاية والرفادة والباقي يظل في أيدي بني عبد الدار . لقد أمعنت النظر في هذه القسمة ، وتساءلت : كيف يترك لـ " بني عبد الدار " وهم الأقل شرفاً والأخفض مكانة والأدنى منزلة ، الوظائف السياسية والعسكرية الهامة مثل : اللواء والندوة ويكتفي " بنو عبد مناف " بـ " الرفادة والسقاية " وهما عملان أصغر مرتبة ، ولا يدخلان في بابي السياسة والحرب ، وفيم إذن كان الشقاق الذي كاد أن يرتفع إلى حد امتشاق السيوف وإراقة الدماء ؟؟؟ توصلت إلى إجابة لعلها تكون صحيحة : بادئ ذي بدء ، المجتمع العربي في الجزيرة كان ولا يزال حتى الآن وإن بصورة أبهت ، يقدر الكرم ويعتبره فضيلة يعلي من شأن من يتحلى بها ويضعه في مكان أعلى ، والسقاية والرفادة وظيفتان لحمتاهما الجود وسداهما البذل والعطاء ومن ثم فإن القائم بهما تلهج بذكره والثناء عليه ركبان الحجيج و المعتمرين . هذه واحدة . أما الأخرى فهذان العملان يتصلان مباشرة بشعيرة الحج التي تقدسها العرب ، وتؤديها قبائل شبه الجزيرة العربية كافة ، بمقولة أنها من إرث إبراهيم وولده إسماعيل ، الجد الأعلى للعرب المستعربة ، حتى القبائل التي فشت فيها اليهودية والنصرانية يحدثنا الإخباريين أنها كانت تحج . الحج فريضة دينية ، والدين رافعة من أهم الروافع التي أولاها مؤسسو دولة قريش عناية فائقة ورعاية مكثفة وقد بدأ هذا الاتجاه " قصي " ، المؤسس الأول كما فصلنا القول فلما انتقلت الراية إلى هاشم ، سار على الدرب نفسها ، وتعمق على يد عبد المطلب وازداد ضوحاً ، بل أصبح " الدين " هو الفعالية الأولى ، لإنشاء دولة قريش على يد الحفيد محمد عليه السلام من هذا المنطلق كان رضاء هاشم قائد بني عبد مناف بـ " السقاية والرفادة " . أما اللواء فإن قريشاً قبيلة تجارة في المقام الأول ، وإن نبغ فيها أبطال حرب قبل الإسلام وبعده . أما الندوة فسوف نعرف فيما يلي أن هاشماً وضع يده عليها في هدوء ودون جلبة ، واتخذها مقراً للحكم كما كان يفعل جده " قصي " هذا بالإضافة إلى أن دار الندوة وإن كانت مملوكة لبني عبد الدار فهي مشاع لمشيخة قريش يجتمعون فيها ، بل أن بعض الباحثين يرى أنها كانت نادياً للعرب جميعهم . أما الحجابة فهي أشبه بالعمالة الإدارية ، حقيقة أن من يتولاها تكون في يده مفاتيح الكعبة ، كعبة مكة ، أقدس الكعبات في الجزيرة العربية آنذاك ، ولكن فتح الكعبة وغلقها مسألة ليست ذات خطر ، فالطواف حولها والدعاء عندها والذبح للأصنام والاستقسام بالأزلام بجوارها ، كل ذلك كان يتم سواء كانت مفتوحة أو مغلقة رضى حاجبها أم سخط فالحجابة إذن عمل شرفي لا فعالية له . هذا في رأينا اختيار " بني عبد مناف " وزعيمهم هاشم لتينك المأثرتين : الرفادة والسقاية ، وإطلاق أيدي " بني عبد الدار " فيما خلاهما . ***** ( كان هاشم موسراً ، إذا حضر الحج قام صبيحة هلال ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب قريشاً ويحض على رفادة الحاج التي سنها قصي ، فكانت بنو كعب بن لؤي وسائر قريش يجتهدون في ذلك ، ويترافدون ويخرجون ذلك من أموالهم حتى يأتوا به هاشماً ، فيضعه في داره وكان يأمر بحياض من أدم ، فتجعل في موضع زمزم قبل أن تحفر فيستقي فيها من البيار التي بمكة فيشرب الحج وكان يطعمهم بمكة قبل التروية بيوم ثم بمنى وجمع وعرفة ، يثرد لهم الخبز واللحم والجبن والسمن والسويق والتمر ، ويحمل لهم الماء فيطعمهم ويسقيهم حتى يصدروا أي يرجعوا ) . هكذا نرى هاشماً يهتم بأمر الحاج الوافد على مكة ، فيطعمه ويسقيه ويدفع القرشيين إلى المساهمة في دفع تكاليف الرفادة كل حسب طاقته ، وتبدأ هذه الضيافة في اليوم السابع من هلال ذي الحجة أي قبل يوم التروية وهو اليوم الثامن ويستمر ذلك حتى يصدر الحاج أي يعود إلى بلده ويتتبعه في أماكن تواجده : مكة ومنى وجمع عرفات وكان الطعام الذي يقدم إليه من أجود الأنواع أما الماء فكان يجلبه له من جميع بيار مكة ( لم تكن زمزم قد حفرت بعد ، إذ المعروف أن الذي حفرها هو عبد المطلب ) وحفر هاشم لهذا الغرض بيراً سميت بـ " بذر " وكان ( هاشم يخرج في كل سنة مالاً كثيراً ) . إن اهتمام هاشم بحجاج البيت الحرام فضلاً على دلالته سجية الكرم المتأصلة فيه ، وحثه القرشيين على المساهمة في الرفادة ، يقطع بوعيه التام ، بما في ذلك من إعلام للحجاج الذين يقصدون مكة من شتى نواحي شبه الجزيرة العربية ، أن في مكة حكومة تبسط سلطانها على المدينة المقدسة ، وأنها جديرة بحكم العرب الجزيرة كلهم ، والإحساس العميق بسيادته على مكة امتداداً للسلطان الذي أسسه جده قصي ، ولإشعار جميع من فيها بهذه الهيمنة وعندما حدثت فيما بعد مجاعة سافر إلى الشام ( غزة بفلسطين ) واشترى دقيقاً كثيراً فأمر به ، وعمل ثريداً هشم وأطعم المكيين ومن ثم سمي هاشماً إذ أن اسمه عمرو وقد سجل الشاعر هذه الواقعة في قصيدة منها : عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف (مسنتون إي أصابتهم سنة مجاعة ) ولا نريد أن نكرر ما سبق أن قلناه إن عناية هاشم بأمر الحجيج وتيسير شعيرة الحج لكل العرب الجزيرة العربية حتى الفقراء منهم بإمدادهم بالطعام الجيد والماء الوفير لهم طوال موسم الحج ، تأكيد من جانبه أن الدين ركيزة متينة من ركائز دولة قريش ، وهذا المنهج استنه كما ذكرنا في البحث الخاص بـ " قصي " ، قصى نفسه ، وقد سار على هذه الوتيرة من بعد هاشم ابنه عبد المطلب بل توسع فيها كما سيجيء في الكلام عليه ، ثم جاء من بعدهم الحفيد محمد ( ص ) فغدا على يديه " الدين " هو شعار دولة قريش التي أقامها في يثرب . ****** إذا كان قصي هو الذي أرسى حجر الأساس لـ " دولة قريش " فإن هاشماً هو الذي أوضح معالمها وأبرز قسماتها وظل دوره فعالاً حتى إنشائها على يد حفيده محمد عليه السلام ، ذلك أن هاشماً كان صاحب نظرة شمولية بمعنى أن نشاطه المتوثب والمتولد عن همة عالية امتد لأكثر من ناحية في تدعيم الدولة التي كانت في طور البروز فبدأ بـ " الاقتصاد " الذي هو عماد أي دولة فقد حول تجارة مكة من المحلية ( ذلك أن قريشاً كانوا قوماً تجاراً ، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة ، إنما يقدم الأعاجم بالسلع فيشترون منهم ويتبايعون فيما بينهم ، ويبيعون من حوله من العرب ، فلم يزالوا كذلك حتى ذهب هاشم إلى الشام ، وطلب من قيصر أماناً لقومه ليقدموا بلاده لتجاراتهم فأجابه لذلك ، وكتب لهم قيصر كتاب أمان لمن أتى بهم ، فأقبل هاشم بذلك الكتاب ، فكلما مر بحي من أحياء العرب أخذ من الأشراف إيلافاً لقومه ، يأمنون به عندهم وفي أرضهم من غير حلف ، إنما هو أمان الطريق واستوفى أخذ ذلك ممن بين مكة والشام ، فأتى قومه بأعظم شيء أتوا به بركة فخرجوا بتجارة عظيمة ) . ( وقال الرشاطي : كانت قريش تجارتهم لا تعدو مكة حتى نشأ هاشم بن عبد مناف ، وربل وعظم قدره ) . ثم يسوق الصالحي قصة ركوب هاشم إلى الشام ودخوله على قيصر فـ ( كلمه فأعجبه كلامه ، وأعجب به وجعل يرسل إليه ويدخل عليه ) وأخذ منه كتاب أمان لمن أتى منهم إلى البلاد ، وأخذ الإيلاف من أشراف القبائل ما بين مكة والشام فكان ذلك أعظم بركة ( ثم خرجوا أي القرشيون بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوزهم ويوفيهم إيلافهم الذي أخذلهم من العرب ، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام ) ، ولم يكتف هاشم بذلك بل دفع إخوته الثلاثة إلى أن يأخذوا أماناً ويعقدوا عقوداً مع سائر الملوك الذين كانوا على حوافي جزيرة العرب فـ ( خرج المطلب بن عبد مناف ) وهو يسمى الفيض لسماحته وفضله إلى اليمن ، فأخذ من ملكهم أماناً لمن تجر من قومه إلى بلادهم ، ثم أقبل يأخذ لهم الإيلاف ممن كانوا على طريقه من العرب ، وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة فأخذ منه أماناً كذلك لمن تجر من قربش إلى بلاده ، ثم أخذ الإيلاف من العرب الذين على الطريق وخرج نوفل ابن عبد مناف وكان أصغرهم إلى العراق أخذ عهداً من كسري لتجار قريش ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب ، فجبر الله قريشاً بهؤلاء النفر الأربعة من بني عبد مناف فنمت تجارتهم واتسعت تجارتهم ، فكان بنو مناف يسمون لذلك " المجيرين " أو " المجيزين " والعرب تسميهم ( أقداح النضار ) لطيب أحسابهم وكرم أفعالهم ) . بهذا تحولت مكة من قرية صغيرة من قرى القوافل يقنع أهلها بما تنقله القوافل التي تمر بها من بضائع يتجرون فيها مع جيرانهم في يثرب والطائف وأعراب البوادي والوافدين للحج والعمرة ، إلى مدينة كبيرة لها علاقات تجارية مع أكبر القوى الاقتصادية المحيطة بها ، وفي مقدمتها الدولتان العظيمتان في ذلك الزمان : فارس والروم . كذلك نمت ثروات سادات قريش وعظم مالهم ، الأمر الذي سارع في تفكيك البنية القبلية ، ونمى فيهم روح الملكية الخاصة والفردية ، بدلاً من الملكية المشاعية أو شبه المشاعية التي تتميز بها الحياة القبلية ، كل هذا ساعد على بذر بذور الحياة المدينية التي تحتم وجود حكومة تضبط أمورها ولم تعد سلطة شيخ القبيلة كافية ولا مناسبة للحياة الجديدة مما ساعد على قبول فكرة حكومة مركزية تهيمن على المدينة المقدسة ، التي غدت بذلك أو إلى جانب ذلك مدينة التجارة العالمية والثروات الواسعة ، التي لم يكن للعرب عهد بها قبل ذلك فضلاً عن أن ذلك أفرز أيضاً آثاراً جانبية مثل انقسام المجتمع الملكي إلى ملأ يملكون المال الوفير وإلى فقراء حتى من قريش ذاتها بعد نماء الثروات لذلك الحد، وكل هذا سوف يكون موضع دراسة موسعة إلى حد ما في الأبحاث القادمة . . والإيلاف الذي أخذه الأبناء الأربعة ـ علامة على عهود الأمان التي أعطاها لهم الملوك ـ كان له أثر كبير في حركة قوافل قريش داخل الجزيرة ، في الطريق من وإلى الشام والعراق واليمن والحبشة ، ذلك أن القبائل كانت تسترزق من نهب القوافل التي تمر بأرضها ، ولكن الإيلاف منعهم من ذلك ( فكان التجار قريش يختلفون إلى الأمصار بحبل هؤلاء الإخوة فلا يتعرض لهم ) وفي تفسير الإيلاف قال الخليل بن أحمد الفراهيدي : آلف يؤالف وقال الأزهري : الإيلاف شبه الإجارة بالخفارة ، وسواء كان هذا أم ذاك فإن الإيلاف ضرب من المال ، يدفع طواعية كهدايا أو منح لرؤساء القبائل التي تمر بحرمها القوافل التجارية القرشية ، ولكن يمتنع في الإيلاف عنصر الالتزام أو الإكراه لمكانة بني مناف الأربعة لدى أولئك الرؤساء ولأن العرب كانت تعظم القرشيين وتدعوهم " أهل الحرم " ويرى الإمام محمد بن يوسف أن ( الإيلاف أن يأمونا عندهم وفي طريقهم وأرضهم بغير حلف إنما هو أمان الطريق ) ، ويوافقه على ذلك الفيروز آبادي وذهب إلى أن الإيلاف الذي جاء في سورة قريش هو العهد وأن اللام في ( لإيلاف قريش ) للتعجب أي اعجبوا لإيلاف قريش ، وبعد أن ذكر الايلافات التي أخذها الاخوة الأربعة بنو عبد مناف أضاف ( وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار : الشام ، الحبشة ، اليمن ، فارس ، بحبال هذه الأخوة فلا يتعرض لهم وكأن أخ أخذ حبلاً من ملك ناحيه سفره أماناً له ) . ويؤكد الفيروز آبادي ذلك بقوله ( وتأويله أنهم كانوا سكان الحرم آمنين في امتيارهم وتنقلاتهم شتاء وصيف والناس يتخطفون من حولهم فإذا عرض لهم عارض قالوا : نحن أهل حرم الله فلا يتعرض لهم أحد ) . وعودتنا إلى ذكر الإيلاف مرة أخرى ، هو تبيان هدف آخر بخلاف الغرض الظاهر ، حماية قوافل قريش وتجاراتها ، ونعني به هو أن قريشاً بهذه الإيلافات قد غدت متميزة عن سائر العرب ، إذ أن القبائل كانت تستقضي جعلاً من كل من يمر بحماها أو أرضها ، حتى كسري نفسه عندما كان يبعث بتجارة داخل الجزيرة العربية كان يدفع جعلاً لكل قبيلة تمر هذه التجارة بأرضها برغم أنها كانت محروسة بـ " أساورة " كسرى ، أي جنوده الأشداء ، وعندما كان يتقاعس كسرى لأي سبب أو لآخر عن دفع " الجعالة " لأي قبيلة تمر بها قافلة ، كانت القبيلة تعتدي عليها ، وقد حدث أن قافلة لكسرى مرت بأرض قبيلة لم تدفع الجعالة المعهودة قام بنو تميم بنهبها ، وأسر جنود كسرى " الأساورة " بل أنهم أسروا ( هوذة بن علي ) وكان ملكاً على قبيلة بني حنيفة ولم يفكوا أسره إلا بعد أن دفع دية مضاعفة . إن نجاح هاشم بن عبد مناف وإخوته الثلاثة في عقد هذه الإيلافات التي ينتفي منها - كما قلنا - عنصر الإكراه والتي هي ليست أحلافاً ، ورضا رؤساء القبائل بها دليلاً لا يقبل الشك على علو مكانة هاشم وبني عبد مناف وارتفاع نجمهم في الجزيرة ، وشعور شيوخ القبائل بأن وضعاً جديداً يتبلور في مدينة القداسة " مكة " ، خاصة وأن هؤلاء الرؤساء لم يعطوا الإيلافات إلا بعد أن أطلعوا على كتب الأمان التي حررها ملوك فارس والروم واليمن ، ولابد أنهم تساءلوا في قرارة أنفسهم : هل يعطي الملوك مثل هذه الكتب إلا لمن بلغ شأوا بعيداً في السؤدد والسلطان ، واستن هاشم رحلتي الشتاء والصيف الأولى إلى اليمن والحبشة ، والأخرى إلى الشام وفلسطين وكلا من الإيلاف وهاتين الرحلتين ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة قريش وفي الشعر : سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصياف واهتم هاشم أيضاً بتوثيق العلاقات الدبلوماسية مع الممالك الواقعة على أطراف الجزيرة فكان ( يدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه ) .. ( وخرج أخوه عبد الشمس إلى النجاشي بالحبشة وخرج أخوهما نوفل إلى الأكاسرة بالعراق وخرج المطلب إلى حمير باليمن ) . هذه السفارات الدبلوماسية لملوك الأرض المعروفين آنذاك ، كانت موضع إعجاب وتقدير شديدين من العرب قاطبة ، فقال منهم عبد الله بن الزبعري وقيل بل هو أبوه : يأيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف الآخذون العهد من أفاقها والراحلون لرحلة الإيلاف والشعراء في ذلك الزمان كانوا هم أهل الثقافة ورجال الإعلام وألسنة القبائل . وذكر الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي رواية موجزها أن قيصر بعث إليه ليتزوج ابنته وسواء صحت هذه الرواية أم بطلت فالأمر الثابت أن هاشماً كان يفد على ملك أو إمبراطور الروم فيكرمه ويحبوه ، بل بلغ تقديره إياه أنه ( كتب إلى النجاشي أن يدخل قريشا في أرضه ) وقرأنا أخبار إرساله إخوته سفراء لباقي الملوك . والذي يفعل ذلك مع الملوك الذين يقابلونه بالتكريم ، لابد أنه قد بلغ مرتبة حاكم المدينة المقدسة ، لا مجرد شيخ قبيلة من عشرات القبائل التي تعج بها الجزيرة العربية ، وهذه الحقيقة بلغت أولئك الملوك عن طريق جواسيسهم في مكة الذين كانوا يتزينون بزي التجار . ولقد قيم حبر الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ، جده هاشماً تقييماً صحيحاً أوضح دوره في بناء دولة قريش فقال : ( روى البلاذري عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : والله لقد علمت قريش أن أول من أخذ لها الإيلاف وأجاز العيرات لهاشم والله ما أخذت قريش حبلاً لسفر ، ولا أناخت بعيراً لحضر إلا بهاشم ) . ******* وثق هاشم أيضا صلاته الداخلية ، بأن أصهر إلى العديد من القبائل الكبيرة المشهورة ، فتزوج سلمى بنت عمر بن زيد سيد بني عدي بن النجار من الخزرج بـ " يثرب " ، وكانت امرأة حازمة جلدة مع جمال ، رآها تتاجر بنفسها في سوق النبط فأعجبته وكانت تتأبى على الخطاب بعد طلاقها من زوجها الأول ولكن لما علمت أنه سيد مكة زوجته نفسها ) . كذلك تزوج هند بنت عمر من بني الخزرج ، وهكذا ارتبطت قريش بأهل يثرب برباط متين وسوف تزداد هذه الرابطة شدة على يد عبد المطلب ، أما علاقة محمد(عليه السلام) بـ " اليثاربة " فمعروفة هذا يدعونا إلى القول بأن نشوء دولة قريش في تلك المدينة لم يكن مصادفة تاريخية بحت ، وهذه مسألة جديرة بالبحث والتمحيص من قبل علماء التاريخ الإسلامي المحدثين الذين مازال أغلبهم يمر على هذه المسائل الحساسة مروراً عابراً مكتفياً بالتعليلات الغيبية التي ذكرها مؤرخو الإسلام القدامى مثل قولهم : ( لما أراد الله بالخزرج والأوس الكرامة قيض لهم مقابلة محمد بمنى في موسم حج فعرض عليهم الإسلام فآمنوا … ) هكذا دون بحث الأسباب الموضوعية الكامنة وراء استجابتهم السريعة لدعوة محمد عليه السلام ، مثل مجاورتهم لليهود وسماعهم منهم نظرية ( النبي المنتظر ) وكوجود علاقات قديمة تمتد لعشرات السنين بين قريش وأهل يثرب . ألم يفكر هؤلاء المؤرخون المحدثون في المقارنة بين سبب رفض ثقيف التي تقطن الطائف وهي أقرب إلى مكة من يثرب للإسلام ومحاربتها إياه بشراسة حتى إنهم قتلوا أحد زعمائهم وهو " عروة بن مسعود " عندما دعاهم إليه ، وقبلها صمدوا لجيش الرسول محمد عليه السلام ولحصاره قريتهم حتى عاد أدراجه إلى المدينة انتظاراً لفرصة أخرى ، وبين قبول الأوس والخزرج لديانة الإسلام بسهولة ويسر يلفتان النظر ؟؟ إن القول بأن ذلك مرجعه لتمسك ثقيف بمعبوديهم " الطاغية " غير كاف لأن الأوس والخزرج لم يكونوا أضعف إيماناً بأربابهم أو آلهتهم من أهل الطائف . إذن لابد من تقصي الأسباب الموضوعية التي غفل أو تغافل عنها المؤرخين ، وهو ما يعزز الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بموضوعية وعقلانية والنأى عن عهد التعليلات التي تعتمد على الغيبيات والماورائيات والأساطير . بعد هذه الاستطرادات نعود إلى هاشم ودأبه على تمتين علاقاته في الداخل بالأصهار إلى أمهات القبائل في جزيرة العرب : فقد تزوج أيضاً : أم قيلة فهي " الجزور " بنت عامر من خزاعة ، أميمة بنت عدي من قضاعة ، وواقدة " أم عبد الله " بنت عدي من صعصعة وعدي بنت حبيب من ثقيف ، وصار الإصهار إلى كبريات القبائل من بعد هاشم سنة أتبعها خلفاؤه من بناة " دولة قريش " مثل ابنه عبد المطلب وحفيده محمد ( ص ) الذي تحقق على يده الحلم وتحول إلى واقع وبرزت إلى الوجود دولة قريش في يثرب . ***** وكان من رأي هاشم أن العدالة الاجتماعية مطلب ملح لإقامة دولة قريش لذا حرصه عليها وعلى تحقيقها على أرض الواقع شديداً ، فقد رأينا حثه قريشاً على الإسهام في تكاليف الرفادة التي يستفيد منها بالدرجة الأولى فقراء العرب من الحجاج . ولم يكن حرص هاشم على تكريس العدالة الاجتماعية ففي موسم الحج فحسب بل في داخل مكة وبصفة مستمرة لا موسمية . يقول الإخباريين أنه كانت توجد بين العرب عامة وقريش خاصة عادة تسمى الاحتفاد ( أن أهل البيت منهم كانوا إذا سافت يعني هلكت أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا ، خوفاً من أن يعلم بخلتهم أي فقرهم ) فأبطل هاشم هذا التقليد الخبيث وقال لقريش ( رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً بعدد عياله ) وفي نظر الإمام القرطبي : " أن تلك العادة كانت تسمى " الاعتفار " وتفسير هذه الكلمة عنده : ( أنه إذا أصابت واحداً منهم مجاعة جرى هو وعياله إلى موضع معروف فضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا اتقاء لمرة التسول ومد اليد إلى الغير وأنفة من طلب الإحسان من القريب أو الغريب وهو تفسير الصالحي عينه . وحدث أن أسرة من بني مخزوم شرعت في الاعتفار فبلغ ذلك هاشما ففزع أشد ما يكون الفزع ( فقام خطيباً في قريش وكانوا يطبعون أمره فقال : أنكم أحدثتم حدثاً تقلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعز العرب وأنتم أهل حرم الله جل وعلا وأشرف ولد آدم والناس بكم ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم فقالوا نحن لك تبع فقال ابتدئوا بهذا الرجل ـ يعني الذي اعتفر ـ فأغنوه عن الاعتفار ففعلوا ) ونخرج من هذه الخطبة بالحقائق الآتية : أ ـ أن قريشاً كانت تطيع أمره وما ذلك إلا لأنه كان سيدهم وحاكم مكة . ب ـ اعتقاد هاشم الجازم بأن قريشاً أهل حرم الله جل وعلا وأشرف ولد آدم والناس تبع لهم وظل هذا الاعتقاد راسخاً في نفوس القرشيين . ج ـ خشية هاشم من أن الاعتفار أو الاحتفاد سوف ينقص عدد قريش ويذلهم . وسبق أن أوردنا أن هاشماً عندما ضربت قريشاً مجاعة في إحدى السنوات أحضر دقيقاً من الشام (فلسطين) وجعله ثريداً وهشمه وأطعم من أضير من المكيين من المجاعة . لقد شجب الاحتفاد أو الاعتفار قولاً وعملاً وأنقذ فقراء قريش لله من الموت جوعاً لشعوره بالمسئولية كحاكم لمكة ، ولاعتقاده أن الظلم الاجتماعي يقوض أركان الدولة التي كان يسعى لتدعيمها بعد أن وضع أساس بنيانها جده " قصي " . كذلك كان هاشم إذا بلغه خبر عن وقوع خلاف بين قبيلتين يؤذن بشر مستطير ، عمل جاهداً ولعل أشهر واقعة في هذا الصدد تلك التي خطب فيها خطبته المعروفة بـ ( الحكيمة ) والتي ملخصها أنه ( لما وقع بين عذرة وخزاعة هنة في سبب غلام لإمرأة من خزاعة يحطب لها ويعود بكسبه عليها ، فأصابه رجل من بني عذرة فقتله فحملت عذرة قيمته إلى خزاعة فأبوا أن يقبلوها وقالوا : لا يكون ذلك حتى نقتل غلام عمرة بنت قبيضة من سليك ، فتفاقم الأمر بينهم حتى تداعوا بالأحلاف ، فخشي هاشم ابن عبد مناف فساد الحرم وأن تنتهك حرمته فدعا بمنبره المركن ووعد الناس بئر بني قصي بن كلاب الحرد التي بملتقى الرفاق ، فلما اجتمع الناس قام فيهم خطيباً فخطب خطبته التي تسمى ( الحكيمة ) اختص فيها بني نزار دون قحطان ، ومضر دون ربيعة وقريشاً دون سائر القبائل فقال : معاشر الناس نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل وولد النضر بن كنانة وبنو قصي بن كلاب وأرباب مكة وسلطان الحرم ، لنا ذروة الشرف ولباب الحسب ومعدن وغاية العز . ونحن جبال الأرض ودعائم الحق وسادات الأمم ) . ودعا الفريقين إلى تحكيم العقل ونبذ الحرب ورأب الشعب وجمع الفرقة ( ثم سكت فقال بنو عذرة وبنو خزاعة : قد رضينا بحكمك يا أبا نضلة وانصرف القوم عن صلح ) من هذه الخطبة أيضاً نخرج بالحقائق التالية : أ ـ أن هاشماً عندما جمع القبيلتين المتنازعتين بني عذرة وخزاعة لفض خلافهما كان دافعه لذلك ( خشية فساد الحرم وانتهاك حرمته ) أي زعزعة استقرار الدولة التي يسهر على شئونها . ب ـ أنهم استجابوا لدعوته فوراً وهذا لمقامه كسيد لمكة وحاكم للبلد الحرام . ج ـ كان له ( منبر مركن ) شأن الملوك . د ـ أنهم رضوا بحكمه دون تردد . هـ وصف قريشاً بأوصاف لا تدع مجالاً لأدنى شك بإيمانه بأنها سيدة العرب ومالكة أمرهم عبارات بالغة الدلالة ، ناطقة بذاتها ليست في حاجة إلى تفسير وغنية عن أي تأويل ، ولقد ورث أبناؤه وأحفاده هذا الإيمان وغدا في نفوسهم عقيدة راسخة رسوخ الجبال أن قريشاً لم تعد قبيلة كسائر قبائل شبه الجزيرة العربية بل هي دولة حاكمة على أقدس مدينة ، وحائزة على شرف الهيمنة على أقدس كعبة فيها وأنها بصدد التحول إلى دولة مركزية سوف تسيطر على بلاد العرب من أدناها إلى أقصاها . و ـ أن من حضر من القبائل وسمع تلك الخطبة ( الحكيمة ) لم يجرؤ على أن يعارض كلمة واحدة منها ، لأنهم يوقنون في مستقر نفوسهم أن ما صرح به هاشم حق لا مرية فيه وأن " قريش الدولة " غدت واقعاً ملموساً وأنها اليوم تمسك بيديها زمام الأمور في مكة ، وفي الغد القريب سوف تسيطر على الجزيرة العربية كلها . **** هذه لمحات سريعة عن الجهود التي بذلها هاشم في رفع بنيان دولة قريش وسوف يواصل تعليته من بعده ابنه عبد المطلب حتى يكتمل على يد حفيده محمد عليه السلام . ثانيا : عبد المطلب الدين يظاهر الدولة نحن أمام شخصية باهرة استطاعت أن تستوعب الأفكار أو النظريات السياسية التي كانت سائدة في زمانها وكيف أن السياسة اختلطت بالدين ، أو بمعنى أصح خلطته بها ، لتثبيت أركانها ، وهو ما قام به حكام الأمبراطورية الرومانية الشرقية على وجه الخصوص ( فقد كان قسطنطين " 306 /337م " يعتبر نفسه مبعوث العناية الإلهية ) وكان ذلك ( بداية النموذج البيزنطي الذي يجمع فيه الإمبراطور حقا بين القيصر والبابا ، وما أن أهل القرن السادس حتى كان الإمبراطور يوجه السياسة الكنيسة وفقا لهذه النظرية القيصرية البابوية القائلة بأن الإمبراطور هو نائب الله على الأرض ) إذن في القرن السادس الميلادي بلغت نظرية خلط السياسة والحكم بالدين ذروتها وغدا الإمبراطور نائب الله على الأرض ) . عبد المطلب عاش في القرن السادس الميلادي إذ أنه توفى ( بمكة سنة 578 م بعد عام الفيل فـبثماني سنين وله عشر ومائة سنة ) ويرى البعض أنه عاش مائة وثمانية عاماً وهنا يثور سؤال ما هي صلة أهل مكة وعبد المطلب بالإمبراطورية الشرقية الرومانية ( البيزنطية ) حتى تصل إلى أفكارها ونظرياتها في الحكم والسياسة وخلطهما بالدين أو خلط الدين بهما ؟ نجيب عن هذا السؤال بالآتي : أ ـ ذكرنا فيما سلف أن هاشماً أبا عبد المطلب كان على صلة طيبة بـ " قيصر الروم " يدخل إليه فيكرمه ويحبوه . ب ـ كانت قوافل قريش التجارية دائمة التردد على الشام " خاصة في رحلة الصيف " والشام إحدى ممالك الإمبراطورية الرومانية الشرقية بل أن بعضها كان يصل إلى أنقرة ، وعبد المطلب رجل من قريش وأحد أثريائها وفيما بعد أصبح سيد مكة والتجار الذين كانوا يسافرون إلى هناك لا يغمضون عيونهم ، ولا يغلقون آذانهم ولا يسدون أذهانهم ولا يعطلون عقولهم خاصة أن القرشيين بشهادة القرآن الكريم كانوا أهل ذكاء وفطنة وكانوا أيضاً على درجة متميزة من الحضارة بالقياس إلى غيرهم من العرب دعك من الأعراب. ج ـ إن علاقات قريش بالشام وقياصرة الروم استمرت حتى بعد ظهور النبي محمد ( ص ) وحكاية وفود أبي سفيان بن حرب بن أمية ورجال من قريش على " هرقل " الروم وسؤاله إياهم عن محمد ونسبه وأتباعه ومعاركه الحربية .. إلخ مسطورة في أمهات دواوين السنة وكبريات السيرة النبوية ( عن ابن عباس رصي الله عنهما أن أبا سفيان أخبره : أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله ( ص ) ماد فيها أن أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بايلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان ، فقال : أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان أنا أقربهم نسباً ..إلخ ) د ـ كان بمكة تجار من الروم وكان بعضهم يتخذ من التجارة ستاراً يغطي به مهمته الأساسية وهي التجسس لحساب قيصر أو هرقل ، وهؤلاء من المحتم أن صلات ربطتهم بتجار مكة وكبرائها وأثريائها ، مما يستدعي الحوار فيما بينهم وتبادل الآراء والأفكار والحديث في الشئون العامة ، وهكذا من المنطقي أن يكون عبد المطلب وغيره من زعماء قريش قد أطلعوا على ما يجري لدى الروم من أحوال السياسة والاقتصاد والدين . ويلتقط عبد المطلب فكرة إلباس الدولة ثوب الدين لتدعيمها نحن لا نزعم أن عبد المطلب أخذ النظرية البيزنطية بحذافيرها ولكنه استخلص منها جوهرها وهو فاعلية الدين في ترسيخ الحكم إذا رفع شعاره ، وتثبيت أعمدة الدولة إذا تسربلت بردائه . إن الادعاء بعزلة مكة عما حولها وتقوقعها على ذاتها ، إدعاء فاسد يذهب إليه البعض حتى يثبت أن الإسلام نزل في بيئة مغلقة بعيدة عن الفكر وجاهلة وأمية ، ظناً منه أنه بذلك يخدم الإسلام في حين أنه يضره ويضيره . وتفنيد هذا الادعاء وبيان فساده والكشف عن بطلانه تولاه باحثون جادون لا تحكمهم العاطفة الفجة ( فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة منعزلة تعيش في الصحراء ولا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي وهم يبنون على هذه قضايا ونظريات ) ، ثم يشجب العميد د . طه حسين وجهة النظر هذه بشدة ويقول ( كلا القرآن يحدثنا بشيء غير هذا ، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال قوي بمن حولهم بل كانوا على اتصال قوي ) . فإذا ثبت أهل مكة كانوا على اتصال بغيرهم من الأمم أو من حولهم منها فإن انتقال الأفكار أمر طبيعي لا يماري فيه أحد وعبد المطلب في الذؤابة العليا من أهل مكة ( قريش ) إذن هو لابد أن يكون على علم بما كان يجري من أمور في الإمبراطورية الرومانية الشرقية ( البيزنطية ) ويعرف كيف كانت تحكم وماذا كان يدعيه حكامها وسمع عن نظرية القيصرية البابوية وأن الإمبراطور أو قيصر أو هرقل كان يعلن على الملأ أنه نائب الله على الأرض ، فأدرك وهو صفوة قريش لماحية بل وألمعية مدى الدين في تدعيم الدولة ، وتوثيق أركانها وترسيخ قوائمها ، فأعجبه ذلك أيما إعجاب فطبقه بطريقة فذة واقتدار بالغ بكيفية تتوافق مه موجبات بيئية ومقتضيات مجتمعه وكان موفقاً في ذلك غاية التوفيق إذ أثبت التاريخ فيما بعد أن الدين كان له أثر لا يباريه فيه أي عنصر آخر في نجاح دولة قريش التي استمرت بعد عبد المطلب ما يناهز تسعة قرون . استوعب عبد المطلب الدرس جيداً واستثمر الدين بكل وظائفه : الرؤى والأحلام والرموز والنبوءات ( سوف يجيء الكلام على كل واحد منها على حدة ) وهي الأدوات عينها التي يستعملها الدين لإيقاع الهيبة ، ولغرس القداسة في النفوس جمع بين الدين والحكم ، فكان يلقب بـ " سادن الكعبة " و " سيد الطحان " في الوقت نفسه تماماً مثل القيصر البابا ، أما الذي أخبرنا أن عبد المطلب ( كان سادن الكعبة ) فهو شيخ الإسلام فضيلة الإمام الأكبر د . عبد الحليم محمود عندما عرب كتاب " محمد رسول الله" الذي ألفه أتبين دينيه / سليمان إبراهيم ، وأضاف ( كما كان عبد المطلب أميراً من أمراء قريش التي هي من أنبل قبائل العرب ) أي أن عبد المطلب كان يجمع بين القداسة الدينية والإمارة الدنيوية ، وأكد الإخباريون القدامى أنه ( كان يتأله ويعظم الفجور .. وكان سيد قريش حتى هلك ) هنا نجد أن ابن سعد وهو من أقدم وأوثق المؤرخين يجزم بأن عبد المطلب كان يجمع بين التأله والسيادة ( والتأله هو التنسك والتعبد ) وفي الخطبة التي ألقاها عبد المطلب بين يدي سيف بن ذي يزيد عندما ذهب على رأس وفد قريش يهنئه على ظفره بالحبشة ذكر ( عبد المطلب ) أنه واحد من سدنه البيت الحرام الذي بمكة أي الكعبة ) وبلغ من تألهه في رواية ابن سعد أن الكنز الذهبي الذي وجده عند حفر زمزم أمر به فضرب صفائح في وجه الكعبة وجعل قفل بابها ومفتاحه من الذهب ، ومعلوم أن كعبة مكة هي أقدس الأقداس عند العرب حتى اليوم و( كانت جرهم حين أحسوا بالخروج من مكة دفنوا الغزالين وسبعة أسياف قلعية وخمسة أدراع سوابغ فاستخرجها عبد المطلب .. فضرب الغزالين صفائح في وجه الكعبة وكانا من ذهب وعلق الأسياف على البابين يريد أن يحرز به خزانة الكعبة وجعل المفتاح والقفل من ذهب ) ، وأطبق عليه د . سيد محمود القمني ( أستاذ الحنفية وزعيمها ) ، وفي حقه يقول الأستاذ عباس محمود العقاد ( كان عبد المطلب متديناً صادق التدين مؤمناً بمحارم دينه في الجاهلية لأن ثقة الإيمان طبيعة في وجدانه وهو أول من حلى الكعبة بالذهب من ماله ) . إن مظاهر تأله عبد المطلب متعددة : أ ـ الاعتكاف في غار حراء للتحنث في شهر رمضان والإكثار من عمل البر وإطعام المساكين طواله ) ويؤكد د . جواد علي على أن المتحنفين ( ذكرنا أن عبد المطلب كان منهم أو زعيمهم برأي د . سيد القمني ) دأبوا على الاعتكاف في المواضع البعيدة عن الناس وأنهم كانوا ( يتحنثون فيها ويتأملون الكون يتلمسون الصدق والحق والتحنث والتعبد ، فكانوا يتعبدون في تلك المواضع الهادئة الساكنة مثل غار حراء وقد ذكر أن الرسول كان ينحنث فيه الليالي يقضيها في الغار ) . ب ـ وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية . جـ وكان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيئات الأمور . د ـ وكان يؤمن بالدار الآخرة ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام ووحد الله سبحانه وتعالى هـ تؤثر عنه سنن جاء القرآن الكريم بأكثرها وجاءت بها السنة منها : 1ـ الوفاء بالنذر 2ـ المنع من نكاح المحارم 3ـ قطع يد السارق 4ـ منع قتل الموءودة 5 ـ تحريم الزنا 6 ـ ألا يطوف بالبيت عريان هذه لمحة سريعة عن القسمات الشخصية لعبد المطلب من " الجانب الديني " يبين فيها أنه أدرك - حتى ينجح في مسعاه في دمج ضفيرة الدين في نسيج الدولة - أنه يتعين عليه أن يبدأ بنفسه حتى تكون هناك مصداقية لدعواه ، ونأمل ألا يفهم من هذا أن تلك السمات كانت مستعارة أو مصطنعة حاشا وكلا ، فهو كما يبين مما قرأناه عنه في المصادر كافة التي أتيحت لنا أنه كان " متألهاً " بحق وعقيدة ولكن كان يعلم وهو الرجل المحنك صاحب التجارب العميقة ، ضرورة ضرب المثل بالنفس بداية وأهمية القدوة عند دعوة الناس إلى أية وعقيدة فهنا تلازمت أو تزامنت طبيعته المتألهة مع نهجه في مزج الدين بالدولة وضرورة ذلك حتى تكتسب الدولة القداسة التي إذا انغرست في نفوس المحكومين أثمرت طاعة كاملة وانقياداً تاماً ، وساهمت القداسة في نشر سلطان الدولة لا على مكة وحدها بل على الجزيرة العربية كلها . وأثبتت الوقائع أنه كان حصيفاً بعيد النظر إذ ساعد الدين على استمرار دولة قريش قروناً عديدة ولا يهم تغيير نوعية الدين فهذا مبحث يند عن موضوع كتابنا ولكن المهم هو جوهر الفكرة ولبابها حتى لو قيل إن الفكرة استعارها عبد المطلب من حكام بيزنطة في القرن السادس الميلادي كما أسلفنا يبقى له الفضل في تعريبها أي تطبيقها بكفاءة نادرة على المجتمع العربي وهو فضل كبير ظلت قريش لآماد طويلة تعترف له به ، وتقدره من أجله أعظم تقدير. ***** استخدم عبد المطلب أدوات الدين التي ذكرناها آنفاً لتأكيد مكانة قريش عامة لدى جميع العرب ولأهل مكة خاصة فبدأ عبد المطلب بالرؤى والهواتف التي تجيئه في منامه ( قال عبد المطلب : إني نائم في " الحجر " إذا أتاني آت فقال : احفر طيبة ، قال : قلت ، ما طيبة ، قال : ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال : احفر برة قال فقلت : وما برة قال ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال : احفر زمزم قال : قلت وما زمزم قال : لا تنزف أبداً ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل ) ، ولكن لماذا اقترن حفر بئر زمزم بحلم يراه عبد المطلب في منامه ؟ ولماذا أصر على أن الأمر بالحفر جاء عن طريق هاتف أو بتغييره آت أتاه في المنام يتكلم أو ينطق بـ " سجع الكهان " المليء بالرموز والألغاز والإشارات ؟! في حين أن غيره كثير من قريش حفروا آباراً منهم أبوه هاشم ولم يقرنوا فعلهم بهاتف أو آت في منامهم ؟ إن عبد المطلب كان من جانب رجلاً متألهاً ومن ناحية أخرى تلعب الأحلام دوراً بارزاً في المجال الديني والقرآن الكريم فيه العديد من القصص عن أحلام رآها أنبياء مباركون مثل إبراهيم ويوسف وهي نفسها وردت مع غيرها في التوراة كتاب اليهود المقدس واليهود جيران الخزرج في يثرب التي قضى عبد المطلب فيها صباه ولابد أنه سمعها هناك مع أخواله من بني النجار ، ومن ناحية فإن الرؤى والأحلام تضفي قدراً وفيراً من القداسة على الموضوعات المتعلقة بها ، إذا حايثتها ملابسات ورموز لها قداستها مثل ما حدث في حلم حفر زمزم مع عبد المطلب ، الذي تلقى الحلم وهو نائم في الحجر ( حجر إسماعيل ) والهاتف الذي أتاه تحدث بلغة الكهان : الكلام المسجوع والألغاز والرموز والإشارات ، وهذا ما يؤكده علماء الاجتماع . ( أما الأحلام المعبرة عن النمط الثقافي السائد فهي بحق الأحلام التي توضح بشكل أكثر مباشرة تأثير الثقافة على الأحلام ، فهذا النوع من الأحلام تحدد الثقافة ملامحه وتكافئ صاحبه عليه ، وهو يضم في الغالب بعض الكائنات فوق الطيعة وتعتبر لذلك (رؤى ) وليست أحلاماً. أما العناصر التي تتعلق بالأحلام فهي : أ ـ تظهر الكائنات فوق الطبيعة في الأحلام لتمد الأفراد بالقوى المختلفة وبالمساعدة وبالطقوس وبالمعلومات … ب ـ وهناك يعض الطقوس التي يتعين على الإنسان أن يؤديها إذا رأى أحلاماً معينة مثل تقديم أضحية أو الابتعاد من الناس ) ، فحلم عبد المطلب أو رؤياه يعتبر من الأحلام المعبرة عن النمط الثقافي السائد وهي الثقافة التي تلقاه في صباه في يثرب عندما كان يعيش مع أمه سلمى وأخواله من بني النجار والتي انتقلت إليه وإليهم من أثر احتكاكهم باليهود وفي الرؤيا أتاه " آت " وهو من الكائنات فوق الطبيعية وهو الذي أمده بالمعلومات التي حددت له موضع حفر " زمزم " وسوف نرى أنه في حلم آخر جاءه هذا الآتي ودله على الأضحية التي يجب عليه تقديمها شكراً لله وهي ذبح أحد أبنائه الذكور بعد أن بلغوا عشرة . وينقل إلينا الإخباريون حلماً آخر رآه عبد المطلب في منامه أيضاً في " الحجر " ولكنه في هذه المرة يتعلق مستقبل " دولة قريش " وكيف أن واحداً من شبابها يخرج من صلبه وهو الذي سوف يقوم بأمرها ويتولى شئونها حتى يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس ( قال عبد المطلب : بينما أنا نائم في " الحجر " رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعاً شديداً فأتيت كاهنة قريش وعلى مطرف خز على منكبي فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغير وأنا يومئذ " سيد قومي " فقالت : ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون هل رابه من حدثان الدهر شيء ؟ فقلت لها : بلى وكان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى ثم يضع يدها على أم رأسه ثم يبدو بحاجته ولم أفعل لأني كنت " كبير قومي " فجلست فقلت : إني رأيت الليلة وأنا نائم كأن شجرة نبتت وقد نال رأسها السماء فضرب بأغصانها المشرق والمغرب وما رأيت نوراً أزهر منها ، أعظم من نور الشمس بتسعين ضعفاً ، ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة بروقاً ، ورأيت رهطاً من قريش قد تعلقوا بأغصانها ورأيت قوماً من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجهاً ولا أطيب منه ريحاً فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها قسماً فقال لي : لا نصيب لك منها فقلت : ومن له نصيب ؟ فقال : النصيب لها وللذين تعلقوا بها وسبقوك إليها ، فانتبهت فزعاً مرعوباً . فرأيت وجه الكاهنة قد تغير ثم قالت : لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس ) . في هذه الواقعة التي رواها لنا الإمام الجوزي نرى أن عبد المطلب استخدم الرؤيا لتأكيد هدفه ، وللإيحاء بأن دولة قريش رسالة علوية لابد من تحقيقها على أرض الواقع ووظفت الكاهنة التي يعظمها أهل مكة ( لا يملكها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى ) والتي هي في نظرهم شخصية مباركة كما أن لها في نظرهم صلة وثيقة بالقوى العلوية وتوظيف الكاهنة هنا من قبل عبد المطلب هو لتوثيق الهدف بخروجه من ضمن من له اتصال بالعوالم الغيبية التي يتقبل الناس كلامها بالتسليم المطلق ، لأنه نوع من الإلهام السماوي ( فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفوهم بالحق " من إدراك غيبهم " ) فلما تقول كاهنة قريش لسيد قريش عبد المطلب ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس " يصير هذا القول حقيقة مؤكدة لأنها لم تقل ذلك من تلقاء نفسها ولكن عن إلهام أتاها من قوى علوية هي على اتصال بها وأن هذا " من إدراك الغيب " على حد التعبير عبد الرحمن بن خلدون يصبح التشكيك فيه نوعاً من التجديف والإلحاد ويتولى عبد المطلب وبنو عبد مناف إذاعة هذه النبوءة بين الناس حتى تؤتي ثمارها . ***** سبق أن ذكرنا أن هاشماً أبا عبد المطلب تزوج سلمى إبنة أحد سادات بني نجار من الخزرج في يثرب فولدت له هناك عبد المطلب وظل فيها حتى ناهز البلوغ إلى أن حضر عمه عبد المطلب وأخذه إلى مكة ، واليهود في ذلك كانوا يعيشون في يثرب ويختلطون بأهلها من الأوس والخزرج الذين لابد أنهم سمعوا منهم العديد عن ديانتهم التوحيدية وعن قصصهم التي تحفل بها التوراة كتابهم الأقدس ، وبداهة أن عبد المطلب سمعها معهم أثناء مقامه بين ظهرانيهم وترسب بعضها في ذهنه مثل " المسطورة " التي تحكي عن شروع النبي إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه إسحق عند اليهود " ثم افتدى بكبش ( فناداه ملاك الرب من السماء وقال : إبراهيم إبراهيم ، فقال : هأنذا ، فقال لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً ، لأني علمت الآن أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني ، فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه ، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه ) واستيعاب عبد المطلب لهذه ( المسطورة ) على وجه التحديد مرجعه أنها تتعلق بـ إبراهيم عليه السلام جد العرب المستعربة فهو أبو إسماعيل أبوهم وظلت مختمرة في ذهنه وتعيش في وجدانه حتى بعد أن كبر وغدا ( سيد البطحاء ) فنراه يعيد تشخيصها سواء عن وعي أو عن طريق اللا شعور فهو ينذر لله ذبح أحد أولاده الذكور إذا تكامل عددهم إلى عشرة رجال ، ولكنه فيما يبدو شغلته المشاغل الرئاسية عن الوفاء بهذا النذر الذي لم يسبق إليه أحد من العرب كما قال له " ملأ قريش " هو الذي يؤكد ما نذهب إليه أن ذلك النذر كان من تأثير تلك ( المسطورة ) عليه إذ لو أن هذا النذر كان معروفاً أو شائعاً لدى العرب أو حتى عند قريش لقلنا أن عبد المطلب كان يتأسى فيه بمن سبقوه ، فلما أبطأ في وفاء ما نذره لله ( نام ليلة عند الكعبة فرأى في المنام قائلاً يقول : يا عبد المطلب أوف بنذرك لرب هذا البيت فاستيقظ فزعاً وأمر بذبح كبش وأطعم الفقراء والمساكين ثم نام فرأى قائلاً يقول : هو أكبر من ذلك فانتبه ، وقرب جملاً وأطعمه المساكين ثم نام ، فنودي : أن قرب ما هو أكبر من ذلك فقال : وما هو أكبر من ذلك ؟ فقيل له : أحد أولادك الذي نذرته فاغتم غماً شديداً ) ولكنه لا يجد مفراً من تنفيذ أوامر " الهاتف " أو " الآتي " ويهم بذبح أصغر أبنائه وأحبهم إليه وتنتهي الحكاية بفداء الابن ، لا بكبش واحد كما افتدى اسحق عند اليهود وإسماعيل عند المسلمين ولكن بمائة من الإبل ، ونجحت هذه الواقعة في تحقيق الهدف الذي تغياه منها عبد المطلب ، إذ منذ حدوثها صارت تتم المقارنة بين إبراهيم عليه السلام وعبد المطلب وإسحق أو إسماعيل عليهما السلام وابن عبد المطلب الذي قدمه للنحر وأصبح يقال لإسماعيل ولابن عبد المطلب ( الذبيحان ) والذي يلفت النظر أن عبد المطلب عندما أراد أن يوفي بنذره لله تعالى لم يقم بذلك سراً في داره أو في أحد جبال مكة بعيداً عن الأعين ولكنه فعل ذلك في فناء الكعبة وعلى مرأى ومسمع من ملأ قريش الذي سارع فحال بين عبد المطلب وبين ما كان يريد - قد يقال رداً على هذا التساؤل إن عبد المطلب وبين ما كان يريد - قد يقال رداً على هذا التساؤل إن عبد المطلب أراد ذبح الابن عند قدمي ( إساف ونائلة ) وهما صنمان لقريش كانا في فناء الكعبة كما ورد في بعض كتب السيرة ، ولكن هذا مردود عليه بالآتي : أن النذر كان لله لا لـ ( إساف ونائلة ) إن عبد المطلب كان من المتحنفين بشهادة عدد من المؤرخين القدامى " والباحثين المحدثين " والمتحنفون هم الموحدون في المقام الأول وعلى ( ملة إبراهيم ) ونبذوا الأصنام وسفهوا الذبح لها ذبح الأنعام " الحيوانات " لاذبح إنسان . أغلب الظن أن عبد المطلب اختار مكان الذبح وهو نادى قريش عن عمد لأنه كان موقناً أنهم سوف يمنعونه ، والذي جاء بـ " الكبش " في " مسطورة " إبراهيم عليه السلام هو ملاك الرب جبريل عليه السلام قيل أنه حضره من الجنة ، أما الذي أفتى بذبح مائة من الإبل فداء لابن عبد المطلب فهي عرافة الحجاز المقيمة بـ يثرب حيث قضى عبد المطلب صباه أو خيبر واسمها قطبة أو سجاح . ونلاحظ أن الرؤى لا تأتي لعبد المطلب إلا وهو نائم في أماكن تتسم بالقداسة فحلم عبد المطلب بـ حفر زمزم أتاه الآتي وهو نائم في الحجر أي حجر إسماعيل كذلك رؤيا الشجرة المباركة أما رؤيا ذبح الابن فقد وردت عليه وهو نائم عند الكعبة وهذا أمر له أدلة لأن الرؤى في هذه الأماكن المقدسة تستمد منها بالضرورة القداسة . ( فالاعتقاد بأن الآلهة كانت تتجلى للبشر وتعلنهم بإرادتها في الأحلام اعتقاد شائع في الأزمنة القديمة - ولهذا كان الناس يذهبون إلى المعابد وغيرها من الأماكن المقدسة ليناموا فيها ويحلموا فيتحدثوا إلى القوى العليا الخفية في الأحلام ، على أساس الاعتقاد بأن أكبر احتمال لتجلي الآلهة كان في الأماكن المخصصة لعبادتها ) . إن تأدية عبد المطلب للدور نفسه الذي قام جده إبراهيم عليه السلام وتشبهه به لم يأت اعتباطاً ولكن لهدف لا يخفي وهو إضفاء مزيد من القداسة على سادن الكعبة وأمير مكة بدون مدافع . ومما سمعه عبد المطلب أيضاً وهو بين أخواله بني النجار " فكرة ظهور نبي منتظر " أطل أو أظل زمانه وهي فكرة شاعت في يثرب ثم بعد ذلك في مكة لاختلاط أهلها باليهود والنصارى وطمع أكثر من متحنف أن يكون النبي المنتظر مثل أمية بن أبي الصلت الشاعر المشهور وأحد الأحناف المعروفين وعبد المطلب كما ذكرنا كان أحدهم أو أستاذهم وزعيمهم في رأي د. سيد القمني ، فضلاً عن عراقة محتده وسمو مكانته في قومه ، إذن لابد أن يكون الأمل قد راوده في أن يكون هو النبي المنتظر أو على الأقل أحد ذريته ، ومما زاد هذا الأمل شعشعة في دماغه حتى سيطر على فكره أن بعض العرافين رشحه أو خليفة من صلبه لتلك الرسالة المجيدة ( أخبرنا اليزيدي قال : أخبرنا سليم بن عبد العزيز بن أبي نائب من ولد عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال : خرج عبد المطلب إلى اليمن في رحلة الشتاء فلقيه رجل من أهل الزبور فنسبه فانتسب له ، فقال : أتأمرني أن أنظر إلى شيء منك ؟ قال : نعم ما لم تكن عورتي ، فجعل يقلب وترة أنفه فقال : أني لأرى سحراً فيه نور النبوة ولكنا لا نجد النور يكون إلا في بني زهرة فهل لك من شاعة ؟ قال : وما الشاعة ؟ قال : الزوجة ، قال : أما اليوم فلا ، قال : فارجع فتزوج في بني زهرة فتزوج هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وتزوج عبد الله ابنه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فقال قريش : فلح عبد الله على أبيه عبد المطلب فولدت له حمزة والمقدم وصفية بني عبد المطلب وولدت آمنة لعبد الله محمدا ( ص ) ) ، ورورى ابن سعد هذه القصة بصورة قريبة ( عن جعفر بن عبيد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري عن أبيه عن جده قال : كان عبد المطلب إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير فنزل عليه مرة من المرات فوجد رجلاً من أهل اليمن قد أمهل له في العمر وقد قرأ الكتب فقال : يا عبد المطلب تأذن لي أن أفتش مكاناً منك ؟ قال : ليس كل مكان مني آذن في تفتيشه قال : أنما هو منخراك ؟ قال : فدونك ، قال فنظر إلي بار - وهو الشعر في منخريه - فقال : أرى " نبوءة " وأرى " ملكاً " وأرى أحدهما في بني زهرة فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة وتزوج ابنه عبد الله آمنة بني وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت محمداً ( ص ) فجعل الله من بني عبد المطلب النبوة والخلافة والله أعلم حيث وضع ذلك ) . هنا نجد أن عبد المطلب قد أرتكن إلى كهانة الكهان أو عرافة العرافين في مسألة توقع ظهور النبوة في قريش وعلى الأخص في أولاده ( من صلبه ) ولا يكتفي بتقبل هذه النبوءات باحتفال واستبشار بل هو يعمل على نشرها بين الناس الذين ظلوا يتناقلونها حتى دونها أصحاب الأخبار في كتبهم ، ولا شك أن هذه المقولات أو النبوءات عندما تشيع وتذيع بين المكيين والعرب تؤتي ثمارها المرجوة من تقديس قريش أولاً ثم بني عبد مناف فعبد المطلب وأولاده وبذلك تتعاضد القداسة مع الحكومة وتشد من أزرها . ولم يكن الكهان أو أصحاب العرافة وحدهم هم الذين بشروا عبد المطلب بظهور النبي المنتظر من صلبه بل إن " سيف بن ذي يزن " فعل ذلك ، عندما ذهب إليه عبد المطلب على رأس وفد من أشراف قريش لتهنئته بظهوره على الحبشة . ومن اللافت للنظر أن " سيف بن ذي يزن " أسر لعبد المطلب بهذه البشارة في خلوة بينهما لم يشهدها أحد ، فيغدو من البديهي أن من نقلها إلى الناس هو عبد المطلب نفسه وهو لم يفعل ذلك اعتباطاً أو دون هدف أو غاية هكذا وظف عبد المطلب الأحلام والرؤى والكهانة والعرافة وهي من أدوات الدين بذكاء واضح في تأكيد قيام دولة قريش . ******* إضفاء هالة القداسة على دولة قريش ورئيسها كان عملاً فذاً من جانب عبد المطلب ، باشره بذكاء وسعة أفق ، ومعرفة بموجبات عصره في سياسة الحكم ، ولكنه لم يقتصر على ذلك أي أن يظل مجرد " سادن الكعبة " بحسب تعبير شيخ الإسلام فضيلة الإمام الأكبر د . عبد الحليم محمود ، بل أولى جانب " السيادة الدنيوية " اهتماماً ملحوظاً حقيقة أن أباه هاشماً وطأ له الأكناف وذلل له الصعاب وعبد له الطرق وبذلك وفر عليه الكثير ولكنه سار في إكمال الشوط. فكانت صلاته الخارجية بمن حوله من الملوك ممتازة استمرارا لخط أبيه ، فقد قرأنا سابقاً وفوده على رأس ركب من سادات قريش لتهنئ سيف بن ذي يزن لظهوره ( انتصاره ) على الحبشة ، وفي الوقت نفسه كان على علاقة طيبة بـ " النجاشي " ملك الحبشة إذ يحدثنا الإخباريون ( إن عبد المطلب وحرب بن أمية تنافرا إلى النجاشي فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما جد عمر بن الخطاب ) ، ولا شك أن تحكيم النجاشي بين عبد المطلب وحرب بن أمية دليل على المكانة التي بلغها عبد المطلب لدى ملك الحبشة . كذا رأينا فيما سلف أن عبد المطلب كان ينزل على " أقيال " اليمن عند وصوله إليه وفي احدى المرات قابل لدى أحدهم العراف الذي تنبأ بظهور نبي من صلبه . أما في المجال الداخلي فقد كان يعقد " الأحلاف " مع رؤساء القبائل المعروفة ( أتاه نفر من خزاعة فقالوا : نحن قوم متجاورون في الدار ، هلم فلنحالفك فأجابهم إلى ذلك ) وخزاعة من أكبر قبائل جزيرة العرب . أما صلته بأهل يثرب وخاصة الخزرج أرومة أمه سلمى فكانت ممتازة ( كان عبد المطلب يكثر من زيارة أخواله في يثرب ) وعندما ثار نزاع بين عبد المطلب وعمه نوفل بشأن أملاك اغتصبها الأخير منه ، استعان بأخواله من بني النجار فأعانوه بـ( ثمانين محارباً يثربياً يحملون السيوف إلى مكة مما دفع نوفلاً إلى التراجع على الفور ) نعود هنا إلى التأكيد على ضرورة دراسة الأسباب الموضوعية التي جعلت من يثرب أول مقر لدولة قريش المعلنة ، وكيف أن ذلك لم يكن مصادفة ولا لأسباب غيبية كما ذهب إليه المؤرخون القدامى ومن جارهم من المؤرخين المحدثين . وفي سبيل توثيق عرى الروابط الداخلية لم يكتف بعقد الأحلاف بل سار على نهج أسلافه وهو النهج نفسه الذي سوف يسير عليه أخلافه ونعني به الإصهار إلى عدد من القبائل المعروفة : بني زيد بن مناة بن عامر ، بني زهرة ، بني مخزوم ، هوازن ، خزاعة ، والأخيرتان من أكبر قبائل جزيرة العرب ، وهذه الزيجات هي في حقيقتها أحلاف وأن لم تتخذ صورتها المعهودة . ثم واصل الاهتمام بـ " السقاية والرفادة " اللتين ذكرنا أهميتها فيما سلف سواء من الناحية الدينية أو الناحية الاجتماعية ( ثم ولى عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب فأقامها للناس ، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم من أمرهم ، وشرف في قومه شرفاً لم يبلغه أحد من آبائه وعظم خطره فيهم) ولعل أبرز ما يقدم دليل على عناية عبد المطلب بـ السقاية هو قيامه بحفر زمزم التي غطت أهميتها على البيار التي حفرها أسلافه من قبل ، حتى أنها غدت أشهراها في نواحي أقطار الجزيرة كافة ، ولذا كان من بين الألقاب التي أطلقت عليه ( ساقي الحجيج ) وقبل ذلك ( كان يسقيهم في حياض من أدم وجلد ، بمكة ، فلما سقى زمزم ترك السقى في الحياض بمكة وسقاهم من زمزم حين حفرها وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم ) وكان لعبد المطلب أبل كثيرة فإذا كان الموسم جمعها بماء زمزم ويسقيه الحاج. وكعادة الملوك الذين يتحرون العدل كان عبد المطلب يتفقد أحوال رعيته ليطمئن عليها ، وفي إحدى المرات كان عائداً من الطائف وكان آن ذاك قد ذهب بصره فسمع عن رجل من مكة أسره نفر من " جذام " لأنهم فقدوا واحداً منهم اغتالته بيوت مكة ، فأخذوه بدلاً من صاحبهم فأرسل إليهم عبد المطلب ابنه " أبا لهب " يسألهم ما الذي دعاهم إلى أسر المكي ؟ وتعهد لهم بالبحث عن الجذامي وقال : إن لم تجدوه فـ ( أنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهباً وعشراً من الإبل وفرساً ، وهذا ردائي رهناً بذلك فقبلوا منه ) فانطلق المكي مسرعاً إلى داره بمكة ولسانه يلهج بالمديح لـ " سيد البطحاء " . وكان عبد المطلب يجير يهودياً فعدا عليه غلمان لـ " حرب بن أمية " فقتلوه فنافر عبد المطلب حرباً إلى " النجاشي " ثم إلى نفيل جد عمر ابن الخطاب الذي قضى لصالح سيد مكة فترك عبد المطلب منادمة حرب وأصبح " عبد الله بن جدعان " أغنى أغنياء مكة نديماً له . عبد المطلب غضب لقتل يهودي استجار به واصر على منافرة ابن عمه حرب وهو سيد من سادات قريش وترك منادمته أي قاطعه ولم يلتفت إلى أن القتيل يهودي غريب عن مكة وليس من ورائه قبيلة تطالب بديته ، وهذا يقطع بأن عبد المطلب كان مصراً على إقرار العدل في مكة التي حكمها . كان عبد المطلب - كما روى لنا الإخباريين - يذبح عشرات الإبل فلا يصد إنساناً ولا وحشاً ولا طيراً ولذا كان يسمى بـ " مطعم الطير " ( لما قضى لعبد المطلب بـ " ذي الهرم " ماء له بالطائف غلبه عليه جندب بن الحارث الثقفي - تنافراً إلى كاهن قضاعي فلما قضى لصالح عبد المطلب استعار عبد المطلب قدوراً ، ثم أمر فنحرت الجزائر ، ودعا من حوله فأطعمهم وبعث إلى جبال مكة بجزائر منها فأمر فنحرت للطير والسباع شكراً لله ) . هذه الصنائع من جانب عبد المطلب محاولة منه لتخفيف المعاناة عن فقراء قريش ، ولامتصاص سخطهم بعد أن تسارع المجتمع المكي في التفكك نتيجة لتعاظم الأموال واتساع نطاق التجارة ، وتحولها من المحلية إلى العالمية وأفول شمس مقومات مجتمع القبيلة الذي كان يتميز ولو بقدر يسير من التعاضد ، واختفاء الملكية الجماعية أو شبه الجماعية التي هي من خصائص المجتمع القبلي وحلول الملكية الفردية محلها ، ولبدء ظهور تمايز طبقي في المجتمع وانقسامه إلى طبقتين : الأغنياء والفقراء ( حتى من القرشيين أنفسهم ) فكان عبد المطلب كحاكم مسئول يعمل جاهداً على رفع - أو إزالة - عوامل التذمر لدى الجماهير المحرومة من أهل مكة من قرشيين وغيرهم . ونختتم هذا لمبحث عن عبد المطلب بموقفه الذي يبدو غريباً للقارئ المتعجل من الغزوة الخائبة التي قادها الأشرم أبرهة الحبشي على مكة بفيله للاستيلاء عليها للتحكم في أهم " ملتقى " لطرق القوافل التجارية في جزيرة العرب ، ولم يوفق له ذلك ، لانتشار الأمراض في جيشه ومن بينها الجدري وعدم تحمل عسكره لحرارة شمس الصحراء الحارقة في الطريق من اليمن إلى مدينة القداسة لقد أظهر عبد المطلب حنكة يعز نظيرها ودهاء وبصراً بالأمور كلها تثير الدهشة البالغة : 1 ـ فهو لم يحارب الحبش لأنه يوقن من قرارة نفسه أن قريشاً قبيلة تجارة لا قبيلة حرب فأمرهم باللجوء إلى شعاب الجبال . 2 ـ أنه كان يدرك أن حرارة الصحراء ومصاعب الانتقال من اليمن إلى مكة ، سوف تقوم بدلاً من القرشيين التجار وأرباب المال بهزيمة الأحباش ودحرهم . 3 ـ أظهر للأشرم استخفافه واستهانته به وبجيشه عندما قابله إذ أن كل ما طلبه منه هو أن يأمر برد المائتي بعير المملوكة له والتي أغتصبها منه بعض جنده ، وكان الحبشي يتوقع منه التسليم وإمضاء شروط الصلح ، وهذا الموقف من جانب عبد المطلب فوق دلالته على دهائه البالغ - كان له تأثير نفسي صاعق على أبرهة إذ أصابه بالحبوط خاصة وأن جنوده كانوا يسقطون مرضى ضحية الحرارة الشديدة والأوبئة الفتاكة . 4 ـ شن عبد المطلب حربا نفسية من نوع آخر عندما أفهم الأشرم أن مكة بلد حرام بها بيت الله الحرام وكعبتها مقدسة ، لها رب يحميها وكان القائد الحبشي نصرانياً تشتعل في نفسه العاطفة الدينية وتشغل فيها حيزاً كبيراً ، خاصة وأنه لابد قد سمع من عبد المطلب أو غيره أن الذي وضع قواعد البيت مكة هو إبراهيم عليه السلام الذي له في نفوس أتباع المسيح مكانة عالية ( يبدأ الإصحاح الأول من انجيل متى بالآتي : كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داوود ابن إبراهيم ) 5 ـ بعد أن أمر عبد المطلب أهل مكة بالخروج منها والتحرز في جبالها وشعابها وقممها توجه إلى الكعبة وأخذ بحلقة يآبها وأنشد بصوت جهوري وأهل مكة يسمعونه : لاهم ( اللهم ) إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك ، لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدواً محالك إن كنت تاركهم و قبلتنا فأمر ما بدالك . بذلك أعلن عبد المطلب المكيين ثم العرب من ورائهم أن المعركة هي بين رب البيت والأشرم لا بين عبد المطلب والمذكور في حين يعلم عبد المطلب لحكم تجاربه العميقة وبصره بالأمور وبما وصله من أخبار معسكر الأحباش وما شاهده هو بنفسه وبعيني رأسه من أحوالهم المتردية عندما ذهب لقائدهم ليسترد أبعره أنهم وقائدهم مهزومون لا محالة قضت عليهم الحرارة الصحراء اللاهبة والأمراض والحميات ، ذلك أن هذه الحملة الفاشلة وقعت في أشد الشهور اشتعالاً بالقيظ ، والدليل على ذلك : أن النبي محمداً ( ص ) ولد في فجر الاثنين لإثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول - يوم 20 أغسطس 570م ) ولقد حقق الإمام محمد ابن يوسف الصالحي يوم ميلاد محمد عليه السلام وانتهى إلى أنه ( بعد الفيل بخمسين يوماً ، وقال ابن كثير وهو أشهر وصححه المسعودي السهيلي وزادا أنه الأشهر والأكثر ) ، فإذا كان المولد النبوي يوم 20 أغسطس 570 م وأنه كان بعد عام الفيل بخمسين يوما يكون" الفيل "أي حملة أبرهة وقعت في أواخر شهر يونيو وفيه تصل حرارة الجو إلى خمس وخمسين درجة في الظل داخل مكة فكم تبلغ في الصحراء والجبال المحيطة بها ؟ إذن عبد المطلب كان يعلم علم اليقين أن الهزيمة واقعة لا محالة بالأحباش . قال ابن اسحق : وحدثني يعقوب بن عتبه بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام . وقد فشلت حملة ابرهة بظروف بعيدة عن المكيين فقد تفشى المرض في جيش ابرهة وهو على أبواب مكة . 6 ـ بذكاء شديد استثمر عبد المطلب تلك الهزيمة النكراء فنسبها إلى القوى العلوية الغيبية التي تحمي البيت الذي لاذ بحلقته داعياً ربه وحاميه وهم جميعاً يشهدون . وأن ما وقع لأبرهة وجنوده كان إكراماً لقريش وسادن كعبتها وأسرته على وجه الخصوص ، وآمن المكيون ومن بعدهم العرب - جميع العرب - بهذا التصور ، وطافت هذه الحكاية تصك أسماع كل من له أذنان في جزيرة العرب وما جاورها ( قال ابن أسحق فلما رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم ما أصابهم من النقمة عظمت العرب قريشاً وقالوا : هم أهل البيت قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونة عدوهم ) . هذا هو الدور المزدوج الذي قام به عبد المطلب " سادن الكعبة " و " أمير مكة " والذي ساهم به مساهمة فعالة في تعلية بنيان " دولة قريش " التي أوشكت على الإعلان عن نفسها بصورة باهرة في " يثرب " على يد حفيده محمد ص ) . حلف الفضول بعد وفاة عبد المطلب افتقرت قريش إلى الزعامة لم يظهر من بعده من يمسك بمقاليد الأمور في العاصمة المقدسة مكة ، ولعل عدة عوامل تضافرت على ذلك أهمها : عدم وجود شخصية كارزمية ( آسرة ) تستطيع أن تهيمن على بطون وأفخاذ قريش وتدين لها كلها بالولاء كما كان هو الشأن مع عبد المطلب ، ومنها أن قريشاً كانت في طريق التحول من القبيلة إلى الدولة ، ولو أننا ندرك أن وصف الدولة ما زال في بواكيره ولم يصل بعد إلى غايته ، ولكنه بدأ بالفعل وإلا أسقطنا الجهود الجبارة التي بذلها قصي وهاشم وعبد المطلب وحكمنا عليها بالاجدوى أو العبث ، ولعله من السابق لأوانه أن نذكر هنا العوامل الاقتصادية التي ساعدت على هذا التحول ، إذ سوف يأتي ذلك في الحديث عن المقدمات الاقتصادية . أن التحول من القبيلة إلى الدولة له موجبات خاصة ومستلزمات معينة عن التقاليد القبلية ، ومن أبرزها وجود حكومة قد تكون جماعية في البداية يتولى اختصاصها نفر من المتنفذين وأصحاب الصدراة وهو الدور الذي قام به " حلف الفضول " إذ كان هو المعبـَّر ( منطقة العبور ) لحكومة المدينة التي تشكلت في مكة فيما بعد من " الملأ " أو أصحاب الجاه والثروة والمكانة من قريش ، والتي كانت هي بدورها المقدمة الضرورية لقيام الدولة التي شاءت ظروف تاريخية أن تتخذ " يثرب " عاصمة لها على يد النبي محمد بن عبد الله حفيد عبد المطلب بدلاً من أن تكون مكة هي حاضرة دولة قريش . فما هو إذن " حلف الفضول " ؟ ( الحلف في الأصل هو اليمين والعهد ، وسمي العهد حلفاً لأنهم يحلفون عنده ) . عرفت قريش قبل حلف الفضول أكثر من حلف : ( بعد وفاة قصي تنازعت قريش في الذي كان جعله لابنه عبد الدار من السقاية والرفادة واللواء والندوة والحجابة . نازعهم بنو عبد مناف وقامت كل طائفة من قبائل قريش وتحالفوا لنصرة حزبهم ، فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيه وتحالفوا فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان " الكعبة " فسموا " المطيبين " .) ( وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفاً مؤكداً على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً فسموا " الأحلاف " ) . ( وكان هؤلاء وأولئك يوشكون أن يقتتلوا في حرب تذيب قريشاً لولا أن تداعى الناس إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف : السقاية والرفادة وأن تبقى الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار ورضى الفريقان بذلك وظل الأمر على ذلك إلى أن جاء الإسلام ) . يعلل بعض خصوم قريش عدم نشوب قتال بين الفريقين بأن قريشاً ليست أهل حرب وأن أبنائها تنقصم الشجاعة اللازمة لخوض غمار المعارك وشدائدها ، وهذا رأي غير صحيح وفي رأينا أن الأسباب التي دفعت الفرقتين للتصالح ونبذ العراك هي : أ ـ شعور القرشيين بقوة صلة الرحم فيما بينهم . ب ـ وأنهم تجار ومصالحهم التجارية سواء في الأسواق الداخلية والخارجية سوف تضار بنشوب الحرب. ج ـ فضلاً عن أنهم " أهل الحرم " الذين تنظر إليهم قبائل العرب نظرة احترام بل وتقديس واحترابهم سوف يقلل من هيبتهم في عيون الآخرين ويضع من مكانتهم التي يتمتعون بها في الجزيرة العربية . وهناك حلف آخر سمي بـ " حلف لعقة الدم " ومناسبته اختلاف بطون قريش وأفخاذها حول من يكون له شرف وضع " الحجر الأسود " في مكانه من الكعبة عند تجديد بنائها ( ثم أن القبائل جمعت الحجارة لبنائها جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها ثم بنوا ، حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا ( أي انحازت كل قبيلة إلى جهة ) وتخالفوا وتواعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في الجفنة قسموا بـ " لعقة الدم " ، فمكثت قريش أربع ليال أو خمساً على ذلك ، ثم أنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا ، فزعم بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة كان - عامئذ - أسن قريش كلها . فقال : يا معشر قريش اجعلوا تختلفون فيه أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينكم فيه ، فكان أول من دخل عليهم رسول الله ( ص ) . وها نحن نرى مرة أخرى أن قريشاً تعدل عن القتال وتلجأ إلى أسلوب التحكيم لمنع اندلاع الحرب بينهم . والذي لا مشاحة فيه أن وجود قريش في مدينة ( يسميها القرآن قرية ) هي مكة دفعها إلى مستوى حضاري أرقى بكثير من قبائل البوادي مما غرس اللجوء إلى إعمال العقل والمنطق وضبط النفس وعدم الاندفاع وراء عريزة حب القتال والعنف وخاصة بين بعضهم البعض وفي البلد الحرام الذي تقدسه كل العرب . أما عن " حلف الفضول " . فهناك فيما يعرف بـ " أيام العرب " أربعة حروب كلها يطلق عليها الإخباريون " حرب الفجار " إذ استحلت فيها الأشهر الحرم أي " وقع القتال فيها على خلاف العرف الذي كان مستقراً بين القبائل العربية وقد استمرت عشر سنين : الأولى : بين كنانة وهوازن والثانية : بين قريش وكنانة والثالثة بين كنانة وبني نضر بن معاوية والرابعة والأخيرة : بين كل من قريش وكنانة كلها وبين هوازن ، وحدثت في العام الخامس والعشرين السابق على البعثة المحمدية وقد شهدها محمد عليه السلام مع قومه وعمره خمسة عشر عاماً ( ولقد استمرت حرب القجور هذه بين قريش وهوازن أربع سنين ذلك أنها كانت تتجدد كلما اجتمع العرب في " عكاظ " وانتهت بصلح دفعت فيه قريش دية عشرين رجلاً من هوازن … وكانت هوازن قد ساقت قريشا في أول سنة منها إلى أن لاذت بالحرم ). إزاء ذلك ( شعرت قريش بعد الفجار أن ما أصابها وما أصاب مكة جميعاً بعد موت هاشم وموت عبد المطلب من تمزق الكلمة وحرص كل فريق على أن يكون صاحب الأمر قد أطمع فيها كل العرب بعد أن كانت أمنع من أن يطمع فيها طامع ) أي أن قريشاً أو حكماءها قد أحسوا بفراغ سياسي بعد هاشم وعبد المطلب واستدلوا على ذلك بما حدث في حرب الفجور وأن الحال لو استمر على ذلك فسوف يغري العرب بهم أي أن ما قام به كل من هاشم وعبد المطلب نحو تعلية بناء الدولة التي وضع أحجار أساسها قصي "مجمع قريش " سوف تذروه الرياح وأن بطون قريش وأفخاذها أخذت كلمتها تتفرق وطفق كل واحد منها يتشوف لتكون له كلمته المستقلة بعد أن كانت كلمة عبد المطلب تجمعهم وتوحد صفوفهم ـ لذا فكر الزبير بن المطلب وأعمل التفكير فخرج من ذلك أن مآل ذلك كله هو انحدار قريش وتقويض البنيان الذي شارك في تشييده عن قريب أبوه عبد المطلب ومن قبله آباؤه وأجداده ، ومن ثم فمنصرف قريش من حرب الفجار ( دعا الزبير بن عبد المطلب فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً فتعاقدوا وتعاهدوا لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه مابل بحر صوفة ، وفي التآسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف " حلف الفضول " . ( والزبير بن عبد المطلب هو أكبر أعمام النبي ( ص ) وهو عم شقيق له والزبير أبو طالب واسمه عبد مناف وعبد الله أخوة أشقاء أمهم فاطمة بنت عمر المخزومية ، وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد أما عبد الله ابنه فكان معدوداً في الصحابة وكان الزبير يكنى بابنه الطاهر وكان ممن أظراف فتيان قريش وبه سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه الطاهر وكان من أظرف فتيان قريش وبه سمي رسول الله ( ص ) ابنه الطاهر وكان الزبير يرقص محمداً وهو صغير ويقول له : محمد ابن عبدم .. عشت بعيش أنعم .. في دولة ومغنم .. دام سجيس الأزلم . وأخبر الزبير أن ظالماً كان بمكة قد مات فقال بأي عقوبة كان موته فقيل له : حتف أنفه فقال : وإن فلابد من يوم ينصف الله فيه المظلومين ، ففي هذا دليل على إقراره بالبعث ـ وابن عبدم زاد الميم كما تزاد في ابن فيقال ابنم وسجيس الأزلم أي أبد الدهر ) . رغم ركاكة الشعر الذي نسبه السهيلي إلى الزبير بن عبد المطلب فأنه يفصح عن أمنيته في أن يواصل الحفيد مسيرة الدولة التي بدأها أجداده وذلك في إنشاده له وهو يرقصه " عشت بعيش أنعم في دولة ومغنم " ، كذلك يتضح من تعليقه على وفاة أحد الظلمة في مكة حتف أنفه أنه يؤمن بالبعث وذلك من تأثير أبيه عبد المطلب الذي كان أستاذ الحنيفية في زمانه ، أما تسمية النبي ( ص ) ابنه بـ الطاهر إذ كان يكنى الزبير بأبي الطاهر دليل على إعجابه بعمه وتقديراً له لعقده " حلف الفضول " والداعي لحلف الفضول " الزبير " فيه مسحة واضحة من " الحنيفية " ولديه شعور طاغ بأهمية الدولة التي بدأها آباؤه وبضرورة سيرورتها متمنياً من صميم قلبه وفي قرارة نفسه أن يستمر الأبناء في استكمال صرحها . أما عبد الله بن جدعان الذي عقد حلف الفضول في داره فكان أغنى أغنياء مكة ، وكان يسمى " حاسي الذهب " لأنه كان يشرب في كؤوس من الذهب الخالص . ( وكان بنو تيم في حياته كأهل بيت واحد يقوتهم وكان يذبح في داره كل يوم جزوراً وينادي مناد : " من أراد الشحم واللحم فعليه بدار ابن جدعان وكان يطبخ عنده الفالوذج فيطعم قريشاً ) . وبنو تيم هم رهط عبد الله بن جدعان وهم في الوقت نفسه رهط أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ويبالغ بعض الرواة فيذكر أن جفان طعام ابن جدعان كانت تبلغ قامة الرجل بل أن بعضها كان يتسلق إليه بسلم ، وأياً كان الأمر فإن مثل هذا الرجل الفاحش الثراء كان يهمه استتباب الأمور في مكة حفاظاً على مصالحه المالية والتجارية خاصة وأن الإخباريين يذكرون السبب المباشر لحلف الفضول هو ( أن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف : عبد الدار مخزوماً ، جمحاً ، سهماً عدي بن كعب فأبوا أن يعينوه على العاصي بن وائل وزبروه أن انتهروه ، فلما رأى الزبيدي الشر ، أو في علي أبي قيس " جبل بمكة " عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فنادى بأعلى صوته : ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر إن الحرام لمن تمت كرامته ولا حرام لثوب الفاجر الغدر فقام الزبير بن عبد المطلب وقال : ما لهذا مترك … الخ ) . فهذه الواقعة تدل على أن الأمور قد اضطربت في مكة والتجارة وهي عصب الحياة فيها ، بدأت تتعرض للمتاعب وهذا يسئ إلى أهلها ويلحق أبلغ الأضرار ويؤثر على سمعتها التجارية بالإضافة إلى قداستها الدينية وهذا مرده إلى افتقاد مكة لسلطة سياسية تردع المعتدي عنه غيه. ***** ويسرد الإخباريون من الوقائع ما يقطع بأن " حلف الفضول " قد أثمر وحقق النتائج التي تغياها من ورائه عاقدوه وأنه كان نقلة إلى ( حكومة الملأ ) وأنها جميعها خطوات نحو الدولة التي قامت في يثرب ومن بين تلك الوقائع التي ذكروها : ( أن رجلاً من خثعم قدم مكة حاجاً أو معتمراً ومعه ابنة يقال لها " القتول " من أوضأ نساء العالمين فاغتصبها منه " نبيه بن الحجاج " وغيبها عنه ، فقال الخثعمي من يعديني على هذا الرجل ؟ فقيل عليك بـ " حلف الفضول ": فوقف عند الكعبة ونادى " يا لحلف الفضول " فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب وقد انتضوا سيوفهم يقولون : جاءك الغوث فما لك ؟ فقال : إن نبيها ظلمني في بنتي وانتزعها مني قسراً فساروا معه حتى وقفوا على باب داره فخرج إليهم فقالوا له : أخرج الجارية ويحك قد علمت من نحن وما تعاقدنا عليه فقال : أفعل ولكن متعوني بها الليلة فقالوا والله ولا شخبة بقحة ( أي برهة وجيزة ) فأخرجها إليهم. في هذه الواقعة كان " حلف الفضول " هو الفيصل وصاحب الكلمة القاطعة بعد أن عمل عاقدوه على إعمال نصوصه وانتصروا لرجل خثعمي من العامة ، إذ لم تعن الرواية بذكر اسمه وردوا إليه ابنته الحسناء رغم أن مغتصبها كان من وجوه قريش ، وتلك النازلة لها صلة بالأمور المالية أو التجارية ولكنها تمس المشاعر الدينية فقد ذكر أن الخثعمي قدم مكة حاجاً أو معتمراً وهذه المناسك كانت بل ولازالت حتى الآن في مقدمة المصادر الدخل والتمويل لأهل مكة ، فإذا أشيع بين العمار والحجاج تعرضهم للأذى والاغتصاب من القرشيين أدى ذلك إلى إحجام قبائل العرب عن الوفود لمكة للحج أو الاعتمار ونود أن نلفت الانتباه هنا إلى أن الحج كان شعيرة مقدسة تؤديها القبائل كافة وكانت كعبة مكة مقدسة أيضاً بالنسبة للقبائل على الرغم من وجود بضع وعشرين كعبة في شبه الجزيرة العربية حين ذاك ، وإذا اختل موسم الحج انعكس الأثر مباشرة على التجارة داخل البلد العتيق بالإضافة إلى أنه يودي بسمعة قريش بين العرب ، ويسقط هيبتها ويهدر كرامتها لظهورها بمظهر العاجز عن حماية الجار واللائذ بالحمى والمستجير بالحرم . ذلك هو الدور البالغ الأهمية الذي أداه " حلف الفضول " الذي كان أول من نادى به الزبير الابن الأكبر لسيد مكة " عبد المطلب " والذي رعاه وتحمس له عبد الله بن جدعان أكثر القرشيين غنى وثروة . ولقد أدرك محمد ( ص ) الأهمية السياسية البالغة ، والأثر الاقتصادي الناجع لـ " حلف الفضول " لذلك قال ( شهدت في دار ابن جدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت ) وفي رواية أخرى : ( ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم ولو دعيت به لأجبت ) . بل أن هذا الحلف بقيت أثاره بعد الإسلام حتى مادى به الحسين بن علي حين وقعت بينه وبين الوليد بن عتبه بن أبي سفيان والي المدينة منازعة في مال كان بينهما وقد تداعت أطراف الحلف لنصرة الحسين مما أضطر الوليد إلى إنصافه . إذن كان " حلف الفضول " بمثابة التجربة أو " البروفة " لحكومة مكة أو ( حكومة الملأ ) التي تشكلت فيما بعد ، والتي كانت هي بدورها المقدمة لدولة قريش التي قامت . كما ذكرنا لأسباب تاريخية في يثرب بدلاً من مكة على يد محمد ( ص ) . ***** ذكر أ . محمد رضا في كتابه " محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن أطراف حلف الفضول ( تعاقدوا وتعاهدوا ليكونن مع المظلوم حتى يؤدي إليه حقه مابل بحر صوفة وفي التآسي في المعاش ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول . ) لم أجد عبارة " وفي التآسي في المعاش " لا في " سيرة ابن هشام " ولا في " الروض الأنف " وهما من أمهات كتب السيرة النبوية ولا أدري من أين أتى بها أ . محمد رضا وما هو مرجعه في ذلك ؟ وإذ أنه في نظري باحث رصين وكتابه المذكور كتاب جيد رغم صغر حجمه فقد رجحت أن لهذه العبارة أصلاً في واحد من كتب التراث في السيرة النبوية ، وأنها بالقطع ليست إضافة من محمد رضا ولقد صدق ظني ، فبعد البحث والتنقيب وجدت أن الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي أوردها في كتابه " سبل الهدى والرشاد في سيرة العباد " المعروف بـ " السيرة الشامية " وهو في الحق موسوعة ضخمة في السيرة النبوية إذ يقول ( فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً في ذي القعدة من شهر حرام قياماً فتعاقدوا ليكونن يداً واحدة للمظلوم على الظالم ، حتى يؤدي إليه حقه مابل بحر صوفة وما رسا حراء وثيبر " جبلان بمكة " وعلى التآسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف " حلف الفضول " وقالوا : لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر ثم مشوا إلى العاصي بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه ) . ولا شك أن أطراف الحلف المذكور ضمنوه " التآسي في المعاش " لأن أحوال المجتمع المكي آنذاك كانت تنذر بحدوث هزة خطيرة ، إذا لم يتم تلافيها فسوف تقتلعه من أساسه ، وأنه من المستحيل دوام الحال على ما كان عليه ذلك أنه ( مع تعاظم المال والاستثمار الربوي كان الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء المعدمون من أحرار القبيلة يزدادون ضنكاً وفقراً وإملاقاً ، تتوضح معالم التفاوت الاقتصادي والتمايز الاجتماعي إلى درجة انقسم فيه المجتمع المكي إلى طبقتين غير متناسبتي العدد والعدة : طبقة التجار والمرابين وسدنة الكعبة وأصحاب السلطة والأرستقراطية المكية أو الملأ أو الأعزاء كما في القرآن الكريم وهم يشكلون أقلية المجتمع المكي وطبقة الصعاليك والفقراء أو الأراذل كما في القرآن الكريم وهم يؤلفون أغلبية المجتمع المكي ) . إذن يكون " التآسي في المعاش " الذي ورد في السيرة الشامية على لسان أطراف حلف الفضول ، هو مساهمة منهم في محاولة التخفيف من حدة التمايز الطبقي ، وتضييق شقة الفروق بين الملأ والأراذل (حسب تعبير القرآن الكريم ) خاصة أن الأخيرين لم يكونوا الأرقاء والموالي ...إلخ فحسب بل منهم أحرار القبيلة الفقراء المعدمون ولسد الطريق عليهم حتى لا يقوموا بثورة تعصف بالنظام كله وتقوض أركانه ، ومن ثم فلم يكن من قبيل المصادفة أن يجئ هؤلاء في مقدمة من اتبع محمداً عليه السلام إذ بهرتهم وخلبت ألبابهم مبادئ العدالة الاجتماعية التي كان يدعو إليها وأن الناس سواسية كأسنان المشط ...الخ . وربما لفت نظر القارئ ما ورد في نص السيرة الشامية " وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضول الأمر " والفضول جمع الفضل ، والفضل إما أنه " ضد النقص والنقيصة " أو أنه " ما زاد على الحاجة " فإذا أخذنا بالتفسير الأول كان معنى ذلك القول أن أصحاب حلف الفضول تخلوا عن النقيصة التي تباعدهم عن رد المظالم ومواساة الفقير المعدوم ، وإذا أخذنا بالتفسير الآخر كان مفاده أن أصحاب الحلف زجوا بأنفسهم فيما لا حاجة لهم به وهو الانتصار للمظلوم والعون للمحتاج . ولعله بعد ذلك يكون من نافلة الحديث أن نذكر أن أهداف الحلف بهذه المثابة أهداف سياسية بكل المعايير وبجميع المقاييس اضطلع بها أولئك النفر من قريش بعد أن رأوا وأحسوا بالفراغ السياسي الذي خيم على مكة بعد وفاة عبد المطلب وأن عليهم أن يتحركوا ويعملوا شيئاً وكان هذا العمل مقدمة لما هو أكبر منه . قبل أن نشرع في الحديث عن " حكومة الملأ " ملأ - قريش نناقش تفسير باحث جاد هو أحمد عباس لـ " حلف الفضول " في كتابه " اليمين واليسار في الإسلام " ذلك أنه لا يقر وجهة النظر التي ترى أن الدافع لعقد ذلك الحلف هو عدوان بعض القرشيين على زوار مكة الذين يفدون إليها للحج والاعتمار أو المتاجرة وأن العلة وراء ذلك هو افتقار مكة إلى زعيم يمسك زمام الأمور بعد وفاة عبد المطلب . يقول الباحث ( وليس سبباً وجيهاً لأن الحلف لم يضم قبائل قريش بل جانباً منها ، فلو أن الأمر بقصد حماية التجارة وتأمينها لتداعت كل القبائل للدخول فيه ) ص38 وفي رأيه أن الدافع لعقد حلف الفضول هو أن ( الفريق الأقل ثروة بدأ يتكتل ليقاوم سلطان الثروة الجديدة ولهذا نشأ حلف الفضول ) ص37 . ومع تقديرنا لاجتهاد أ . صالح الذي بدا واضحاً في كتابه فإننا نرى أن ما ذهب إليه بخصوص "حلف الفضول " لا يثبت للتنفيذ الموثق بالحقائق التاريخية فليس صحيحاً أن ثروة جديدة بدأت تطرأ على تجار مكة أيام حلف الفضول بل أن أرستقراطية قريش طفقت تعرف طريقها إلى اليسر والغنى منذ أن بدأ هاشم أن يعقد " الإيلاف " مع رؤساء القبائل والمعاهدات مع ملوك الروم والفرس والحبشة ليؤمن الطرق أمام قوافل مكة في ذهابها وإيابها ، خاصة في رحلتي الشتاء والصيف وللأسباب السياسية التي أحاطت بدولتي الفرس والروم وهو ما سنفصله في البحوث القادمة . هذه واحدة . أما الأخرى فإن أطراف حلف الفضول لم يكونوا كما رأى أ . صالح ( الفريق الأقل ثروة ) ص37 فقد ضم ذلك الحلف : أ ـ بني هاشم : ومنهم العباس بن عبد المطلب الذي يعترف الباحث نفسه أنه كان من كبار أغنياء مكة ، بل امتدت ثروته إلى يثرب فتملك بستاناً فيها ص24 ومنهم " أبو لهب " الذي قال في حقه القرآن الكريم ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) وهو توصيف بالغ الدلالة على غناه . ب ـ بني تيم : وعلى رأسهم عبد الله بن جدعان الذي عقد الحلف في داره ، والذي كشفنا فيما سبق عن مدى ثروته ، والذي لا يخلو كتاب من كتب السيرة بل ومن كتب الأدب التراثية مثل الأغاني وعيون الأخبار لابن قتيبة ، من قصص تقطع بغناه ، ومنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي وصفه أ . صالح بأنه ( من كبار التجار في مكة ) ص37 . ج ـ بني أسد : ومنهم يزيد بن زمعة الأسود وفي حقه يقول الباحث ( ويزيد من كبار الأغنياء في مكة ) ص35 . د ـ بني زهرة : وهم من الذؤابة العليا من قبيلة قريش وإليهم أصهر عبد المطلب فتزوج هو هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وزوج ابنه الأصغر عبد الله ، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فهي أم النبي ( ص ) ولا يعتقد عاقل أن سيد مكة في زمانه يقصد إلى فرع خامل من قريش ويصهر إليه . وقد يقال إن عبد المطلب فعل ذلك لسماعه إلى " مسطورة " كانت شائعة تحكي أن بني زهرة سوف تظهر أو تنبثق منهم " النبوة " وأن حبراً يهودياً وكاهنة منهم تنبأ بذلك ، ومن ثم فلا صلة بإصهار عبد المطلب إليه بغناهم أو ثروتهم ، بل طمعاً في احتياز النبوة منهم ، والتي قالت " المسطورة " أنها سوف تجئ من إناثهم لا من ذكورهم . وقد يكون هذا من الردود السائغة المقبولة لولا أننا قرأنا في كتب السيرة كلها أن بني زهرة كانوا من أصحاب الثروة ، وأنه كانت لديهم أموال جسيمة في القافلة التي كان يقودها أبو سفيان ، والتي خرج محمد وصحبه إليها ولكنها أفلتت منهم لأن أبا سفيان غير خط سيرها لما علم بخروج المسلمين في طلبها ، ولما علم بنو زهرة بنجاة القافلة وسلامة أموالهم عدلوا عن المضي مع باقي القرشيين في حرب محمد (ص ) وصحابته رضوان الله تعالى عليهم ومن ثم لم يشتركوا ضدهم في غزوة بدر الكبرى يقول ابن سيد الناس ( وقال الأخنس بن شريق وكان حليفا لبني زهرة : يا بني زهرة قد أنجى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وأنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فأنه لا حاجة بكم بأن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا يعني أبا جهل فرجعوا فلم يشهدها زهري ولا عدوي أيضاً ) . فلو لم يكن لبني زهرة ثروة يخشون عليها لما خرجوا لحمايتها والذود عنها ، ولكن لكياستهم وحكمتهم عندما أيقنوا بسلامتها عادوا أدراجهم من حيث أتوا أخذا بنصيحة حلفهم الأخنس بن شريق ، فهل يقال بعد ذلك كأنهم كانوا فقراء ؟ ولعلنا بذلك نكون قد سقنا الأدلة التي تقطع بأن البطون الأربعة من قريش التي أسست حلف الفضول : هاشم ، تيم ، أسد ، البطون ، زهرة ، ولم يكونوا أقل غنى من سواهم من البطون الذين لم يشاركوا فيه . وحتى يدعم أ . صالح نظرته الخاطئة لحلف الفضول نراه يقول ( ولهذا نشأ حلف الفضول بين هاشم وعبد المطلب وأسد وزهرة ، وهو حلف اتفقت فيه هذه القبائل على أن تنصر بعضها بعضاً ) ص 38. ومع التجاوز عن ذكر الباحث لبني عبد المطلب مع بني هاشم لأن الأخيرين يشملونهم فإنه ليس صحيحاً أن قبائل حلف الفضول ( اتفقت على أن تنصر بعضه بعضاً ) وكنا نرجو أن يدلنا الباحث على المرجع الذي استقى منه هذه العبارة والصحيح أن كتب السيرة اتفقت على أن عاقديه تغيوا منه نصرة أي مظلوم والتآسي في المعاش ، والقصد منهما استتباب الأمن ومحاولة تخفيف التمايز الطبقي لمنع انفجار الفئات المحرومة وهما هدفان يختلط فيهما الاقتصاد بالسياسة كما أوضحنا ، ولم يذكر واحد من كتب التراث ما ذكره الباحث وهو : أن هدف الحلف تناصر عاقديه ، وإذا كان هذا من اجتهاده فقد أخطأ لأن هذه البطون تربطها صلات النسب والمصاهرة والمصالح التجارية مما يجعلها في غنى عن عقد حلف بينها للتناصر ، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن بداهة ، هذه البطون تتناصر ضد من ؟ هل ضد باقي بطون قريش ؟ أي قريش : قريش الظواهر أم قريش البطاح ؟ ومنذ متى تحاربت بطون قريش بعد أن ألف إذن يكون التناصر ؟ أما إن قال : التناصر ضد الأجنبي أو الغريب قلنا له : ولم تتناصر أربعة أبطن فقط دون باقي البطون ؟ . إن الذي لا شك فيه أن الباحث خلط بين هذا الحلف وسابقيه حلف المطيبين وحلف الأحلاف . ومن الغريب أنه يعود فيذكر في موضع آخر أن في هذا الحلف ( تجار كبار وتجار صغار .. ) ومن المؤكد أن تكتل حلف الفضول ليس لوناً من الصراع الطبقي الخاص ، أنما هو تكتل سياسي تقوده نفس طبقة كبار التجار ) ص43 هكذا يوقن في نهاية المطاف بتهافت الأسباب التي حاول أن يعلل بها نشوء حلف الفضول ، وأخذ يؤكد الحقيقة التي ذكرناها في السابق والتي موجزها أن الحلف المذكور هو في الأساس تكتل سياسي ، القصد منه ملء الفراغ الذي خيم على ربوع مكة بعد وفاة هاشم وعبد المطلب ليستتب الأمن في مدينة القداسة والتجارة وأنه كان المعبر والمقدمة لـ " حكومة الملأ " التي كانت بدورها مقدمة لـ " دولة قريش " التي أسسها في يثرب محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام . حكومة الملأ " ملأ قريش " نبدأ بتعريف الملأ تعريفا يحوط به من جوانبه كافة حتى تتضح صورة حكومته : يعرف ( الراغب الأصفهاني ) الملأ بقوله : ( جماعة يجتمعون على رأي فيملأون عيون رواء ومنظراً والنفوس بهاءً وإجلالاً ، يقال فلان ملء العيون أي معظم عند من رآه وكأنه ملأ عينه من رؤيته ) . أما د.حسين مروة فهو يسلط في تعريفه للملأ الضوء على الجوانب الاقتصادية والقمعية إذ يبرز الإمكانات المالية أي الثروات التي أتاحت لأعضاء الملأ الإمساك بزمام السلطة عن طريق الاستعانة بقوة قمعية فيقول ( كان الملأ المكي هو المظهر الأولى لتجلي سيطرة قريش بشكلها الذي يمكن تسميته في عصرنا بـ " الشكل السياسي " فهو أي الملأ يمثل آنئذ البذرة الجنينية للدولة أي المؤسسة السياسية التي تهيمن على النشاط الاقتصادي في المجتمعات الطبقية وهو في الوقت نفسه يمثل ولادة هذه الطبقة في المجتمع الجاهلي فقد كان الملأ المكي وهو يتشكل تاريخيا من جماعة كبار التجار والمرابين ومالكي العبيد من أهل مكة يجمع كل السلطات في هيئة واحدة هي " الملأ " نفسه ، وقد عززت هذه الهيئة سلطانها بجهاز قمعي كما تدل الأخبار عن أحابيش مكة ، فنحن نفهم من هذه الأخبار أن جماعة الملأ اتخذت من الأحابيش هؤلاء شرطة مسلحين يحرسون الكعبة كما يحرسون منازل أعضاء الملأ أنفسهم . إن لهذه الحراسة دلالة في موضوعنا فإن إقامة شرطة لحراسة الكعبة كان يعني أمرا غير ما يتبادر للأذهان من رعاية قداستها فحسب ، بل هو حماية أموال القرشيين الذين استغلوا هذه القداسة ليودعوا الكعبة خزائن أموالهم . أما إقامة شرطة لحراسة منازلهم فكان يعني حمايتها من غضبة الفئات الناقمة في المدينة أي في مكة ولنقمة الحجاج الفقراء ) . وفي هامش المتن يورد د . حسين مروة التعريف اللغوي لـ " الملأ " فيقول ( اسم الملأ المكي يستمد مضمونه التاريخي من دلالته اللغوية فهو كما تقول المعاجم يعني الأشراف والعلية والقوم ذوي الشارة أي ذوي المظهر الحسن والشرف وفي " المنجد " الملأ : جمع أملاء : أشراف القوم الذين يملأون العين أبهة والصدور هيبة ) ويفسر لنا في الهامش عينه كلمة " الأحابيش " بقوله : ( الأحابيش في مصطلح التاريخ الجاهلي يطلق على فئة من العبيد السود البشرة الذين يرجعون لأصل افريقي وتسميتهم بذلك منشؤها ظن الإخباريين أنهم من أصل حبشي وقد استخدمهم أثرياء مكة في مختلف الأعمال والخدمات ) . ويعرف هادي العلوي " الأحابيش " بأنهم ( قوة قتال منتخبة كانت قريش تعتمد عليها في حروبها ) هنا نجد أن العلوي لم يشر إلى أن " الأحابيش " كانوا قوة قمعية في خدمة " الملأ " انما كانوا قوة حربية اعتمدت عليها قريش ـ قبيلة التجارة ـ في حربها مع غيرها من القبائل وهو تعريف أدنى إلى الصواب والتساق مع الحقائق التاريخية . ففي كتب السيرة أن قريشاً ( بعثوا إليه أي إلى محمد ( ص ) الحليس ابن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الأحابيش ) . بل أن ابن هشام ينسب الحليس هذا ويقول عنه أنه (أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة ) مما يدل على أنه ليس عبدا حبشيا إلا إذا كان قد تسيد على " الأحابيش " وهو ليس منهم وهو فرض يحتاج إلى دليل ثبوت . وتورد كتب السيرة أنه " أعرابي " أي من أبناء البوادي وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم قومه بأنهم متألهون أي متدينون ( ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان أحد بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله ( ص ) قال إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه ، فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكد أوباره من طول الحبس عن محله ، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ( ص ) إعظاما لما رأى فقال لهم ذلك فقالوا له : إجلس ، فإنما أنت أعرابي لا علم لك ، فغضب الحليس عند ذلك وقال : يا معشر القوم والله ما علي هذا حلفناكم وما على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له ! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد فقالوا له : كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به ) وهذا النص قد أورده بعض كتب السيرة مثل ( عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير) لابن سيد الناس . ويبين من هذا النص أن الأحابيش من قبائل البادية الأعراب الذين تربطهم بقريش محالفات وعقود على النصرة في الحرب ولقد تأكد ذلك في " السيرة الحلبية " إذ عرف مؤلفها علي بن برهان الدين الحلبي ( أن الأحابيش هم بنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناف بن كنانة وبنو المصطلق بن خزيمة أي وأنه قيل لهم ذلك لأنهم تحالفوا تحت جبل بأسفل مكة يقال له " حبشي " وتحالفوا حبش وهم قريش على أنهم يد واحدة على من عاداهم ما سجاليل ووضح نهار وماسار حبشي فسموا " أحابيش قريش " وبذلك يكون الصواب قد جانب د. حسين مروة عندما عرف " الأحابيش " بأنهم ( فئة من العبيد السود البشرة الذين يرجعون لأصل افريقي وتسميتهم بـ " الأحابيش " منشؤها ظن الإخباريين أنهم من أصل حبشي وقد استخدمهم أثرياء مكة في مختلف الأعمال والخدمات ) . ولكن باحثـاً آخر هو برهان الدين دلو يؤيد د . حسين مروة في أن " الأحابيش " ( فرقة عسكرية قوامها العبيد السود ومرتزقة العرب كجهاز قمعي لتعزيز سلطان الملأ ولحماية النظام الاجتماعي الجديد ) وقد نسب ذلك إلى د. جواد علي وأنه أورده في " المفصل " في الجزء الرابع ص32 وبالرجوع إلى المفصل تبين لنا للأسف أن ذلك لم يكن رأي د. جواد علي أنما هو المستشرق " لامانس " وحتى هذا الأخير لم يقل أن الأحابيش فرقة عسكرية قوامها من العبيد السود ومرتزقة العبيد كجهاز قمعي لتعزيز سلطان الملأ ولحماية النظام الاجتماعي الجديد كما ادعى برهان الدين دلو بل أن ما قاله " لامانس " بالحرف الواحد ( أنهم قوة عسكرية ألفت من العبيد السود المستوردين من أفريقية ومن عرب مرتزقة كونتها مكة للدفاع عنها ) فـ " لامانس " لم يقل أن الأحابيش جهاز قمعي كونه الملأ لتعزيز سلطانه ولحماية النظام الاجتماعي الجديد بل قال عنهم أنهم قوة عسكرية للدفاع عن مكة ـ ولعل الفرق الواضح بين النصين ولعل ما دفع الأستاذ برهان الدين دلوا إلى تحريف لامانس هو تعزيز وجهة نظره التي تتفق مع وجهة نظر د . حسين مروة التي سوف نناقشها فيما بعد ، ومما هو جدير بالذكر أن رأي " لامانس " كان موضوع الإعراض من بعض زملائه من المستشرقين . أما الدكتور جواد علي فهو يؤيد ما جاء في المصادر العربية عن الأصل العربي لـ " الأحابيش " ويرجع تاريخ حلف قريش مع الأحابيش إلى زمن عبد مناف بن قصي وأن المطلب بن عبد مناف بن قصي ، قاد بني عبد مناف وأحلافها من الأحابيش "يوم ذات نكيف " لحرب بني ليث بن بكر . ويورد د . جواد علي تعليلاً آخر لـ " تسمية بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة ومن أيها من بني المصطلق وبني الهون بـ "الأحابيش " هو أن من الممكن أن تكون هذه التسمية قد وردت إليهم من أجل خضوعهم لحكم الحبش وذلك قبل الإسلام بزمن طويل ) . وأياً كان سبب تسميتهم بـ " الأحابيش " فقد أثبت أنهم لم يكونوا عبيداً أفارقة ولا كانوا قوة قمعية كونها " الملأ " لحراسة أموالهم ولقهر فقراء مكة والوافدين عليها من العمار والحجيج وإنما كانوا قبائل عربية وقوة عسكرية تحالفت معها قريش واستعانت بها في حروبها مع أعدائها . ويؤكد د. أحمد إبراهيم الشريف صاحب كتاب ( مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ) وهو كتاب جيد أحاط بموضوع بحثه إحاطة حسنة أن ( الأحابيش كانوا بطوناً من القبائل العربية الضاربة حول مكة من كنانة وخزيمة بن مدركة وخزاعة تجمعوا وتحالفوا معاً وأخذوا في الاندماج والتكتل في طريقهم إلى تكوين قبيلة عربية بواسطة الحلف الذي كان سبباً في تكوين كثير من القبائل العربية القديمة ثم تحالفوا مع قريش في النصف الثاني من القرن السادس ) . وبذلك يثبت أن الرأي الذي قال د. حسين مروة وتابعه فيه أ . برهان الدين دلو ، غير صحيح ناقضته الأدلة التاريخية الموثقة ولو أن ليست ثمة ما يمنع أنه كانت لدى عدد من تجار مكة وأثريائها عبيد من أصل أفريقي وحبشي بالذات ولكنهم لم يصلوا إلى أن يكونوا قوة عسكرية أو قمعية استخدمها الملأ من قريش في قمع وإرهاب الفقراء انما كانوا يعملون في كافة أوجه النشاط في خدمة سادتهم ولا بأس أن تكون من ضمن تلك الخدمات الحراسة ، ويؤكد د. صالح أحمد العلي أنه ( لا يوجد دليل على كثرة العبيد بمكة ) . والبادي أن مروة ودلو قد تابعنا لامانس الذي كان يذهب إلى أن الاحابيش كانوا زنوجاً من بلاد الحبشة وأن رواة السيرة تعمدوا القول بأنهم عرب انفوا أن يقولوا أن قريشاً كانت في الجاهلية تستعين بالسودان في الدفاع عن حريتها ، والمعروف عن لامانس تحيزه ضد العرب والإسلام فضلاً عن أنه لم يقدم دليلاً على مقولته تلك وأكثر منه أبانه عن تهافتها أن كتاب السيرة الصقوا بقريش في الجاهلية نقائض أوعر منها وأفحش ونحن نأخذ على مروة ودلو متابعتهما لـ " لامانس " دون تدقيق وتمحيص . أن نظرة د. حسين مروة إلى الجانبين الاقتصادي والقمعي في توصيفه لـ " ملأ قريش " نابعة من تأثره بالمفهوم الماركسي للطبقة الحاكمة التي تركز مختلف أشكال القوة في يدها : ( الاقتصادية والعسكرية والسياسية ) . ومع تقديرنا لاجتهاد د . حسين مروة في تحليله وللتصور الذي ينطلق منه فإن تطبيقه بحذافيره على المجتمع العربي وخاصة قبيل الإسلام منهج غير سديد ولا يعطينا الصورة الدقيقة لـ " ملأ قريش " إذ من الصعب قياسه على " الإقطاع الأوروبي " الذي تأسس على " الطبقة المحاربة " أو على الأقل اعتمد عليها والذي سيطر في وقت واحد على الأرض الزراعية والقوة العسكرية والسياسية كما حظى بالتأييد المطلق من جانب الكنيسة لتشابك المصالح بين الطرفين . فمع التسليم ببروز العنصر المالي في الملأ المكي ومع اعتبار بعض أفراده في عدد المرابين والمستغلين للطبقات المنتجة مثل مربي الماشية والفلاحين ( كان لبعضهم مزارع في الطائف ويثرب ) انما لا شك كانت هناك عناصر أخرى ساهمت في اختيار أعضاء " الملأ " مثل توافر صفات العقل والحكمة والخبرة التي محصتها السنون ( لهذا كان أكثر رجال دار الندوة من البالغين المتقدمين في السن ) وعرف علماء العرب " الملأ " أنه الرؤساء والجماعة وأشراف القوم ووجوههم ومقدومهم الذين يرجع إلى قولهم ، روى أن النبي ( ص ) سمع رجلا من الأنصار وقد رجعوا من بدر يقول : ما قتلنا إلا عجائز صلعاً ، فقال عليه السلام : " أولئك الملأ من قريش لو حضرت فعالهم لاحتقرت فعلك " أي : أشراف قريش ، فالملأ انما هو القوم ذوو الشارة والتجمع للإدارة . فهنا نجد محمداً ( ص ) مع عداوة ( الملأ ) له ( سوف نوضح فيما بعد الوجه الذي كان يعاديه الملأ في محمد ) وتعذيبهم لأتباعه في أثناء مقامه بمكة ثن خروجهم لحربه في غزوة بدر الكبرى ورغم عودته منتصرا عليهم فيها فأنه وصفهم مما علمه عنهم وبما لمسه فيهم وخبرة عنهم " لو حضرت فعالها لاحتقرت فعلك " أي أنهم كانوا يتميزون بأفعال جيدة إذا قاس مسلم صحابي أفعاله بأفعالهم لاحتقر فعله إلى جانبها وهذه الأفعال لا تصدر إلا من ذوي النهي والأحلام ، وهو ما شبه به في حقهم " مونتجمري واط " إذ يقول ( إن قرارات ملأ مكة تعمل أستاذا إلى قوة فضائل الرأي وخططهم لا على البلاغة الخطابية التي تستطيع أن تجعل الشر يظهر بمظهر الخير ) . حقيقة أن بعض أعضاء الملأ المكي وصل ( إلى مستوى من الغنى والترف يضاهي مستوى الملوك) ولكن لم يرفعوا جميعهم إلى تلك الدرجة من الثروة ، فضلاً عن أن بعضاً منهم كان يتولى أعمالاً من التجني وصفها بالاستغلال واستحلال عرق الطبقة العاملة مثل : سقي الحجيج وعمارة المسجد وكان يقوم بها العباس بن عبد المطلب والرفادة الموكولة إلى الحارث بن عامر من بني نوفل والسدانة والحجابة اللتين كان يضطلع بهما عثمان بن كلحة من بني عبد الدار ، فهذه الوظائف منبتة الصلة بالربا وامتصاص عرق الكادحين بل هي أدنى إلى أعمال المروءة والمعروف والخير ، وسواء كانت تلك العمالات قد قصدت لذاتها ـ لأننا يتعين علينا ونحن نقيم الملأ ألا ننفصل عن بيئته والأعراف المحيطة به كوجبات العيش في تلك البيئة كانت تحتم ذلك ، أم كان الهدف من ورائها ( أن قريشاً تريد أن تزين للعرب زيارة البيت ) نقول سواء كان هذا أم ذاك فأنها تجعل مقارنة أصحابها بالإقطاعيين في أوروبا في عصورها الوسطى الذين يعيشون على عرق الأقنان أم بالرأسماليين أصحاب الفبارك الذين يجمعون ثرواتهم من فائض القيمة الناتج عن عمل الشغيلة مقارنة فاسدة تعد نوعا من استنباب " نظرية " في غير أرضها بداهة نحن لا نرفض النظرية أو نهون من شأنها أو نقلل من قيمتها العلمية والثقافية وآثارها السياسية والاجتماعية في البلدان العديدة التي أخذت بها وطبقتها ( فلقد كانت نظرية ماركس في الوقت الذي ظهرت فيه أكثر النظريات التي عرفتها العلوم الاجتماعية شمولاً ونضوجاً لذلك ليس من المستغرب أن تكون هذه النظرية قد سيطرت على " الفكر الاجتماعي " في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وكذلك القرن العشرين ، ولكن ما نطلبه أو نطالب به هو أن يكون المنهج هو الاستهداء بالمبادئ العامة التي تتمحور عليها النظرية لا أخذ النظرية بقضها وقضيتها ولزوم مراعاة ظروف مجتمعاتنا العربية وخصائصها وأنساقها التي لا شك أنها تختلف عن المجتمع الأوروبي الذي ظهرت فيه النظرية . وهذا هو عين ما نادى به كثير من المفكرين حتى من داخل الحركة الماركسية ذاتها ، نذكر منهم على سبيل المثال : ( انطنيو غرامشي ) الإيطالي ( أن التقريرية التي كانت في روسيا مباشرة وكانت تطلق الجماهير في الشوارع صوب الفضاء الثوري ، تتعقد في أوروبا الوسطى والغربية نتيجة لكل هذه البنى السياسية الفوقية التي خلقها التطور الأكبر للرأسمالية وتجعل عمل الجماهير أبطأ وأكثر حرصا وهي تتطلب بالتالي من الحزب الثوري استراتيجية كاملة وتكتيكا أكثر تعقيدا وأطول نفسا من الاستراتيجية والتكتيك اللذين احتاج إليهما البلاشفة في الفترة ما بين آذار ـ مارس وتشرين الثاني ـ أكتوبر 1917 ) . هذا النص قد يكون منقطع الصلة بموضوع بحثنا أنما أوردناه لنثبت أن هناك مفكرين ماركسيين أدركوا منذ سنوات طوال ( ولد غرامشي في كانون الثاني ـ يناير 1891م وتوفى في 27 نيسان ـ إبريل 1937 م) أنه من المستحيل الأخذ بالتصور الماركسي أو النظرية على علاتها بل لابد من إدخال تغييرات عليها تتناسب مع جميع الظروف البيئية والحضارية والتاريخية الذي يبغي السير على ضوء مبادئها وألا يتم تطبيقها حرفيا " حذو النعل بالنعل " كما تقول العرب . نعود بعد ذلك إلى ملأ قريش أو ملأ مكة لنقول أنه فعلاً وجد من بين وجوهه أثرياء أمائل عاشوا عيشة مترفة وأن بعضاً منهم عاش على الربا وعلى استغلال عرق الكادحين ولكن ليس من الصحيح تاريخياً أنهم جميعهم كانوا كذلك بل وصل عدد كبير منهم إلى عضوية " الملأ " لصفات ذاتية مثل رجاحة العقل والذكاء والفطنة وحنكة السنين وسعة الأفق ونفاذ البصيرة ـ والحسب والشرف وأن أعضاء حكومة دار الندوة حقيقة أمسكوا بزمام السلطة السياسية ولكن ليس عن طريق جهاز قمعي أو فرقة عسكرية أو تنظيم سلطوي ، ولكن للثراء من جانب ـ وصاحب المال له منزلة في النفوس وهيبة لدى الناس في كل زمان ومكان ـ وكذلك لمميزات البعض الآخر الشخصية وملكاتهم الفردية التي وصفناها كذلك نحن نختلف مع د. حسين مروة أن محور سيطرة الملأ وهيمنته على مكة كان هو النشاط الاقتصادي وحده بل كانت إلى جانبه عناصر أخرى أو محاور منها الديني مثل الأعمال التي اختص بها بنو عبد الدار والاعتباري مثل التقدم في السن وهو ملمح ما زال حتى الآن متجذراً في المجتمعات كافة العربية وخاصة الريفية والبدوية . كذلك نخالفه فيما ذهب إليه من أن المجتمع المكي كان مجتمعا طبقيا بالمعنى المتعارف عليه في الأدبيات الماركسية وهذا ما سوف نشرحه في الفصول القادمة . ولا يفهم من تقييمنا لـ " ملأ قريش " أنهم كانوا يعملون لصالح المحكومين تماما وأنهم كانوا يحرصون على رفاهتهم ولكن ما نريد أن ننتهي إليه أنهم لم يبلغوا تلك المنزلة من السوء ولم تصل صورتهم إلى تلك الدرجة من القتامة التي رسمها لهم د . حسين مروة . ولكن ممن تكونت حكومة الملأ ـ ملأ قريش ؟ وكيف كان شكلها ؟ وما هو الوصف الذي يمكن أن يطلق عليها ؟ يقول د . طه حسين أن قريشاً ( كان لها سادة أو شيوخ يلتئم منهم مجلس قي المسجد الحرام أو في دار الندوة ، وأن هذا المجلس تعرض عليه مشكلات التجارة وتعرض عليه مشكلات التجارة وتعرض عليه المشكلات التي تكون بين أحيائها وقد تعرض عليه المشكلات التي تثور بين الأفراد إن بلغت من الخطر أن تثير خصومة بين حيين أو أكثر ) . والعميد هنا يخط لمجلس ملأ قريش خطوطاً فيها كثير من التبسيط وينسب إليه قدراً وفيراً من السذاجة ولم يكن حاله كذلك ولم تحصر مهام حكومة الملأ على حل مشكلات التجارة أو تلك التي تنفجر من حين لآخر بين الأحياء أو بين الأفراد وتبلغ حداً خطيراً ينذر بشر مستطير ، بل أنها مارست كل أوجل ما تباشره الحكومات في زمانها وفي جميع الأزمنة : : ( في العقد الفريد : من انتهى إليه الشرف في الجاهلية فوصله بالإسلام عشرة رهط من عشرة أبطن وهم : هاشم وأمية ونوفل وعبد الدار وأسد وتيم ومخزوم وعدي وجمح وسهم فكان : ( 1 ) من هاشم : العباس بن عبد المطلب يسقي الحجيج ( 2 ) ومن بني أمية : أبو سفيان بن حرب وكانت عنده راية قريش " العقاب " ( 3 ) ومن بني نوفل : الحارث بن عامر وكانت إليه الرفادة ( 4 ) ومن بني عبد الدار : عثمان بن طلحة وكان إليه اللواء والسدانة مع الحجابة والندوة ( 5 ) ومن بني أسد : يزيد بن زمعة بن الأسود وكانت إليه المشورة ( 6 ) ومن بني تيم : أبو بكر الصديق وكانت إليه الأشناق وهي الديات والمغارم (7) ومن بني مخزوم : خالد بن الوليد وكانت إليه القبة والأعنة ( 8 ) ومن بني عدي : عمر بن الخطاب وكانت إليه السفارة ( 9 ) ومن بني جمح : صفوان بن أمية وكانت إليه الأيسار فهي الأزلام ( 10 ) ومن بني سهم : الحارث بن قيس وكانت إليه الحكومة والأموال المحجرة التي سموها لآلهتهم ) ويورد محمد كرد على نصاً مشابهاً عن اختصاصات أعضاء حكومة الملأ ثم يستطرد قائلاً : ( ومعنى هذا أن أهم الأعمال التي فيها قيام مجتمعهم ( أهل مكة ) قد أسند النظر فيه إلى أفذاذ من بطون معروفة ) وإذا كان الأستاذ محمد كرد علي في هذا النص لم يذكر كلمة " حكومة " فإن باحثين آخرين أكدوا أن أولئك العشرة كانوا هو حكومة الملأ التي كانت تتولى السلطة في مكة ، منهم الأستاذ أحمد عباس صالح ( تتولى السلطة في مكة تلك الحكومة المكونة من عشرة رجال يمثلون القبائل المختلفة من الظاهر ولكنهم في الواقع يمثلون القوة العالمية التجارية للمجتمع المكي ) ( ولما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وجد فيه حكومة ثيوقراطية في يدها السلطة السياسية والدينية ) كما يؤكد أ . برهان الدين دلو أن ( حكومة دار الندوة أو الملأ كانت تتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية وإدارية تتناول الشئون العامة والخاصة لسكان مكة ومنها : ( أ ) تبحث قضايا الحرب والسلام وتتخذ القرار بإعلان الحرب أو الجنوح إلى السلم وحل الخلافات التي قد تحدث في قريش وأي طرف آخر بطريق التفاوض ( ب ) تبحث شئون التجارة والأسواق والحج وهي المرافق الرئيسية التي تعمل فيها غالبية أهل مكة ( ج ) تبحث قضايا اجتماعية بما فيها القضايا الخاصة بسكان مكة مثل عقد الزواج والختان والمعاملات والبلوغ " بلوغ عمر الشباب " وغيرها ( د ) يبحث فيها الملأ مسألة أخرى فكانوا ينتدون فيها أي يجتمعون للخير والشر وعلى حد تعبير ابن سعد يتشاورون في أمر ما نزل بهم ) وللدكتور جواد علي رأي في توزيع اختصاصات الحكم بين أعضاء الملأ ( أما ما يتعلق بأمر المدينة كلها كأمر مكة مثلاً من أمور تتعلق بأحوال السلم والحرب فيترك النظر في ذلك إلى الملأ ( ملأ مكة ) مثلا وهم وجوه مكة وسادتها من كل الأسر فيجتمعون في " دار الندوة " أو في دور الرؤساء للنظر في القضايا والبت فيها ولا نجد في مكة نوعاً من التخصص في الأمور الظاهرة آنذاك انما كان عن استئثار بعض الرجال البارزين بعمل من الأعمال ، ونحن لا نوافق د. جواد علي ما ذهب إليه من أن الأكر كان يرجع إلى استئثار نفر من الرجال البارزين ببعض الوظائف انما مرده في نظرنا إلى مواهب أولئك الذين تولوها وصلاحيتهم لها ومقدرتهم عليها وسجاياهم ، فعلى سبيل المثال : ( أ ) عندما تولى أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ " الأشناق " وهي الديات والمغارم اختير لها لمعرفته التامة بالأنساب التي تساعده على تحديد قيمة الديات والمغارم الواجب دفعها. ( ب ) واسندت إلى خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ " الأعنة " لفروسيته وعبقريته الحربية حتى قيل عنه بحق أنه " لم يهزم لا في الجاهلية ولا في الإسلام " . ( ج ) ولما نقرأ أن " السفارة " أوكلت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ نتذكر أن الرسول محمداً عليه الصلاة والسلام قبل توقيع صلح الحديبية طلب منه أن يذهب إلى مكة ليفاوض مشيخة قريش ، مما يقطع بصلاحيته التامة لهذه المأمورية وأن النبي عليه السلام كان يعرف جيداً ذلك عنه ، فلم يكن الأمر إذن أمر استئثار بل كما يقول المثل الحديث " وضع الرجل المناسب في المكان المناسب " ومن الأعمال التي كانت تضطلع حكومة الملأ القرشي " العمارة " وقد أسندت إلى العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ـ (وكان ينهي الناس من التكلم في المسجد الحرام بهجر ولا رفث ولا أن يرفع صوته ) لتأكيد قدسية " المسجد الحرام " في نفوس الناس ولتثبيت هيبته في قلوبهم إذ القرشيون أنفسهم استمدوا مكانتهم العالية منه ، فقد درجت العرب على تسميتهم بـ " أهل الحرم " وبه كانوا يمتازون على سائر القبائل ، وفي خبر آخر أن شيبة بن عثمان قد وليها أيضا ، وغدت عمارة البيت على عمومها من مفاخر قريش ، قد أشير إليها في القرآن الكريم ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ) ومن الواضح أنها لم تقتصر على مراقبة سلوك قصاد المسجد الحرام بل شملت عدة مسائل أخرى تتصل بتعميره خاصة وأن الكعبة قد تعرضت لبعض النوازل التي صدعت بنيانها ومن البديهي أن العمارة تغاير السدانة والحجابة وهما وظيفتان دينيتان اختص بهما بنو عبد الدار واختصاص فرع من قبيلة بشئون العبادة وإقامة الشعائر وأداء الطقوس أمر شائع في كثير من الديانات . وفي الوقت الذي ذهب فيه برهان الدين دلو إلى أن حكومة دار الندوة تمتعت بسلطات متنوعة منها السلطة القضائية ، يرى د. صالح أحمد العلي أنه ( لم تكن فيها تنظيمات قضائية ولا يوجد منصب للقاضي ) ، ونحن نرجح الرأي الآخر لأن كل بطن أو فخذ من قريش كان يسكن شعبا أو محلة يترأسها أحد الكبراء أو السادة المحليين ، وهو الذي كان يقضي في المنازعات التي تنشب بين الأفراد ، كذلك قرأنا عن " حكام " على مستوى القبيلة يلجأ الناس إليهم للحكم في قضاياهم ومن ثم خلت حكومة الملأ المكي أو القرشي من السلطة القضائية ، إلا أن يستعر أوار الخصومة بين حيين أو فخذين مما قد ينبى بعواقب وخيمة، فهنا تتدخل حكومة الملأ لفض الاشتباك وهو ما أشار إليه العميد د. طه حسين كما رأينا في مفتتح البحث ، وهذا عمل سياسي أكثر منه تحكيماً قضائياً . نخلص من ذلك إلى أن الأرستقراطية القرشية شكلت حكومة الملأ التي تمكنت بثروتها وجاهها ونفوذها أن تمسك بمقاليد الحكم في المدينة المقدسة " مكة " ولتكون مقدمة لدولة قريش التي أنشأها في يثرب محمد بن عبد الله ـ عليه السلام ـ والتي قدر لها أن تسيطر على شبه الجزيرة العربية وهو الحلم الذي راود أجداده : قصي وهاشم وعبد المطلب . كانت حكومة الملأ تنعقد في " دار الندوة " ولو أن د . طه حسين ذهب إلى أنها كانت تجتمع في المسجد الحرام في بعض الأحيان ، كما أن رأي د. جواد علي أنه من الجائز أن يتم الاجتماع في دار ( أحد الأعضاء ) ولكن في الأغلب الأعم فإن مستقرها كان في " دار الندوة " . في المبحث الخاص بـ " قصي " قلنا عنه أنه أول من أصاب ملكاً من ولد كعب بن لؤي ودانت له قريش كلها بالسيادة والشرف دون منازع وأنه بني دار الندوة كشارة لقيام حكومة مركزية تبدأ بالهيمنة على مكة توطئة لحكم الجزيرة العربية بأسرها ( وكانت الندوة أو دار مجمع قريش ويتشاورون في حربهم وأمورهم ) وبعد قصي ظلت مركز الحكم ورمز السلطة ومن ثم اتخذتها حكومة الملأ لها مقرا، فدار الندوة هي دار ملأ مكة وهم سادتها وأشرافها وعلية القوم وأولي الأمر فيها أي الأرستقراطية القرشية ) . وقال ياقوت : جعل قصي مكة ارباعاً وبنى بها " دار الندوة " فلا تزوج امرأة إلا في دار الندوة ولا يعقد لواء ولا يعزر غلام ولا تدرع جارية إلا فيها وسميت الندوة لأنه كانوا ينتدون فيها الخير والشر . وأهم خصائص دار الندوة أنها كانت دار مشورة قريش . من هنا تجئ أهمية مزيد من الضوء على هذه ( الدار ) يساهم في إبراز قسمات حكومة الملأ : كما ذكرنا أن من بناها هو قصي بن كلاب وكانت ( قرب الكعبة وبئر زمزم والراجح أنهم تعمدوا اختيارها في ذلك الموضع لتكسب المناقشات صيغة وقورة ) كما جعل بابها إلى البيت ولا شك أن قصيا ـ وكان من أدهى العرب قد اختار لها هذا الموقع لتكون لها في الصدور هيبة وقداسة ومن ثم فأن القرارات التي تصدر فيها لابد أن تقابل بالتسليم والطاعة ولإضفاء مزيد من الوقار عيها فقد كان من المحظور دخولها إلا من تعدى الأربعين عاما وكانت هذه هي سن النضوج عند العرب وقد جاء في القرآن الكريم ( حتى إذا بلغ أشده أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ) ويذكر في هذا المقام أن محمداً عليه السلام لم يأته الوحي من السماء إلا في هذه السن ويبدو أن غير العرب لم يكونوا على هذا المعتقد لأن عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ أوحى إليه قبل الأربعين . واستثنى من قيد بلوغ الأربعين بنو عبد الدار لأنهم " أصحابها " ويروي الإخباريين أن الندوة ظلت حتى عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان إذ ظل بنو عبد الدار يتوارثونها ( حتى صارت لعكرمة بن عامر بن هشام الذي باعها لمعاوية بن أبي سفيان بمائة ألف دينار ) . ولا شك أن معاوية دفع فيها هذا الثمن لغرض سياسي . يشرح لنا ابن سعد في الطبقات الكبرى العلة في إطلاق اسم الندوة على تلك الدار ( وإنما سميت دار الندوة لأن قريشاً كانوا ينتدون فيها أي يجتمعون للخير والشر ، والندى مجمع القوم إذا اجتمعوا… ففيها يكون أمر قريش كله وأضاف الازرقي : ( وحلفاؤهم كبير وصغير ) ومما هو جدير بالذكر أنه حتى الآن طبقاً للشريعة الإسلامية ( يستحب لمن دخل مكة أن يبادر إلى ( البيت ) بعد أن يدع أمتعته في مكان أمين ) مع ملاحظة ما سبق أن سطرناه : أن دار الندوة بين الكعبة وبئر زمزم وأن بابها كان إلى البيت " الكعبة " ولم تكن هذه هي البصمة الوحيدة التي تركتها " دار الندوة " في الوجدان العربي ، فقد ورد فيما سبق أن ابن سعد في طبقاته الكبرى ذكر أن القرشيين إذا عزموا النكاح عقدوه في دار الندوة والنكاح هو الزواج ، وفي أيامنا هذه تتم عقود الزواج بالعشرات كل أسبوع في القاهرة في المساجد التي بها أضرحة يرقد بداخلها أحفاد قصي مؤسس دار الندوة . وكما رأينا من نص ابن سعد وغيره من كتاب السيرة أن قريشاً كانت تباشر أمورها السياسية والعسكرية كافة إلى يد الملأ في دار الندوة كذلك المسجد في فجر الإسلام كانت تتم فيه المشاورات في الأمور ومنه تخرج السرايا للقتال وتستقبل الوفود وتفض المنازعات وتحرر الرسائل التي حملها السفراء إلى الملوك والحكام ، وبالجملة كان نسخة مكررة من " دار الندوة " في هذه الجوانب . وليس غريباً أن يؤكد غالبية الكتاب " الإسلاميين " حالياً أن المساجد ركائز الجماعة الإسلامية ، وأن يطالبوا بعودة دور المساجد كما كان في الصدر الأول أزهى عصور الإسلام والحلم الذهبي الذي يداعب أجفانهم في المنام واليقظة ويأملون في استعادته بل أن هناك جماعات وهيئات أقيمت لتحقيق تلك الغاية لعل أولئك الكتاب والباحثين ومنشئي الجماعات والهيئات لا يدركون أنهم يتحركون من أعماق اللاشعور الذي انغرز في أغوار نفوسهم منذ عهود سحيقة ترجع إلى قصي ، نقول لا غرابة في ذلك إذ أنه مازالت عادات وتقاليد قدماء المصريين تؤثر على معتقدات وسلوك المصريين المعاصرين وفي شتى مناحي الحياة حتى التعبدية والشعائرية ناهيك بالاجتماعية . وظلت مكانة دار الندوة والمهام التي تنجز فيها مستمرة حتى فتح مكة ، لأن النظام الذي وضعه قصي ظل معمولا به لأن القرشيين ما فتئوا ( يتبعون أمره كالدين المتبع لا يعمل بغيره في حياته وبعد موته) وأخذ الملأ يباشر وظائف السلطة المتنوعة من دار الندوة وهي كما رأينا تغطي الجوانب كافة التي فصلنا فيها القول في البحث السابق ومن بين تلك الجوانب : الاجتماعي إذ فيها ( أن كانت جارية تبلغ أن تدرع فما يشق درعها إلا في دار الندوة ) ويعقب د . صالح أحمد العلي هذه الفقرة بقول ( ولدينا نص غامض يذكر أن الفتاة إذا بلغت جئ بها إلى دار الندوة مما يدل على أن دار الندوة يسجل فيها المواطنون عند بلوغهم سن الرشد أو سن المواطنة ) . أما حديث د . العلي عن المواطنة والمواطنين وتسجيلهم عند بلوغهم سن الرشد أو سن المواطنة فهو لأن مجتمعهم المكي في ذلك الوقت لم يبلغ الدرجة الحضارية التي تؤهله لذلك ، ويبدو أن د. العلي قد نسى أنه عند ظهور الإسلام لم يكن في مكة بأسرها سوى سبعة عشر رجلاً يعرفون القراءة والكتابة وأنهم استعاضوا عن التسجيل بما يناسب مجتمعهم وهو حفظ الأنساب وكان هناك من هو مختص بها أو ضليع فيها مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، أما النص أو الفقرة المذكورة فلم يعتورها غموض كما رأى د . صالح فـ " الدرع للجارية " الفتاة " ثوب صغير تلبسه في بيت أهلها ، فإذا بلغت عمر الشباب شق عنها هذا الثوب وألبسوها ثوب كبير تلبسه المرأة في بيتها ، وكان الذي يتولى شق الدرع للجارية بنو عبد الدار بن قصي في دار الندوة ( فإذا بلغت الجارية منهم أدخلت دار الندوة فجاب عليها درعها عامر بن هاشم ابن مناف بن عبد النار بن قصي ثم انصرفت إلى أهلها فحجبوها أو بعض ولده ) . ويعلل أحد الباحثين ختان الصبيان وشق دروع الصبايا داخل دار الندوة بأنه مجرد تعريف بالبالغين من قريش الذكور والإناث . ويبدو أن ذلك التقليد كان يجري في الجاهلية بـ " مراسم احتفالية " فهو إذن ضرب من " طقوس الانتقال " وهو تعبير استحدثه الانثربولوجي " فان جنيب " ( للدلالة على مجموعة من الطقوس التي يرعاها الأفراد عند اجتيازهم مرحلة من مراحل تطورهم البيولوجي والاجتماعي من المهد إلى اللحد . ومن هذه الطقوس أن تراعي المرأة الحامل مجموعة من الطقوس مثل عدم حلب اللبن وعند ولادة الطفل يراعي كل من والده ووالدته طقوساً أخرى وكذلك الشأن عند تسميته وقص شعره لأول مرة وكذلك عند بلوغه سن المراهقة وعند زواجه وفي مرضه وعند موته ) ومما يؤسف له أن الإخباريين نقلوا لنا هذا ( الطقس ) في عبارات مختصرة ولم يفصلوا لنا مراسم الاحتفال ببلوغ الجارية سن الرشد ، إنما على كل حال فإن مثل هذه الشعائر كما يعتقد العالم ليتس ( نوع من السلوك الاجتماعي له صفة رمزية تنعكس في الشعائر والممارسات الدينية وأحياناً يعبر عنها في سياق العادات والتقاليد الاجتماعية ) ومن الشعائر التي ينطبق عليها هذا الوصف ما تنص الديانة الإسلامية أنه عند ولادة المولود يقص شعره ويتصدق بوزنه فضة أو ذبح ذبيحة يتصدق بلحمها أو هما معاً ويطلق على هذه الشعيرة الاجتماعية " العقيقة " وهي ( التصدق بزنة شعر المولود فضة ، وفي النهاية هي الذبيحة التي تذبح عن المولود وأصل العق : الشق والقطع ، وفي الحديث " الغلام مرتهن بعقيقته " وقيل معناه : أن أباه يحرم شفاعة ولده إذا لم يعق عنه والرهينة الرهن لله وفي الحديث " كل غلام رهينة بعقيقة " والمعنى : أن العقيقة لازمة لابد منها ، فشبهه في لزومها عنه وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن ) . ومن بين ( طقوس الانتقال ) لدى القبائل الدنكا قص شعر المولود لأول مرة وعند بلوغه سن المراهقة وعند زواجه وفي مرضه وعند موته . كذلك ذكر ابن سعد أنه ( لا يعذر لهم غم إلا في دار الندوة ) وفي قواميس اللغة ( واعذر الغلام والجارية أي ختنهما ) أي أن الختان للصبيان كان يتم أجراؤه في دار الندوة وهو من " طقوس الانتقال " وجاءت عبارة ابن سعد في شأنه مقتضبة أيضاً إذ لم يوضح لنا مراسم الاحتفال الذي كان يقام لهذه الشعيرة الاجتماعية ، وهو يقطع بأن قريشاً عرفت الختان ولعلها تأثرت في ذلك اليهودية مما يدل على أنها كانت منتشرة أو معروفة لديها كما سيجيء في المبحث الخاص بـ " اليهودية " أو أنها كانت من تأثير " الحنيفية " على القرشيين خاصة وأن اثنين من سادتهم كانا من المتحنفين هما : لؤي بن غالب وعبد المطلب بخلاف من اعتنقها منهم مثل : ورقة بن نوفل ابن عم السيدة خديجة رضي الله عنها الزوجة الأولى لمحمد عليه السلام وزيد بن عمرو بن نفيل عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وحتى وقت قريب كان يتم ختان الصبية في مدينة القاهرة أمام المساجد التي بها أضرحة لأحفاد قصي مؤسس دار الندوة . لعله من نافلة القول أن نضيف أن إجراء ختان الصبيان وشق درع الجارية أو الفتاة في دار الندوة دليلان لا يقبلان الشك على أن " حكومة الملأ " كانت تهيمن على شئون أهل مكة كافة صغيرها وكبيرها عبر " دار الندوة " وظلت كذلك حتى خلفتها الدولة التي أقامها محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب عليه السلام في يثرب . * * * * ثم نأتي إلى السؤال الأخير : ما هو الوصف الذي يمكن أن يطلق على " حكومة الملأ " ؟ وما هو نوع تلك الحكومة ؟ لسنا في حاجة إلى جهد كبير لنصل إلى أنها حكومة نخبة أو صفوة أو " إيليت " . ( من الحقائق الثابتة التي يمكن أن نلحظها في الكائنات العضوية السياسية ، هناك دائماً حقيقة واضحة إلى أبعد حد حتى بالنسبة للعين العارضة ـ ففي كل المجتمعات ـ ابتداء من تلك التي حققت بالفعل شوطاً كبيراً من التقدم ثم شهدت أفولاً بعد ذلك حتى تلك التي لا تزال في قوة تقدمها وقوتها : طبقتان متميزتان من الناس ، طبقة تحكم والأخرى تُحكم والطبقة الأولى عادة ما تكون أقل عددا وأقوى سلطة على الوظائف السياسية وأشد احتكاراً للقوة فضلاً عن تمتعها بالمزايا المصاحبة للقوة ، أما الطبقة الثانية فهي الأكثر عدداً والخاضعة لتوجيه وتحكم الطبقة الأولى ) فالملأ القرشي هنا هو الحاكم ويتكون من فئة محدودة من الأشخاص سيطرت بقوة مالها وجاهها ونفوذها على مقدرات السلطة في مكة واحتكرت الوظائف السياسية وفرضت هيمنتها على باقي السكان : القرشيين الفقراء والموالي والعبيد على حد سواء ومن يفد إلى العاصمة لغرض تعبدي أو اقتصادي إذ أن أوامرها كانت تسري عليهم جميعاً ولا يستطيعون عصيانها أو حتى مخالفتها . ( أسباب حكم القلة عديدة في التاريخ أبرزها الدين والنسب والثروة والثقافة والقوة العسكرية ويساعد على هذا تخلف الأكثرية واستسلامها ، ولئن كان لحكم بعض مزايا " فنية غالبا " إلا أنه يهدر مصالح الأغلبية ومشاعرها ويزكي غرور القلة وتعاليها ) . شهدت مجتمعات كثيرة على مر التاريخ في معظم بلاد " حكم الصفوة وكانت دائماً أكثر الجماعات هيبة وأكفأها أثراً وتتألف من المبرزين المتفوقين على غيرهم وفي السياسة غالباً ما يكون الامتياز في الثروة ، ولكن هذا لا يمنع وجود عناصر أخرى مثل النسب والحسب اللذين كان لهما قيمة معيارية عالية في المجتمعات القديمة ومنها المجتمع العربي ، ورجاحة العقل والذكاء ونفاذ البصيرة وسعة الأفق وطلاقة اللسان وقوة العارضة وسرعة البديهة والمنجزات الأخلاقية والموهبة العسكرية وهي صفات إيجابية تحسب لها ، بجانب المثالب إلى تلازمها عادة مثل : الميل إلى القهر والتسلط والنفور الشديد من المعارضة والأثرة والركون إلى الترف والانكباب على الشهوات والملذات والتعالي والشموخ ، كذلك يميل أعضاء النخبة إلى التماسك أي ( أن أفرادها متحدون أي أن كل واحد منهم يعرف الآخر فيتفاعل ويتعاون معه وهذا ما يساعد الطبقة على تحقيق أهدافها ) ، ولكن لا يمنع تماسك الصفوة من وجود تنافس بين أعضائها ( مثل التنافس الشهير بين بني هاشم وبني عبد شمس أو بني أمية وهما فرعا عبد مناف بن قصي ) وفي هذا يقول د . حسين مؤنس ( فالعداوة التي بين هاشم وبني هبد شمس لم تكن قديمة ولا دموية منذ ميلادهما بل هي نشأت بعد ذلك لأسباب قبلية وأخرى سياسية ) وكان حرياً بالباحث ألا يستعمل كلمة " عداوة " لأنها كانت في ذلك الوقت تنافساً لا عداوة والتنافس بين أفراد الصفوة أمر طبيعي فـ ( ليست الفئة الحاكمة أكثر اتحاداً من الدول فالعناصر التي تؤلفها تتزاحم لتضمن لنفسها السلطة والهيبة والقدرة المالية ) انما لا يبلغ ذلك التزاحم درجة الخروج عن المصالح الصفوة أي أن هناك حداً معيناً لا يسمح لهم تنافسهم بتخطيه إذ أن من أهم علامات النخبة ( أن كل فرد فيها يتفاعل ويتعاون مع الآخرين لبلوغ أهداف معينة ) . ولكن د. أحمد إبراهيم الشريف ينكر قيام خصومة بين بني هاشم وبني عبد شمس ( أمية ) وأنهما من عبد مناف وكانت قريش تعتبر بني عبد مناف عصبة واحدة وفي الروايات التي أتت لهذا الخبر،ويرى أنها بنيت على قصة أسطورية وهي ولادة هاشم وابني توأمين ملتصقين . إن من أهم أسباب تعاون الملأ المكي كصفوة حاكمة هو وجود قرابة بينهم وشعورهم بانحدارهم من جد واحد . فأن رجال قريش استطاعوا أن يحافظوا على وحدة القبيلة وتماسكها ولم يقبلوا اطلاقاً أن يحدث تفك صفوفها أو ينشب خلاف يؤدي إلى تعارك العشائر . ومن دوافع تفوقهم الذي أهلهم لتسنم ذري السلطة هو انتماء عدد منهم مثل : بني هاشم وبني أمية وبني عبد الدار وبني مخزوم إلى الذؤابة العليا في قبيلة قريش ، وهو ما يسميه ابن خلدون في ( المقدمة ) الحسب والشرف ( وهكذا فالنسب حتى ولو كان صريحا حقيقيا لا يكفي وحده كمؤهل للرئاسة بل لابد من الحسب والشرف ، والشرف هو شيء متوارث أبا عن جد ) ويضيف ابن خلدون إلى وراثة الدم ( وراثة الخلال الحميدة التي جعلت من الجد الأول رئيساً ) مثل الكرم والشجاعة والصدق والمروءة .. ) الخ وهو ما تحقق بقدر معقول في الملأ القرشي . نبادر هنا بالتأكيد على التحفظ الذي سبق أن ذكرناه وهو أن توافر هذه الصفات في كثير أو بعض أفراد حكومة الملأ لم يحولها إلى ( حكومة خيرة ) وقفت نفسها على خدمة الفئات المحرومة " المحكومين " والسهر على مصالحهم ، ولكن هذه الميزات الأخلاقية هي أصلا موضع تقدير مجمع عليه في المجتمع العربي آنذاك ومن ثم يستحيل على من يتولى الرئاسة أن يتغاضى عنها وألا يتحلى بها حتى أنه على مستوى القبائل العادية يراعي في اختيار شيخ القبيلة لزوم تحليه بهذه الشمائل . * * * * اختلف الباحثون في وصف حكومة الملأ وتحديد نوعها : العميد د . طه حسين ذهب إلى أن ( حكومة الملأ لم تكن جمهورية أرستقراطية ولم تكن جمهورية ديمقراطية بالمعنى المألوف لهذه الكلمة ) في حين يقارن مونتجمري واط بين حكومة الملأ وحكومة أثينا إذ يقارن بين مركز أبي سفيان في مكة ومركز بير كليس في أثينا وبالتالي بين الديمقراطية العربية و الأثينية وأن العرب كانوا يعرفون هذه الديمقراطية وأن كانت أقل احتضاناً لفكرة المساواة من ديمقراطية الإغريق ) ففي حين ينفي د .طه حسين وصف " حكومة الملأ " بأنها ديمقراطية يرى " واط عكس ذلك وأن العرب عرفوا الديمقراطية وأن كانت أضأل من نظيرتها الاتينية إذ جاء عنصر المساواة فيها أقل . ووصفها د .حسين مروة أنها ( شكل من أشكال السلطة السياسية لسيطرة الفئة المالكة على وسائل الثراء واستغلال الآخرين يبدو أنه مرتبط تاريخياً بسيطرة الأرستقراطية التجارية القرشية ) . أما محمد كرد علي فيرى أنها ( جمهورية صغرى تولى زمامها أمثل الناس وحمل تبعتها الزعماء راضين مختارين ) ويتضح من أسلوبه أنه يعمد إلى الطريقة التمجيدية لا إلى التقييم العلمي الدقيق . وبنظر د . توفيق سلطان اليوزبكي ( أنها حكومة ثيوقراطية في يدها السلطة السياسية والدينية ) وهذا الباحث قد جانبه الصواب في هذا التوصيف فلم يكن أعضاء الملأ من رجال الدين ولم يدعوا أنهم يحكمون بالحق الألهي المقدس حقيقة أن بعضهم كان يتولى أعمالا دينية مثل الحجابة والسدانة ولكن لم يكن لذلك تأثير على الحكم بحيث يمكن أن يقال أنه كان مصبوغاً بالصبغة الدينية ( اللاهوتية ) كذلك وظف الدين كـ " مدماك " لتثبيت دعائم حكومة قريش لوجود مكة التي يقدسها العرب عن بكرة أبيهم رغم وجود بضع وعشرين كعبة في الجزيرة ، وأن هذا الاتجاه ( توظيف الدين ) بدأ مبكرا على يد قصي المؤسس الأول ثم استمر بمعرفة أحفاده من بعده وظل كذلك حتى تحققت الخطة وقامت دولة قريش في يثرب ، ولكن ذلك أيضا لا يبرر وصف الحكومة الملأ بأنها ثيوقراطية . وفي رأينا أن حكومة الملأ كانت أقرب إلى " دولة المدينة " باشرت السلطة فيها أقلية أو ليجاركية استندت إلى الثروة والنسب والحسب والميزات الفردية لأعضائها ووظفت الجانب الديني لتدعيم سيطرتها وأنه من الصعب أن نضفي عليها تصنيفا من نوع تلك التصنيفات التي عرفت في البلاد الأخرى . خاصة أن اليونان وهي تحكم كان من المستحيل عليها أن تخرج عن موجبات التقاليد والأعراف في مجتمعها العربي . نأمل أن يفهم من قولنا أن حلف الفضول كان هو المقدمة لـ " حكومة الملأ " أن هناك مرسوماً جمهورياً صدر بإقالة " حلف الفضول " بعد انتهاء مهمته وإنشاء " حكومة الملأ " أو أن هذه الحكومة حلت محله في تسلسل تاريخي صارم من المنطقي أن تكون عناصر جنينيه لهذه الحكومة بدأت تتشكل قسماتها في رحم المجتمع المكي أثناء قيام حلف الفضول ثم أخذت تنمو رويداً حتى اشتد عودها وأخذت مكانه وسيطرت على مقاليد الحكم في كدينة القدس تماماً مثل ما يحدث وقت السحر عندما تتشابك خيوط أو أضواء الفجر مع فلول ظلام الليل حتى تتلاشى الأخيرة ويطلع الفجر ، ذلك أنه كان من المستحيل بقاء النظام القبلي بسائر تقاليده سائدا في مكة الحلقة القادمة (المقدمات الدينية اليهودية والمسيحية)
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy