قصة الحضارة (58)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 



مولعين بالحروب ولعهم بالمواعظ. ولقد قتل ثمانية من ملوك إسرائيل التسعة عشر(177). وكانت العادة المتبعة أن تدمر المدن التي يستولون عليها في حروبهم،

 

وأن تقطع بحد السيف رقاب جميع الذكور من سكانها، وأن تتلف الأرض حتى لا تصلح للزرع إلا بعد زمن طويل، شأنهم في هذا شأن الناس في تلك الأيام(178).

 

ولعل أعداد القتلى الواردة في أقوالهم كان يبالغ فيها كثيراً. فليس من المعقول مثلا أن "يقتل بنو إسرائيل من الآراميين مائة ألف رجل في يوم واحد"(179) بغير آلات الحرب الحديثة

 

. وكان اعتقادهم أنهم شعب الله المختار(180) سبباً في ازدياد الكبرياء الطبيعي في أمة تشعر بما لها من مواهب متفوقة، كما كان سبباً في تقوية ما لديهم من نزعة إلى اعتزال

 

غيرهم من الشعوب من الوجهتين العقلية والروحية

 

، وفي حرمانهم من أن ينظروا إلى الأمور نظرة أممية كان أبناؤهم جديرين بأن يصلوا إليها. لكنهم مع ذلك بلغوا درجة عظيمة من الفضائل المتصلة بصفاتهم هم أنفسهم،

 

وكان منشأ عنفهم هو ما كانوا يتصفون به من حيوية عارمة جامحة؛ وكانت عزلتهم ناشئة من تقواهم، كما كان ميلهم إلى الخصام والتذمر ناشئاً من حساسيتهم القوية

 

التي أمكنتهم من إنتاج أعظم آداب الشرق الأدنى؛ وكان كبرياؤهم العنصري أقوى سند لشجاعتهم في خلال قرون التعذيب الطوال. ذلك أن الناس يكونون كما تضطرهم الظروف أن يكونوا.

والوصية السابعة تعترف بأن الزواج هو الأساس الذي تقوم عليه الأسرة، كما تعترف الخامسة بأن الأسرة هي أساس المجتمع، وهي تضفي على الزواج كل ما يستطيع الدين

 

أن يضفي عليه من عون. ولا تذكر شيئاً عن العلاقات الجنسية قبل الزواج، ولكن ثمة أنظمة أخري تحتم على الفتاة أن تثبت أنها عذراء

في يوم زواجها وإلا رجمت حتى تموت(181). ولكن الزنا كان رغم هذا منتشراً بين اليهود، ويلوح أن اللواط لم ينقطع بعد تدمير سدوم وعمورة(182).

 

ولما كان القانون فيما

 

يلوح لم يحرم الاتصال بالعاهرات الأجنبيات، فإن السوريات، والموآبيات والمَدْينيات وغيرهن من "النساء العازبات" انتشرن في الطرق العامة،

 

حيث كن يعشن في مواخير وخيام

 

، ويجمعن بين الدعارة وبيع مختلف السلع الصغيرة. ولما كان سليمان لا يتشدد كثيراً في هذه الأمور، فإنه قد تساهل في تطبيق القانون الذي كان يحرم على تلك النساء السكنى

 

في أورشليم؛ وسرعان ما تضاعف عددهن حتى كان الهيكل نفسه في أيام المكابيين ماخوراً للزنا والفجور كما وصفه مصلح غضوب(183).

ويلوح أن الحب كان له عندهم نصيب، فقد "خدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها"(183)، ولكن الحب لم يكن له إلا شأن قليل في اختيار

 

الأزواج. وكان هذا الزواج قبل نفي بني إسرائيل من الأمور المدنية المحضة، يعقده أبوا الزوجين أو يعقده الخطيب وأبو العروس. وفي أسفار العهد القديم شواهد على زواج السبايا؛

 

ويجيز يهوه الزواج من سبايا الحروب(185)، ولما نقص عدد النساء أوصى الكبار "بني بنيامين قائلين امضوا واكمنوا في الكروم، وانظروا فإذا خرجت بنات شيلوه ليدرن في الرقص

 

فاخرجوا أنتم من الكروم واخطفوا لأنفسكم كل واحد امرأته من بنات شيلوه واذهبوا إلى أرض بنيامين"(186). ولكن هذه الخطة كانت من الخطط النادرة، أما السنة المألوفة فكانت سنة

 

الزواج بطريق الشراء، فقد ابتاع يعقوب ليئة وراحيل بعمله. واشترى بوعز راعوثَ اللطيفة شراء سافراً. وكان ممن أشد ما ندم عليه النبي هوشع أنه ابتاع زوجته بخمسين شاقلاً(187).

 

وكان الاسم الذي يطلقه العبرانيون على الزوجة وهو "بولة" يعني "المملوكة"(188). وكان

والد الزوجة يعطيها في مقابل ما يتقاضاه ثمناً لها بائنة- وهو نظام يفيد أعظم فائدة في تضييق الثغرة الفاصلة بين نضج الأبناء الجنسي ونضجهم الاقتصادي في حضارة المدن،

 

وهي ثغرة مفككة للمجتمع.

وإذا كان الرجل ثرياً أبيح له أن يتزوج بأكثر من واحدة؛ وإذا كانت الزوجة عاقراً، مثل سارة، أشارت على زوجها بأن يتخذ له خليلة. وكان الهدف

 

الذي ترمي إليه هذه السنن هو تكثير النسل.

وكان طبيعياً لديهم أن تقدم راحيل وليئة خادماتهما إلى يعقوب بعد أن ولدتا له كل ما تستطيعان أن تلدا من الأبناء، لكي يلدن له هن أيضاً أبناء(188). ولم يكن يسمح للمرأة بأن تظل

 

عقيماً؛ ومن أجل ذلك فإن الأخ إذا مات أخوه كان يحتم عليه أن يتزوج أرملته مهما كان عدد زوجاته؛ فإذا لم يكن للميت أخ فرض هذا الواجب على أقرب الأحياء من أسرته (189)

 

. ولما كانت الملكية الفردية أساس النظام الاقتصادي اليهودي فقد كان لكل من الرجل والمرأة معيار خلقي خاص. فللرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، أما المرأة فكانت تختص برجل واحد.

 

وكان معنى الزنى عندهم اتصال رجل بامرأة ابتاعها رجل آخر بماله؛ ومن أجل ذلك كان اتصاله بها اعتداء على قانون الملكية تعاقب عليه المرأة والرجل بالإعدام(190).

 

وكان الفسق محرماً

 

على المرأة غير المتزوجة، أما الرجل غير المتزوج فقد كان عمله هذا ذنباً يغتفر له(191). وكان الطلاق مباحاً للرجل، ولكنه كان قبل أيام التلمود من أشق الأمور على المرأة(192).

 

ويلوح أن الزوج لم يسرف في إساءة استعمال ماله من ميزة على المرأة في هذه الناحية، فهو يصور لنا على أنه في الجملة إنسان مخلص لزوجته وأبنائه، غيور عليهم، وكثيرا ما كان

 

الزواج يثمر حبَّاً وإن لم يكن الحب هو الذي يقرر الزواج. "وأخذ إسحق رفقة فصارت له زوجة وأحبها، فتعزى إسحق بعد موت أمه"(193). ولعل الحياة في الأسرة لم تصل في أي

 

شعب آخر- إذا استثنينا شعوب الشرق الأدنى- إلى ذلك المستوى الراقي الذي وصلت إليه عند اليهود.

والوصية العاشرة تقدس الملكية الفردية ، وكانت هي والدين والأسرة الأسس الثلاثة التي قام عليها المجتمع العبري. وتكاد الملكية كلها تنحصر في ملكية الأرض، ذلك أن اليهود قبل

 

أيام سليمان قلما كان لديهم شيء من الصناعات غير صناعتي الخزف والحديد. وحتى الزراعة نفسها لم ترق رقياً كبيراً، وكانت الكثرة العظمى من الشعب منصرفة إلى تربية الضأن

 

والماشية، وزراعة الكروم والزيتون والتين. وكانت أغلب معيشتهم في الخيام لا في البيوت المبنية، حتى لا يجدوا صعوبة في انتجاع مراعي جديدة. ولما نمت ثروتهم وزاد ما ينتجونه

 

على حاجتهم بدءوا يتجرون، وأخذت السلع اليهودية تروج في دمشق وصور وصيدا وحول الهيكل نفسه بفضل ما اتصف به التجار اليهود من مهارة وصبر على المشاق. وظلوا إلى

 

ما قبل أيام الأسر لا يستخدمون نقوداً، وكان الذهب والفضة أساس التبادل عندهم وكانا يوزنان في كل عملية تجارية. وقامت بينهم مصارف كثيرة العدد لتمويل التجارة والمشروعات

 

الاقتصادية. ولم يكن غريبا أن يتخذ هؤلاء "المقرضون" ساحات الهيكل موضعاً لعملهم، فقد كانت هذه عادة شائعة في الشرق الأدنى، ولا تزال باقية في كثير من أقطاره إلى هذا اليوم(196)

 

. وكان يهوه يطل من عليائه مغتبطا بسلطان رجال المال المتزائد، ومن أقواله في هذا المعنى: " فتقرض أمماً كثيرة وأنت لا تقترض"(197) وهي فلسفة كريمة جمعت لليهود ثروة طائلة،

 

وإن لم يبد في هذا القرن أنها من وحي الدين. وكان اليهود يتخذون أسرى الحروب والمذنبين عبيداً لهم، وشأنهم في هذا شأن غيرهم من أمم الشرق الأدنى: ويستخدمون مئات الآلاف

 

منهم في قطع الأخشاب ونقل مواد البناء للمنشآت العامة كهيكل سليمان وقصره. ولكن السيد

لم يكن له على عبيده حق الحياة والموت، كما كان من حق العبد أن يمتلك المال ويبتاع به حريته(198). وكان يباح بيع الرجال المدينين ليكونوا خدماً أرقّاء إذا عجزوا عن أداء ديونهم،

 

وكان في وسعهم أن يبيعوا أبناءهم بدلا منهم. وقد بقيت هذه العادة إلى أيام المسيح(199)، غير أن الصدقات السخية وما كان يقوم به الكهنة والأنبياء من حملات عنيفة على استغلال

 

هؤلاء الأرقاء قد خففت في بلاد اليهود من آثار هذه النظم التي كانت منتشرة في بلاد الشرق الأدنى. وكان من القواعد الواردة في شريعة موسى: "ألا يغبن أحدكم أخاه"(200)

 

، كما أنها كانت تطلب إليهم أن يطلقوا سراح الأرقاء من العبرانيين وأن يلغوا ما عليهم من الديون كل سبع سنين(211). ولما تبين أن هذا الأمر أكثر مما يطيقه سادة هؤلاء الأرقاء

 

جاء القانون بسنة العيد الخمسيني، فكان كل العبيد والمدينين يعتقون كل خمسين سنة: "وتقدسون السنة الخمسين وتنادون بالعتق في الأرض لجميع سكانها. تكون لهم يوبيلاً وترجعون

 

كل إلى مالكه وتعودون كلّ إلى عشيرته(202).

وليس لدينا ما يدل على أن هذه الوصية الجميلة قد أطيعت، وسواء كان ذلك أو لم يكن فإننا يجب أن نقر بالفضل للكهنة الذين لم يتركوا درساً في الإحسان إلا علموه: "إن كان فيك فقير

 

أحد من أخوتك.. فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير، بل افتح يدك له، واقرضه مقدار ما يحتاج إليه"، "لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة"(203). ويجب أن تشمل عطلة السبت

 

كل العاملين، بل يجب أن تشمل الحيوانات نفسها فتترك ما عساه أن يكون على الأرض من النبات المقطوع والفاكهة الساقطة من الأشجار في الحقول والبساتين يجمعها الفقراء لأنفسهم(204).

 

ومع أن اليهود هم الذين كانوا مقصودين بهذه الصدقات فإن الفقير الذي عند الأبواب يجب أن يعامل هو

الآخر معاملة طيبة رحيمة، وأن يؤوى الغريب ويطعم ويعامل معاملة كريمة. وكان اليهود يؤمرون في كل حين بأن يذكروا أنهم هم أيضاً كانوا في وقت من الأوقات لا مأوى لهم بل

 

أنهم كانوا عبيداً أرقاء في أرض غير أرضهم.

وكانت الوصية التاسعة تطلب أن يكون الشهود شرفاء أمناء إلى أقصى حد، وبذلك جعلت الدين عماداً للشريعة اليهودية بقضها وقضيضها. لقد كان الشاهد يقسم اليمين في حفل ديني،

 

ولم يكن يكتفي بأن يضع المقسم يده على عورة من يقسم له كما كانت العادة قديماً(205)، بل كان يطلب إليه الآن أن يشهد الله نفسه على صدقه، وأن يُحَكّمه في أمره. وكان

 

القانون ينص على أن يعاقب شاهد الزور بنفس العقاب الذي كان يراد توقيعه على المتهم بالاستناد إلى شهادته(206). لقد كانت شريعة إسرائيل كلها هي الشريعة الدينية وحدها،

 

وكان الكهنة هم القضاة والهياكل هي المحاكم، وكان يحكم بالإعدام على من لا يخضعون لأحكام الكهنة(207). وكانت هناك حالات خاصة يترك الحكم فيها لله، وذلك بأن يشرب

 

المتهم ماء ساماً إذا كانت جريمته مشكوكاً فيها(208). ولم تكن لديهم أداة لتنفيذ القانون سوى الأداة الدينية وحدها؛ فكان تنفيذه يترك إلى ضمير المتهم وإلى سلطان الرأي العام،

 

وكانت بعض الجرائم الصغرى يكفر عنها بالاعتراف والفداء(209). وكانت جرائم القتل وخطف الآدميين؛ وعبادة الأوثان، والزنا، وضرب أحد الوالدين أو سبهما، وسرقة العبيد، أو

 

"مضاجعة بهيمة" يحكم فيها بالإعدام بأمر يهوه، وأما قتل الخادم فلا يعاقب عليه بالإعدام(210)؛ كذلك كان الإعدام عقاباً على السحر: "لا تدع ساحرة تعيش"(211).

 

وكان يرضى يهوه أن يقوم الأفراد أنفسهم في تنفيذ القانون في حالة القتل: "ولي الدم يقتل القاتل، حين يصادفه يقتله"(212). على أنهم كانوا يفردون بعض المدن يستطيع

المجرم أن يفر إليها، فإذا فعل كان على ولي الدم أن يؤجل ثأره(213).

وفي وسعنا أن نقول بوجه عام أن المبدأ الذي كان يقوم عليه العقاب هو قانون القصاص: "وإن حصلت أذية تُعطى نفساً بنفس، وعيناً بعين، وسناً بسن، ويداً بيد، ورجلاً برجل،

 

وكيَّاً بكي، وجرحاً بجرح، ورضَّاً برض(214). وما من شك في أن هذه المبادئ كانت ُمثلاً ُعليا لم تتحقق كلها على الوجه الأكمل، وإذا شئنا أن نقول