قصة الحضارة (62)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الفصل السابع

آداب الفرس وأخلاقهم

العنف والشرف - قانون النظافة - خطايا

الجسد - العذارى والأعزب - الزواج - النساء-

الأطفال - آراء الفرس في التربية والتعليم

إن الذي يدهشنا بحق هو ما بقي لدى الميديين والفرس من وحشية رغم دينهم هذا. انظر إلى ما كتبه دارا الأول أعظم ملوكهم

في نقش بهستون: "وقبض على فرافارتش وجيء به إليَّ. فجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وقطّع لسانه، وفقأت عينيه، وأبقيته في بلاطي مقيداً بالأغلال يراه

كل الناس. ثم صلبته بعدئذ في إكباتانا...وكان أهورا- مزدا أكبر معين لي، فقد بطش جيشي برعاية أهورا- مزدا بالجيش الثائر، وقبضوا على سترنكخارا

وجاءوا به إليَّ، فجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وفقأت عينيه. وبقى مقيداً بالأغلال في بلاطي يراه الناس جميعاً، ثم صلبته"(95).

وإن في حوادث الإعدام التي يقصها أفلوطرخس في سيرة أرت خشتر لصورة مروعة لما كانت عليه أخلاق ملوك الفرس في العهد الأخير.

لقد كان الخونة يقضى عليهم بلا شفقة ولا رحمة: فكانوا يصلبون هم وزعمائهم، ثم يباع أتباعهم بيع الرقيق، وتنهب مدنهم، ويخصي

غلمانهم، وتسبى بناتهم(96)ويبعن. ولكن ليس من العدالة في شيء أن يحكم الإنسان على شعب بأسره من سيرة ملوكه. ذلك أن الفضيلة

لا ترويها الأخبار، وأفاضل الناس لا تاريخ لهم، شأنهم في هذا شأن الأمم الهنيئة السعيدة. بل إن الملوك أنفسهم كانوا يبدون في بعض

المناسبات شيئاً من مكارم الأخلاق، وكانوا يشتهرون بين اليونان الغادرين بوفائهم. فإذا عاهدوا أوفوا بعهدهم، وكان من دواعي فخرهم

أنهم لا ينقضون كلمتهم(97). ومما يجب أن نذكره للفرس مقروناً بالثناء والتقدير، أن من العسير علينا أن نجد في تاريخهم فارسياً قد استؤجر

ليحارب الفرس، على حين أن أي إنسان كان يسعه أن يستأجر اليونان ليحارب اليونان .

وخليق بنا أن نذكر أن خلافهم لم تبلغ من القسوة ذلك الحد الذي يتبادر إلى أذهاننا من قراءة تاريخهم الحافل بالدم والحديد. لقد كان الفرس

يتحلون بالصراحة والكرم وحفظ الود وسخاء اليد(99). يراعون آداب المجالس ويحرصون عليها حرصاً لا يكاد يقل عن حرص الصينيين

. وكانوا إذا تقابل منهم شخصان متساويان في المرتبة تعانقا وقبل كل منهما الآخر في شفتيه؛ فإذا قابل الواحد منهم من هو أعلى منه

منزلة انحنى له انحناءة كبيرة تشعر بالخضوع والاحترام، وإذا التقى بمن هو أقل منه قدّم له خده ليقبله، فإذا قابل أحد السوقة اكتفى بإحناء

رأسه(100). وكانوا يستنكرون تناول شيء من الطعام أو الشراب على قارعة الطريق، كما يسوؤهم أن يبصق الإنسان أو يتمخط أمام

الناس(101). وقد ظلوا أيام خشيرشا مقتصدين في مأكلهم ومشربهم، لا يطعمون إلا وجبة واحدة في اليوم، ولا يشربون إلا الماء القراح

(102). وكانوا يعدون النظافة أكبر النعم لا تفضلها إلا الحياة نفسها، وأن الأعمال الطيبة إذا صدرت عن أيد قذرة كانت لا قيمة لها،

"لأن الإنسان إذا لم يقض على الفساد (ولعله يريد "الجراثيم")فإن الملائكة لا تسكن جسمه"(103). وكانوا يفرضون أشد العقوبات

على من يتسببون في نشر الأمراض المعدية. وكان الأهلون يجتمعون في الأعياد وكلهم يرتدون الملابس البيضاء(104). وكانت الشريعة

الأبستاقية كالشريعتين البرهمية والموسوية مليئة بمراسم التطهير والحذر من القذارة. وفي كتاب الزردشتيين المقدس فقرات

طويلة مملة خصت كلها بشرح القواعد

الواجب اتباعها لطهارة الجسد والروح(105). وقد جاء فيها أن قلامة الأظفار، وقصاصات الشعر، وإخراج النفس من الفم كلها أقذار

 

يجب على الفارسي العاقل أن يتجنبها إلا إذا كانت قد طهرت من قبل(106).

كذلك كانت الشرائع الفارسية صارمة في عقاب خطايا الجسد صرامة الشرائع اليهودية، فكان الاستمناء باليد يعاقب عليه بالجلد، وكان

عقاب من يرتكب جريمة الزنا واللواط والسحاق من الرجال والنساء "أن يقتلوا لأنهم أحق بالقتل من الأفاعي الزاحفة والذئاب العاوية"

(107). لكن في مقدورنا أن نستدل من الفقرة الآتية التي أوردها هيرودوت على وجود الخلف المعتاد بين القول والعمل: "يرى

الفرس أن خطف النساء قوة واقتداراً عمل لا يأتيه إلا الأشرار، ولكن اشتغال الإنسان بالثأر لهن إذا اختطفن من أعمال الحمقى؛

أما إهمالهن إذا اختطفن فمن أعمال الحكماء؛ فغير خاف أنهن لو لم يكن راغبات لما اختطفن"(108). ويقول في موضع آخر إن الفرس

"قد أخذوا عن اليونان اشتهاء الغلمان"(109)، وإنا وإن كنا لا نستطيع أن نثق بكل ما يقوله هذا الراوية العظيم لنستشف ما يؤيد قوله

هذا في العبارات القاسية التي تشنع بها الأبستاق على اللواط. فهي تقول في مواضع كثيرة إن هذا الذنب لا يغتفر وإنه

" لا شيء يمحوه قط"(110).

ولم يكن القانون يشجع البنات على أن يظللن عذارى ولا العزاب على أن يبقوا بلا زواج، ولكنه كان يبيح التسري وتعدد الزوجات

، ذلك بأن المجتمعات الحربية في حاجة ماسة إلى كثرة الأبناء. وفي ذلك تقول الأبستاق: "إن الرجل الذي له زوجة يفضل كثيراً من

لا زوجة له، والرجل الذي يعول أسرة يفضل كثيراً من لا أسرة له، والذي له أبناء يفضل من لا أبناء له، والرجل ذو الثراء أفضل كثيراً

ممن لا ثروة له"(111)، وتلك كلها معايير للمركز الاجتماعي شائعة بين مختلف الأمم، وكانت الأسرة لديهم أقدس النظم الاجتماعية.

وكان من الأسئلة التي ألقاها زردشت على أهورا- مزدا: "أي إلهي خالق العالم المادي- إلهي القدوس! ما هو المكان الثاني الذي تحس

الأرض فيه أنها أسعد ما تكون؟". ويجيبه أهورا- مزدا عن سؤاله هذا بقوله : "إنه المكان الذي يشيد فيه أحد المؤمنين بيتا في

داخله كاهن، وفيه ماشية، وفيه زوجة، وفيه أطفال، وفيه أنعام طيبة، والذي تكثر فيه الماشية بعدئذ من النتاج، وتكثر فيه الزوجة

من الأبناء، وينمو فيه الطفل، وتشتعل فيه النار، وتزداد فيه جميع نعم الحياة"(112).

وكان الحيوان- خاصة الكلب- جزءاً أساسياً من الأسرة، كما كان شأنه في الوصية الأخيرة التي أنزلت على موسى، وكان واجبا مفروضاً

على أقرب الأسر إلى أنثى الحيوان الحامل الضالة أن تعنى بها(113)، وفرضت أشد العقوبات على من يطعمون الكلاب طعاماً فاسداً،

أو طعاماً شديد الحرارة؛ وكان عقاب من "يضرب كلبة علتها ثلاث كلاب "أن يجلد أربعمائة وألف جلدة(114). وكانوا يعظمون

الثور لما له من قدرة عظيمة على الإخصاب. كما كانوا يصلون للبقرة ويقربون لها القربان(115).

وكان الآباء ينظمون شئون الزواج لمن يبلغ الحُلُم من أبنائهم. وكان مجال الاختيار لديهم واسعاً، فقد قيل لنا إن الأخ كان يتزوج أخته،

والأب ابنته، والأم ولدها(116). وكان التسريّ من المتع التي اختص بها الأغنياء، ولم يكن الأشراف يخرجون للحرب إلا ومعه

سراريهم(117). وكان عدد السراري في قصر الملك في العصور المتأخرة من تاريخ الإمبراطورية يتراوح بين 360ر329، فقد

أصبحت العادة في تلك الأيام ألا يضاجع الملك امرأة مرتين إلا إذا كانت رائعة الجمال(118).

وكان للمرأة في بلاد الفرس مقام سام في أيام زردشت كما هي عادة القدماء؛

فقد كانت تسير بين الناس بكامل حريتها سافرة الوجه، وكانت تمتلك العقار وتصرف شئونه، وكان في وسعها أن تدير شئون زوجها باسمه

أو بتوكيل منه. ثم انحطت منزلتها بعد دارا، وخاصة بين الأغنياء، فأما المرأة الفقيرة فقد احتفظت بحريته في التنقل لاضطرارها إلى

العمل، وأما غير الفقيرات فقد كانت العزلة المفروضة عليهن في أيام حيضهن على الدوام تمتد حتى تشمل جميع حياتهن الاجتماعية،

وكان ذلك أساس نظام البردة عند المسلمين. ولم تكن نساء الطبقات العليا يجرؤن على الخروج من بيوتهن إلا في هوادج مسجفة،

ولم يكن يسمح لهن بالاختلاط بالرجال علناً. وحرم على المتزوجات منهن أن يرين أحداً من الرجال ولو كانوا أقرب الناس إليهن كآبائهن

أو إخوانهن. ولم تذكر النساء قط أو يرسمن في النقوش أو التماثيل العامة في بلاد الفرس القديمة. أما السراري فكن أكثر من غيرهن

حرية، إذ كان للنساء في جميع الأوقات سلطان قوى في بلاط الملوك حتى في العهود الأخيرة، وكن ينافسن الخصيان في تدبير

المؤامرات، والملوك في تمحيص وسائل التعذيب .

وكان الأبناء كما كان الزواج من الشروط الأساسية للإجلال والإكبار. فالذكور منهم ذوو فائدة اقتصادية لآبائهم وحربية لملوكهم؛

أما البنات فلم يكن يرغب فيهن، لأنهن كن ينشأن لغير بيوتهن، وليستفيد منهن غير آبائهن. ومن أقوال الفرس في هذا المعنى:

"إن الرجال لا يدعون الله أن يرزقهم بنات، والملائكة لا تحسبهن من النعم التي أنعم بها على بني الإنسان"(120).

وكان الملك في كل عام يرسل الهدايا إلى الآباء الكثيري الأبناء، كأن هذه الهدايا ثمناً لدمائهم يدفع مقدماً(121).

وكان الحمل سفاحاً سواء ممن لم يتزوجن من البنات أو ممن تزوجن منهن يغتفر أحياناً إذا لم تجهض الحامل، ذلك أن الإجهاض

كان في تقديرهم أشد جرماً من سائر الجرائم، وكان عقابه الإعدام(122).

وقد ورد في أحد الشروح القديمة المسماة بالبندهش وصف لجملة وسائل لمنع الحمل، ولكنها تحذر الناس من الالتجاء إليها.

ومما جاء فيها: "وفيما يختص بالتناسل قيل في الكتاب المنزل إن المرأة إذا خرجت من الحيض تظل عشر ليال وعشرة

أيام عرضة للحمل إذا اقترب منها الرجال"(123).

وكان الوليد يبقى في أحضان أمه حتى السنة الخامسة من عمره ثم يحتضنه أبوه حتى السابعة،

وفي هذه السنة يدخل المدرسة.

وكان التعليم يقصر في الغالب على أبناء الأغنياء، ويتولاه الكهنة عادة. فكان التلاميذ يجتمعون في الهيكل أو في بيت الكاهن؛

وكان من المبادئ المقررة ألا تقوم مدرسة بالقرب من السوق حتى لا يكون ما يسودها من كذب وسباب وغش سبباً في إفساد

الصغار(124). وكانت الكتب الدراسية هي الأبستاق وشروحها، وكانت مواد الدراسة تشمل الدين، والطب أو القانون، أما طريقة الدرس

فكانت الحفظ عن ظهر قلب، وتكرار الفقرات الطويلة غيباً(125). أما أبناء الطبقات غير الموسرة فلم يكونوا يفسدون بتلقي ذلك

النوع من التعليم، بل كان تعليمهم مقصوراً على ثلاثة أشياء- ركوب الخيل، والرمي بالقوس، وقول الحق(126). وكان التعليم العالي

عند أبناء الأثرياء يمتد إلى السنة العشرين أو الرابعة والعشرين، وكان من يعد إعداداً خاصا لتولي المناصب العامة أو حكم

الولايات؛ وكانوا كلهم بلا استثناء يدربون على القتال. وكانت حياة الطلاب في هذه المدارس العليا

حياة شاقة. فكان التلاميذ يستيقظون مبكرين، ويدربون على الجري مسافات طويلة، وعلى ركوب الخيل الجامحة وهي تركض

بأقصى سرعتها، والسباحة، وصيد الحيوان، ومطاردة اللصوص، وفلاحة الأرض، وغرس الأشجار، والمشي مسافات طويلة في

حر الشمس اللافح أو البرد القارس؛ وكانوا يدربون على تحمل جميع تقلبات الجو القاسية، وأن يعيشوا على الطعام الخشن البسيط،

وأن يعبروا الأنهار دون أن تبتل ملابسهم أو دروعهم(127).

لقد كان هذا في الحق تعليماً ينشرح له صدر فردرك نتشة في اللحظات التي يستطيع فيها نسيان ثقافة اليونان الأقدمين وما فيها من تنوع وبريق.

الفصل الثامن

العلوم والفنون

الطب - الفنون الصغرى - قبرا قورش ودارا -

قصور برسبوليس - نقش الرماة - قيمة الفن الفارسي

يلوح أن الفرس قد تعلموا ألا يعلموا أبناءهم أي فن من الفنون عدا فن الحياة. فأما الأدب فقد كان في رأيهم ترفاً قل أن يحتاجوا إليه،

وأما العلوم فقد كانت سلعاً يستطيعون أن يستوردوها من بابل. نعم إنهم كانوا يستسيغون بعض الاستساغة الشعر والروايات الخيالية،

ولكنهم تركوا هذين الفنين للمستأجرين وذوي المنزلة الدنيا منهم، وآثروا متعة الحديث الفكه على لذة السكون والوحدة في البحث والقراءة.

وكان الشعر عندهم ُيغنى أكثر مما يقرأ، فلما مات المغنون مات الشعر معهم. وكان الطب في بادئ الأمر من أعمال الكهنة،

وكانوا يمارسونه على أساس أن الشيطان خلق 99999 مرضاً يجب أن تعالج بمزيج من السحر ومراعاة قواعد الصحة العامة.

وكانوا يعتمدون في علاج المرضى على الرقى أكثر من اعتمادهم على العقاقير، وحجتهم في هذا أن الرقى، إن لم تشف من المرض،

لا تقتل المريض، وهو ما لا يستطاع قوله عن العقاقير(128). إلا أن الطب مع ذلك قد نشأ بين غير رجال الدين حينما زادت

ثروة الفرس زيادة مطردة، حتى إذا كان عهد أرت خشتر الثاني تكونت في البلاد نقابة للأطباء والجراحين وحدد القانون

أجورهم- كما حددها قانون حمورابي- وفقاً لمنزلة المريض الاجتماعية(129).

وقد نص القانون على أن يعالج الكهنة من غير أجر، وكان يطلب إلى الطبيب الناشئ عند الفرس أن يبدأ حياته الطبية بعلاج الكفرة والأجانب،

كما نفعل نحن هذه الأيام، إذ يقضي الطبيب المقيم سنة أو سنتين في المران على أجسام المهاجرين والفقراء

. بذلك قضى ربُّ النور نفسه إذ قال:

"يا خالق الكون يا قدوس، إذا شاء عبد من عباد الله أن يمارس فن العلاج، فأي الناس يجب أن يجرب فيهم حذقه؟ أيجربه في عباد

أهورا- مزدا أم في عبدة الشياطين؟. فأجاب أهورا- مزدا بقوله: يجب أن يجرب نفسه في عبدة الشياطين لا في عباد الله؛ فإذا

عالج بالمبضع عبداً من عبدة الشياطين فمات؛ وإذا عالج بالمبضع عبداً ثانياً من عبدة الشياطين فمات؛ وإذا عالج بالمبضع عبداً ثالثاً

من عبدة الشياطين فمات، كان غير صالح أبد الدهر؛ ويجب أن يمتنع عن علاج أي عبد من عباد الله...وإذا عالج بالمبضع عبداً من

عبدة الشياطين وشفى؛ وإذا عالج بالمبضع عبداً ثانيا من عبدة الشياطين وشفى؛ فإذا عالج بالمبضع عبداً ثالثا من عبدة الشياطين

وشفى، كان صالحا أبد الدهر؛ وكان له إذا أراد أن يعالج عباد الله، ويشفيهم من أمراضهم بالمبضع"(130).

ولما كان الفرس قد وهبوا أنفسهم لإقامة صرح الإمبراطورية، فإن وقتهم لم يتسع لغير الحرب والقتال،

ولذلك كان جل اعتمادهم في

الفنون على ما يأتيهم من البلاد الأجنبية، شأنهم في هذا شأن الرومان سواء بسواء. نعم إنهم كانوا يتذوقون جمال الأشياء، ولكنهم

كانوا يكلون إلى الفنانين الأجانب أو إلى من في بلادهم من الفنانين أبناء الأجانب صنع هذه الأشياء، ويحصلون من الولايات التابعة

لهم على المال الذي يؤدون منه أجور أولئك الفنانين. وكانت لهم بيوت جميلة وحدائق غنّاء، تستحيل في بعض الأحيان بساتين للصيد

ومسارح للحيوان؛ وكان لهم أثاث قّيم غالي الثمن: من نضد مصفحة برقائق الفضة والذهب أو مطعمة بها، وسرر فرشت عليها

أغطية جاءوا بها من غير بلادهم، وطنافس لينة جمعت كل ألوان الأرض والسماء يفرشون بها أرض حجراتهم(131).

وكانوا يشربون في كؤوس من الذهب،

. وكانوا مولعين بالعزف والغناء وبأنغام الناي والقيثار والنقر على الطبول والدفوف.

وكانت الجواهر كثيرة لديهم من تيجان وأقراط، إلى خلاخيل وأحذية مذهبة. وحتى الرجال أنفسهم كانوا يتباهون بحليهم يزينون

بها أعناقهم وآذانهم وأذرعهم. وكانوا يستوردون اللؤلؤ، والياقوت، والزمرد، واللازورد من خارج بلادهم؛ أما الفيروز فكانوا

يستخرجونه من المناجم الفارسية، وكان هو المادة التي تصنع منها الطبقة الموسرة أختامها. وكانت لهم حليّ ذات أشكال رهيبة

غريبة تمثل في ظنهم ملامح الشياطين المعروفة لديهم. وكان ملكهم يجلس على عرش من ذهب تغطيه أكنان ذهبية مرفوعة على قوائم من الذهب(133).

ولم يكن للفرس طراز فني خاص إلا في العمارة. فقد شادوا في أيام قورش، ودارا الأول، وخشيارشاى الأول مقابر وقصوراً،

كشف علماء الآثار القليل منها، وقد يستطيع المعول والمجرف- وهما المؤرخان اللذان لا ينقطعان عن البحث والتنقيب- أن يكشفا لنا

في المستقبل القريب ما يعلي من تقديرنا للفن الفارسي . ولقد أبقى لنا الإسكندر بفضل ما أثر عنه من كريم الشيم قبر قورش في

بازار جادة، فأصبح طريق القوافل في هذه الأيام يمر بالطوار العاري الذي كان يقوم عليه من قبل قصر قورش وقصر ابنه المخبول.

ولم يبق الآن من هذين القصرين غير عمد قليلة محطمة في مواضع متفرقة، أو كتف باب أو نافذة عليها نقوش تمثل ملامح قورش.

وعلى مقربة من هذا الطوار في السهل المجاور له يشاهد القبر وقد

عدا عليه الزمان في خلال القرون الأربعة والعشرين، التي مرت به؛ فهو الآن ضريح حجري بسيط، يوناني في شكله وتحرج صانعه،

يرتفع إلى ما يقرب من خمس وثلاثين قدماً فوق قاعدة مدرجة. وما من شك في أن هذا الأثر كان أعلى مما هو الآن وأنه كانت له

قاعدة تتناسب مع ضخامته. أما الآن فإنه يبدو عارياً عطلاً من الزينة مهجوراً، توحي صورته بالجمال الذي لا يكاد يبقى منه أثر فيه؛

وكل ما يبعثه في النفس هو الأسى والحزن، لأن الجماد أبقى على الزمان من سواه. وإلى أقصى الجنوب عند نقش رستم غير بعيد

من برسبوليس يقوم قبر دارا الأول منحوتاً في واجهة صخرة في الجبل كأنه ضريح هندوسي، وقد نقش مدخله ليمثل لمن يراه واجهة

قصر لا قبر، وأقيمت عند هذا المدخل أربعة عمد دقيقة حول باب غير شامخ. ومن فوق هذا الباب شخوص قائمة كأنها فوق سقف

يمثل أهل البلاد الخاضعة للفرس تحمل منصة رسم عليها الملك كأنه يعبد أهورا- مزدا والقمر. والفكرة التي أوحت بهذا الرسم

وطريقة تنفيذها تسري فيهما روح البساطة والرقة الأرستقراطية.

والمباني الفارسية الأخرى التي نجت من الحروب والغارات والسرقات وفعل الأجواء مدى ألفين من الأعوام، هي خرائب القصور.

فقد شاد ملوك الفرس الأولون في إكباتانا مسكناً لهم من خشب الأرز والسرو المصفح بالمعادن، كان لا يزال قائماً في أيام يوليبويس

(حوالي 150 ق.م)، أما الآن فلم يبق له اثر. أما أروع الآثار الفارسية القديمة التي تنفرج عنها الأرض الكتوم يوماً بعد يوم فهي

الدرج الحجرية والأرصفة والأعمدة التي كشفت في برسبوليس. ذلك أن دارا ومن جاء بعده من ملوك الفرس قد أقاموا لهم فيها

قصوراً يحاولون بها أن يرجئوا الوقت الذي تنسى فيه أسمائهم. ولسنا نجد في تاريخ العمائر كلها ما يشبه الدرج الخارجية العظيمة

التي كان القادم من السهل يرقاها إلى الربوة التي شيدت عليها القصور.

وأكبر الظن أن الفرس أخذوا هذا الطراز عن الدرج التي كانت توصل إلى الزجورات، أي أبراج أرض الجزيرة، وتلتف حولها،

ولكنها كان لها مع ذلك خصائص لا يشاركها فيها غيرها من المباني. ذلك أنها كانت سهلة المرتقى واسعة يستطيع عشرة من

ركاب الخيل أن يصعدوها جنبا إلى جنب . وما من شك في أن هذه الدرج كانت مدخلا بديعاً إلى الطور الفسيح الذي يعلو عن

الأرض المجاورة له علواً يتراوح بين عشرين وخمسين قدماً، والذي يبلغ طوله خمسمائة وألف قدم، وعرضه ألفاً، والذي شيدت

عليه القصور الملكية . وكان عند ملتقى الدرج الصاعدة من الجانبين مدخل أمامي كبير نصبت على جانبيه تماثيل ثيران مجنحة ذات

رؤوس بشرية كأبشع ما خلفه الفن الآشوري. وكانت في الجهة اليمنى بعد هذا المدخل آية العمائر الفارسية على الإطلاق، ونعنى

بها الجهل- منار أو الردهة العظمى التي شادها خشيارشاى الأول، والتي كانت هي وغرفات الانتظار المتصلة بها تشغل رقعة

من الأرض تربى مساحتها على مائة ألف قدم مربع، فهي أوسع- إذا كان للسعة قيمة- من معبد الكرنك الفسيح ومن

أية كنيسة أوربية عدا كنيسة ميلان(138).

وكانت هناك مجموعة أخرى من الدرج تؤدي إلى هذه الردهة الكبرى، وتحف بها من كلا الجانبين جدر لزينتها قليلة الارتفاع،

وعلى جوانبها نقوش بارزة قليلاً هي أجمل ما كشف من النقوش الفارسية القليلة البروز إلى هذا اليوم(139).ولا يزال ثلاثة

عشر عموداً من الاثنين والسبعين التي كانت قائمة في قصر خشيارشاى باقية إلى اليوم بين خربات القصر، كأنها جذوع نخل

في واحة مقفرة موحشة. وتعد هذه الأعمدة المبتورة من الأعمال البشرية القريبة من الكمال، وهي أرفع من

مثيلاتها في مصر القديمة أو اليونان، وتعلو في الجو علواً لا تصل إليه معظم الأعمدة الأخرى، إذ يبلغ ارتفاعها أربعة وستين قدماً

، وقد خطت في جذوعها ستة وأربعون محزاً، وتشبه قواعدها أجراساً تغطيها أوراق أشجار مقلوبة الوضع، ومعظم تيجانها في

صورة لفائف من الأزهار تكاد تشبه اللفائف "الأيونية"، يعلوها صدرا ثورين أو حصانين مقرنين يتصل عنقاهما من الخلف

وترتكز عليهما عوارض السقف. ولسنا نشك في أن هذه العوارض كانت من الخشب، لأن أمثال هذه العمد المتباعدة السريعة العطب

لا تقوى على تحمل الدعامات الحجرية الثقيلة. وكانت أكتاف الأبواب وكفافات النوافذ من حجارة سود مزخرفة براقة كالأبنوس.

أما الجدران فكانت من الآجر يغطيها القرميد المصقول رسمت عليه صور زاهية تمثل حيوانات وأزهاراً. وكانت العمد والفصوص

والدرج من حجر الجير الجميل أو الرخام الأزرق الصلد. وقام من خلف الجهل- منار، أي من شرقيها "بهو العمد المائة" ولم يبق

من هذا البهو سوى عمود واحد والحدود الخارجة لتصميمه العام. ولعل هذين القصرين كانا أجمل ما شاده الإنسان

في العالم القديم والحديث على السواء.

وأقام أرت خشتر الأول والثاني في مدينة السوس قصرين لم يبق منهما إلا أساسهما. ذلك أنهما شُيّدا من الآجر المكسو

بأجمل ما عرف من القرميد ذي الطلاء الزجاجي. وفي السوس عثر المنقبون على "نقش الرماة" وهم في أكبر الظن "المخلدون

" الأمناء حراس الملك. ويبدو للناظر إلى هؤلاء الرماة ذوي الطلعة المهيبة أنهم قد ازينوا لحضور حفلة في القصر وليسوا

خارجين لقتال أو حرب. فجلابيبهم تخطف الأبصار بألوانها الزاهية، وشعورهم ولحاهم مجعدة تجعيداً عجيباً، وهم يمسكون بأيديهم

في قوة وخيلاء رماحهم رمز مناصبهم الرسمية. ولم يكن التصوير والنحت في السوس وفي غيرها من العواصم فنين مستقلين،

بل كانا تابعين لفن العمارة، كذلك كانت الكثرة الغالبة من التماثيل من صنع

www.arabexpres.com

فنانين جيء بهم من أشور وبابل وبلاد اليونان(140).

وفي وسع الإنسان أن يقول عن الفن الفارسي ما يستطيع أن يقوله عن الفنون كلها تقريباً، وهو أن عناصره كلها مستعارة

من خارج البلاد. فقبر قورش استعير شكله الخارجي من ليديا، وعمده الحجرية الرفيعة منقولة عن مثيلاتها من العمد

الآشورية مع شيء من التحسين، وبهو الأعمدة الضخمة والنقوش القليلة البروز تشهد بأنها قد أوحت بها أبهاء مصر ونقوشها،

وتيجان الأعمدة التي على صورة الحيوان عدوى تسربت إليهم من نينوى وبابل. أما الذي جعل فن العمارة الفارسي فناً قائماً

بذاته مختلفاً عن غيره من فنون العمارة فهو اجتماع هذه العناصر كلها والمواءمة بينها، وهو الذوق الأرستقراطي الذي رقق

العمد المصرية المهولة وكتل أرض الجزيرة الثقيلة فأحالها بريقاً ورشاقة، وتناسباً وتناغماً، يطالعنا في برسبوليس.

وكان اليونان يستمعون إلى وصف هذه الأبهاء وقصورهم وهم أشد ما يكونون دهشة منها وإعجابا بها، لأن تجارهم المجدين

العاملين وساساتهم المطلعين كانوا يحدثونهم عن فنون الفرس وترفهم بما يثير عواطفهم ويحفزهم على منافستهم. وسرعان

ما استبدلوا برؤوس العمد المزدوجة وبالحيوانات ذوات الأعناق الجامدة المتصلبة القائمة فوق العمد الرشيقة، نقول سرعان

ما استبدلوا بها الفصوص الملساء التي نراها في تيجان العمد الأيونية؛ ثم قصروا سوقها، وزادوها قوة لكي تتحمل أي عارضة

ترتكز عليها سواء أكانت من الخشب أو الحجر. والحق أنه لم يكن بين فني العمارة في برسبوليس وأثينا إلا خطوة واحدة، فقد

كان عالم الشرق الأدنى على بكرة أبيه، وقد أوشك أن يستغرق في سبات عميق كأنه الموت إلا أنه موت لا يدوم إلا ألف

عام، كان عالم الشرق يتأهب ليستودع اليونان تراثه القديم

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy