قصة الحضارة (63)

الكاتب / نوري سليمان
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الفصل التاسع

الانحطاط

كيف تموت الأمم - خشيارشاي - فقرة عن

التقتيل - أرت خشتر الثاني - قورش الأصغر -

دار الصغير - أسباب الانحطاط السياسية والحربية

والخلقية - الإسكندر - فتح فارس والزحف على الهند

لم تكن الإمبراطورية التي أقامها دارا تعمر إلا قرناً من الزمان. ذلك أن قواها الطبيعية المادية والأدبية قد تصدعت على

 

أثر الهزائم التي منيت بها في مراثون، وسلاميس، وبلاتية. وأهمل الأباطرة شئون الحرب، وانغمسوا في الشهوات، وتردت

 

الأمة في مهاوي الجمود والفساد. ويكاد اضمحلال فارس أن يكون في جملته وتفاصيله صورة معجلة من سقوط روما؛ فقد اقترن

 

فيه عنف الأباطرة وإهمالهم بفساد أخلاق الشعب وانحلالهم، وحل بالفرس ما حل بالميديين قبلهم، إذ استحال ما كانوا يتصفون به

 

من تقشف وزهد منذ أجيال قليلة إلى استمتاع طليق، وأصبح أكبر ما تهتم به الطبقات الأرستقراطية بملء بطونها بلذيذ المأكل

 

والمشرب؛ وشرع هؤلاء الرجال الذين فرضوا على أنفسهم من قبل ألا يتناولوا إلا وجبة واحدة من الطعام في اليوم يفسرون

 

معنى الوجبة الواحدة بأنها وجبة تمتد من الظهر إلى غسق الليل، فامتلأت مخازن مؤنهم بكل ما لذ وطاب، وكثيراً ما كانوا

 

يقدمون الذبائح كاملة لضيوفهم، وملئوا بطونهم باللحوم السمينة النادرة، وتفننوا في ابتكار أنواع المُشَهّيات والحلوى(140أ).

 

وغُصّت بيوت الأثرياء بالخدم الفاسدين المفسدين، وأصبح السُّكْر الرذيلة الشائعة بين كل الطبقات(140ب). وملاك القول أن

 

قورش ودارا قد خلقا بلاد الفرس وأن خشيارشاي ورثها عنهما ثم جاء من خَلَفَهُم من الملوك فدمروها تدميرا.

وكان خشيارشاي الأول ملكاً اجتمعت فيه كل صفات الملوك- الجسمية -؛ كان طويل القامة، قوي الجسم، يقر له الملوك بأنه أجمل

 

إنسان في الإمبراطورية كلها(141). ولكن الرجل الوسيم غير المغتر لم يخلق بعد في هذا العالم، كما لم يخلق فيه بعد الرجل

 

المغتر الذي لم تَقُدْهُ امرأة من أنفه. لقد كان خشيارشاي َنهِباً لسراريه، وما كان أكثرهن، وضرب أسوأ الأمثال لشعبه في

 

الفسق والفجور. ولقد كانت هزيمته في سلاميس هزيمة طبيعية متوقعة؛ ذلك أن كل ما كان له من أسباب العظمة هو حب التعاظم

 

لا قدرته على مغالبة الخطوب، والتحلي بصفات الملوك الحقة إذا دعا الداعي وتأزمت الأمور. وبعد أن قضى هذا الملك عشرين

 

عاماً في غمرة الدسائس الشهوانية، والتراخي والإهمال في شئون الحكم، اغتاله أرتيان أحد رجال حاشيته، ووري

 

في قبره باحتفال ملكي مهيب واغتباط شامل.

وليس في التاريخ كله ما يماثل المجازر المروعة والدم المراق اللذين تطالعنا بهما سجلات الفرس الملكية إلا سجلات رومة بعد

 

تيبيريوس. لقد اغتال أرت خشتر الأول مغتال خشيارشاي، وبعد أن حكم أرت خشتر حكماً طويلاً خلفه خشيارشاي الثاني، ثم

 

اغتاله بعد بضعة أسابيع من حكمه أخ له غير شقيق يدعى سجديانوس، ثم قتله دارا الثاني بعد ستة أشهر كما أمر بقتل تريتتشميس

 

فأخمد بقتله فتنة أثار عجاجها في البلاد، ثم أمر بتقطيع زوجته إربا ودفن أمه وأخوته وأخواته أحياء. وخلف دارا الثاني على

 

العرش ابنه أرت خشتر الثاني، واضطر هذا الملك أن يقاتل في واقعة كونسكا أخاه قورش الأصغر قتالاً مريراً، لأن هذا الشاب

 

حاول أن يغتصب الملك. وحكم أرت خشتر حكماً طويلاً، وقتل ابنه دارا لأنه ائتمر به، ثم مات بائساً حزيناً إذ وجد أن ابناً آخر له

 

يدعى أوكوس يأتمر به ليقتله. وحكم أوكوس عشرين سنة ثم مات مسموماً على يد

قائده بجواس، وأجلس هذا القائد السفاح "صانع الملوك" ابناً لأوكوس يسمى أرسيس على العرش، واغتال أخاً لأرسيس ليثبت

 

بذلك مركز صنيعته، ثم اغتال أرسيس وابناه الصغار، ورفع على العرش كودومانوس، وهو صديق له مخنث مطواع. وحكم

 

كودومانوس ثماني سنين، وتسمى باسم دارا الثالث ثم مات وهو يحارب الإسكندر في واقعة إربل حين كانت بلاده تلفظ آخر أنفاسها.

 

ولسنا نعرف في دولة من الدول حتى الدول الديمقراطية في هذه الأيام قائداً أقل كفاية وجدارة بقيادة الجيوش من هذا القائد.

 

أن الإمبراطوريات بطبيعة تكوينها سريعة الانحلال، وإن الذين يرثونها تعوزهم جهود الذين ينشئونها، وذلك في الوقت الذي

 

تهب فيه الشعوب الخاضعة لسلطانها وتستجمع قواها لتناضل في سبيل ما فقدته من حريتها. كذلك ليس من طبيعة الأشياء أن

 

تبقي الأمم التي تختلف لغاتها وأديانها وأخلاقها وتقاليدها متحدة متماسكة زمناً طويلاً. ذلك أن هذه الوحدة لا تقوم على أساس

 

متماسك يحفظها من التصدع، ولا بد من الالتجاء إلى القوة مرة بعد مرة للاحتفاظ بهذه الرابطة المصطنعة. ولم يعمل الفرس في

 

عهد إمبراطوريتهم التي دامت مائتي عام شيئاَ يخفف ما بين الشعوب الخاضعة لحكمهم من تباين، أو يضعف من أثر القوى الطاردة

 

التي تعمل على تفكيك دولتهم، بل قنعت هذه الإمبراطورية بأن تحكم خليطاً من الأمم، ولم تفكر في يوم من الأيام في أن تنشئ منها

 

دولة حقيقية. لذلك أخذ الاحتفاظ بوحدة الإمبراطورية يزداد صعوبة عاماً بعد عام، وكلما تراخى عزم الأباطرة قويت أطماع الولاة وزادوا

 

جرأة، وأخذوا يرهبون أو يبتاعون بالمال قواد الجيش وأمناء الإمبراطور الذين أرسلوا إلى الولايات ليشتركوا مع الولاة في

 

الحكم ويحدوا من سلطانهم. ثم أخذ الولاة يقودون مواردهم كما يحلو لهم، ويأتمرون بالملك المرة بعد المرة. وأوهنت الثورات

 

والحروب المتكررة حيوية فارس الصغيرة، ذلك أن الحروب قد قضت على زهرة شبابها القوى حتى لم يبق من

أبنائها إلا كل حذر محتاط. فلما أن جند هؤلاء لمواجهة الإسكندر تبين أنهم لا يكاد يوجد فيهم إلا كل منخوب القلب جبان.

 

ولم يكن شئ من التحسين قد أدخل على تدريب الجنود أو على عتادهم الحربي، ولم يكن قوادهم على علم بما يستجد من فنون

 

القتال. فلما دارت رحى الحرب ارتكب هؤلاء القواد أشنع الأغلاط، وكانت عساكرهم المختلة النظام، والتي كان معظمها

 

مسلحاً بالسهام، أهدافاً صالحة لرماح المقدونيين الطويلة وفيالقهم المتراصة(142). لقد كان الإسكندر يلهو ويعبث، ولكنه

 

لم يكن يفعل ذلك إلا بعد أن يتم له النصر، أما قواد الفرس فقد جاءوا معهم بسراريهم، ولم يكن منهم من هو راغب في القتال،

 

ولم يكن في الجيش الفارسي جنود جديرون بهذا الاسم إلا مرتزقة اليونان.

 

ولقد تبين منذ اليوم الذي فر فيه خشيارشاي بعد هزيمته في سلاميس أن اليونان سيتحدون الدولة الفارسية في يوم من الأيام.

 

ذلك أن فارس كانت تسيطر على أحد طرفي الطريق التجاري العظيم الذي يربط غرب آسية بالبحر الأبيض المتوسط، وأن بلاد

 

اليونان تسيطر على طرفه الثاني، وكان ما ركب من طباع الناس من أقدم الأزمنة من طمع وحرص على الكسب مما يجعل هذه

 

الحال مثارا للحرب بين الأمتين، ولم يكن اليونان ينتظرون لبدء الهجوم إلا أن يقوم بينهم سيد منهم يضم شتاتهم ويؤلف بين قلوبهم.

 

واجتاز الإسكندر مضيق الدردنيل دون أن يلقى مقاومة، ومعه قوة من رجاله، خالها الآسيويون ضئيلة، إذ كانت مؤلفة من

 

ثلاثين ألفاً من المشاة وخمسة آلاف من الفرسان . وحاول جيش فارسي مؤلف من أربعين ألف مقاتل أن يصد جيش الإسكندر

 

عند نهر غرانيقوس، فخسر الفرس في الواقعة عشرين ألف مقاتل، ولم يخسر الجيش اليوناني إلا 115 رجلاً(144). واتجه

الإسكندر جنوباً وشرقاً، يخضع بعض المدائن، ويستسلم له البعض الآخر؛ ودام على ذلك عاماً كاملاً. وجمع دارا الثالث في

 

هذه الأثناء خليطاً من 000ر600 رجل بين جندي ومغامر. وتطلَّب عبورهم نهر الفرات على جسر من القوارب خمسة أيام، كما

 

تطلَّب حمل أموال الملك ستمائة بغل وثلاثمائة جمل(145). ولما تقابل الجيشان عند أسوس، لم يكن مع الإسكندر إلا ثلاثون ألفاً

 

من رجاله، ولكن دارا كان يتصف بكل ما تتطلبه تصاريف الأقدار من غباء، فاختار للقتال ميداناً لا يتسع إلا لجزء صغير من

 

جيشه أن يقاتل اليونان على حين يبقى سائره معطلاً. فلما انتهت المجزرة وجد أن اليونان قد خسروا نحو 450 رجلاً، وخسر

 

الفرس 000ر110 رجل، قتل معظمهم وهم يفرون مذعورين. وطارد الإسكندر الجيوش المهزومة مطاردة طائشة عبر في أثنائها

 

مجرى مائياً على جسر من جثث الفرس(146). وفر دارا من الميدان فرار الأنذال، وترك فيه أمه وزوجة من أزواجه وابنتين

 

وعربة وخيمة مترفة. وعامل الإسكندر السيدات الفارسيات بشهامة أدهشت مؤرخين اليونان، واكتفى بأن تزوج إحدى ابنتي دارا

 

. وإذا جاز لنا أن نصدق ما قاله كونتس كورتيس، فإن أم دارا أحبت الإسكندر حباً لم تر معه بدَّا من أن تقضي على

 

حياتها بالامتناع عن الطعام حين علمت بوفاته(147).

 

وواصل الشاب الفاتح بعدئذ سيره في بطئ، يخيل إلى الإنسان أنه بطئ المستهتر، يريد أن يبسط سلطانه على غرب آسية بأجمعه.

 

غير أن بطأه هذا لم يكن إلا ناشئاً من رغبته في ألا يتقدم قبل أن ينظم فتوحه، ويؤمن مواصلاته. وخرج سكان مدينة بابل على

 

بكرة أبيهم، كما خرج أهل بيت المقدس من قبل، للترحيب به، وقدموا له مدينتهم وما فيها من ذهب؛ فتقبل منهم ما عرضوه في

 

لطف وبشاشة، وسرّهم بأن أمر بإصلاح هياكلهم التي هدمها خشيارشاي من قبل دون تدبر وروية. وأرسل إليه دارا يعرض

 

عليه الصلح، وكان مما عرضه أن يقدم للإسكندر

عشرة آلاف تالنت من الذهب ، إذا رد إليه أمه وزوجته وابنتيه، وأن يزوجه ابنته، وأن يعترف له بالسيادة على جميع بلاد آسية

 

الواقعة في غرب الفرات، وأنه لا يطلب إليه في نظير هذا كله إلا أن يأمر الإسكندر بوقف القتال وأن يتخذه صديقاً له. وقال بارمنيو

 

القائد الثاني لجيوش اليونان أنه لو كان الإسكندر لقبل هذه العروض الطيبة مسروراً بشرفه من شر هزيمة قد تكون ساحقة.

 

فما كان جواب الإسكندر إلا أنه لو كان هو برمنيو لقبل هذه العروض، أما وهو الإسكندر فقد رد على دارا بأن عروضه لا معنى لها،

 

لأنه (أي الإسكندر) يمتلك بالفعل ما يعرضه عليه من بلاد آسية، ولأن في وسعه أن يتزوج ابنة الإمبراطور متى شاء. ووجد دارا

 

أن لا أمل له في عقد الصلح مع هذا المنطق المستهتر، فوجّه همه على كره منه لجمع جيش آخر أكبر من جيشه الأول.

 

وكان الإسكندر في أثناء ذلك قد استولى على صور، وضم مصر إلى أملاكه، ثم اخترق إمبراطوريته العظيمة متجهاً نحو حواضرها

 

النائية. وبعد مسيرة عشرين يوماً بعد بابل وصل جيشه إلى مدينة السوس، واستولى عليها دون أن يلقى مقاومة، ثم تقدم إلى

 

برسبوليس بسرعة لم تمكن حراس الخزائن الملكية من إخفاء ما فيها من أموال. وفيها أتى الإسكندر عملاً يعد وصمة عار في

 

حياته الحافلة بجلائل الأعمال، وأتاه رغم نصيحة برمنيو ليكسب بذلك- كما يقول مؤرخوه- رضاء تييس إحدى سراريه . ذلك أنه

 

أحرق قصور برسبوليس عن آخرها، وأباح لجنوده نهب المدينة. فلما أن رفع روح جنوده المعنوية بما أباح لهم من السلب، وبما

 

أغدقه عليهم من العطايا، اتجه نحو الشمال ليلقى دارا لآخر مرة.

 

وكان دارا قد جمع من الولايات الفارسية- وخاصة من ولاياته الشرقية-

جيشاً جديداً عدته ألف ألف مقاتل(148)- يتألف من فرس، وميديين، وبابليين، وسوريين، وأرمن، وكبادوشيين، وبلخيين، وأرخزيان،

 

وساكى، وهنود. ولم يسلحهم بالقسى والسهام، بل جهزهم بالحراب، والرماح والدروع، وأركبهم الخيل والفيلة والعربات ذات

 

الدواليب التي ركبت فيها المناجل لكي يحصد بها أعدائه حصد الحنطة في الحقول.

 

حشدت آسية العجوز هذه القوة الهائلة لتحاول بها مرة أخرى أن تدفع عن نفسها أوربا الناهضة الفتية. والتقى الإسكندر ومعه

 

سبعة آلاف من الفرسان، وأربعون ألفا من المشاة بهذا الخليط المختل النظام غير المتجانس، ودارت رحى القتال عند كواكميلا .

 

واستطاع بتفوق أسلحته وحسن قيادته وشجاعته أن يبدد شمله في يوم واحد- واختار دارا مرة أخرى أن يفر من الميدان،

 

ولكن قواده ساءهم هذا الفرار المزري للمرة الثانية، فقتلوه غيلة في خيمته. وأعدم الإسكندر من استطاع أن يقبض عليهم من قاتليه،

 

وأرسل جثة دارا مكرمة إلى برسبوليس في موكب حافل، وأمر أن تدفن كما تدفن أجسام الملوك الأكمينيين وسرعان ما انضوى

 

الشعب الفارسي تحت راية الإسكندر إعجابا منه بكرم أخلاقه ونضرة شبابه. ونظم شئون فارس وجعلها ولاية من ولايات الدولة

 

المقدونية، وترك فيها حامية قوية لحراستها، ثم واصل زحفه إلى الهند.

الكتاب الثاني

الهند وجيرانها

الباب الرابع عشر

آساس الهند

الفصل الأول

مكان المسرحية

إعادة كشف الهند - نظرة عجلى إلى الخريطة - المؤتمرات المناخية

ليس ثمة ما يجلل طلب العلم في عصرنا بعارٍ أكثر من حداثة معرفته بالهند ونقص هذه المعرفة، فهاهنا شبه جزيرة فسيحة

 

الأرجاء يبلغ اتساعها ما يقرب من مليوني ميل مربع، فهي ثلثا الولايات المتحدة في مساحتها، وهي أكبر من بريطانيا العظمى-

 

صاحبة السيادة عليها - عشرين مرة، ويسكنها ثلاثمائة وعشرون مليوناً من الأنفس، وهو عدد أكبر من سكان أمريكا الشمالية

 

وأمريكا الجنوبية مجتمعتين، أو هو خُمسُ سكان الأرض جميعاً، وفيها اتصال عجيب في مراحل تطورها وفي مدنيتها من "موهنجو-

 

دارو"، سنة 2900 ق.م أو قبل ذلك، إلى غاندي ورامان وطاغور، ولها من العقائد الدينية ما يمثل كل مراحل العقيدة من الوثنية

 

البربرية إلى أدق عقيدة في وحدة الوجود وأكثرها روحانية، ولها من الفلاسفة من عزفوا مئات الأنغام على وتر التوحيد بادئين

 

من أسفار "اليوبانشاد" في القرن الثامن قبل الميلاد، إلى شانكارا في القرن الثامن بعد الميلاد، ومنها من العلماء الذين تقدموا

 

بالفلك منذ ثلاثة آلاف عام والذين ظفروا بجوائز "نوبل" في عصرنا هذا، ويسودها دستور ديمقراطي لا نستطيع أن نتعقبه إلى

 

أصوله الأولى في القرى، كما سادها في العواصم حكام حكماء خيّرون مثل "أشوكا" و "أكبر" وأنشد لها من الشعراء من تغنى

 

لهم بملاحم عظمى تكاد تعادل هومر في قدم العهد، ومن

يستوقف أسماع العالم اليوم، ولها من رجال الفن من شيدوا لها المعابد الجبارة لآلهة الهندوس، تراها منتشرة من التبت

 

إلى سيلان؛ ومن كامبوديا إلى جاوة، أو مَن زخرفوا القصور الرائعة بالعشرات لملوك المغول وملكاتهم- تلك هي الهند التي يفتح

 

لنا أبوابها البحثُ العلمي الدءوب، كأنها قارة عقلية جديدة يفتتحها البحث العلمي أمام العقل الغربي الذي كان بالأمس يظن

 

أن المدنية نتاج أوربي خالص لا يشاركها فيه بلد آخر .

إن مسرح التاريخ مثلّث كبير تضيق جوانبه تدريجياً من ثلوج الهملايا الدائمة إلى حرارة سيلان التي لم تبرد منذ الأزل،

 

وفي ركن من جهة اليسار تقع فارس التي تشبه الهند الفيدية شبهاً قوياً في أهلها ولغتها وآلهتها، فإذا ما تتبعت الحدود

 

الشمالية متجهاً نحو الشرق، وقعت على أفغانستان، حيث ترى "قندهار"، وهي "جاندهار" قديماً، وفيها التقى النحت اليوناني

 

الهندوسي حيناً ثم افترقا بحيث لا يلتقيان إلى الأبد، وإلى الشمال ترى "كابل" التي أغار منها المسلمون والمغول تلك الإغارات

 

الدموية التي مكنتهم من الهند مدى ألف عام؛ فإذا توغلْت في حدود الهند مسيرة يوم قصير وأنت راكب من "كابل" وصلت

 

"بشاور" التي لا تزال على العهد القديم الذي ألفناه في أهل الشمال؛ وأعني به الميل إلى غزو الجنوب، والْحَظْ كم تقرب الروسيا

 

من الهند عند جبال البامير وممرات هندوكوش، فها هنا سترى كثيراً من المشكلات السياسية يثور؛ وإلى الطرف الشمالي من

 

الهند مباشرة يقع إقليم "كشمير" الذي يدل اسمه نفسه على مجلد تليد ظفرت به صناعات النسيج في الهند وجنوبيها يقع

 

البنجاب، ومعناها (أرض الأنهار الخمسة) بمدينتيه العظيمتين "لاهور" و "شِمْلا" عاصمة الصيف

 

عند سطح الهملايا، ومعناها (بيت الثلج).

 

ويجري نهر السند خلال الجزء الغربي من بنجاب، وهو نهر جبار طوله

ألف ميل، واسمه مشتق من اللفظة الإقليمية التي معناها "نهر" (وهي سندو)، وقد حورها الفرس إلى كلمة "هندو"

 

ثم أطلقوها على الهند الشمالية كلها في كلمتهم "هندوستان" (أي بلاد الأنهار)، ومن هذه الكلمة الفارسية "هندو" نحت

 

الإغريق الغزاة كلمة "الهند" وهي التي بقيت لنا إلى اليوم.

 

وينبع من البنجاب نهرا جمنة والكنج، اللذان يجريان في خطوٍ وتيد، إلى الجنوب الشرقي، أما "جمنة" فيروي العاصمة الجديدة

 

"دلهي" ويعكس على صفحته "تاج محل" عند "أجرا"، وأما نهر الكنج فيزداد اتساعاً كلما سار نحو "المدينة المقدسة

 

" بنارس، ويطَّهر بمائه مائة ألف عابد من عُبَّاده كل يوم، ويخصب بمصباته الاثنى عشر إقليم البنغال والعاصمة البريطانية

 

القديمة كلكتا؛ فإذا ما ازددت إيغالاً في مسيرك ناحية الشرق، ألفيت "بورما" بمعابدها الذهبية في رانجون وطريقها المشرق

 

بشمسه إلى مندلاي، وعد من مندلاي عابراً الهند إلى مطارها الشرقي في كراتشي. تجدك قد قطعت في الهواء طريقاً يكاد يقرب

 

من المسافة التي تقطعها بالطائرة من نيويورك إلى لوس أنجلوس، وإذ أنت في طائرتك عائداً، سترى جنوبي السند إقليم راجبوتانا،

 

وهو الإقليم الذي شهد مدن راجبوت المعروفة ببطولتها، والمشهورة على الدهر، وهي "جواليور" و "شيتور" و "جابور"

 

و "آجمر" و "أورايبور"، وإلى الجنوب والغرب ترى "مكان الرئاسة" أو إقليم بمباي، الذي تموج مدائنه بأهليها: سورات،

 

احمد أباد، بمباي، بونا، وإلى الجنوب والشرق تقع دويلتان متقدمتان يحكمهما حكام وطنيون، وهما حيدر أباد وميسور،

 

بعاصمتيهما الرائعتين المسماتين بهذين الاسمين؛ وعلى الساحل الغربي تقع "جوا"، وعلى الساحل الشرقي تقع "بندشيري"،

 

حيث ترك الغزاة البريطانيون للبرتغاليين وللفرنسيين- على هذا التوالي- بضعة أميال مربعة على سبيل التعويض، وعلى امتداد

 

خليج البنغال تمتد "رئاسة مِدْرَاسْ" بمدينتها مِدْرَاسْ المعروفة بدقة الحكم فيها، مركزاً لها، وبمعابدها الفخمة في اكتئاب عند

 

"نانجور" و "ترتشيفوبولي" و "مادورا" و "رامشفارام" تزين حدودها

الجنوبية، ثم يأتي "جسر آدم"- وهو خط من الجزائر الغائصة في الماء- يأتي بعدئذ فيشير لنا داعياً أن نعبر عليه المضيق

 

إلى سيلان حيث ازدهرت المدينة منذ ستة عشر قرناً، وكل هذه الأرجاء لا تزيد عن جزء صغير من الهند.

 

فلا ينبغي إذن أن ننظر إليها نظرتنا إلى أمة واحدة مثل مصر أو بابل أو إنجلترا، بل لابد من اعتبارها قارة بأسرها فيها

 

من كثرة السكان واختلاف اللغات ما في القارة الأوربية، وتكاد تشبه القارة الأوربية كذلك في اختلاف أجوائها وآدابها وفلسفاتها

 

وفنونها؛ فالجزء الشمالي منها يتعرض للرياح الباردة التي تهب عليه من الهملايا، كما يتعرض للضباب الذي يتكون حين تلتقي

 

هذه الرياح الباردة بشمس الجنوب؛ وفي البنجاب تكونت بفعل الأنهار سهول خصيبة عظيمة لا يدانيها في خصوبتها بلد آخر(4)،

 

لكنك إذا ما توجهت جنوبي وديان تلك الأنهار، وجدت الشمس تحكم حكم المستبد الذي لا يقف استبداده شيء، ولهذا جفت السهول

 

وتعرّت، وتحتاج في زراعتها لكي تثمر، لا إلى مجرد الفلاحة، بل تحتاج من الجهود الشاقة إلى ما يكاد يدنو من العبودية المميتة

 

(5) ولذلك لا يقيم الإنجليز في الهند أكثر من خمس سنوات في المرة الواحدة،، فإذا رأيت مائة ألف إنجليزي يحكمون من الهنود

 

عدداً يكبر عددهم ثلاثة آلاف مرة فاعلم أن سبب ذلك هو أنهم لم يقيموا هناك مدة تكفي لصبغهم بصبغة الإقليم.

 

وتنتشر في أرجاء البلاد هنا وهناك غابات بدائية لم تزل باقية تكوّن خُمْس البلاد، ترتع فيها النمور والفهود والذئاب والثعابين،

 

وفي الثلث الجنوبي من الهند يقع إقليم "دِكن" حيث تزداد حرارة الشمس جفافاً إلا إذا لطفتها نسائم تهب عليها من

 

البحر، لكن الحرارة هي العنصر الرئيسي السائد من

دلهي إلى سيلان، تلك الحرارة التي أضعفت الأبدان، وقصرت الشباب، وأنتجت للناس هناك ديانتهم وفلسفتهم المسالمتين،

 

فليس يخفف عنك هذه الحرارة إلا أن تجلس ساكناً، لا تعمل شيئاً، ولا ترغب في شيء، أو قد تأتي أشهر الصيف فتأتي رياحها

 

الموسمية برطوبة منعشة ومطر مخصب من البحر، فإذا امتنعت الرياح الموسمية عن هبوبها، تضورت

 

الهند بالجوع، وطافت بها أحلام النرفانا.

الفصل الثاني

أقدم المدنيات

الهند قبل التاريخ - موهنجو دارو - عصرها القديم

في العهد الذي كان المؤرخون فيه يفترضون أن التاريخ قد بدأ سَيْره باليونان، آمنت أوربا إيماناً اغتبطت له، بأن

 

الهند قد كانت مباءة وحشية حتى هاجر إليها "الآريون" أبناء أعمام الأوربيين، هاجروا من شُطئان بحر قزوين ليحملوا

 

معهم الفنون والعلوم إلى شبه جزيرة وحشية يكتنفها ظلام الليل، لكن الأبحاث الحديثة قد أفسدت هذه الصورة الممتعة-

 

كما ستغير أبحاث المستقبل من الصورة التي نرسمها على هذه الصفحات، ففي الهند- كما سائر أقطار الأرض- بدايات المدنية

 

دفينة تحت الثرى، ويستحيل على فؤوس البحث الأثري كلها أن تستخرجها جميعاً، فبقايا العصر الحجري القديم تملأ خزانات

 

كثيرة في متاحف كلكتا ومِدْرَاسْ وبمباي، كما وجدت أشياء من العصر الحجري الحديث في كل دولة تقريباً(6)،

 

ومع ذلك فقد كانت هذه ثقافات لم تصبح بعد مدنية.

 

وفي سنة 1924م ارتجت دنيا العلم الجديد مرة أخري بأنباء جاءتها من الهند، إذ أعلن "سير جون مارشال" أن أعوانه

 

الهنود- وبصفة خاصة "ر.د. بانرجي"- قد اكتشفوا عند "موهنجو- دارو" على الضفة الغربية من السند الأدنى- آثاراً من

 

مدنية يبدو أنها أقدم عهداً من أية مدنية أخري يعرفها المؤرخون، فهنالك - كما في "هارابا"

 

على بعد بضع مئات من الأميال

 

ناحية الشمال- أزيلت طبقة من الأرض عن أربع مدن أو خمس بعضها فوق بعض طبقات، فيها مئات من المنازل والدكاكين

 

بنيت بالآجر بناء متيناً، واصطفت على امتداد طرق واسعة حيناً وحارات ضيقة حيناً آخر،

وترتفع حالات كثيرة عدة طبقات، ولنترك "سير جون" يحدثنا عن تقديره لعمر هذه الآثار.

 

"تؤيد هذه الكشوف قيام حياة مدنية بالغة الرقي، في السند (وهو إقليم في "رئاسة بمباي" يقع في أعلى الشمال) والبنجاب

 

خلال الألف الرابعة والثالثة من السنين قبل الميلاد، ووجود آبار وحمامات ونظام دقيق للصرف في كثير من هذه المنازل، يدل

 

على حالة اجتماعية في حياة أهل تلك المدن تساوي على الأقل ما وجدناه في "سومر"، وتفوق ما كان سائداً في العصر نفسه

 

في بابل ومصر.. وحتى "أور" لا تضارع بمنازلها من حيث البناء، منازل موهنجو- دارو"(7).

 

وبين الموجودات في هذه الأماكن آنية منزلية وأدوات للزينة، وخزف مطلي وبغير طلاء، صاغه

 

الإنسان بيده في بعض الحالات

 

وبالعجلة في بعضها الآخر، وتماثيل من الخزف، وزهْر اللعب وشطرنج، ونقود أقدم من أي نقود وجدناها من قبل، وأكثر من ألف

 

ختم معظمها محفور ومكتوب بكتابة تصويرية نجهلها، وخزف مزخرف من الطراز الأول، وحفر على الحجر أجود مما وجدناه

 

في سومر(8) وأسلحة وأدوات من النحاس، ونموذج نحاسي لعربة ذات عجلتين (وهي من أقدم ما لدينا من أمثلة للعربة ذات العجلات)

 

وأساور وأقراط وعقود وغيرها من الحلي المصنوع من الذهب والفضة صناعة- كما يقول مارشال- "بلغت من دقة الإتقان ومهارة

 

الصقل حداً يجعلها صالحة للعرض عند صائغ في شارع بُند (شارع في لندن مشهور بجودة معروضاته) في يومنا هذا، فذلك أقرب

 

إلى المعقول من أن تستخرج من منزل مما قبل التاريخ يرجع إلى سنة 5000 ق.م"(9).

 

ومن العجيب أن الطبقات الدنيا من هذه الآثار أرفع في فنونها من الطبقات العليا- كأنما أقدم هذه الآثار عهداً يرجع إلى مدنية أقدم

 

من مدنية زميلتها في الطبقات العليا بمئات السنين، وقد يكون بآلافها وبعض الآلات هناك

مصنوع من الحجر، وبعضها من النحاس، وبعضها من البرونز، مما قد يدل على أن هذه الثقافة السندية قد نشأت في مرحلة انتقال بين

 

عصر الحجر، وعصر البرونز من حيث المادة التي تصنع منها الآلات(10).

 

وتنهض الدلائل على أن "موهنجو- دارو" كانت في ذروتها حين شيد خوفو الهرم الأكبر، وعلى أنها كانت تتصل مع سومر وبابل

 

بصلات تجارية ودينية وفنية، وأنها ظلت قائمة أكثر من ثلاثة آلاف عام، حتى كان القرن الثالث قبل الميلاد ، ولسنا نستطيع الجزم برأي فيما إذا كانت

"موهنجو- دارو" تمثل أقدم ما كشف عنه الإنسان من مدنيات، كما يعتقد "مارشال"، لكن إخراج ما تكنه الهند في جوفها قد

 

بدأ أمس القريب، فالبحث الأثري لم ينتقل من مصر عبر الجزيرة إلى الهند، إلا في حياتنا، فلما ننكت تربة الهند كما فعلنا بتربة

 

مصر، فربما نجد هناك مدنية أقدم من المدنية التي ازدهرت من غرين النيل .

الفصل الثالث

الهنود الآريون

السكان الأصليون - الغزاة - المجتمع

القروي - نظام الطبقات -المحاربون -

الكهنة - التجار - الصناع - المنبوذون

على الرغم مما تدل عليه آثار السند وميسور من اتصال في تسلسل التاريخ، فإنا نشعر بأن بين ازدهار "موهنجو - دارو"

 

وبين دخول الآريين، فجوة في علمنا، أو ربما كان الأقرب إلى الصواب هو أن علمنا بالماضي فجوة شاءتها المصادفة في جهلنا،

 

وتشتمل آثار السند على خاتم عجيب يتألف من رأسين من رؤوس الثعابين، وهو الرمز المميز لأقدم سكان الهند ممن عرف التاريخ

 

- هؤلاء هم "الناجا" الذين كانوا يعبدون الثعبان، والذين وجدهم الآريون الغزاة قابضين على المناطق الشمالية، والذين لا تزال

 

سلالتهم متلكئة على قيد الحياة في التلال البعيدة(20)، فإذا توغلت ناحية الجنوب، وجدت الأرض التي كان يسكنها عندئذ قوم سود

 

البشرة فطس الأنوف، ويسمون "بالدرافيديين"- ولا نعلم أصل الكلمة - وقد كانوا على شيء من المدنية حين هبط عليهم الآريون،

 

وبحارتهم المغامرون شقوا البحار حتى بلغوا سومر وبابل، وعرفت مدائنهم كثيراً من رقة العيش وأسباب الترف(21)، فيجوز أن

 

الآريين قد استمدوا من هؤلاء الناس نظام الجماعة القروية وملكية الأرض والضرائب(22) ولا يزال "الدكن" إلى يومنا هذا مسكناً

 

رئيسيأ للدرافيديين ومركزاً لعاداتهم ولغتهم وأدبهم وفنونهم.

 

ولم تكن غزوة الآريين لهذه القبائل المزدهرة، وانتصارهم عليها، إلا حلقة

من سلسلة متصلة من الغزوات كانت تقع على فترات منتظمة بين الشمال والجنوب، فينقض الشمال انقضاضاً عنيفاً على الجنوب

 

المستقر الآمن، وقد كان ذلك مجرى من المجاري الرئيسية التي سارت فيها حوادث التاريخ، إذ أخذت المدنيات تعلو على سطحه

 

وتهبط كأنها أدوار الفيضان يعلو عصراً بعد عصر، فالآريون قد هبطوا على الدرافيديين، والآخيّون والدوريّون قد هبطوا

 

على الكريتيِّين والإيجيِّين، والجرمان قد هبطوا على الرومان، واللمبارديون قد هبطوا على الإيطاليين، والإنجليز قد هبطوا على

 

العالم بأسره، وسيظل الشمال إلى الأبد يمد العالم بالحاكمين والمقاتلين، والجنوب يمده بالفنانين والقديسين، فالجنة إنما يرثها الجبناء.

 

فمن هؤلاء الآريون الذين كانوا يضربون في الأرض؟ أما هم أنفسهم فقد استعملوا كلمة "آري" ليعنوا بها "الأشراف"

 

(في السنسكريتية آرياً معناها شريف)، لكن ربما كان هذا الاشتقاق المبنى على النزعة الوطنية أحد الأفكار البَعْدِيَّة التي تُلقي

 

شعاعاً من التهكم المر على علم اللغات ، ومن المرجح جداً أن يكونوا قد جاءوا من تلك المنطقة القزوينية التي كان بنو أعمامهم

 

من الفرس يسمونها "إيريانا فيجو" ومعناها "الوطن الآري" ، وفي نفس

الوقت تقريباً الذي كان الكاسيّون الآريون يكتسحون فيه بابل، كان الآريون الفيديون قد أخذوا يدخلون الهند.

 

وكان هؤلاء الآريون أقرب إلى المهاجرين منهم إلى الفاتحين، شأنهم في ذلك شأن الجرمان في غزوهم لإيطاليا، لكنهم جاءوا

 

ومعهم أجسام قوية، وشهيّة عارمة للطعام والشراب، ووحشية لا تتردد في الهجوم، ومهارة وشجاعة في الحروب، سرعان

 

ما أدت بهم هذه الخصال كلها إلى السيادة على الهند الشمالية، وكانوا يحاربون بالقسىّ والسهام، يقودهم مقاتلون مدرعون

 

في عربات حربية، أدواتهم في القتال هي الفؤوس إن كانوا على مقربة من العدو، والحراب يقذفون بها إن كانوا على مبعدة منه،

 

وكانوا من الأخلاق البدائية على درجة لا تسمح بالنفاق، ولذلك أخضعوا الهند دون أن يدّعوا أنهم يرفعون مستواها، وكل ما

 

في الأمر أرادوا أرضاً ومرعى لماشيتهم، ولم يحيطوا حروبهم بدعوى الشرف القومي، لكنهم قصدوا بالحرب صراحة إلى

 

"رغبة في مزيد من الأبقار"(26) ، وجعلوا خطوة فخطوة يزحفون شرقاً على امتداد نهري السند والكنج،

 

حتى خضعت الهندوستان كلها لسلطانهم.

 

ولما تحولوا من الحرب المسلحة إلى زراعة الأرض واستقرارها طفقت قبائلهم بالتدريج تأتلف لتِكوّن دويلات، كل منها

 

يحكمها ملك يقيده مجلس من المقاتلين، وكل قبيلة يقودها "راجا" أو رئيس يحدد قوته مجلس قبلي، وكل قبيلة تتألف

 

من جماعات قروية مستقل بعضها عن بعض استقلالاً نسبياً، ويحكم الجماعة القروية مجلس من رؤوس العائلات، ويروى

 

عن بوذا أنه قال في سؤاله لمن كان له بمثابة القديس يوحنا: "هل سمعت يا "أناندا" أن الفاجيين يجتمعون عادة ليتشاوروا

 

الأمر قبل الحسم فيه، وأنهم يرتادون الاجتماعات العامة التي تعقدها قبائلهم؟... فما دام الفاجيون يا "أناندا"

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy